إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب البيع [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من حكمة الشريعة أن منعت بيع المعدوم والمجهول والمعجوز عن تسليمه، لما في هذه البيوع من مخاطرة، كما تؤدي إلى الندم والمخاصمة، ويجب أن يكون البيع عن تراض من البائع والمشتري، لذا فقد اشترطت الشريعة شروطاً يجب توافرها فيهما حتى يصح هذا العقد.

    1.   

    تابع شروط صحة البيع

    حكم بيع المعدوم

    تقدم لنا شيء من أحكام البيع، وذكرنا من ذلك تعريفه في اللغة والاصطلاح، وذكرنا حكمه، وما الأصل في المعاملات، وما الدليل على ذلك، وأيضاً تطرقنا لشيء من شروط صحته، وما الذي يصح بيعه، وما الذي لا يصح بيعه.. آخره.

    ثم قال المؤلف رحمه الله: (ولا بيع معدوم كالذي تحمل أمته أو شجرته).

    يقول المؤلف رحمه الله: لا يصح بيع المعدوم، كما لو باعه ما تحمل أمته من الولد، عنده أمة يملكها، وولد هذه الأمة إذا لم يكن من السيد فإنه يكون رقيقاً، وعلى هذا يصح بيع الرقيق، لكن لو قال: بعتك ما تحمل أمتي.

    فيقول المؤلف رحمه الله: هذا غير صحيح؛ لأن ما تحمله أمته هذا مجهول لا ندري هل تحمل بذكر أو أنثى؟ وهل تحمل بواحد أو اثنين؟ وهل يكون سليماً أو معيباً؟ وهل يكون حياً أو ميتاً؟ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (لا يصح).

    وكذلك أيضاً لو باعه ما تحمل شجرته، قال: بعتك ما تحمل الشجرة أو النخل هذا العام من الثمار، فيقول المؤلف رحمه الله: لا يصح، والعلة في ذلك أنه بيع مجهول، فنحن لا ندري ما تحمل الشجرة، هل تحمل قليلاً أو كثيراً؟ وهل يكون سليماً أو معيباً.. إلى آخره؟

    ويستدل لهذا أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع المعاومة)، وبيع المعاومة هو أن يبيعه ثمرة سنتين يعني: أن يبيعه ثمرة عامين.. إلى آخره، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المعاومة.

    وذكر ابن القيم رحمه الله أن بيع المعدوم لم يرد في الشريعة النهي عنه على سبيل الإطلاق، يعني: ليس كل معدوم ينهى عن بيعه؛ ولهذا يصح السلم، والسلم بيع معدوم، النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال عليه الصلاة والسلام: من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم ) تقول للفلاح: أعطيتك ألف ريال، على أن تعطيني بعد سنة مائة صاع من التمر، حتى الآن النخيل لم تحمل تمراً، فهذا نوع من بيع المعدوم، فنقول: بيع المعدوم لم يرد النهي عنه على سبيل الإطلاق، بل فيه تفصيل، تضمن جهالة وغرراً فإنه يمنع منه، كما مثل المؤلف: لو قال: بعتك ما تحمل شاتي، ما ندري هل تحمل شاته بواحد أو اثنين؟ وهل تحمل بذكر أو أنثى؟ وهل تحمل بمعيب أو سليم إلى آخره؟ نقول: لا يصح، وإن لم يتضمن جهالة وغرراً فنقول: بأنه صحيح كما في بيوع السلم، فيصح أن تقول لشخص: أسلفتك ألف ريال وتعطيني بعد سنة من البُر، حتى الآن ما زرعت الأرض، تقول مثلاً: من نتاج العام القادم، ألف ريال تعطيني تمراً من نتاج العام القادم، عام ألف وأربعمائة وست وعشرين، حتى الآن ما حملت الثمار ما حملت الأشجار، فيصح هذا، فنقول: بأن بيع المعدوم -كما أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله- لم يرد في الشرع النهي عنه مطلقاً، فنقول: بيع المعدوم هذا فيه تفصيل كما تقدم.

    تقدم لنا شيء من شروط صحة البيع، القدرة على التسليم، أن يكون المبيع موجوداً، والثمن معلوم، ملك للبائع، وتكلمنا عن تصرف الفضولي، وأن يكون مباحاً، ومن شروط صحة البيع: أن يكون المبيع معلوماً.

    قال المؤلف رحمه الله: (أو مجهول كالحمل والغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته).

    تكلمنا على ذلك وقلنا: بأنه يشترط أن يكون المبيع معلوماً، وذكرنا الدليل على ذلك، وذكرنا كلام أهل العلم في ذلك، وخلاف الحنفية في هذه المسألة، فلا حاجة إلى إعادة التكرار، فالحمل لا يصح بيعه؛ لأنه مال مجهول لا ندري هل هو ذكر أو أنثى؟ واحد أو متعدد؟ سليم أو معيب؟ حي أو ميت.. إلى آخره؟

    والغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته، أيضاً إذا كانت السلعة غائبة، ولم يوصف لك، ولم ترها، كسيارة مثلاً، اشتريت سيارة زيد من الناس، لم يذكرها بالوصف، ولم تر هذه السيارة، فيقول المؤلف رحمه الله: بأنه لا يصح هذا البيع، وسبق أن ذكرنا كلام أبي حنيفة أنه يصح أن يشتري شيئاً لم يره ولم يوصف له، وله خيار الرؤية، وهذا القول صواب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أنه يصح أن يشتري شيئاً لم يره ولم يوصف له، مثلاً اشترى سيارة، قال زيد: بعتك سيارتي بعشرة آلاف ريال، قال: قبلت، فيصح أن يشتري هذه السيارة التي لم يرها ولم توصف له، ونقول: بأن له خيار الرؤية.

    الشرط الخامس: القدرة على تسليمه

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا معجوز عن تسليمه كالآبق والشارد والطير في الهواء والسمك في الماء].

    هذا الشرط الخامس من شروط صحة البيع، وهو أن يكون المبيع مقدوراً على تسليمه، وعلى هذا لا يصح أن تبيع شيئاً وأنت لا تقدر عليه، ومثّل المؤلف رحمه الله فقال: كالآبق، يعني كالرقيق الآبق، إنسان عنده رقيق آبق، لا يصح أن يبيعه.

    والشارد يعني كالجمل الشارد، إنسان عنده جمل أو له جمل شارد لا يصح أن يبيعه.

    والطير في الهواء والسمك في الماء؛ لأن الطير في الهواء والسمك في الماء هذان غير مقدور على تسليمهما، والدليل على أنه لا يصح بيع الذي لا يُقدر على تسليمه أن الله عز وجل قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90] .

    وإذا كان لا يقدر على تسليم المبيع فهذا داخل في الميسر؛ لأن الإنسان يقدم على هذه المعاملة وهو إما غانم أو غارم، فمثلاً هذا رجل عنده جمل شارد، هذا الجمل قبل أن يشرد كم قيمته؟ نفرض أن قيمته تساوي ألف ريال، الآن شرد الجمل كم يساوي وهو شارد؟ يعني عندك الآن جملان، جمل الآن موجود عندك وجمل شارد تبغي تبيعه، الجمل الموجود عندك هذا بألف ريال، طيب الشارد هذا الذي أراد الناس أن يشترو، كم يدفعون فيه؟ لا إشكال أقل، فرق بين جمل عندك وجمل شارد، فإذا كانت قيمته وهو موجود يساوي ألف ريال، فإن قيمته وهو شارد يمكن يساوي مائة أو مائتين فقط، فالمشتري الآن يدخل وهو مخاطر، إن وجده ربح ثمانمائة، ما وجده خسر مائتين، فالمشتري الآن يدخل وهو مخاطر مقامر، هذا الميسر في المعاملات، إن تمكن منه فإنه رابح غانم، وكسب ثمانمائة، ما تمكن منه فإنه يخسر مائتين، على هذا نقول: لا يجوز بيع الشارد والآبق.

    بيع المسروق والمغصوب

    ومثل ما سبق أيضاً المسروق، إنسان له سيارة سرقت، السيارة قبل أن تسرق تساوي عشرة آلاف ريال، لكن الآن سرقت يمكن يبيعها بألفين، يقول: أنا كسبان، والمشتري الآن مغامر، إن بحث عنها ووجدها سيربح ثمانية آلاف ريال، فإن لم يجدها سيخسر ألفين.

    مثله أيضا المغصوب، المغصوب إنسان له أرض، جاء ظالم وغصبها، أخذ الأرض هذه، أو له مزرعة وجاء ظالم وأخذ المزرعة غصباً، المغصوب هذا يبيعها، هذه المزرعة أو هذه الأرض قبل الغصب قد تساوي مائة ألف، لكن الآن غُصبت هذه الأرض، هذه الأرض الآن غصبت، بكم تساوي وهي مغصوبة؟ بدل ما هي بمائة ألف الآن تساوي بعشرة آلاف ريال، فنقول: ما يصح؛ لأن المشتري الآن يدخل وهو مخاطر، إما غانم أو غارم، فنقول: لا يصح، هذا هو الميسر، وذكرنا الدليل على ذلك.

    وأيضاً من الأدلة على ذلك حديث أبي هريرة في صحيح مسلم (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر)، وهذا من بيع الغرر، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    والرأي الثاني في المسألة: أنه يصح أن تبيع المسروق والمغصوب والجمل الشارد والرقيق الآبق، يصح أن تبيعهم في حالة واحدة: إذا ظن المشتري أنه يستطيع أن يخلص هذا الشيء ممن غصبه أو سرقه، أو ظن أنه يستطيع أن يجد هذه السلعة المباعة، فقالوا: بأنه يصح؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، العلة هي الغرر، والغرر الآن منتفٍ هذا المشتري يستطيع أنه يذهب ويحصل هذا الرقيق الآبق، يستطيع أنه يأتي به، يستطيع بقدرته بعد قدرة الله عز وجل أنه يبحث عن هذا الجمل، عنده آلات عنده أعوان، يستطيع أنه يبحث عن هذا الجمل ويحضره، وهذا القول هو الصواب.

    نقول: الصحيح أنه إذا كان المشتري يستطيع أن يحصل هذا الآبق أو الشارد، فنقول: بأن البيع حكمه صحيح، ويدل لهذا قول المؤلف رحمه الله: [ولا بيع المغصوب إلا لغاصبه، أو من يقدر على أخذه منه].

    هذا مما يدل لما ذكرنا من الرأي الثاني، إنسان عنده أرض، وجاء ظالم وغصب هذه الأرض، فيقول المؤلف رحمه الله: يصح إنك تبيع الأرض هذه على الغاصب، ما فيه غرر الآن، الغاصب هي تحت يده، أو من يقدر على تحصيل هذه الأرض من الغاصب، إنسان أقوى من الغاصب، يستطيع أن يأخذ هذه الأرض من الغاصب، فيصح أن تبيعها عليه.

    وعلى هذا الأشياء التي لا تكون تحت قدرة المالك نقول: يصح للمالك أن يبيعها في حالتين:

    الحالة الأولى: إذا كان المشتري عنده القدرة على تحصيلها أو تخليصها.

    الحالة الثانية: إذا باعها على نفس الغاصب أو السارق ونحو ذلك.

    إذا ظن الإنسان أنه يقدر على تحصيلها واشتراها، ثم لم يتمكن، وما الحكم؟ إنسان ظن أن هذا الذي هرب يستطيع أنه يأتي به، قال: بِعْهُ علي، أنا أستطيع أن آتي به، ثم لم يتمكن، ما الحكم هنا؟

    نقول: يثبت له الخيار، نقول: لك الخيار بين الإمضاء أو الفسخ، وحينئذ لا يكون هناك ضرر أو غرر على المشتري، وفي هذا فرصة أو فرج.

    بعض الناس قد يكون عنده أرض ثمينة، ثم يأتي شخص ويتسلط عليها ويسرقها، أو يغصبها، إذا قلنا: ما يجوز تبيعها مشكلة؛ لأنها الآن خرجت ولا يقدر عليها. لكن إذا قلنا: يجوز تبيعها لإنسان يستطيع يخلصها، إنسان أقوى منه يستطيع أن يخلصها لك، الحمد لله، أو تبيع على السارق نفسه.

    هذا الظالم الذي قام بالغصب أو بالسرقة أو بالنهب تبيعها عليه، نقول: الحمد لله. هذا فيه فرج.

    فأصبح كما تقدم بيع الذي لا يدخل تحت قدرة المالك يصح في حالتين:

    الحالة الأولى: إذا باع على شخص يقدر على تحصيلها أو تخليصها.

    والحالة الثانية: إذا باعها على نفس الغاصب أو السارق أو نحو ذلك.

    بيع الطير في الهواء والسمك في الماء

    قال المؤلف رحمه الله: (والطير في الهواء والسمك في الماء).

    يقول: لا يصح بيع الطير في الهواء؛ لأن فيه غرراً قد لا يرجع، والصواب في ذلك التفصيل في المسألة، إذا كان هذا الطير يألف الرجوع فلا بأس أن تبيعه، مثلاً إنسان عنده حمام، هذا الحمام يخرج من أوكاره في الصباح ويعود في المساء، فنقول: لا بأس أن تبيعه ما دام أنه يخرج في الصباح، وألِفَ الرجوع، لا بأس أن تبيعه وهو في السماء قد خرج، تبيع ثنتين ثلاث.. إلى آخره قد خرجت؛ لأنها تألف الرجوع، فنقول: بيع الطير في الهواء إذا كان يألف الرجوع حكمه جائز ولا بأس به.

    السمك في الماء، أيضاً هذا فيه تفصيل، إن كان بمكان محوز بحيث نتمكن من أخذه فلا بأس، يعني عندنا بِركة فيها أسماك نتمكن من أخذها، نقول: لا بأس، أما إذا كان بمكان غير محوز ما نتمكن من أخذها، كالنهر والبحر فهذا نقول: لا يجوز.

    حكم بيع غير المعين

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا بيع غير معين كعبد من عبيده أو شاة من قطيعه إلا فيما تتساوى أجزاؤه، كقفيز من صبرة].

    هذه المسألة بمعنى الاستثناء في البيع، ما حكم الاستثناء في البيع؟

    نقول: الاستثناء في البيع ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يكون مُشاعاً، كيف مشاع؟ يقول: بعتك الأرض إلا نصفها، جزء معلوم مشاع، بعتك السيارة إلا ربعها، بعتك المزرعة إلا ثلثها، وما الحكم هنا؟ نقول: هذا بيع صحيح؛ لأنه ما فيه غرر، تشتري أنت نصف الأرض كما لو تشتري عليه نصف الأرض، ما فيه غرر، تكون شريك له في البيت.. في السيارة.. في الكتاب.. إلى آخره، فنقول: القسم الأول: أن يكون المستثنى مشاعاً معلوماً، والمشاع هو الجزء الشائع.

    القسم الثاني: أن يكون المستثنى معيناً، يقول مثلاً: بعتك هذه السيارات إلا هذه السيارة، أو بعتك هذه الكتب إلا هذا الكتاب، أو هذه الأقلام إلا هذا القلم، ما الحكم هنا؟ صحيح أو ليس صحيحاً؟ نقول: صحيح، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ولا بيع غير معين)، يفهم منه أنه إذا كان معيناً إنه جائز، قال: بعتك هذه الكتب إلا هذا الكتاب، أو بعتك هذه الأقلام إلا هذا القلم، أو هذه السيارات إلا هذه السيارة، نقول: بأن هذا جائز ولا بأس به.

    القسم الثالث: أن يكون المستثنى غير معين، مثل لو قال: بعتك السيارات إلا سيارة، ما ندري ما هي السيارة التي استثنى، بعتك السيارات إلا سيارة، بعتك الكتب إلا كتاباً، ما ندري ما هذا الكتاب، بعتك الأثواب إلا ثوباً، بعتك الأقلام إلا قلماً، ما الحكم هنا؟ هل يصح أو لا يصح؟

    كلام المؤلف أنه لا يصح، قال: (ولا بيع غير معين، كعبد من عبيده أو شاة من قطيعه إلا فيما تتساوى أجزاؤه كقفيز من صبرة)، نقول: لا يصح بيع غير المعين إلا إذا كان المبيع متساوي في القيمة، أو متقارب القيمة، هذا لا بأس، إذا كان المبيع متساوي القيمة أو متقارب، فنقول: لا بأس، مثلاً عنده خمس سيارات كلها تاريخ الإنتاج واحد، والجنسية واحدة.. إلى آخره، وقال: إلا سيارة، نقول: لا بأس، ما دام أن القيم متساوية أو متقاربة، مثلاً عنده أقلام، هذه الأقلام كلها على جنس واحد، مثل هذا القلم، فقال: بعتك إلا قلماً واحداً، يصح أو لا يصح؟ يصح؛ لأنه لا غرر هنا.

    أو مثلاً عنده كتب طباعتها واحدة، وما تبحث فيه واحد، فقال: إلا هذا الكتاب، نقول: بأن هذا صحيح.

    المهم إذا كان المستثنى غير معين نقول هذا فيه تفصيل، إن كان المبيع متساوي القيم أو متقارب فهذا لا بأس، أما إذا كان غير متساوي القيم ما يصح.

    باعه عشر سيارات هذه بمائة ألف، وهذه بخمسين ألف، وهذه بعشرة آلاف ريال، وقال: إلا سيارة، ما ندري هل المستثنى التي بمائة أو التي بخمسين أو التي بعشرين أو التي بثلاثين أو التي بعشرة.. إلى آخره؟ لا ندري، نقول: هذا لا يصح.

    ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (إلا فيما تتساوى أجزاؤه كقفيز من صبرة)، القفيز معيار من معايير الكيل، والصبرة يعني الكوم من الطعام، فلو مثلاً قال: بعتك هذا الطعام البر والرز إلا صاعاً، يصح أو لا يصح؟ صحيح، ما فيه غرر، أو إلا مُداً أو قفيزاً من المد أو قفيزاً من هذا الطعام، نقول: هذا صحيح ولا بأس به.

    الشرط السادس: أن يكون العاقد جائز التصرف

    الشرط السادس: أن يكون العاقد جائز التصرف، وجائز التصرف مَن جمع أربع صفات:

    الصفة الأولى: الحرية، والثانية: العقل، والثالثة: البلوغ، والرابعة: الرشد، الحرية والعقل والبلوغ والرشد، نأخذ هذه الصفات واحدة واحدة.

    الصفة الأولى: البلوغ، غير البالغ ما يصح بيعه ولا شراؤه، غير البالغ الصبي، هذا لا يصح بيعه ولا شراؤه، إلا أنه استثنى العلماء رحمهم الله مسألتين يصح تصرف الصبي المميز فيها:

    المسألة الأولى: إذا كان تصرفه في الأمور اليسيرة عرفاً، يعني بيعه وشراؤه في الأمور اليسيرة عرفاً، فهذا لا بأس، فالصبي الذي له سبع سنوات أو عشر سنوات في البقالة أو في المكتبة يبيع ويشتري، هذا بريال وهذا بريالين وهذا بثلاثة، هذه أمور يسيرة عرفاً، هذا جائز.

    ورد أن أبا الدرداء اشترى من صبي عصفوراً فأطلقه، فنقول: الأمور اليسيرة عرفاً جائز أن يتصرف فيها.

    المسألة الثانية التي يصح تصرف الصبي فيها: إذا راهق، يعني قارب البلوغ، فإنه لا بأس أن يؤذن له في بعض المعاملات التي لها خطر، إذا راهق يعني قارب البلوغ، لا بأس أن وليه يأذن له في بعض المعاملات التي لها خطر؛ للمصلحة، لكي ننظر هل رشد أو لم يرشد؟ فإن كان رشد دفعنا إليه ماله بعد رشده بعد بلوغه، وإن لم يرشد حبسنا المال، ويدل لهذه الحالة قول الله عز وجل: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء:6]، ابتلوا. اختبروا، اليتامى، من هو اليتيم؟ الذي مات أبوه ولم يبلغ، فدلّ ذلك على أنه يُختبر ويدفع له، وهو حتى الآن لم يبلغ، فنقول: لا بأس هنا، إذا لم يبلغ نختبره بأن ندفع إليه معاملة أو معاملتين يبيع حتى لو كان له خطر، يبيع ويشتري ننظر هل رشد أو لم يرشد؟ الإذن له هنا للمصلحة، فإذا تبين أنه رشيد يحسن التصرف في ماله دفعنا إليه ماله بعد البلوغ، كما قال الله عز وجل: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء:6].

    الصفة الثانية: الحرية، الرقيق لا يصح تصرفه؛ لأنه مال، الرقيق المملوك هذا لا يصح تصرفه؛ لأنه مال، فلا يصح تصرفه إلا بالإذن، لا يصح أن يتصرف في قليل ولا كثير إلا إذا أذن له سيده، فإن أذن له سيده بالتصرف صح في القليل وفي الكثير؛ لأنه بالغ عاقل وهو مكلف، ما يبقى إلا الإذن، فإذا أذن له سيده صح.

    الصفة الثالثة: العقل، يخرج المجنون، المجنون فاقد العقل، أيضاً المجنون ما يصح تصرفه، المعتوه ناقص العقل، الفرق بين المجنون والمعتوه: المعتوه ناقص عقله فيه نقص، المجنون فاقد العقل، المجنون هذا العلماء رحمهم الله يقولون: إذا كان معه إدراك فحكمه حكم الصبي المميز.

    الصفة الرابعة: الرشد، الرشيد هو الذي يحسن التصرف في ماله، غير الرشيد هو الذي لا يحسن التصرف في ماله، وهذا سيأتينا في باب الحجر وبيان ضابطه.

    المهم الذي لا يحسن التصرف في ماله هذا يسمى عند العلماء سفيه يحجر عليه، لا يحسن التصرف في ماله، هذا سفيه يحجر عليه، هذا لا يصح تصرفه، لا بيعه ولا شراؤه، اللهم إلا الأمور اليسيرة، الأمور اليسيرة هذه لا بأس، ما عداه فإنه لا يصح.

    الشرط السابع: التراضي

    الشرط السابع: التراضي، الرضا شرط في كل العقود ليس خاصاً في عقد البيع، بل نقول: بأنه شرط في كل العقود، ودليل ذلك قول الله عز وجل: لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء:29] ، وأيضا قول الله عز وجل: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29]، وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما البيع عن تراض)، وأيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يحلبن أحد شاة أحد إلا بإذنه)، وأيضاً: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)، إلا إذا كان الإكراه بحق، إذا كان الإكراه بحق فإنه لا يشترط الرضا، فمثلاً هذا الرجل عليه دين فأكرهه القاضي على أن يبيع ماله لكي يوفي الدين الذي عليه، مثلاً عنده سيارتان، يجب أن يبيع إحدى السيارتين لكي يوفي الدين الذي عليه، أو أكرهه القاضي لكي ينفق على زوجته وأولاده، ما الحكم هنا؟ جائز، ونقول: هذا إكراه بحق.

    1.   

    البيوع المنهي عنها

    بيع الملامسة والمنابذة وبيع الحصاة

    قال المؤلف رحمه الله: [فصل: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الملامسة وعن المنابذة وعن بيع الحصاة وعن بيع الرجل على بيع أخيه].

    الملامسة والمنابذة من بيوع الجاهلية، كانت موجودة في الجاهلية قبل البعثة، فجاء الإسلام وأبطلها، ويدل لهذا ما في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسة والمنابذة).

    وما هي الملامسة؟ وما هي المنابذة؟

    الملامسة ذكر العلماء رحمهم الله لها تفاسير، من هذه التفاسير أن يقول: أي ثوب لمسته فهو عليك بكذا، يعني بمائة ريال مثلاً، هذا لا يصح، لماذا؟ لأن فيه غرراً، قد يلمس ثوباً كبيراً، قد يلمس ثوباً صغيراً، قد يلمس ثوباً معيباً، المهم نحن لا يعنينا المثال، يعنينا الضابط، ما هو الضابط؟ النهي عن الغرر، هذا الضابط، البعد عن الغرر، فليس المقصود النهي عن الملامسة لذات الملامسة، لا، المقصود كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر).

    أيضاً المنابذة، ما هي المنابذة؟ يقول: أي ثوب نبذته إليك فهو عليك بكذا وكذا، قد ينبذ ثوباً كبيراً، قد ينبذ ثوباً صغيراً.. إلى آخره، أيضاً هذا ليس المقصود هنا المثال، المقصود الضابط، وأن المقصود بذلك الغرر، فإذا تضمن غرراً فنقول: لا يجوز، وأيضاً هذا من الميسر؛ لأن الإنسان يدخل وهو إما غانم أو غارم في مثل هذه المعاملات.

    قال: (وعن بيع الحصاة) أيضاً بيع الحصاة هذا من بيوع الجاهلية، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة)، واختلف العلماء رحمهم الله في تفسير ذلك، ما هو بيع الحصاة؟

    قال بعض العلماء: أن يقول: أي ثوب ضربته بهذه الحصاة فهو عليك بكذا، يرمي الحصاة، وأي ثوب وقعت عليه هذه الحصاة فهو عليك بكذا، قد تقع على هذا الذي يساوي مائة، وقد تقع على هذا الذي يساوي عشرة، هذا أيضاً غرر وميسر.

    أو يقول: بعت عليك من الأرض بمقدار ما تصل إليه هذه الحصاة التي رميت بها، مثلاً يقول: لك من هذه الأرض بمقدار ما تصل إليه هذه الحصاة التي ضربت بها بألف ريال، أو بألفين.. إلى آخره، هذا أيضاً فيه غرر، قد تكون الرمية قوية، قد تكون ضعيفة، قد يقصر في الرمية، قد يصير فيها غش تدليس، المهم فيه غرر هنا، ما ندري هل تصل إلى مائة متر إلى مائة وخمسين متراً إلى أقل إلى أكثر فنقول: بأن هذا حكمه غير صحيح، فلابد من انتفاء الغرر، أما مع وجود الغرر فنقول: بأن هذا غير صحيح.

    بيع الرجل على بيع أخيه

    قال المؤلف رحمه الله: [وعن بيع الرجل على بيع أخيه].

    وهذا دليله قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا يبع بعضكم على بيع بعض)، وهذا في الصحيحين، وبيع الرجل على بيع أخيه له صورتان:

    الصورة الأولى: في الكمية، كأن يقول شخص لشخص آخر: بعتك السيارة بعشرة فيأتي شخص ويقول: أبيعك مثلها بثمانية، هذا في الكمية، هذا ما يجوز.

    في الكيفية يقول: أبيعك سيارة قيمتها عشرة تاريخ الإنتاج عام ألف وأربعمائة وخمس وعشرين، يأتي شخص ويقول: أبيعك سيارة مثلها بعشرة تاريخ إنتاجها ألف وأربعمائة وست وعشرون، هذه جديدة، وهذه أقل منها جودة، أو مثلاً يقول: بعتك هذا البر هذا الصاع من البر بعشرة ريالات، وهو متوسط، فيأتي شخص ويقول: أبيعك صاعاً من البر بعشرة وهو جيد، هذا في الكيفية، المهم إذا كان في الكمية أو في الكيفية لا يجوز.

    متى يكون التحريم؟

    المشهور من المذهب أن التحريم يكون في زمن الخيارين، وهما: خيار المجلس وخيار الشرط؛ لأنه في زمن الخيارين يتمكن من الفسخ، أما بعد زمن الخيارين ما يتمكن من الفسخ.

    نقول: التحريم في زمن الخيارين، لماذا؟ لأنه في زمن الخيارين: خيار المجلس وخيار الشرط، يتمكن من الفسخ، ماعدا ذلك ما يتمكن من الفسخ.

    ففي خيار المجلس هم الآن في المجلس قال: بعتك السيارة بعشرة، قال واحد للمشتري: أبيعك مثلها بتسعة، تم البيع الآن، قال: بعتك السيارة بعشرة، قال: قبلت، وانتهوا، ثم جاء شخص باع على بيعه بعد أن تم العقد، قال: أبيعك مثل السيارة بتسعة، يمكن يفسخ مع الأول وإلا ما يفسخ مع الأول؟ ما دام أنه في خيار المجلس يتمكن من الفسخ مع الأول ويعقد مع الثاني الذي باعه بتسعة.

    ولا بد أن نفرق بين البيع على البيع، والسوم على سومه، هنا تم البيع، قال: بعتك السيارة بعشرة، قال: قبلت وانتهوا، ثم جاء شخص وهم في المجلس قال: أبيعك مثلها بتسعة، فيذهب ويفسخ مع الأول ويعقد مع الثاني.