إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب المناسك [17]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجوز للناسك أن ينتفع بجلد الأضحية، ولا يجوز له أن يبيع شيئاً من أعضائها وجلدها، ويستحب له أن يأكل من هديه إذا كان تطوعاً، ومن نذره إن كان لوجه الله، وإذا كان الهدي واجباً فلا يجوز الأكل إلا في هدي المتعة والقران.

    1.   

    الأكل من الأضحية والانتفاع بجلدها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن أكل أكثرها جاز. وله أن ينتفع بجلدها ولا يبيعه ولا شيئاً منها، فأما الهدي فإن كان تطوعاً استحب له الأكل منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل جزور ببضعة فطبخت، فأكل من لحمها وحسا من مرقها، ولا يأكل من واجبٍ إلا من هدي المتعة والقران. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا من بشرته حتى يضحي ).

    باب العقيقة:

    وهي سنة عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة تذبح يوم سابعه، ويحلق رأسه ويتصدق بوزنه ورقاً، فإن فات يوم سابعه ففي أربعة عشر، فإن فات ففي إحدى وعشرين، وينزعها أعضاءً ولا يكسر لها عظماً، وحكمها حكم الأضحية فيما سوى ذلك ].

    فقد تقدم لنا بم يتعين كل من الهدي والأضحية؟ وذكرنا أنهما يتعينان بالقول وبالفعل، وهل يتعينان بالنية أم لا؟ وذكرنا أيضاً جملةً من الأحكام المترتبة على تعين الهدي والأضحية، ثم بعد ذلك تقدم أن ذكرنا أن السنة أن يأكل من الأضحية ثلثاً وأن يهدي ثلثاً، وأن يتصدق بثلثٍ، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، وقال: أذهب إلى فعل عبد الله ، أي: عبد الله بن مسعود ، فإنه أمر أن يأكل الثلث وأن يهدي إلى أخيه عتبة بالثلث، وأن يتصدق بالثلث.

    والرأي الثاني -قال به الشافعي في القديم- أنه يأكل نصفاً ويتصدق بالنصف الآخر؛ لقول الله عز وجل: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28] .

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن أكل أكثرها جاز].

    يعني: الأضحية لو أنه أكلها كلها، أو أكل أكثر الأضحية، يقول المؤلف رحمه الله بأن هذا جائز ولا بأس به، لكن قال العلماء رحمهم الله: يجب عليه أن يتصدق بأوقية أو قدر أوقية، والأوقية: تساوي من الدراهم الفضة وزنها أربعين درهماً، وكل عشرة دراهم تساوي سبعة دنانير.. فأربعون درهماً كم يساوي بالدنانير؟ يساوي ثمانية وعشرين ديناراً، والدينار مثقال، والمثقال وزنه بالغرامات أربعة وربع، فتضرب ثمانية وعشرين بأربعة وربع.. كم الناتج؟ مائة وتسعة عشر غراماً، يعني: عشر كيلو وخمس العشر، أي: إذا أكلها كلها أو أكثرها يجب عليه أن يتصدق بعشر كيلو من اللحم وخمس العشر، أي: بمقدار مائة وتسعة عشر غراماً؛ فيشتري لحماً بمائة وتسعة عشر غراماً ويتصدق به.

    قال المؤلف رحمه الله: [وله أن ينتفع بجلدها، ولا يبيعه ولا شيئاً منها].

    هذا تقدم الكلام عليه، عندما تكلمنا على ما تتعين به الأضحية، وذكرنا ما يتعلق بالجلد، وأنه ليس له أن يبيعه ولا أن يعطيه الجزار مقابل أجرته، ولا أن يعطي الجزار شيئاً من اللحم مقابل أجرته.

    1.   

    الأكل من الهدي

    قال المؤلف رحمه الله: [فأما الهدي إن كان تطوعاً استحب له الأكل منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل جزور ببضعة فطبخت، فأكل من لحمها وحسا من مرقها].

    مشروعة الأكل من الهدي

    يستحب للحاج أن يأكل من الهدي، سواء كان تطوعاً أو واجباً، فالواجب كهدي المتعة أو القران، والتطوع: كأن اعتمر ثم أهدى للحرم، أو حج مفرداً وأهدى للحرم، فيستحب له أن يأكل، أو أنه ذبح فوق الواجب.. أي: كان متمتعاً فذبح شاتين، أو كان قارناً فذبح شاتين ونحو ذلك، نقول: يستحب له أن يأكل من هذا الهدي.

    ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة، وأمر من كل بدنة بقطعة من اللحم، فوضعت في قدر فأكل من هذا اللحم وشرب من المرق؛ لأن المرق يختلط، فإذا شرب من هذا المرق فكأنه شرب من كل مرق لحم هذه الجزور، وأكل من اللحم.. فهو لا يتمكن أن يأكل مائة قطعة، لكن أكل من بعض القطع وشرب من المرق، فشربه من المرق هذا بمنزلة أكله من كل الجزور، فيستحب للإنسان إذا أهدى أن يأكل من الهدي.. إن كان هدي متعة أو قران أو تطوع، بأن زاد على هدي المتعة والقران، أو كان مفرداً أو كان معتمراً وأهدى، فيستحب له أن يأكل منه.

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يأكل من واجبٍ إلا من هدي المتعة والقران].

    هذه مسألة مهمة: ما هو الذي يأكل منه، وما هو الذي لا يأكل منه؟

    نقول: هذا ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: الأضحية، فالأضحية يستحب الأكل منها ولو كانت منذورةً، أي: لو نذر أن يضحي.. فالأضحية هنا تكون واجبة بالنذر، فيستحب له أن يأكل من الأضحية، وهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم.. وهدي الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقد تقدم قول المؤلف رحمه الله: (يأكل ثلثاً ويتصدق بثلث ويهدي ثلثاً).

    القسم الثاني: هدي المتعة يأكل منه، ولهذا قال المؤلف: (ولا يأكل من واجبٍ إلا من هدي متعة وقران).

    القسم الثالث: هدي القران، وهذا يأكل منه، ويدل لهذين القسمين فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان قارناً، ومع ذلك أهدى وأكل من هديه، فكذلك أيضاً المتمتع.

    القسم الرابع: ما ذبح نذراً.. والمنذور غير الأضحية.. والأضحية تقدم الكلام عليها، لكن ما ذبح نذراً، نقول: هذا فيه تفصيل وهو نوعان:

    النوع الأول: إن كان هذا النذر لله عز وجل، مثلاً قال: لله عز وجل أن أذبح شاةً، أو: إن شفى الله مريضي ذبحت لله شاةً ونحو ذلك، فنقول: هذا لا يجوز له أن يأكل منه؛ لأنه أخرجه لله عز وجل، وكل شيءٍ أخرجه الإنسان لله عز وجل فإنه ليس له أن يأكل منه.

    النوع الثاني من أنواع المنذور: ألا يقصد بالنذر وجه الله عز وجل، وإنما يقصد به الفرح والسرور، فيقول: إن نجحت ذبحت شاةً، ويقصد بذلك فرحاً وسروراً أن يأكلها هو وأهله ونحو ذلك، فهذا له أن يأكل، وحكمه حكم النذر المباح: له أن يوفي به وله أن يترك التوفية به، ويكفر عن ذلك كفارة يمين.

    القسم الخامس: هدي التطوع، فهدي التطوع له أن يأكل منه؛ لما تقدم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    القسم السادس: الهدي الذي ذبحه لفعل محظور أو ترك واجب، أو بسبب الإحصار.. فالهدي الذي ذبحه لفعل محظور من المحظورات، مثلاً: إذا حلق رأسه فهو مخير بين أن يذبح شاةً أو أن يصوم ثلاثة أيام، أو أن يطعم ستة مساكين، فإذا ذبح شاةً نقول: هذه الشاة التي ذبحتها لفعل محظور من محظورات الإحرام ليس لك أن تأكل منها.

    أما الذبح لترك واجب.. فإن ترك واجباً من واجبات الحج، مثل رمى الجمار، فنقول: بأنه ليس له أن يأكل من ذلك.

    أما الذبح للإحصار فإن أحصر، أي: منع من إتمام النسك -والمحصر كما سبق لنا: يجب عليه أن يذبح هدياً- نقول: ليس له أن يأكل من ذلك.

    القسم السابع: الهدي إذا ساقه ثم عطب، أي: مرض الهدي ونحو ذلك.. ولم يتمكن من السير، فإنه ليس له أن يأكل منه ولا رفقته، فرفقته ليس لهم أن يأكلوا منه.

    القسم الثامن والأخير: العقيقة، وهذه حكمها حكم الأضحية، وقد تقدم لنا في الأضحية: أنه يأكل ثلثاً، ويهدي ثلثاً، ويتصدق بثلث.

    1.   

    العقيقة

    قال المؤلف رحمه الله: [باب العقيقة].

    تعريف العقيقة ومشروعيتها

    العقيقة في اللغة: الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين الولادة، هكذا قال الأصمعي رحمه الله، وأنكر الإمام أحمد رحمه الله تفسير الأصمعي وقال: العقيقة الذبح نفسه.

    وأما في الاصطلاح: فهي ما يذبح من الغنم شكراً لله عز وجل على نعمة الولد.

    والأصل في العقيقة: السنة، كما سيأتينا إن شاء الله في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وحديث سمرة رضي الله تعالى عنه، وحديث أم كرز وغير ذلك من الأحاديث التي سيأتي بيانها إن شاء الله.

    تسمية العقيقة

    قول المؤلف رحمه الله تعالى: (العقيقة).

    هل هذه التسمية صحيحة أو ليست صحيحة؟ أي: تسمية هذه البهيمة التي تذبح عن الغلام، أو تذبح شكراً لله عز وجل على نعمة الولد، هل هذه التسمية صحيحة، أو نقول: بأنها ليست صحيحة؟ للعلماء في ذلك قولان:

    قال بعض العلماء: يكره تسمية هذه الذبيحة بالعقيقة، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العقيقة فقال: لا أحب العقوق ) وهذا أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وإسناده حسن.

    وقالوا: بأنها تسمى: نسيكة، ولا تسمى عقيقة.

    وقال بعض العلماء: لا بأس أن تسمى بالعقيقة؛ لحديث سمرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كل غلامٍ مرتهن بعقيقته ). وقال ابن القيم رحمه الله: التحقيق أنه يكره هجر الاسم المشروع واستبداله باسم العقيقة، وأما لو استعمل الاسم المشروع، وأحياناً تسمى بالعقيقة فلا بأس، يعني: ابن القيم رحمه الله يقول: الغالب أنها تسمى بالنسيكة، وفي بعض الأحيان لا بأس أن تسمى بالعقيقة، ويقول: بهذا تتفق الأحاديث.

    حكم العقيقة

    قوله: [وهي سنة]:

    أفاد المؤلف رحمه الله عن حكم العقيقة، وأن حكمها سنة، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وهذا القول وسط بين قولين: فالظاهرية يقولون بالوجوب، والحنفية يقولون بعدم المشروعية.. أي أنها لا تشرع، والجمهور يقولون بأنها سنة، والقول بأنها سنة هو أصح وهو وسط.

    أما الذين قالوا بأنها غير مشروعة، فاستدلوا كما تقدم بحديث عبد الله بن عمرو : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن العقيقة، قال: لا أحب العقوق ) وهذا الحديث -كما تقدم- إسناده حسن.

    وأما الذين قالوا بأنها واجبة فاستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها، والأصل في الأمر الوجوب، كما في حديث سلمان بن عامر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى ) وهذا رواه البخاري ، فقول النبي عليه الصلاة والسلام: (فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى) هذا أمر، وأيضاً حديث سمرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كل غلامٍ مرتهن بعقيقته ) والمرتهن يحتاج إلى فكاك.

    والأقرب في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وهو وسط بين القولين.

    فوائد العقيقة

    والعقيقة لها فوائد، وقد أطال ابن القيم رحمه الله في كتابه: (تحفة المودود بأحكام المولود) في فوائد العقيقة، فذكر رحمه الله بعضاً من فوائد العقيقة:

    الفائدة الأولى: أنها قربان عن المولود في أول خروجه إلى الدنيا، والمولود ينتفع بهذا القربان كما ينتفع بالدعاء.

    الفائدة الثانية: أنها تفك رهان المولود؛ لأن المولود مرتهن.

    الفائدة الثالثة: أنها فدية يفدى بها المولود، كما فدى الله سبحانه وتعالى إسماعيل بالكبش، وكان أهل الجاهلية يفعلونها قبل الإسلام ويسمونها: عقيقة، ويلطخون رأس الصبي بدمها، فأبطل الله عز وجل ذلك، إلى آخر ما ذكره ابن القيم رحمه الله.

    وقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( كل مولودٍ مرتهن بعقيقته ) ما معنى الارتهان هنا؟

    الرأي الأول: ما قاله الإمام أحمد رحمه الله: أنه مرتهن عن الشفاعة لوالديه.. أي: محبوس عن الشفاعة لوالديه حتى يعق عنه، وكذا قال عطاء رحمه الله تعالى.

    الرأي الثاني: أن معنى (مرتهن بعقيقته): أن العقيقة سبب من أسباب حسن خلق الصبي، أي: إذا ذبحت عنه العقيقة فإن هذا سبب من أسباب حسن خلقه، فكأنه محبوس عن محاسن الأخلاق حتى يعق عنه، فإذا عق عنه كان ذلك سبباً من أسباب حسن خلقه.

    العقيقة عن الغلام والجارية

    قوله: [عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة].

    أفاد المؤلف رحمه الله أنها عن الغلام شاتان، وأما الجارية فشاة، ودليل ذلك حديث أم كرز الكعبية : أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة ) وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم وإسناده صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقت ذبح العقيقة

    قال المؤلف رحمه الله: [تذبح يوم سابعه].

    السنة أن تذبح يوم سابعه، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    والرأي الثاني: مذهب الحسن البصري ، وكذلك أيضاً الإمام مالك رحمه الله: أنه لا يحسب يوم الولادة، فالجمهور يقولون: تذبح في اليوم السابع، وهو مذهب الإمام أحمد والشافعي أنه يحسب يوم الولادة، فمثلاً إذا ولد صباح يوم السبت أو الظهر أو العصر قبل غروب الشمس، فإننا نحسب يوم الولادة، فنقول: السبت والأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة.. فتذبح يوم الجمعة، وإذا ولد بعد غروب الشمس فإننا نحسب من يوم الأحد.. فإذا ولد قبل الغروب فإننا نحسب ذلك اليوم، وإذا ولد بعد الغروب فإننا نحسب من اليوم الذي بعده، هذا ما عليه الشافعية والحنابلة.

    أما المالكية، وكذلك أيضاً ذهب إليه الحسن البصري قالوا: بأن يوم الولادة غير محسوب، وعلى هذا إذا ولد في يوم السبت، فمتى تذبح على رأي المالكية والحسن البصري ؟ فلو ولد يوم السبت فإنها تذبح يوم السبت ولا نحسب يوم السبت الأول.

    والصواب في ذلك: ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، وأن يوم الولادة يحتسب، خلافاً لما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله.

    ثم هل ذبحها يوم السابع على سبيل الوجوب، أم ليس على سبيل الوجوب؟ أي: لو أخرت عن اليوم السابع فهل تجزئ أو لا تجزئ؟ فالشافعية والحنابلة قالوا: بأنها تجزئ، مثلاً: لو ذبحها في اليوم العاشر أو في اليوم الحادي عشر أو العشرين أو بعد شهرٍ أو شهرين، أما ابن حزم والحسن البصري فقالا: بأنها لا تجزئ.

    فالذين قالوا بأنها تجزئ حتى لو ذبحت بعد اليوم السابع، استدلوا: بأن سبب الذبح -وهو الولادة- موجود، والذين قالوا بأنها لا تجزئ، استدلوا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تذبح عنه يوم سابعه ). فالذين قالوا بأنها تجزئ قالوا: بأن السبب لا يزال موجوداً، فهو مخاطب بها الآن، والذين قالوا بأنها لا تجزئ، قالوا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تذبح عنه يوم سابعه ).

    والصواب في هذه المسألة: أنها مجزئة حتى بعد اليوم السابع؛ لأن السبب لا يزال موجوداً.. ما هو سبب الذبح؟ هو الولادة، أي: نعمة الله عز وجل على العبد بالولد، وهذا السبب لا يزال موجوداً، والنعمة هذه لا تزال موجودة، فالسبب لا يزال قائماً، فنقول: ما دام أن السبب لا يزال قائماً فإنه لا يزال مخاطباً.

    لكن لو ذبحت قبل اليوم السابع، فهل تجزئ أو لا تجزئ؟ نقول: نعم تجزئ؛ لأن السبب لا يزال موجوداً، فالسبب الذي هو نعمة الله على العبد بالولد موجود الآن، لكن السنة للإنسان أن يذبح في اليوم السابع.

    والحكمة أنه إذا مرت عليه سبعة أيام فقد مرت عليه أيام الدنيا، فهذا فيه تفاؤل بسلامة المولود وأنه يعيش بإذن الله عز وجل.

    من سنن العقيقة

    قال المؤلف رحمه الله: [ويحلق رأسه ويتصدق بوزنه ورقاً].

    الورق: هو الفضة، وقوله: (يحلق رأسه) هذا دليله حديث سمرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كل غلامٍ مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق رأسه ويسمى ) وهذا أخرجه أهل السنن وهو صحيح.

    وأيضاً حديث سلمان بن عامر في البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مع كل غلامٍ عقيقة، فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى ) فقال: (أميطوا عنه الأذى) فنقول: يستحب حلق رأس الذكر، ويتصدق بوزنه ورقاً، قال الإمام أحمد رحمه الله: إن فاطمة رضي الله تعالى عنها حلقت رأس الحسن والحسين وتصدقت بوزن شعرهما ورقاً.

    هل هذا الحلق خاص بالذكر، أو نقول: بأنه يشمل الذكر والأنثى؟ العلماء رحمهم الله يقولون: بأنه خاص بالذكر، أما الأنثى فإنه لا يحلق شعر رأسها؛ لأنه مثلة؛ ولأن استقراء الأدلة الشرعية: أن المرأة لا تحلق، ولهذا في الحج ورد حديث ابن عمر : ( ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير ) فالمرأة ليس لها الحلق، وعلى هذا نقول: بأن الذكر هو الذي يحلق رأسه، أما الأنثى فلا يحلق رأسها.

    فوات يوم السابع دون ذبح

    قال المؤلف رحمه الله: [فإن فات يوم سابعه ففي أربعة عشر، فإن فات ففي إحدى وعشرين].

    يقول المؤلف رحمه الله: إذا لم يذبح في اليوم السابع فإنه يذبح في اليوم الرابع عشر.. فإذا لم يذبح في اليوم الرابع عشر فإنه يذبح في اليوم الحادي والعشرين، أما إذا لم يذبح في اليوم الحادي والعشرين، قالوا: لا تعتبر الأسابيع بعد ذلك، فيعق في أي يومٍ أراد.

    أي: أن تذبح في اليوم السابع، فإن لم يكن ففي اليوم الرابع عشر، فإن لم يكن ففي اليوم الحادي والعشرين، وهذا ورد فيه حديث بريدة في البيهقي : ( تذبح لسبعٍ، ولأربع عشرة، ولإحدى وعشرين ) وهذا الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقالوا أيضاً: أنه ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وهذا أخرجه الحاكم وصححه .

    وعلى كل حال: لم يثبت في ذلك شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ورد أثر عن عائشة رضي الله تعالى عنها: في اليوم السابع، فإن لم يكن ففي أربعة عشرة، فإن لم يكن ففي إحدى وعشرين. وقلنا: هذا أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه، فينظر في هذا الأثر، إن كان هذا الأثر ثابتاً عن عائشة فإنه يصار إليه، ويقال: بأنه يستحب؛ لوروده عن عائشة رضي الله تعالى عنها، فإن لم يثبت فالأصل أنه لا يعتبر بعد السابع؛ لظاهر السنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تذبح عنه يوم سابعه ) فإن ذبحت اليوم السابع وإلا ذبحت في أي وقت.

    كراهية كسر عظم العقيقة

    قال المؤلف رحمه الله: [وينزعها أعضاءً ولا يكسر لها عظماً].

    تنزع جدولاً، أي: أعضاءً، ولا يكسر لها عظماً، وهذا أيضاً ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: (تقطع جدولاً ولا يكسر لها عظماً، فيأكل ويطعم ويتصدق في اليوم السابع، فإن لم يكن ففي أربعة عشرة، فإن لم يكن ففي إحدى وعشرين)، أي: قالوا بأنه تقطع ولا تكسر العظام تفاؤلاً له بالسلامة، ورد ذلك عن عائشة رضي الله تعالى عنها كما تقدم.

    وهذا الأثر عن عائشة -كما قلنا-: أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، فإن كان ثابتاً فالأمر لا بأس أنه يقال بما ذكرت عائشة ، وإن لم يكن ثابتاً فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عنه ذلك.

    وذكر شيخ الإسلام : أن كل شيءٍ وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله فتركه هو السنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم تركه سنة كما أن فعله سنة.

    الفرق بين الأضحية والعقيقة

    قال المؤلف رحمه الله: [وحكمها حكم الأضحية فيما سوى ذلك].

    أي: حكم العقيقة حكم الأضحية، فيما يجزئ ويستحب ويكره، والأكل والهدية والصدقة، لكن فرقوا بين الأضحية والعقيقة بفروق:

    الفرق الأول: أن العقيقة يباع جلدها ورأسها وسواقطها ويتصدق بثمن هذه الأشياء.

    الفرق الثاني: أن العقيقة لا يجزئ فيها التشريك، فلو ذبح بدنةً فإنه لا يذبح إلا بدنةً كاملة، ولو ذبح بقرةً فإنه لا يذبح ولا يجزئ إلا بقرة كاملة، أما الأضحية يصح لو ذبح بدنة، فهذا له سبع بدنة، وهذا له سبع هدي، وهذا له سبع أضحية، وهذا يريد اللحم، نقول: بأن هذا يجزئ، لكن العقيقة لا بد أن يكون ذلك كاملاً، لماذا العقيقة لا بد أن يكون كاملاً؟ لأنها فداء عن نفس، والفداء إنما يكون فداء نفس بنفس، فجزء النفس لا يكون فداء لنفس، أي: لا يكون فداء لنفس إلا نفس كاملة.

    الفرق الثالث: أنها تنزع جدولاً، ولا يكسر لها عظم.

    الفرق الرابع: أنها تذبح في اليوم السابع.

    العقيقة من غير الغنم

    هل تجزئ العقيقة من غير الغنم كالإبل والبقر، أو لا تجزئ؟ هذا موضع خلاف، فأكثر أهل العلم أن هذا مجزئ، أي: لا بأس أن يذبح بعيراً عقيقة، أو يذبح بقرةً عقيقة.

    وذهب بعض العلماء بأن هذا غير مجزئ؛ لأنه إنما ورد في السنة الغنم فقط: الضأن أو المعز، وما عدا ذلك فإنه لا يجزئ.

    عقيقة الإنسان عن نفسه

    هل يعق الإنسان عن نفسه أو لا؟

    نقول: الأصل في العقيقة أنها سنة في حق الأب، وأن المخاطب بها الأب، لكن نص العلماء رحمهم الله على أنه إذا لم يعق الأب وعقت الأم أو عق الجد أو هو عق عن نفسه فإن هذا مجزئ إن شاء الله، وإلا الأصل أنها سنة في حق الأب، وأن الأب هو المخاطب بها، وقد ورد في البيهقي لكنه لا يثبت: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد البعثة ).

    العقيقة عمن مات قبل يوم السابع

    لو مات المولود قبل اليوم السابع؟ فنقول: بأن العقيقة تشرع إذا نفخت فيه الروح، حتى ولو كان حملاً ولم يولد، فإذا نفخت الروح في الجنين في بطن أمه، ثم سقط بعد نفخ الروح فيه، فهذا يغسل ويكفن ويصلى عليه ويقبر في مقابر المسلمين ويسمى وتذبح عنه العقيقة، فالعبرة بنفخ الروح، أي: إذا تم له أربعة أشهر فإن الروح تنفخ فيه.. ويرسل إليه الملك، ولو سقط بعد نفخ الروح فيه، نقول: نغسله ونكفنه ونصلي عليه ويسمى، ويقبر في مقابر المسلمين ويعق عنه، وتجب ديته وهي غرة.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.