إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب المناسك [16]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما كان مخصياً أو مجبوباً جاز الأضحية به، والسنة في الإبل النحر معقولة اليد اليسرى، والذبح بالنسبة للبقر والغنم، والسنة في الدعاء أن يقتصر بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ووقت الذبح يبدأ من بعد صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق، وتتعين الأضحية أو الهدي

    1.   

    الخصي في الأضحية

    قال المؤلف رحمه الله: [وتجزئ الجماء والبتراء والخصي، وما شقت أذنها أو خرقت أو قطع أقل من نصفها].

    وهذا تقدم أن تكلمنا عليها فيما يتعلق بالجماء، وذكرنا أن الجماء: هي التي لم يخلق لها قرن، فهذه تجزئ باتفاق الأئمة.

    قوله: (والبتراء) أيضاً البتراء: هي التي لا ذنب لها خلقةً أو مقطوعاً، وذكرنا أن البتراء تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون المبتور ذنباً، كما في الإبل والبقر والغنم فهذه تجزئ.

    والقسم الثاني: أن يكون المبتور إليةً، فهذه ذكرنا فيها التفصيل.

    قوله: (والخصي).

    الخصي: هو ما قطعت خصيتاه، فهذا يجزئ.

    ويدل لذلك حديث أبي رافع رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين موجوءين ) يعني: مخصيين، وهذا رواه الإمام أحمد رحمه الله؛ ولأن الإخصاء يزيد في سمن البهيمة وطيب لحمها.

    والخصي ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ما قطعت خصيتاه فقط، فهذا يجزئ.

    القسم الثاني: أن يكون خصياً مجبوباً، يعني: قطعت خصيتاه وقطع أيضاً ذكره، فجمع بين قطع الخصيتين وبين قطع الذكر، فهل يجزئ أو لا يجزئ؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه إذا كان خصياً مجبوباً أنه لا يجزئ، والأقرب في ذلك الإجزاء؛ لأننا سبق أن ذكرنا أن الذي لا يجزئ هو ما دل عليه حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، وما كان في معنى تلك العيوب التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم.

    قوله: (وما شقت أذنها أو خرقت أو قطع أقل من نصفها).

    تقدم الكلام على العضباء، وأن العضباء: هي التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها، وهل يجزئ أو لا يجزئ؟ تقدم الكلام على هذه المسألة، وذكرنا أن الصواب في هذه المسألة أنه مجزئ ولا بأس به.

    1.   

    ذبح الأضحية

    كيفية ذبح الأضحية

    قال المؤلف رحمه الله: [والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى].

    يدل لذلك القرآن والسنة:

    أما القرآن فقول الله عز وجل: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ [الحج:36] أي: قياماً على ثلاث قوائم.

    وأيضاً قول الله عز وجل: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا [الحج:36] وهذا يدل على أنها قائمة، فقوله: (وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) يعني: سقطت على جنبها، فهذا مما يدل على أنها قائمة.

    ومن السنة حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أنه أتى على رجلٍ قد أناخ راحلته فنحرها، فقال: ابعثها قياماً مقيدةً سنة محمد صلى الله عليه وسلم ).

    قوله: [وذبح البقر والغنم على صفاحها].

    يعني: البقرة تذبح ذبحاً، ويدل لذلك قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67] وأيضاً حديث أنس رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين ) وفي رواية: ( أقرنين ) قال: ( فرأيته واضعاً قدمه على صفاحهما، يسمي ويكبر فذبحهما بيده )، وهذا أخرجه البخاري في صحيحه.

    ما يقال عند الذبح

    قال المؤلف رحمه الله: [ويقول عند ذلك: بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك ولك].

    قوله: (يقول: باسم الله، والله أكبر).

    هذا كما تقدم في حديث أنس رضي الله تعالى عنه، قال: ( فرأيته واضعاً قدمه على صفاحهما يسمي ويكبر ) والتسمية شرط من شروط صحة التذكية، لحديث رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ) فاشترط النبي صلى الله عليه وسلم للحل شرطين: الشرط الأول إنهار الدم، والشرط الثاني ذكر اسم الله عز وجل، وأما التكبير فسنة.

    قوله: (اللهم هذا منك ولك).

    أيضاً يقول المؤلف رحمه الله: يستحب أن يقول عند الذبح: اللهم هذا منك ولك، ومعنى قوله: (هذا منك ولك) أي: هذا من فضلك ونعمتك لا من حولي ولا قوتي، ولك التقرب لا إلى من سواك، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذبح، قال: باسم بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ) رواه مسلم.

    فالأحسن للمسلم أن يقتصر على السنة، وأن يقول: باسم الله، كما ورد، ويقول: الله أكبر، ويقول: اللهم تقبل من فلان ومن آل فلان، هذا هو الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأما قول: (اللهم هذا منك ولك) فهذا لا أعرف فيه سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الثابت كما أسلفنا، هو قول: ( اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ).

    صفات ذابح الأضحية

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم، وإن ذبحها صاحبها فهو أفضل].

    بالنسبة للذابح الأفضل أن يتولى صاحبها ذبحها، ويدل لهذا كما تقدم في حديث أنس قال: ( فرأيته واضعاً قدمه على صفاحهما يسمي ويكبر )، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي تولى ذبح الأضاحي وتولى ذبح الهدايا، فذبح بيده ثلاثاً وستين بدنة، فالأفضل للإنسان أن يتولى الذبح بنفسه إن كان يحسنه، لعدة أمور:

    الأمر الأول: أن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أنس السابق، وحديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح بيده ثلاثاً وستين بدنة ).

    الأمر الثاني: أن هذا الذبح عبادة يؤجر عليها الإنسان، فكون الإنسان يتولى الذبح بنفسه فهذه عبادة يؤجر عليها.

    الأمر الثالث: أن الإنسان إذا تولى الأمر بنفسه فإنه يكون أكثر طمأنينة إلى تحقق الشروط الشرعية في هذه العبادة مما لو وكل غيره، فهو يتحقق من التسمية ويتحقق من إنهار الدم.

    فإن تولاها بنفسه قلنا: هذا هو الأفضل، أما إذا كان لا يحسن ذلك، أو كان معذوراً ونحو ذلك فإنه يوكل.

    التوكيل في الأضحية

    قوله: [ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم].

    إذا وكل فإن هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يوكل مسلماً، فهذا التوكيل صحيح بالاتفاق، وإذا وكل مسلماً فإنه يستحب أن يشهدها ويحضرها إذا لم يتولاها بنفسه.

    الأمر الثاني: أن يوكل كتابياً، يعني: ممن تحل ذبيحته كاليهودي والنصراني، وهذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، هل تصح تذكية الكتابي للأضحية أو لا تصح؟ هذا فيه ثلاثة آراء للعلماء:

    الرأي الأول: أنها تصح؛ لأن الكتابي من أهل التذكية، فإذا ذبح الأضحية فإن هذا جائز ولا بأس به، ولأن الكافر يتولى ما يكون قربةً كبناء المسجد، فهذا لا بأس.

    الرأي الثاني: أنه لا تجزئ تذكية الكتابي، وهذه رواية عن الإمام أحمد رحمه الله.

    الرأي الثالث: وهو رواية للإمام أحمد أنه لا يجزئ تذكية الكتابي للإبل خاصة، وما عدا ذلك فإنه مجزئ.

    1.   

    وقت ذبح الأضحية

    قال المؤلف رحمه الله: [ووقت الذبح يوم العيد بعد صلاة العيد].

    هذا هو الشرط الرابع من شروط صحة التذكية، ذكرنا شروطاً:

    الشرط الأول: أن يكون ذلك من بهيمة الأنعام.

    والشرط الثاني: السن المعتبر شرعاً.

    والشرط الثالث: السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء.

    وهذا هو الشرط الرابع من شروط صحة التذكية: وهو أن يكون الذبح في وقته المعتبر شرعاً، إذا ورد له حد من الشارع فيشترط أن يكون في وقته المعتبر شرعاً، فما هو وقت ذبح الأضحية؟

    آراء العلماء في وقت الذبح

    قوله: (ووقت الذبح يوم العيد بعد صلاة العيد).

    هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة : أن ذبح الأضاحي يبدأ يوم العيد من بعد صلاة العيد.

    والرأي الثاني: مذهب الشافعي رحمه الله: أنه من بعد مضي قدر الصلاة، سواء صلى الإمام أو لم يصل.

    الرأي الثالث: مذهب مالك رحمه الله: أنه من بعد ذبح الإمام، فأشدها مذهب مالك ، ويقابله مذهب الشافعية، والمذهب الوسط مذهب الحنابلة والحنفية، فالحنابلة والحنفية يقولون: من بعد الصلاة، وهذا ظاهر، فإذا صليت فابدأ الذبح.

    والرأي الثاني لا يقيد بالصلاة وإنما إذا مضى قدر الصلاة، سواء صلوا أو لم يصلوا، فمثلاً: صلاة العيد يدخل وقتها بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، فإذا مضى قدر الصلاة كأن طلعت الشمس وارتفعت قيد رمح ومضى قدر الصلاة، وقدر الصلاة مثلاً: ثلث ساعة، فإذا مضى ثلث ساعة بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح فما الحكم هنا؟ يقولون: بأن الوقت قد دخل، حتى ولو كان الناس يصلون، المهم إذا مضى قدر الصلاة بعد دخول وقتها فالشافعية رحمهم الله يرون أن الذبح قد حل.

    ولكل منهم دليل، أما الذين قالوا: بأن الذبح يبدأ من بعد الصلاة، فاستدلوا بحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعل فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء )، هذا في الصحيحين.

    وحديث البراء ظاهر، ومثله أيضاً حديث جندب البجلي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى ) وهذا في الصحيحين.

    أما الشافعية فيستدلون على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب الذبح على فعل الصلاة، والمراد الزمن، بدليل أهل البوادي الذين لا يصلون مع أن عندهم صلاة عيد، فماذا يعتبرون؟ قالوا: هذا دليل على أن المعتبر هو مضي الزمن.

    أما رأي مالك رحمه الله فإنه يستدل على هذا بحديث جابر رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم يوم النحر بالمدينة، فسبقهم رجال فنحروا، وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم كل من نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحر حتى ينحر النبي صلى الله عليه وسلم )، وحديث جابر في مسلم .

    والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الحنابلة والحنفية: وأن الأمر معلق بفعل الصلاة، وأما حديث جابر هذا فأجاب عنه النووي رحمه الله وغيره: أن المراد بذلك الزجر عن التسرع إلى الذبح الذي قد يؤدي إلى الذبح قبل الوقت.

    وأما دليل الشافعية وأنه المعتبر الزمن بدليل من لا يصلي، فهذا ضعيف، ونقول: هذا اجتهاد في مقابلة النص، ولا اجتهاد مع النص، فتبين لنا أن وقت ذبح الأضحية يبدأ من بعد فعل الصلاة.

    هذا بالنسبة لمن يصلي، أما بالنسبة لمن لا يصلي كأهل البوادي أو القرى الذين ليس عندهم عيد فهؤلاء يقدرون، فإذا مضى قدر الصلاة فإنهم يذبحون، فإذا قلنا: بأن الصلاة تستغرق ثلاثين دقيقة، أو عشرين دقيقة، فإذا مضى قدر الصلاة فإنهم يذبحون.

    وقال بعض العلماء -كما قال الإمام مالك رحمه الله-: بأنهم يذبحون من بعد ذبح أقرب الأئمة إليهم، فينظرون من أقرب الأئمة إليهم ويذبحون بذبحه.

    والصواب في ذلك: ما ذهب إليه أهل الرأي الأول وهو قول الحنابلة: أن المعتبر بذلك مضي قدر الصلاة، وأيضاً هو قول الشافعية، لكن الشافعية يضيفون على ذلك يقولون: إن المعتبر مضي قدر الصلاة والخطبة، والحنفية يقولون: بعد طلوع الفجر الثاني، والرأي الأخير رأي مالك : أنه بعد ذبح أقرب الأئمة إليه، والأقرب في ذلك ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله.

    مدة ذبح الأضحية

    قال المؤلف رحمه الله: [إلى آخر يومين من أيام التشريق].

    فتكون مدة الذبح ثلاثة أيام: يوم العيد ويومان بعده، فأيام الذبح ثلاثة، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله، واستدلوا على ذلك بأن الله عز وجل قال: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ [الحج:28] والأيام المعلومات جمع، وأقل الجمع ثلاثة: يوم العيد ويومان بعده، فدل ذلك على أن أيام الذبح تكون ثلاثة أيام.

    والرأي الثاني: مذهب الشافعي واختاره شيخ الإسلام وابن القيم : أن أيام الذبح أربعة وليست ثلاثة، يوم العيد وثلاثة أيامٍ بعد يوم العيد، واستدلوا على ذلك بحديث نبيشة الهذلي رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيام التشريق أيام أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله عز وجل ) فقال: (وذكرٍ لله عز وجل) ومن ذكره ذكره عند الذبح: التسمية والتكبير، وقول: اللهم تقبل، وأيام التشريق ثلاثة، بالإضافة إلى يوم العيد فتكون أربعة، وقال ابن القيم رحمه الله: بأن أيام التشريق تتحد أحكامها، فيحرم فيها الصيام ويشرع فيها الرمي بعد الزوال، ويشرع فيها البيتوتة بمنى في تلك الليالي، فلا يبقى إلا الذبح.

    والذبح كما قلنا: أكثر أهل العلم يقولون بأن الذبح في اليوم الأول والثاني، واليوم الثالث من أيام التشريق لا يوجد ذبح، فيقول ابن القيم رحمه الله: الذبح أيضاً كسائر الأحكام، كما أن هذه الأيام لا صيام فيها، وهذه الأيام فيها الرمي وفيها التكبير وفيها البيتوتة بمنى ليالي أيام التشريق، فكذلك أيضاً يكون فيها الذبح.

    وورد أيضاً في حديث جبير بن مطعم أنه قال: ( كل أيام التشريق ذبح )، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد رحمه الله، لكنه مرسل.

    وعلى كل حال: فالصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية : أن أيام التشريق كلها يذبح فيها، وعلى هذا تكون الأيام للذبح أربعة: يوم العيد وثلاثة أيام بعدها.

    الذبح في ليالي أيام التشريق

    الذبح في ليالي أيام التشريق هل يكره أو لا يكره؟ أما الإجزاء فإنه مجزئ، لكن هل يكره أو لا يكره؟

    أكثر أهل العلم على الكراهة، يعني: الذين يقولون يكره أن يذبح في الليل، ويستدلون على ذلك بحديث عطاء بن يسار : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الذبح بالليل ) وهذا رواه ابن حزم وهو ضعيف ولا يثبت.

    وعلى هذا نقول: الصواب في هذه المسألة أنه لا كراهة، كما ذهب إليه ابن حزم وقال به بعض الحنابلة، لكن الأفضل أن يذبح نهاراً، فالذبح نهاراً هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، والأفضل أن يذبح يوم العيد؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ما تتعين به الأضحية والهدي

    قال المؤلف رحمه الله: [وتتعين الأضحية بقوله: هذه أضحية، والهدي بقوله: هذا هدي، وإشعاره وتقليده مع النية].

    بم يتعين الهدي والأضحية؟ نقول: بأن الأضحية والهدي كل منهما يتعين بأمور:

    الأمر الأول: القول، بأن يقول: هذا هدي، أو يقول: هذه أضحية، أو يقول: هذا لله عز وجل، فإنه يتعين بذلك.

    الأمر الثاني: الفعل، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وإشعاره وتقليده) الإشعار: هو أن يشق جانب السنام الأيمن من الإبل أو البقر، والتقليد: أن يعلق في عنق البهيمة شيء ليدل على أنها هدي، فالتقليد والإشعار سنة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم لهما، لكن التقليد ليس خاصاً، فالتقليد يكون في الإبل وفي البقر وفي الغنم، وأما الإشعار فإنه خاص بالإبل والبقر، أما الغنم والضأن فلا إشعار فيها؛ لأن الشق هذا يستتر بالصوف والشعر، بخلاف البقر وخلاف الإبل، هذان أمران.

    الأمر الثالث: النية حال الشراء أو السوق، فإذا نوى حال شرائه أنه أضحية، أو نوى حال الشراء أنه هدي، فهل يكون أضحيةً وهدياً، أو نقول: لا يكون أضحيةً وهدياً؟ يعني: اشترى الشاة هذه وهو ينوي أنها أضحية، ولم يقل: هذه لله، أو هذه أضحية، أو اشتراها على أنها هدي، أو ساقها على أنها هدي ونوى بذلك، فهل تتعين بذلك أو لا تتعين؟ هذا موضع خلاف.

    الرأي الأول: وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنها لا تتعين بهذا، بل لا بد من القول أو الفعل كما تقدم، ولا تكفي النية.

    والرأي الثاني: أنها تتعين بذلك وهذا اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وبه قال أبو حنيفة .

    والصواب في هذه المسألة: أنه إذا اشتراها بنية الأضحية أنها لا تتعين، كما لو أخرج دراهم ونوى التصدق بها ثم رجع، نقول: بأن هذا جائز ولا بأس بذلك.

    1.   

    الأحكام المترتبة على تعيين الهدي والأضحية

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يعطي الجزار بأجرته شيئاً منها].

    لما تكلم المؤلف رحمه الله عم يتعين به الهدي أو الأضحية، ذكر بعض الأحكام المترتبة على هذا التعين، يعني: إذا حصل تعيين الهدي والأضحية فهناك أحكام مترتبة على ذلك، من هذه الأحكام قوله: (ولا يعطي الجزار بأجرته شيئاً منها) وهذا باتفاق الأئمة، لا يعطيه من اللحم مقابل أجرته، أو يعطيه الجلد مقابل الأجرة، مثلاً: أجرة الذبح تساوي عشرين ريالاً، فيعطيه من اللحم بقدر عشرين ريالاً، نقول: هذا لا يجوز، أو يعطيه الجلد، مثلاً: كان الذبح بعشرين ريالاً والجلد بعشرة ويعطيه عشرة ريالات، نقول: هذا لا يجوز.

    ويدل لذلك حديث علي رضي الله تعالى عنه، قال: ( وألا أعطي الجازر منها شيئاً، وقال: نحن نعطيه من عندنا )، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يقوم على بدنه، قال: (وألا أعطي الجازر منها شيئاً، وقال -أي: النبي صلى الله عليه وسلم- نحن نعطيه من عندنا ) يعني: أجرة، وهذا في الصحيحين.

    وقوله: (بأجرته).

    يخرج ما لو أعطاه شيئاً لا يكون أجرةً فإن هذا لا بأس، مثلاً: لو أعطاه من اللحم صدقة، أو هدية، فيقول: بأن هذا جائز ولا بأس بذلك.

    الحقيقة أن المؤلف رحمه الله ذكر حكماً واحداً فقط مما يتعلق بتعيين الأضحية والهدي، وهناك أحكام كثيرة، نذكر أهم هذه الأحكام باختصار على سبيل الإجمال فنقول:

    مما يترتب على تعيين الأضحية، يعني: إذا تعينت هذه الشاة أنها أضحية أو أنها هدي فإنه يترتب على ذلك أحكام:

    الحكم الأول: أنه لا يجوز نقل الملك فيها، لا ببيع ولا هبة ولا غيره، إلا أن العلماء رحمهم الله استثنوا إذا أبدلها بخيرٍ منها، فقالوا: بأن هذا جائز ولا بأس به.

    الحكم الثاني: ما سبق الإشارة إليه: أنه لا يعطي الجازر بأجرته شيئاً منها.

    الحكم الثالث: أنه لا يتصرف فيها تصرفاً مطلقاً، فلا يستعملها في حرث إذا كانت بقرة، أو يستعملها في الركوب إذا كانت بعيراً إلا لحاجة أو ضرورة، لكن إذا كان يتضرر في الركوب فإنه لا يجوز أن يركبه.

    أيضاً: ليس له أن يحلب منها ما يحتاجه ولدها المتعين معها، أو فيه نقص عليها.

    أيضاً: ليس له أن يجز من صوفها شيئاً إلا أن يكون أنفع لها، وإذا جز الصوف وكان الجز أنفع فهو بالخيار: إما أن ينتفع به وإما أن يتصدق به، وإن تصدق به فهذا أفضل.

    الحكم الرابع: إذا تعيبت هذه الأضحية عيباً يمنع الإجزاء، يعني: قال: هذه أضحية لله وأدخلها في البيت ثم انكسرت رجلها -وتقدم لنا أن التي انكسرت رجلها لا تجزئ- أو انفقعت عينها فلا تجزئ، وهذا يحصل كثيراً، مثلاً: يشتري الشاة ويجعلها في السيارة ثم تقفز، يعني: يقول: أضحية أو لله ويعينها، ثم تقفز الأضحية من السيارة ثم تنكسر، هل يجب عليه أن يبدلها أو لا يجب عليه أن يبدلها؟ أو مثلاً: تضيع الأضحية، هل يجب عليه البدل أو لا يجب عليه البدل؟ نقول: هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون ذلك بتعدٍ وتفريطٍ منه، وما هو التعدي؟ التعدي: فعل ما لا يجوز، والتفريط: ترك ما يجب، مثلاً: شد عليها الحبل فأدى ذلك إلى كسر الرجل، أو تركها فوق السيارة ولم يربطها فقفزت وانكسرت، المهم أن هناك تعد منه أو تفريط، أو ترك الإطعام لها حتى ماتت، أو ترك الباب مفتوحاً حتى هربت، فالمهم: ما دام هناك تعدٍ وتفريط فتعيبت أو ضلت، فإنه يضمنها.

    الأمر الثاني: أن يكون ذلك بغير تعدٍ منه ولا تفريط، لم يترك واجباً ولم يفعل محرماً فانكسرت أو ضلت أو تعيبت، فنقول: بأنها تجزئ، فيذبحها وهي مجزئة، إلا أن تكون منذورة، يعني: بأن يكون نذر أن يضحي، فهذه لا تجزئ إلا سليمة، حتى وإن كان بغير تعدٍ ولا تفريطٍ منه.

    1.   

    توزيع الأضحية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والسنة أن يأكل ثلث أضحيته، ويهدي ثلثها، ويتصدق بثلثها].

    هذا هو السنة، ويدل لذلك قول الإمام أحمد: أذهب إلى فعل عبد الله ، يعني: الدليل على ذلك فعل عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: يأكل ثلثاً ويهدي ثلثاً ويتصدق بثلث.

    الرأي الثاني: أنه يأكل النصف ويتصدق بالنصف، لقول الله عز وجل: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28].