إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب المناسك [15]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأضحية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي سنة مؤكدةٌ، وتجب بالنذر، ويشترط لصحتها أن تكون من بهيمة الأنعام، وأن يكون لها سن معين، وأن تكون سالمة من العيوب، فلا تجزئ العوراء البين عورها، ولا العجفاء التي لا تنقي، ولا العرجاء البين ضلعها، ولا المريضة البين

    1.   

    باب الهدي والأضحية

    تعريف الهدي والأضحية ودليل المشروعية

    قال المؤلف رحمه الله: [باب الهدي والأضحية].

    الهدي: هو ما يهدى للحرم من نعمٍ وغيرها، وسمي بذلك لأنه يهدى إلى الله سبحانه وتعالى.

    والأضحية: واحدة الأضاحي، ويقال أيضاً: ضحية، وهو ما يذبح من بهيمة الأنعام يوم عيد النحر وأيام التشريق تقرباً إلى الله عز وجل. والهدي والأضحية كل منهما مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.

    أما الكتاب من ذلك قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] وأيضاً قول الله عز وجل: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] فسر بعض العلماء الصلاة هنا بصلاة عيد الأضحى، والنحر بنحر الأضحية.

    والسنة كثيرة كما سيأتينا إن شاء الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة، وشرك علياً رضي الله تعالى عنه، وضحى النبي عليه الصلاة والسلام بكبشين أقرنين أملحين كما سيأتي إن شاء الله.

    والإجماع قائم على مشروعيتهما في الجملة، وإن اختلف العلماء رحمهم الله في بعض التفاصيل.

    حكم الهدي

    قال المؤلف رحمه الله: [والهدي والأضحية سنة].

    قوله: الهدي سنة.. هذا فيه نظر، فالهدي منه ما هو سنة، ومنه ما هو واجب، فهدي التمتع واجب، ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] وهدي القران أيضاً واجب، أما هدي التطوع فهو مستحب، والهدي لفعل محظور من المحظورات واجب، والهدي لترك واجبٍ من الواجبات واجب، وهدي الفوات إذا قلنا به فهو واجب، وهدي الإحصار واجب.

    فتبين أن الهدي يتنوع إلى أنواع، منه ما هو واجب كهدي المتعة والقران، والهدي لفعل محظور -كما سبق لنا في محظورات الحج- وهدي الفوات إذا قلنا به، وهدي الإحصار والهدي لترك واجب من الواجبات، هذا واجب، وهدي التطوع سنة يستحب أن يهدى إلى بيت الله الحرام من النعم ومن غيرها أيضاً، كأن تهدى الأطعمة وتهدى الأقمشة لفقراء الحرم.

    أقوال أهل العلم في درجة مشروعية الأضحية

    والأضحية ذكر المؤلف رحمه الله بأنها سنة، فقال: (والهدي والأضحية سنة) الأضحية يتفق العلماء رحمهم الله على أنها مشروعة، ولكن اختلفوا في درجة هذه المشروعية: هل هذه المشروعية على سبيل الوجوب، أو على سبيل الاستحباب؟ للعلماء في ذلك رأيان:

    الرأي الأول، وهو قول جمهور أهل العلم: أن الأضحية سنة، واستدلوا على أنها سنة بأدلة، منها حديث: ( ثلاث هن علي فرائض ولكم تطوع: النحر والوتر وركعة الضحى ) وهذا الحديث أخرجه البزار والحاكم وابن عدي وهو ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    واستدلوا على ذلك بما ثبت في صحيح مسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره ) فعلق النبي صلى الله عليه وسلم التضحية على الإرادة، ولو كان واجباً لم يعلق على الإرادة.

    والجواب عن هذا سهل: فلا يمتنع أن يعلق الواجب على الإرادة، فالصلاة ركن ومع ذلك يصح أن تقول: إذا أراد أحدكم أن يصلي فليتوضأ، فإذا قام الدليل على الوجوب لم يمنع من التعليق على الإرادة.

    وكذلك أيضاً استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قام بالواجب عن أمته، فالنبي عليه الصلاة والسلام ضحى عن أمته، فقال: ( اللهم هذا عن أمتي جميعاً من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ ) .

    وأحسن ما يتمسك به على عدم الوجوب: أن هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فصح عن أبي بكر وعمر أنهما كانا لا يضحيان مخافة أن يقول الناس: إنها واجبة، وكذلك أيضاً عن ابن مسعود بسندٍ صحيح أخرجه سعيد بن منصور أنه قال: إني لأدع الأضحية وأنا من أيسركم؛ كراهية أن يعتقد الناس أنها حتم.

    وكذلك أيضاً ذكره البيهقي عن ابن عباس وابن عمر وبلال ، فهذا الجمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في كونهم يتركون الأضحية، يدل على أنها غير واجبة. وأيضاً: الأصل عدم الوجوب.

    الرأي الثاني: أنها واجبة على القادر، وهذا ذهب إليه أبو حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال به الليث بن سعد والأوزاعي . واستدلوا على ذلك بأدلة منها:

    الأمر، كما في قول الله عز وجل: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] فالمراد بالنحر هنا التضحية، والأصل في الأمر الوجوب.

    وأيضاً استدلوا بما في السنن ورواه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة ، وصححه الحاكم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من وجد سعةً فلم يضح فلا يقربن مصلانا ) لكن الصحيح أنه لا يثبت مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو موقوف.

    وكذلك أيضاً استدلوا بحديث أبي هريرة في مسند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن على أهل كل بيتٍ أضحية كل عام وعتيرة ) وهذا أيضاً لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    فالراجح في هذه المسألة: أن الأضحية سنة مؤكدة وأنها ليست واجبة، وأنه يكره للقادر أن يتركها، فإذا كان الإنسان قادراً فإنه يكره له أن يتركها.

    الأضحية الواجبة

    قال المؤلف رحمه الله: [لا تجب إلا بالنذر].

    الأضحية -كما تقدم تقريره- سنة، لكنها تجب بالنذر لحديث عائشة في صحيح البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ) فلو قال: لله علي أن أضحي هذا العام، أو قال: نذر علي أن أضحي أو: هذه الشاة نذرتها أضحية، فتجب الأضحية في هذه الحالة.

    أفضلية التضحية بالنعم على الصدقة بها

    قال رحمه الله: [والتضحية أفضل من الصدقة بثمنها].

    وإنما كانت التضحية أفضل من الصدقة بثمنها؛ لأن هذا هو اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا لو اشترى أضحية بثلاثمائة ريال أو أربعمائة ريال وتصدق بثمانمائة ريال، فنقول: كونه يشتري أضحية بأربعمائة ريال ويذبحها أفضل من كونه يتصدق بثمانمائة ريال؛ لأمور:

    أولاً: لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو التضحية.

    ثانياً: العمل بالسنة وإحياء السنة.

    ثالثاً: لأن إراقة الدم عبادة مقصودة لله عز وجل في الأضحية والهدي، يتعبد بهما الله عز وجل.

    رابعاً: لأن الأضحية في كل ملة، كما قال ابن القيم رحمه الله: في كل ملةٍ صلاة ونسيكة، لا يقوم غيرها مقامها.

    خامساً: لأن الإنسان إذا ضحى فإنه يأتي بعبادة الوقت، بخلاف الصدقة فإن الصدقة مشروعة على الدوام، فمن هذه الوجوه الخمسة تكون التضحية أفضل من الصدقة بثمن الأضحية.

    مراتب الأضحية في الأفضلية

    قال المؤلف رحمه الله: [والأفضل فيهما: الإبل، ثم البقر، ثم الغنم].

    هذا إذا أخرج كاملاً، فجنس الإبل إذا أخرج كاملاً أفضل من جنس البقر، وجنس البقر أفضل من جنس الغنم؛ لكثرة الثمن ونفع الفقراء، أما إذا أراد أن يضحي بسبع بدنة أو سبع بقرة فالأفضل الغنم، فكونه يخرج شاة -جذع ضأن أو ثني معز- أفضل من كونه يذبح أو يضحي أو يهدي بسبع بدنة أو سبع بقرة.

    ولكن ما الأفضل من هذه الإبل والبقر والغنم؟ أما من حيث الجنس إذا أراد أن يخرج كاملاً فالإبل ثم البقر ثم الغنم، ولكن إذا أراد أن يخرج شاةً أو بقرةً أو بعيراً، فما هو الأفضل من ذلك؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله : أن الأفضل الأسمن، ثم بعد ذلك الأغلى ثمناً، ثم بعد ذلك الأملح، فالترتيب عندهم: الأسمن، ثم بعد ذلك الأغلى ثمناً، ثم بعد ذلك الأشهب وهو الأملح، وبعد الأملح الأصفر.

    والرأي الثاني: أن الفضيلة على قدر الثمن مطلقاً، سواء أكان أصفر أم أملح أم غير ذلك، المهم على قدر الثمن، فكلما كان الشيء أغلى كان أفضل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو الأقرب.

    وأيهما أفضل: الضأن أم المعز؟ العلماء رحمهم الله يقولون: جذع الضأن أفضل من ثني المعز.

    من مستحبات الأضحية

    قال رحمه الله: [ويستحب استحسانها واستسمانها].

    يستحب للإنسان إذا أراد أن يخرج الأضحية أن يتحرى الأضحية الحسنة.. الأضحية السمينة؛ لما في ذلك من تعظيم شعائر الله، والله عز وجل يقول: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32] ولحديث أنس في صحيح البخاري : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي بكبشين أقرنين أملحين )، فقوله: (أملحين)، هذا يدل على أنه يستحب استحسان الأضحية وأيضاً استسمانها، لما تقدم من الآية.

    شروط إجزاء الأضحية

    قال رحمه الله: [ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني مما سواه].

    الأضحية يشترط لصحتها شروط:

    الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام، أي: من الإبل أو البقر أو الغنم، والغنم يشمل المعز والضأن، وعلى هذا فلو ضحى بغير بهيمة الأنعام فإنه لا يجزئ، لو ضحى بغزال مثلاً، ولو أنها قد تكون أغلى من النعم، فإن هذا غير مجزئ، أو ضحى بحمار وحشي فإن هذا نقول: بأنه غير مجزئ اقتصاراً على النص.

    الشرط الثاني: السن، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني مما سواه) والسن بالنسبة للضأن: الجذعة، وهو ما له ستة أشهر، وبالنسبة لما عداه الثني، فالمعز ما يكون له سنة، والبقر ما يكون له سنتان، والإبل ما يكون له خمس سنوات، ويدل لذلك حديث جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تذبحوا إلا مسنة ) والمسنة: هي الثنية، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن تعسر عليكم، فتذبحوا جذعةً من الضأن ) وهذا أخرجه مسلم في صحيحه.

    وأيضاً حديث عقبة بن عامر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم بين أصحابه ضحايا فصار لـعقبة جذعة، فقال: يا رسول الله! صارت لي جذعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ضح بها ) وهذا في الصحيحين.

    قال رحمه الله: [وثني المعز ما له سنة، وثني الإبل ما كمل له خمس سنين، ومن البقر ما له سنتان].

    ثني المعز: ما له سنة ودخل في الثانية، وثني الإبل: ما له خمس سنوات ودخل في السادسة، والبقر: ما له سنتان ودخل في الثالثة، والدليل على أنه تذبح الثنية كما تقدم من الأحاديث: حديث جابر وحديث عقبة رضي الله تعالى عنهم، والأسنان هذه هي مقتضى اللغة العربية.

    التشريك في الأضحية

    قال رحمه الله: [وتجزئ الشاة عن واحدٍ، والبدنة والبقرة عن سبعة].

    يعني: الشاة الواحدة تجزئ عن الواحد وعن أهل بيته وعياله، ودليل هذا حديث أبي أيوب ، قال: ( كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون ) وهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه ، والإمام مالك ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح.

    فهذا يدل على أن الشاة الواحدة تكفي عن الرجل وعن أهل بيته وعياله، وإذا كان للشخص أكثر من بيت، كأن يكون له زوجتان أو ثلاث زوجات، تكفي شاة واحدة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته ومع ذلك كان له تسعة أبيات.

    وقوله: (وتجزئ الشاة عن واحدٍ)، نقول: التشريك في الأضحية ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: التشريك في الثواب، فالإنسان له أن يشرك في الثواب من شاء، يعني: يضحي ويشرك من شاء، يشرك أقاربه الأحياء والأموات، فالجميع له أن يشركهم في الثواب، فنقول: هذا جائز ولا بأس به، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم شرك، فقال: ( عن أمتي جميعاً من شهد لك بالتوحيد ولي بالبلاغ ) فكون الإنسان يذبح الأضحية ويشرك أقاربه الأحياء والأموات في ثوابها، نقول: هذا جائز ولا بأس به، وهو على خير.

    القسم الثاني: التشريك في الملك، وذلك بأن يشترك بيتان في أضحية، فهذا لا يجزئ. مثلاً: هذا الرجل عنده بيت، وجاره عنده بيت، فيشتركان، هذا يدفع نصف القيمة وهذا يدفع نصف القيمة، نقول: بأن هذا غير مجزئ؛ لأن الأصل أن يضحي الإنسان بشاة كاملة ولا يضحي ببعض شاة، فهذا لم يرد، ولكن لو اشترك أهل بيت في أضحية فكل واحد دفع واشتروا أضحية. مثلاً: المرأة وزوجها.. الزوج دفع نصف الأضحية والمرأة دفعت نصف الأضحية، أو أخوان في بيت واحد يسكنانه، هذا دفع النصف وهذا دفع النصف، فهذه المسألة موضع خلاف، والأظهر أن هذا جائز ولا بأس به؛ لحديث أبي الأسد في مسند الإمام أحمد رحمه الله، أنهم كانوا سبعة، واشتركوا في الأضحية، فنقول: إذا كان في بيت واحد يظهر أن هذا مجزئ ولا بأس به إن شاء الله.

    وقوله: (والبدنة والبقرة عن سبعة) التشريك في الملك كما تقدم لا يجزئ إلا عن أهل بيت إذا كانت شاةً واحدة، أما إذا كانت بدنةً أو بقرةً، فإن البقرة تجزئ عن سبعة أبيات، والبقرة أيضاً تجزئ عن سبعة أبيات؛ لحديث جابر رضي الله تعالى عنه في مسلم ، قال: ( أمر صلى الله عليه وسلم أن يشتركوا في الإبل والبقر كل سبعة في واحدٍ منهما ) وهذا أخرجه مسلم في صحيحه، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به إن شاء الله، فالاشتراك في البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، سواء أراد كل منهم الأضحية أو لا. فلو أن سبعة أشخاص هذا الأول أراد الأضحية، والثاني أراد هدي المتعة، والثالث أراد هدي القران، والرابع أراده هدياً عن ترك واجب، والخامس أراده هدياً عن فعل محظور، والسادس أراده تطوعاً، والسابع أراد أن يأكله لحماً، واشتركوا في إبل أو في بقر، نقول: بأن هذا جائز ولا بأس به.

    1.   

    عيوب الأضحية

    قال رحمه الله: [ولا تجزئ العوراء البين عورها].

    هذا الشرط الثالث من شروط صحة التضحية، ذكرنا الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام، والشرط الثاني: السن، والشرط الثالث: السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء، والعيوب تنقسم إلى قسمين: عيوب مانعة من الإجزاء، وعيوب مانعة من الكمال.

    العوراء

    ذكر المؤلف رحمه الله العيوب المانعة من الإجزاء، فقال: (ولا تجزئ العوراء البين عورها).

    العوراء البين عورها هذه تحتها صور:

    الصورة الأولى: التي انخسفت عينها، فهذه غير مجزئة، لأنها عوراء بين عورها.

    الصورة الثانية: التي نتأت عينها.. خرجت عينها، أيضاً نقول: بأن هذه لا تجزئ.

    الصورة الثالثة: التي على عينها بياض، أي: أن العين لم تنخسف ولم تخرج، ولكن عليها شيء من البياض، فهذه تجزئ؛ لأنها عوراء وعورها ليس بيناً.

    الصورة الرابعة: العمياء التي لا تبصر، فهذه أيضاً لا تجزئ، لأنها أشد من العوراء.

    الصورة الخامسة: أن تكون عينها قائمة ولكنها لا تبصر بها، فنقول: بأن هذه تجزئ، فهي ليست عمياء.. تبصر بإحدى العينين، وإحدى العينين قائمة لكنها لا تبصر بها، فهذه نقول: بأنها تجزئ.

    الصورة السادسة: العشواء، وهي التي تبصر في النهار ولا تبصر في الليل، فهذه نص الشافعية على أنها مجزئة؛ لأن عورها ليس بيناً.

    فتلخص لنا: أن العوراء تحتها ست صور، من هذه الصور ما هو مجزئ ومنه ما ليس بمجزئ.

    العجفاء

    قال رحمه الله: [ولا العجفاء التي لا تنقي].

    العجفاء: هي التي ذهب مخ عظمها وشحم عينها، فالعجفاء الهزيلة التي لا مخ فيها، وعلى هذا نقول: العجفاء تحتها ثلاث صور:

    الصورة الأولى: أن تكون هزيلةً ليس في عظامها مخ، يعني: إذا كسرت العظم لا تجد فيه ودكاً.. تجد العظم أحمر، فهذه هزيلة عجفاء لا تنقي، فلو ذبحها ثم كسرنا العظم لم نجد فيه شيء.. لم نجد فيه ودك، فهذه نقول: بأنها لا تجزئ، فنقول: الصورة الأولى: هزيلة ليس في عظامها مخ، هذه غير مجزئة.

    الصورة الثانية: سمينة وليس في عظامها مخ، وذلك بأن يأتي الربيع، وتأكل وتشبع ويحصل لها السمن، لكن حتى الآن لم يحصل مخ في عظامها، فهذه تجزئ.

    الصورة الثالثة: عكس الثانية، وهي هزيلة لكن في عظامها مخ، وهذه أيضاً نقول: بأنها مجزئة.

    فأصبح عندنا العجفاء: هزيلة ليس في عظامها مخ، لا تجزئ، وسمينة ليس في عظامها مخ، مجزئة، وهزيلة في عظامها مخ، وهذه مجزئة.

    العرجاء

    قال رحمه الله: [ولا العرجاء البين ظلعها].

    هذه الثالثة: العرجاء البين ظلعها، وهذه تحتها صور:

    الصورة الأولى: العرجاء التي لا تطيق مشياً مع الصحيحة، يعني: فيها عرج وعرجها هذا يجعلها تتأخر عن الغنم، فهذه نقول: بأنها غير مجزئة.

    الصورة الثانية: العرجاء التي لا يمنعها عرجها من معانقة السليمة، فيها عرج لكن مع ذلك العرج يسير، وتستطيع أن تجاري الغنم، وتمشي مع الغنم ولا تتأخر عن الغنم، وهذه نقول: بأنها تجزئ؛ لأنها عرجاء وعرجها ليس بيناً.

    الصورة الثالثة: أن تكون مكسورة اليد أو الرجل، وهذه نقول بأنها لا تجزئ، فهي أشد من العرجاء؛ لأنها لا تمشي.

    الصورة الرابعة: أن تكون مقطوعة اليد أو الرجل، هذه أيضاً نقول: بأنها لا تجزئ.

    الصورة الخامسة: التي لا تستطيع المشي لسمنها، ليست عرجاء وليست مكسورة اليد ولا مكسورة الرجل، لكن لسمنها ولكثرة شحمها لا تستطيع أن تمشي وأن تعانق الغنم، فهذه نص المالكية على أنها مجزئة لعدم العاهة؛ لأن الذي منعها من المشي هو كثرة السمن، وهذا مطلوب، وكما تقدم لنا أن المؤلف رحمه الله يقول: (يستحب استسمانها واستحسانها)، فهذه كلها داخلة تحت قول المؤلف رحمه الله: (ولا العرجاء البين ظلعها).

    المريضة

    قال رحمه الله: [ولا المريضة البين مرضها].

    المريضة البين مرضها هذه تحتها صور:

    الصورة الأولى: المريضة التي مرضها بين، بأن يظهر عليها آثار المرض كالحمى التي تقعدها عن المرعى، وكالجرب الظاهر المفسد للحمها، وغير ذلك مما يعده الناس مرضاً، فنقول: بأن هذه غير مجزئة، ومثل ذلك الآن ما يوجد من الطلوع التي توجد في البهائم، أعني: الطلوع الحية، فإذا كانت يابسة، فهذه مجزئة إن شاء الله، لكن الطلع الذي يوجد في البهائم إذا كان حياً ليس يابساً فهذا مرض ظاهر فتكون هذه مريضة بين مرضها، ونقول: بأنها لا تجزئ.

    الصورة الثانية: المريضة التي مرضها ليس بيناً، كأن يكون فيها حمى يسيرة لا تقعدها عن المرعى، ونحو ذلك من الأشياء التي لا تكون بينةً، فهذه نقول: بأنها مجزئة.

    الصورة الثالثة: ما أخذها سبب الموت، وهذه نقول: لا تجزئ، كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، حتى تنجو، فالتي سقطت من علو، ثم أخذها سبب الموت، كما لو أنها متردية -سقطت من علو- أو نطيحة أو صدمت، ثم أخذها صاحبها وذبحها بنية الأضحية، هذه لا تجزئ؛ لأن هذه مريضة بين مرضها، حتى تنجو وتشفى.

    الصورة الرابعة: المبشومة حتى تثلط، وما هي المبشومة؟ المبشومة: هي التي أكلت حتى انتفخ بطنها، فهذه لا تجزئ حتى تثلط، أي: حتى تخرج الذي في بطنها.

    الصورة الخامسة: ما أخذها سبب الولادة حتى تنجو، يعني: إذا بدأ بها سبب الولادة ثم أخذها صاحبها وضحى بها، فنقول: لا تجزئ حتى تنجو وتسلم؛ لأن الولادة من أسباب الهلاك.

    وهذا الأربعة التي ذكرها المؤلف رحمه الله دل لها حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، قال: ( قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والعجفاء التي لا تنقي ) وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والإمام أحمد وابن الجارود والحاكم والبيهقي وغيرهم، وهذا الحديث صحيح ثابت، وصححه جمع من أهل العلم، منهم الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي وغيرهم.

    هذه الأربع وما تحتها من الصور هي العيوب التي تمنع من الإجزاء، وما عدا ذلك فالأصل فيه أنه مجزئ ولا بأس به.

    العضباء

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا العضباء التي ذهب أكثر قرنها أو أذنها].

    ما هي العضباء؟ فسرها؛ فقال: التي ذهب أكثر قرنها أو أذنها، فيقول المؤلف رحمه الله بأنه لا تجزئ العضباء، ودليل ذلك حديث علي رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يضحى بأعضب الأذن والقرن ) أي: الذي قطع منه أكثر القرن أو كله، أو أكثر الأذن أو كلها، وهذا أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن ماجه.

    والصحيح في ذلك: أن أعضب الأذن والقرن يجزئ، والجواب عن الحديث من وجهين:

    الوجه الأول: أن هذا الحديث في ثبوته نظر.

    الوجه الثاني: على فرض ثبوت الحديث، فنقول: النهي هنا للتنزيه؛ لأن حديث البراء النبي صلى الله عليه وسلم ذكره على وجه البيان؛ لأنه قام خطيباً في الناس، وقال: (أربع لا تجوز في الأضاحي)، وما عداها دليل على أنه جائز.

    والرأي الثاني أعني الإجزاء هو مذهب الشافعية، وأما الحنابلة يقولون: لا تجزئ فالشافعية يقولون: بأنه يجزئ، وهذا القول هو الصواب.

    وقول المؤلف رحمه الله: (التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها) يفهم منه: أنه لو كان الذاهب بعض القرن أو بعض الأذن مثلاً: قطع بعض أذنها أو بعض قرنها، ما هو الحكم: أيجزئ أم لا يجزئ؟ نقول: هذا مجزئ ولا بأس به، بل يفهم منه: أنه لو قطعت نصف الأذن ونصف القرن فإنها تجزئ.

    إذاً الأقسام ثلاثة: القسم الأول: ذهب أكثر الأذن أو أكثر القرن، يقول المؤلف: لا تجزئ، وذكرنا أن مذهب الشافعية أن هذا مجزئ ولا بأس به، حتى المالكية كلامهم قريب من مذهب الشافعية، أنه يقولون بالإجزاء، وإن كانوا يشترطون.

    القسم الثاني: أن يذهب نصف القرن أو الأذن.

    القسم الثالث: أن يذهب دون النصف، أي: أقل من النصف، فهذه مجزئة عند الحنابلة وعند الشافعية.

    الجماء والبتراء

    قال رحمه الله: [وتجزئ البتراء والجماء].

    الجماء: هي التي لم يخلق لها قرن، فيقول المؤلف رحمه الله بأنها تجزئ، وهذا باتفاق الأئمة.

    وقوله: (البتراء) البتراء: هي التي لا ذنب لها، سواء كان ذلك خلقةً أو مقطوعاً. واعلم أن عندنا أمرين: ذنب وإلية، الذنب يكون بأي شيء؟ يكون في المعز، وأيضاً غيره من البقر والإبل، فالبقر ليس لها إلية والإبل ليس لها إلية، وإنما لها ذنب، فقطع الذنب هذا لا يمنع من الإجزاء؛ لأنه ليس مقصوداً، يعني: وإن كان فيه جمال وأيضاً ينتفع به الحيوان، إلا أنه ليس عضواً مقصوداً كاليد وكالرجل ونحو ذلك.

    فنقول: بأن الذنب قطعه هل يمنع من الإجزاء؟ الجواب: بأنه لا يمنع من الإجزاء.

    الثاني: ما له إلية، مثل الضأن، فالإلية هذه فيها تفصيل: إذا قطعت الإلية فلا يجزئ، وإذا قطع أكثر الإلية فإنه لا يجزئ وإذا قطع النصف أو أقل من النصف فإنه مجزئ، وإنما لا يجزئ إذا قطعت كل الإلية أو أكثرها؛ لأن الإلية عضو مقصود، فالشحم ينتفع به الناس، فالإلية عضو مقصود للحيوان ينتفع به، فنقول بأنه لا يجزئ.