إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب المناسك [14]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من ترك ركناً من أركان الحج والعمرة لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجباً من الواجبات جبره بدم، ومن ترك سنة فلا شيء عليه، ومن فاته الوقوف بعرفة فيترتب عليه فساد الحج؛ والتحلل بعمرة والقضاء من قابل، وإن أخطأ الناس في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك.

    1.   

    تابع واجبات الحج

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمبيت بمنى، والرمي، والحلق، وطواف الوداع].

    تقدم لنا شيء من مباحث طواف الوداع، وذكرنا من هذه المباحث حكم طواف الوداع؟ وعلى من يجب؟ وإذا خرج ولم يطف للوداع، ومتى يبطل طواف الوداع ومتى لا يبطل؟ وأيضاً تخفيفه عن الحائض والنفساء، وما يتعلق أيضاً بالوقوف بالملتزم وما المراد به؟ ومتى يكون الوقوف بالملتزم؟

    وبدأنا بأركان الحج أولاً، وذكر المؤلف رحمه الله: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، والإحرام: وهو نية الدخول بالنسك، والسعي، وأما الواجبات فتكلمنا أيضاً: عن الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة، والسعي وذكرنا خلاف أهل العلم فيه إلى ثلاثة آراء وذكرنا أدلتهم:

    الرأي الأول: أنه ركن، وهذا قول جمهور أهل العلم.

    والرأي الثاني: أنه واجب، وهذا مذهب الحنفية على تفصيلٍ عندهم.

    والرأي الثالث: أنه سنة، وقلنا: بأنه قال به بعض السلف، وذكرنا دليل كل قول والحمد لله.

    ثم قال المؤلف رحمه الله: (والمبيت بمنى).

    أيضاً من واجبات الحج المبيت بمنى، والدليل على ذلك ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه أن يترك المبيت بمنى من أجل سقايته )، والرخصة يقابلها عزيمة.

    وأيضاً ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة في ترك البيتوتة بمنى من أجل الرعاية )، والرخصة تقابلها عزيمة فدل ذلك على الوجوب.

    وأيضاً ما ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا يبيتن أحد من الحجاج وراء العقبة، يعني: وراء جمرة العقبة؛ لأن ما وراء جمرة العقبة ليس من منى، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يبعث أناساً يدخلون كل من كان وراء العقبة إلى منى، فدل ذلك على وجوب البيتوتة بمنى.

    وتقدم أن ذكرنا خلاف أهل العلم رحمهم الله في ذلك، وأن العلماء رحمهم الله اختلفوا في البيتوتة على رأيين:

    الرأي الأول: أنها واجبة وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    والرأي الثانية رأي الحنفية: يرون أن البيتوتة ليالي أيام التشريق مستحبة وليست واجبة، وذكرنا فيما تقدم أن الصواب ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    قال رحمه الله: [والرمي].

    أيضاً من واجبات الحج: الرمي، وهذا باتفاق الأئمة، فالأئمة متفقون على أن الرمي واجب، بل إن من العلماء من يجعل رمي جمرة العقبة ركناً من أركان الحج، لكن الصواب أن الرمي كله واجب من واجبات الحج، وتقدم أن ذكرنا ما يتعلق بترك الرمي.

    قال رحمه الله: [الحلق].

    أيضاً: الحلق أو التقصير: وهذا واجب من واجبات الحج، ويدل لذلك أن الله عز وجل قال: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27] فوصفهم بذلك، مما يدل على أهميته وأن له شأناً، وأيضاً مما يدل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة بذلك، فأمر الصحابة كل من لم يسق الهدي أن يطوف ويسعى وأن يقصر -وإذا قصر فقد حل- والأمر يقتضي الوجوب.

    قال رحمه الله: [وطواف الوداع].

    أيضاً: طواف الوداع، وهو واجب من واجبات الحج، وذكرنا الخلاف فيما تقدم، وأوردنا حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ( أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض ).

    1.   

    العمرة وأحكامها

    أركان العمرة

    قال رحمه الله: [وأركان العمرة: الطواف].

    لم يذكر المؤلف رحمه الله من أركان العمرة إلا ركناً واحداً وهو الطواف، والصواب في ذلك: أن أركان العمرة ثلاثة:

    الأول: الإحرام: وهو نية الدخول في النسك، فإذا لم ينو فإنه لم يدخل في النسك، وذكرنا الدليل فيما تقدم عندما تكلمنا عن أركان الحج.

    والثاني: الطواف، وهذا أيضاً تقدم دليله عندما تكلمنا عن أركان الحج.

    والثالث: السعي، وهذا أيضاً ذكرنا دليله، والخلاف فيه عندما تكلمنا عن أركان الحج.

    واجبات العمرة

    قال رحمه الله: [وواجباتها: الإحرام، والسعي، والحلق].

    واجبات العمرة: (الإحرام)، والمراد به الإحرام من الميقات، وتقدم الدليل على ذلك عندما تكلمنا على واجبات الحج.

    وقوله: (والسعي) ذكرنا أن المؤلف رحمه الله خالف المذهب، فإن المؤلف رحمه الله يرى أن السعي واجب في العمرة وواجب في الحج وليس ركناً، والصواب في هذه المسألة: أن السعي ركن في الحج وفي العمرة.. هذا هو الأقرب، وذكرنا شيئاً من الأدلة الدالة على ذلك.

    وقوله: (والحلق) هذا من واجبات العمرة سواء الحلق أو التقصير، وذكرنا الدليل على ذلك عندما تكلمنا عن واجبات الحج.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن طواف الوداع ليس من واجبات العمرة؛ لأنه ذكر من واجبات العمرة ثلاثة أشياء فقط: الإحرام والسعي والحلق، فظاهر كلامه: أن طواف الوداع للعمرة سنة وليس واجباً؛ لأنه لم يذكره في الأركان ولم يذكره أيضاً في الواجبات، وهذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فللعلماء في حكم طواف الوداع قولان:

    القول الأول: أنه سنة، وهذا عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    القول الثاني: أنه واجب، وهذا مذهب الشافعية وبه قال ابن حزم .

    أما الذين قالوا بأنه سنة فاستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرة الجعرانة واعتمر عمرة القضاء ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طاف للوداع، كذلك أيضاً أمر عائشة رضي الله تعالى عنها أن تعتمر بعد الحج، ومع ذلك لم يرد أنها طافت للوداع، لكن الجواب عن هذا سهل: فنقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مباشرة، وعائشة رضي الله تعالى عنها خرجت مباشرة، فنأخذ من هذا: أن المعتمر إذا ذهب وطاف وسعى وخرج مباشرة فلا يجب عليه طواف الوداع، وهذا لا إشكال فيه، فلو مكث يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام، هل يجب عليه طواف الوداع أو لا يجب؟

    الذين قالوا: بأنه سنة مطلقاً، استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطف الوداع في عمرة القضاء ولا في عمرة الجعرانة، وعائشة أيضاً أخذت عمرة بعد حجها ولم تطف، وقالوا أيضاً: الأصل في ذلك براءة الذمة حتى يقوم دليل على الوجوب، ولم يقم دليل على الوجوب، وهذا الرأي الأول.

    الرأي الثاني: قالوا بأن طواف الوداع واجب على المعتمر، واستدلوا بحديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت ) وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه.

    وقوله: (أحد) هذا يشمل الحاج والمعتمر، وأجيب عن هذا: بأن قوله: (لا ينفرن أحد) المقصود بذلك الحاج؛ لأن الحاج ينفر من كل وجه، فقد يكون في منى وينفر من منى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت الآن في منى ارجع إلى مكة حتى يكون آخر عهدك بالبيت، أما المعتمر فهو أصلاً عند البيت ولم يخرج عن البيت فلا يشمله قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت ) إنما هذا خاص بالحاج؛ لأن الحاج هو الذي في منى؛ لأنه يبيت ليالي أيام التشريق بمنى ويرمي، فهو الآن في منى أمره النبي صلى الله عليه وسلم ألا يخرج إلى بلده من منى، وإنما يرجع إلى مكة ويطوف بالبيت حتى يكون آخر عهده، أما المعتمر فهو لا يزال باقياً عند البيت لم يفارقه.

    وأيضاً استدلوا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى العمرة حجاً أصغر، والحج يجب فيه طواف الوداع، فكذلك أيضاً العمرة، وأجيب عن ذلك: بأنها وإن كانت العمرة حجاً أصغر فإنه ليس كل أحكام الحج تكون في العمرة، فمثلاً الوقوف بعرفة والمبيت بمنى والمبيت مزدلفة والرمي، هذه الأحكام لا تجب ولا تشرع في العمرة.

    وأيضاً استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث يعلى في الصحيحين: ( اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك ) قالوا: إنه يصنع في الحج طواف الوداع، فكذلك أيضاً يصنعه في العمرة، وأجيب عن ذلك أيضاً: بأنه لا يلزم أن يصنع طواف الوداع؛ لأنه في الحج يصنع الوقوف بعرفة والمبيت مزدلفة والمبيت بمنى، ومع ذلك هذه الأشياء لا يصنعها في العمرة بالاتفاق.

    فالأقرب في هذه المسألة: أن طواف الوداع سنة وليس واجباً؛ لأن الذي يتمسك به قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت )، وهذا إنما هو في الحاج؛ لأن الحاج هو الذي يكون في منى، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم ألا ينفر من منى إلى بلده وإنما يرجع إلى البيت، وأما تسمية العمرة بالحج الأصغر وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك ) نقول: هذا لا يشمل كل شيء، ومن ذلك طواف الوداع.

    فكما أن الوقوف بعرفات غير داخل، والمبيت مزدلفة غير داخل، والمبيت بمنى غير داخل، فكل هذه الأشياء لا تجب في العمرة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك ) نقول: أيضاً طواف الوداع يلحق بهذه الأشياء.

    وعلى هذا نقول: الصحيح أن طواف الوداع سنة في حق المعتمر، وإن احتاط الإنسان وأتى به كان هذا أحسن، وإن لم يأت به فالذي يظهر أنه لا يجب عليه شيء بإذن الله.

    1.   

    ما يلزم من ترك ركناً أو واجباً أو سنة من الحج والعمرة

    من ترك ركناً من أركان الحج والعمرة

    قال رحمه الله: [فمن ترك ركناً لم يتم نسكه إلا به].

    من ترك ركناً يقول المؤلف رحمه الله: (لم يتم نسكه إلا به).

    الأركان أربعة كما تقدم لنا نأخذها واحداً واحداً:

    أولاً: إذا ترك الإحرام -وهو نية الدخول في النسك- نقول: أصلاً لم ينعقد حجه ولا عمرته، فإذا ترك الإحرام يعني: لم ينو الدخول في النسك، نقول: بأنه لم يتم حجه ولا عمرته.

    ثانياً: إذا ترك الوقوف بعرفة، نقول: فاته الحج ويأخذ أحكام الفوات كما سيأتينا إن شاء الله.

    ثالثاً: إذا ترك الطواف بالبيت -طواف الإفاضة- نقول: لم يزل محرماً حتى يطوف بالبيت لأن طواف البيت -كما تقدم لنا- ليس له آخر، والعلماء ينصون على أن وقته العمر، فيقولون: بأنه ليس له آخر، فإذا كان كذلك نقول: لا يزال محرماً، فإن كان في الحج لم يتحلل التحلل الثاني، وإن كان في العمرة لا يزال محرماً حتى يطوف.

    رابعاً: إذا ترك السعي: فالسعي وقته العمر كله، فإذا ترك السعي، نقول: بأنه لا يزال محرماً لم يتحلل التحلل الثاني في الحج، وفي العمرة لا يزال محرماً.

    من ترك واجباً من واجبات الحج والعمرة

    قال رحمه الله: [ومن ترك واجباً جبره بدم].

    إذا ترك الإحرام من الميقات مثلاً، أو ترك الرمي أو ترك المبيت مزدلفة أو ترك المبيت بمنى، يقول المؤلف رحمه الله: (جبره بدم). وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وإن كانوا يختلفون في شيءٍ من التفاريع إلا أنهم في الجملة يقولون: من ترك واجباً من واجبات الحج أو العمرة فإنه يجبره بدم، واستدلوا على ذلك بأدلة -يعني: على إيجاب الدم- ومن أدلتهم على ذلك:

    قول الله عز وجل: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] وهذا يشمل ما إذا أحصر عن واجب، يعني: لو منع عن الرمي أو عن المبيت.. إلى آخره.

    وأيضاً: استدلوا على ذلك بما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ( من ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فليهرق لذلك دماً ) وقوله: (دماً)، إنما يكون في الواجب؛ لأن المستحب لم يرد في الشرع أنه بجب جبره، وإنما الذي يجب جبره هو الواجب. وهذا الرأي الأول.

    الرأي الثاني: أن الواجبات إذا تركت فإن الإنسان يأثم ولا يجب عليه فيها شيء؛ لأن الأصل براءة الذمة، وهذا قول الظاهرية.

    وأثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( من ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فليهرق لذلك دماً ) هذا الأثر رواه الإمام مالك والشافعي والبيهقي وإسناده صحيح.

    من ترك سنة من سنن الحج والعمرة

    قال رحمه الله: [ومن ترك سنةً فلا شيء عليه].

    من ترك سنةً من سنن الحج أو العمرة فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: ليس عليه شيء، مثلاً: ترك الدعاء بعد رمي الجمرة الصغرى، أو بعد رمي الجمرة الوسطى، أو ترك التكبير عند الرمي، أو ترك الدعاء يوم عرفة، المهم ترك سنةً من السنن فهذا لا شيء عليه، لكن نقص عليه الأجر وتمام الامتثال.

    1.   

    أحكام الفوات

    قال رحمه الله: [ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج].

    الآن شرع المؤلف رحمه الله بما يسمى بأحكام الفوات والإحصار، وتكلم عن أحكام الفوات ولم يتكلم عن أحكام الإحصار، لكن المصنفين يتكلمون عن أحكام الفوات والإحصار جميعاً؛ ولهذا سنتطرق بإجمال لأحكام الإحصار.

    تعريف الفوات

    الفوات في اللغة: مصدر: فات، إذا سبق فلم يدرك.

    وأما في الاصطلاح: فهو طلوع فجر يوم النحر قبل الوقوف بعرفة، أي: إذا طلع فجر يوم النحر قبل الوقوف بعرفة فقد فات الحج، ويدل لهذا الإجماع، فالمسلمون مجمعون على أن وقت الوقوف بعرفة يمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وأن الإنسان إذا طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة فقد فاته الحج.

    ويدل لهذا أيضاً مع الإجماع حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الحج عرفه، من جاء ليلة جمعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك ) وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه جمع من أهل العلم، صححه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم .

    ما يترتب على فوات الحج

    إذا فات الإنسان الحج، مثلاً: هذا رجل محرم تعطلت به سيارته، ولم يصل إلى عرفة حتى طلع فجر يوم النحر، ماذا نقول له؟ نقول: يترتب عليك مسائل:

    المسألة الأولى: فاته الحج، فلا ينفعه حتى لو ذهب ورمى وبات بمزدلفة ومنى، نقول: الحج قد فاتك.. وهذا بالإجماع، وذكرنا الدليل وهو حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي .

    المسألة الثانية: قال: [فيتحلل بطوافٍ وسعيٍ] ولم يقل: يتحلل بعمرة، فهذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، هل يتحلل بعمرة أو يتحلل بأعمال العمرة؟

    على رأيين:

    الرأي الأول: المذهب ومذهب المالكية: أنه يتحلل بأعمال العمرة -يطوف ويسعى ويقصر- ولا تكون عمرة له، واستدلوا على ذلك بقول عمر رضي الله تعالى عنه لـأبي أيوب لما فاته الحج: اصنع كما يصنع المعتمر، وهذا الحديث رواه مالك والشافعي والبيهقي وإسناده صحيح.

    والرأي الثاني: أنه يتحلل بعمرة، واستدلوا على ذلك أيضاً: بأن عمر رضي الله تعالى عنه أمر رجلاً فاته الحج أن يتحلل بعمرة، وهذا أيضاً رواه البيهقي وإسناده صحيح.

    فعندنا رأيان: الرأي الأول أنه يعمل أعمال العمرة، وهذا كما قال عمر : اصنع كما يصنع المعتمر، قاله لـأبي أيوب لما فاته الحج.

    الرأي الثاني: أنه يتحلل بعمرة، واستدلوا أيضاً بما روي عن عمر فإن عمر قال لمن فاته الحج أن يعتمر، وهذا رواه البيهقي وإسناده صحيح.

    والصواب في هذه المسألة: أنه يتحلل بعمرة، وليس هناك ما يسمى بأعمال العمرة فقط.

    ويترتب على هذا الخلاف: إذا قلنا بأنه يتحلل بعمرة هل تجزئه ذلك عن عمرة الإسلام أو لا تجزئه عن عمرة الإسلام؟ نقول: نعم، تجزئه عن عمرة الإسلام، ويؤجر عليها كما يؤجر على نسك العمرة.. وهذا الصواب.

    قال المؤلف رحمه الله: [وينحر هدياً إن كان معه].

    هذه المسألة الثالثة، فهذا الذي فاته الحج نقول: ينحر هدياً، وأيضاً إيجاب الهدي عليه هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، وفيه رأيان:

    الرأي الأول: أنه يجب عليه أن يهدي، كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقول جمهور أهل العلم.

    الرأي الثاني: عند الحنفية أنه لا يجب عليه الهدي.

    فأما الذين قالوا بأنه يجب عليه الهدي، فقالوا: بأنه وارد عن عمر رضي الله تعالى عنه؛ لأن عمر أمر أبا أيوب بالهدي.

    والحنفية قالوا: لا يجب عليه الهدي، قالوا: لأن عمر أمر الرجل الذي فاته الحج بالعمرة ولم يأمره بالهدي.. فلم يرد أنه أمره بالهدي.

    وأيضاً ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إنما الهدي على من أفسد حجه بالتلذذ، أما من حصره عدو فإنه يرجع ولا شيء عليه.

    وعلى هذا: فالأقرب هو ما ذهب إليه الحنفية رحمهم الله، وأنه لا يجب الهدي، نحن قلنا: الصحيح مذهب الحنفية أنه لا يجب عليه الهدي إلا أن يكون ساق الهدي.. فإن ساق الهدي فيتعين الهدي بالسوق، فيجب عليه أن يذبحه.

    قال: [وعليه القضاء].

    القضاء لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون الحج واجباً، فهذا يجب عليه القضاء؛ لأن ذمته لم تبرأ بذلك.

    الأمر الثاني: أن يكون الحج تطوعاً ليس واجباً، فهل يجب عليه إذا فاته الحج أن يقضي أو لا يجب عليه؟ المؤلف يقول: يجب عليه القضاء، وهو قول جمهور أهل العلم. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني رواية عن الإمام أحمد رحمه الله وبه قال عطاء : أنه لا يجب عليه القضاء إذا كان تطوعاً.

    والجمهور الذين قالوا: بأنه يجب عليه القضاء استدلوا بقول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] وهذا لم يتم الحج، فيجب عليه أن يقضيه.

    وأما رأي الذين قالوا: لا يجب عليه القضاء، فاستدلوا على ذلك بأن الله عز وجل قال: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] فلم يوجب الله في الإحصار إلا الهدي ولم يوجب القضاء، وأيضاً استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الحج مرة، فمن زاد فمتطوع ) فكونه يجب عليه الحج إذا فاته، فيكون الحج واجباً عليه أكثر من مرة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الحج مرة، فمن زاد فمتطوع).

    والصواب في هذه المسألة: أنه لا يجب عليه القضاء أيضاً، وأما قوله سبحانه وتعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] فنقول: هذا الحج الذي فاته قد أتمه؛ لأنه تحلل بعمرة، وهو الآن أتم حجه.

    وحينئذٍ يتلخص لنا في الفوات: أن من فاته الحج فإنه يترتب عليه مسألتان فقط، المسألة الأولى: أنه يتحلل بعمرة، وتجزئه عن عمرة الإسلام، والمسألة الثانية: أن الحج قد فاته، أما إيجاب الهدي والقضاء إذا لم يكن الحج فرضاً فهذا فيه نظر.

    فالخلاصة نقول: من طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة فنقول يترتب عليه مسألتان:

    المسألة الأولى: فاته الحج.. المسالة الثانية: يتحلل بعمرة ولا شيء عليه.

    هذا ما يتعلق بالفوات.

    1.   

    الإحصار وأحكامه

    الإحصار لم يتعرض له المؤلف رحمه الله لكن نتعرض له نحن فنقول: ‏

    تعريف الإحصار

    الإحصار في اللغة: المنع.

    وأما في الاصطلاح: فهو منع الناسك من إتمام نسكه.

    ونقول: الإحصار يكون عن أربعة أشياء:

    الإحصار عن الوقوف بعرفة

    الشيء الأول: أن يحصر عن الوقوف بعرفة، يعني: هذا رجل خرج إلى الحج ثم أصابه حادث في الطريق، كأن تعطلت السيارة أو ضل الطريق، أو أصابه حادث، فالآن أحصر عن الوقوف بعرفة، أو وجد زحام ولم يتمكن من الدخول إلى عرفة، فما الحكم هنا إذا أحصر عن الوقوف بعرفة؟ نقول: هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يطلع عليه فجر يوم النحر قبل أن يقف بعرفة فهذا نقول: حكمه حكم الفوات.

    الأمر الثاني: أن يقلب حجه إلى عمرة ويتحلل بعمرة، حتى الآن لم يفت الحج؛ لأنه باقي وقت للوقوف لكن لا يتمكن، فنقول: يقلب حجه إلى عمرة؛ لأن قلب الحج إلى عمرة هذا جائز مع عدم الإحصار، فمع الإحصار من باب أولى.. فيقلب حجه إلى عمرة ويذهب ويتحلل بعمرة ولا شيء عليه.

    هذا الشيء الأول وهو: إذا أحصر عن الوقوف بعرفة.

    الإحصار عن البيت

    الشيء الثاني: أن يحصر عن البيت أي: لا يتمكن من البيت فنقول: الله عز وجل يقول: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] أي: يذبح هدياً، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية، فإن النبي عليه الصلاة والسلام حصره المشركون عن البيت، فنحر وحلق عليه الصلاة والسلام، فنقول: ينحر الهدي في موضعه الذي أحصر فيه ويحلق رأسه، وهل الحلق واجب أو ليس واجباً؟ الصواب أنه واجب خلافاً للمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فينحر ويحلق كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ يحل.

    وإذا لم يجد هدياً؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه يجب عليه أن يصوم عشرة أيام ثم يحل. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه لا يجب الصيام، وهذا هو الصواب.

    نقول: إذا لم يجد هدياً فلا يجب عليه الصيام وإنما يتحلل كسائر الواجبات فإذا عجز عنها، أي: إذا عجز عن الواجب فإنه يسقط عنه ولا يجب عليه شيء.

    هذا الشيء الثاني: وهو ما إذا أحصر عن البيت.

    الإحصار عن واجب من الواجبات

    الشيء الثالث: إذا أحصر عن واجبٍ من واجبات الحج.

    العلماء يقولون: لا يتحلل، يعني: يستمر على إحرامه ويكمل حجه وعليه دم، فمثلاً: أحصر عن المبيت بمزدلفة بسبب الزحام، فلم يتمكن من المبيت بمزدلفة حتى طلع الفجر، فنقول: لا يتحلل وعليه دم، أو أحصر عن المبيت بمنى، أو أحصر عن الوقوف في الرمي، نقول: لا يتحلل وعليه دم.

    ويستدلون بقول الله عز وجل: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] وإيجاب الدم كما تقدم فيه الخلاف، ولعله يخفف عن المعذور ما دام أنه لم ينتهض دليل صريح في إيجاب الدم في الواجبات، نقول: يخفف عن المعذور.

    الإحصار عن طواف الإفاضة والسعي

    الشيء الرابع: الإحصار عن طواف الإفاضة والسعي، فهذا العلماء يقولون: إذا أحصر عن طواف الإفاضة فقط دون البيت، يقولون: لا يتحلل.. هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: إذا أحصر عن طواف الإفاضة لا يتحلل حتى يطوف ويبقى محرماً؛ لأن وقته العمر كله ومثلها السعي أيضاً. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني رأي الشافعية: أنه إذا أحصر عن طواف الإفاضة فإنه يتحلل لكن يفوته الحج، وهذا يتصور، يعني: إنسان مثلاً خرج قبل طواف الإفاضة ولم يطف للإفاضة وتعذر عليه أن يرجع، فعلى مذهب الشافعية يقولون: بأنه يذبح هدياً ويكون محصراً ويكون فاته الحج؛ لأن الركن لم يأت به، لكن على رأي الحنابلة لا يزال محرماً، وهذا فيه مشقة، فقد يكون رجع إلى بلاده في إندونيسيا وهو لم يطف للإفاضة، ويصعب عليه أنه يرجع مرة ثانية فالقول: بأنه يكون محرماً هذا صعب! فالشافعية رحمهم الله قولهم أرجح، لكن نقول: بأن الحج قد فاته؛ لأنه لم يأت بركن من أركان الحج.

    الإحصار من غير العدو

    المسألة الأخيرة في الإحصار: هل الإحصار خاص بالعدو أو ليس خاصاً بالعدو؟

    الجمهور أن الإحصار خاص بالعدو، يعني: لو أنه أحصره حادث عن البيت، هل يكون محصراً أو لا يكون محصراً؟ على رأي الجمهور لا يكون محصراً، أو أحصره مرض لا يكون محصراً.. يبقى على إحرامه حتى يقدر على البيت، فإذا أحصره حادث أو مرض أو ضياع نفقة أو ضياع رفقة، يقولون بأنه لا يكون إحصاراً إلا بإحصار العدو.

    والعلماء يتفقون على ثلاثة أشياء: العدو، والفتنة، والحبس بظلم، فهذه الأشياء الثلاثة يكون فيه الإحصار، وغير هذه الأشياء الثلاثة هل يكون فيها إحصار أو لا يكون؟ الجمهور يقولون: لا يكون فيها إحصار، مثل حادث سيارة أو ضياع نفقة أو المرض فلا يكون محصراً.

    والحنفية يقولون: يكون محصراً، فلا يخصونه بهذه الأشياء، فإذا أحصره مرض، أو حادث، أو ضياع نفقة، أو ضل الطريق، فيقولون: يكون محصراً، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة.

    وكون النبي صلى الله عليه وسلم أحصره المشركون هذا لا يمنع أن يكون الإحصار بغير العدو؛ لأن الله عز وجل قال: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] وهذا يشمل العدو وغيره.

    1.   

    الوقوف في غير يوم عرفة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك، وإن فعل نفر منهم فقد فاتهم الحج].

    إذا أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير يوم عرفة هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يقفوا في اليوم الثامن ويعلموا قبل فوات الوقوف، فإن تمكن الإمام أن يقف بهم في اليوم التاسع وقف بهم، وإن لم يتمكن أجزأهم ذلك، وإن علموا بعد فوات اليوم التاسع أجزأهم، وهذا لا إشكال فيه، لكن إن علموا قبل فوات اليوم التاسع نقول: إن تمكن الإمام أن يذهب وأن يقف بهم وجب، وإن لم يتمكن فإنه يجزئهم.

    القسم الثاني: إن وقفوا في اليوم العاشر فنقول: وقوفهم صحيح إذا وقع هذا من الحجاج كلهم أو أكثرهم.

    1.   

    زيارة الحاج لقبر النبي صلى الله عليه وسلم

    قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب لمن حج زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه رضي الله عنهما].

    هذا الكلام فيه نظر؛ لأن هذا الكلام يتضمن شد الرحل إلى القبور، وشد الرحل إلى القبور هذا ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ) والأحسن في العبارة أن يقول المؤلف رحمه الله: ويستحب لمن حج زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بدلاً من أن يقول: قبر النبي عليه الصلاة والسلام، ويستحب لمن زار المسجد أن يزور النبي صلى الله عليه وسلم فهذا الكلام الصواب، أما القول هكذا: يستحب من حج زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا فيه نظر؛ لأننا ذكرنا: أن هذا يتضمن شد الرحال لقبر النبي صلى الله عليه وسلم.

    واعلم أيضاً أن زيارة المسجد النبوي هذه ليست من مناسك الحج، لكن بعض العلماء يذكرونها؛ لأن الناس يأتون من أماكن بعيدة وقد يصعب عليهم الرجوع مرة أخرى، وخصوصاً في الزمن السابق، فهم يأتون من المغرب ومن المشرق ومن أماكن بعيدة، وحتى في يومنا هذا فقد يظل الإنسان سنوات لم يأت إلى مكة، فإذا جاء خرج ولا يعود إلى أن يموت، فقالوا: يستحب لمن جاء إلى هذه البلاد أن يغتنم الفرصة وأن يذهب ويزور المسجد النبوي، فمسجد النبي صلى الله عليه وسلم تشد له الرحال.

    لكن نعلم أن زيارة المسجد النبوي هذه ليست من مناسك الحج لكنها سنة، فشد الرحل له سنة وقربة يثاب عليها الإنسان مستقلة، لكن قلنا: مناسبة إدخالها في كتاب الحج: أن الناس يأتون من أماكن بعيدة.