إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب المناسك [11]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يستحب للحاج بعد الدفع من مزدلفة أن يسرع في وداي محسر حتى يأتي جمرة العقبة فيرميها، ولا يكون الرمي إلا بالشروط والضوابط المعتبرة في كيفية الرمي والحصى التي يرمى بها، ويجعل الحاج الجمرة بين يديه مستقبل القبلة، وتقع التلبية عند بلوغ الحاج جمرة العقبة، ويكون

    1.   

    تابع رمي الجمار

    تقدم لنا في الدرس السابق أن الحاج لا يدفع من عرفة حتى تغرب الشمس، وذكرنا دليل ذلك، وذكرنا حكم ما إذا دفع قبل غروب الشمس، وذكرنا أيضاً ما الذي يستحب أثناء الدفع، وهو أن يدفع وعليه السكينة والوقار، وألا يصلي حتى يرد مزدلفة، وذكرنا أيضاً ما يتعلق بالجمع والقصر في عرفات وفي مزدلفة، وما هي العلة في ذلك.

    وذكرنا أيضاً البيتوتة بمزدلفة، وأن أهل العلم رحمهم الله اختلفوا فيها، وأن الصواب من أقوال أهل العلم أنه واجب من واجبات الحج، وتكلمنا أيضاً فيما سبق عن قدر البيتوتة، وعن وقت الدفع من مزدلفة إلى منى بالنسبة للضعفة وبالنسبة للأقوياء، وأن المستحب للأقوياء أن يناموا كما نام النبي صلى الله عليه وسلم، وألا يدفعوا حتى يسفر جداً.

    وذكرنا ما المراد بالمشعر الحرام، وأن المشعر الحرام يراد به أمران سبق أن بيناهما، فهناك مشعر عام وهو مزدلفة، وهناك مشعر خاص وهو جبل قزح، وأيضاً لا يشرع إحياء تلك الليلة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحي تلك الليلة، لكن المسلم يؤدي الوتر في تلك الليلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ على الوتر سفراً وحضراً.

    ثم بعد ذلك قال المؤلف رحمه الله: (فإذا بلغ محسراً).

    يعني: وادي محسر، ووادي محسر هذا وادٍ بين مزدلفة ومنى، وسمي بذلك لأنه يحسر سالكه.

    يقول المؤلف رحمه الله: (أسرع قدر رمية بحجر).

    وقد حده العلماء رحمهم الله بقدر خمسمائة وخمسة وأربعين ذراعاً، ويدل لذلك ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى وادي محسر حرك قليلاً )، كما رواه جابر رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم .

    وذكرنا ما هي الحكمة من الإسراع، وأن أهل العلم رحمهم اختلفوا في ذلك على أقوال:

    القول الأول: أن الحكمة من ذلك أن أصحاب الفيل أهلكوا في ذلك الوادي، لكن ذكرنا أن هذا غير صواب، وأن أصحاب الفيل لم يبلغوا الحرم.

    والرأي الثاني: أنه موقف كانت تقفه النصارى، فسارع النبي صلى الله عليه وسلم لأجل مخالفتهم.

    والقول الثالث: أنه موقف تقفه العرب، فتذكر فيه أمجادها وأحسابها، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القول هو أقرب الأقوال، ويدل له قول الله عز وجل: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [البقرة:200].

    الابتداء برمي جمرة العقبة

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (حتى يأتي منى فيبتدئ بجمرة العقبة، فيرميها بسبع حصيات كحصى الخذف).

    إذا أسفر جداً فإنه يدفع قبل طلوع الشمس، فإذا أتى منى فإن السنة أن يبدأ برمي جمرة العقبة، فرمي جمرة العقبة هو تحية منى، ويدل لهذا عدة أمور:

    الأمر الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على جمرة العقبة.

    الأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرج على شيءٍ من رحله حتى رمى هذه الجمرة.

    الأمر الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم رماها راكباً، وأما في غير يوم النحر فإن النبي صلى الله عليه وسلم رماها راجلاً، فهذه ثلاثة أمور تدل على أن السنة للإنسان إذا دفع من مزدلفة إلى منى أن يبدأ برمي جمرة العقبة، وعلى هذا فالضعفة إذا تعجلوا من مزدلفة إلى منى في آخر الليل، فنقول: السنة لهم أن يبدءوا برمي جمرة العقبة؛ لأن من حكمة تعجيل الضعفة آخر ليلة النحر هي أن يرموا قبل أن تدركهم حطمة الناس.

    شروط الرمي

    وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فيبتدئ بجمرة العقبة، فيرميها بسبع حصيات كحصى الخذف).

    هذا الرمي واجب من واجبات الحج.. رمي الجمار في يوم النحر وفي أيام التشريق -كما سيأتينا إن شاء الله- هو أحد واجبات الحج، وهذا الواجب له شروط، أي: الرمي له شروط:

    الشرط الأول: قال المؤلف رحمه الله: (فيرميها) فيشترط أن يرميها رمياً، وعلى هذا لو أنه وضع الحصى وضعاً ولم يرمه رمياً فإن هذا لا يجزئ، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رماها رمياً، كما في حديث ابن عمر وحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، قال جابر : ( فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ).

    الشرط الثاني: قال رحمه الله تعالى: (بسبع حصيات) فلا بد أن يكون الرمي بسبع حصيات؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال جابر رضي الله تعالى عنه: ( فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة )، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني: رواية عن الإمام أحمد رحمه الله: أنه إن نقص حصاةً أو حصاتين فإن هذا لا بأس به، واستدلوا على ذلك بما رواه سعد قال: ( رجعنا من الحجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعضنا يقول: رميت بستٍ، وبعضنا يقول: رميت بسبعٍ، فلم يعب ذلك بعضنا على بعض )، وهذا الأثر أخرجه النسائي والبيهقي وصححه جمع من أهل العلم، فهذا دليل على أنه يغتفر إذا أنقص الإنسان حصاةً أو حصاتين، كما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والأقرب في ذلك أن يقال: إن الإنسان ما دام في وقت الرمي فإنه يحتاط، ويرمي كما رمى النبي صلى الله عليه وسلم سبع حصيات؛ لأن جمهور أهل العلم يقولون: إن نقص فإن ذلك لا يجزئه، وأما إن فات وقت الرمي وقد نقص حصاةً أو حصاتين فإن ذلك يغتفر له.

    الشرط الثالث: قال المؤلف رحمه الله: (حصيات) أن يكون بحصى، وعلى هذا فلو أنه رمى بغير الحصى فإن ذلك لا يجزئ؛ لأن هذا عمل ليس عليه أمر الله ولا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وتقدم أن أوردنا حديث جابر قال: ( فرماها بسبع حصياتٍ يكبر مع كل حصاة )، فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما رمى بالحصى، وعلى هذا: لو رمى بالخشب أو رمى بالحديد أو رمى بالنعال أو غير ذلك، فإن هذا لا يجزئه.

    الشرط الرابع: قال المؤلف رحمه الله: (كحصى الخذف) يعني: لا بد أن يرمي هذه الحصيات بحصىً كحصى الخذف، فلا تجزئ الحصاة الكبيرة جداً، ولا تجزئ الحصاة الصغيرة جداً، وقد قال العلماء: بأن حصى الخذف تكون بين الحمص والبندق، والشافعية رحمهم الله حددوا حجم هذه الحصى، وقالوا: بأنها كالأنملة من الإصبع إلا أنها أقل من الأنملة من الإصبع طولاً وعرضاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يكبر مع كل حصاة ويرفع يده اليمنى) وعلى هذا كما تقدم أنه لو وضعها وضعاً فإن هذا لا يجزئ.

    الشرط الخامس: أن يرميها واحدةً بعد الأخرى؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فلو رماها دفعةً واحدة فإن هذا لا يجزئ، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله، وقال الحسن البصري : يجزئ مع الجهل، والصحيح في ذلك أنه لا يجزئ.

    الشرط السادس: أن تقع في المرمى؛ لأن هذا المكان هو الذي رمى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن تقع في المرمى.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية قالوا: تجزئ إذا وقعت في المرمى أو وقعت قريباً من المرمى، أما إن وقعت بعيداً من المرمى فإنها غير مجزئة.

    ولا يشترط أن يراها الإنسان إذا قعت في المرمى، فنقول: إذا حصل العلم أو غلبة الظن فإن ذلك مجزئ، فإذا حصل العلم، يعني: رماها فوقعت في المرمى ورآها وقعت، هنا حصل العلم بذلك، كذلك أيضاً لو غلب على ظنه أنها وقعت في المرمى، يعني: كان هناك زحام ورمى هذه الحصاة، وهو يظن أنها وقعت في المرمى فإن ذلك مجزئ، ولا يشترط أن يراها بعينه.

    الشرط السابع: ألا تكون هذه الحصاة قد رمي بها، فإن كان قد رمي بها فإنه لا يجزئ الرمي بها، وهذا هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله، قالوا: بأن هذه حصاة استعملت في عبادة، فلا تستعمل فيها مرةً أخرى.

    والرأي الثاني: رأي الشافعية: أن هذا جائز ولا بأس به، يعني: لا بأس أن ترمي بحصاةٍ قد رمي بها، وهذا القول هو الصواب؛ لأن الحديث ليس فيه تخصيص، وهو حديث جابر رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة )، وهذا يشمل الحصى التي رمي بها، والحصى التي لم يرم بها.

    الشرط الثامن: أن يكون الرمي في وقته المعتبر شرعاً، ووقت رمي جمرة العقبة يبدأ من حين دخول وقت الدفع من مزدلفة، فإذا دخل وقت الدفع من مزدلفة دخل وقت رمي جمرة العقبة، وقد سبق أن بينا متى يدفع من مزدلفة إلى منى؟ وذكرنا ما هو وقت الدفع بالنسبة للأقوياء، وما هو وقت الدفع بالنسبة للضعفة.

    وذكرنا أن الأحوط بالنسبة للأقوياء ألا يدفعوا إلا بعد الإسفار، وحينئذٍ نقول: بأن وقت الرمي لهم يكون بعد طلوع الشمس؛ لأنه إذا دفع بعد الإسفار لن يصل إلا بعد طلوع الشمس، وأما بالنسبة للضعفة فإنهم يدفعون آخر الليل بعد غروب القمر، وحينئذٍ يكون وقت الرمي لهم دخل بعد غروب القمر، ويستمر الرمي في يوم النحر إلى غروب الشمس هذا كله وقت للرمي.

    لكن هل يجزئ الرمي ليلاً، أو لا يجزئ؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، فالمشهور من مذهب الحنابلة: أن الرمي يستمر إلى غروب الشمس من يوم النحر، ولا يجزئ الرمي بعد غروب الشمس.. هذا المشهور من المذهب، والرأي الثاني وهو مذهب الشافعية والحنفية: أن الرمي يصح ليلاً، وعلى هذا إذا غربت الشمس من يوم النحر فلا بأس أن ترمي بعد غروب الشمس، ويستمر وقت الرمي إلى طلوع الفجر من اليوم الحادي عشر.

    وقد دل لهذا أدلة، من هذه الأدلة حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: رميت بعدما أمسيت، فقال: لا حرج ) وهذا رواه البخاري ، وقوله: (بعدما أمسيت)، المساء يطلق على ما بعد غروب الشمس وعلى ما قبل غروب الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا حرج.

    وأيضاً يدل لذلك أن زوجة ابن عمر صفية احتبست على ابنة أخٍ لها نفست في المزدلفة فاحتبست، فجاءت بعد غروب الشمس فرمت، فأقرها ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، بل ابن عمر رضي الله تعالى عنه أمرها أن ترمي بعد غروب الشمس هي وابنة أخيها، وهذا رواه الإمام مالك رحمه الله بإسنادٍ صحيح.

    وكذلك أيضاً في مصنف ابن أبي شيبة : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقدمون حجاجاً فيدعون ظهورهم فيجيئون فيرمون بالليل.

    فهذه الأدلة تدل على أن الرمي ليلاً جائز ولا بأس به.

    الشرط التاسع من شروط صحة الرمي: أن يقصد الرمي، وعلى هذا فلو رمى حصاةً وهو لم يقصد الرمي، وإنما رماها هكذا فوقعت في الحوض، فإنها لا تجزئ.

    والشرط العاشر: أن يكون وقوعها في المرمى بفعله، وعلى هذا لو رمى حصاةً فوقعت في ثوب إنسان، فقذفها هذا الإنسان حتى وقعت في المرمى، فإنها لا تجزئ، وأيضاً لا يشترط أن تستقر في المرمى، فلو أنه رمى الحصاة ووقعت في المرمى، ثم بعد ذلك تدحرجت من المرمى، فنقول بأنها مجزئة.

    التكبير ورفع اليدين عند الرمي

    قال المؤلف رحمه الله: [يكبر مع كل حصاة].

    هذا هو السنة، وسبق أن أوردنا حديث جابر رضي الله تعالى عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويرفع يديه في الرمي].

    قال بعض العلماء: يرفع يده حتى يرى بياض إبطه، قالوا: لأن هذا أعون في الرمي، ويدل لذلك حديث جابر قال: ( فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة )، قوله: (فرماها)، هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يده، لو أنه قال: وضعها، لقلنا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع يده، وإنما قال: رماها، ولا يكون رمياً إلا مع رفع اليد.

    قطع التلبية

    قال المؤلف رحمه الله: [ويقطع التلبية بابتداء الرمي].

    التلبية تستمر من حين الإحرام من اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، فاليوم الثامن يلبي واليوم التاسع يلبي واليوم العاشر وهو يوم النحر فإذا شرع في رمي جمرة العقبة، فإنه يقطع التلبية، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى في قوله: (ويقطع التلبية بابتداء الرمي) أنه يقطع التلبية بأول حصاة يكبر ويقطع التلبية، ويدل لهذا حديث الفضل بن العباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمة العقبة ) وهذا الحديث في الصحيحين، وفي لفظ من حديث الفضل بن العباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة ) فقوله: (حتى بلغ الجمرة)، يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتى الجمرة قطع التلبية.

    والرأي الثاني: هو رأي ابن حزم رحمه الله، يقول: بأنه يلبي ويستمر بالتلبية حتى ينتهي من الرمي، ويأخذ بحديث الفضل بن العباس السابق، فإن فيه: ( لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة )، يعني: انتهى من رمي جمرة العقبة، لكن الصواب في هذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، لما ذكرنا من الرواية الأخرى، قال: ( حتى بلغ الجمرة )، وهذا صريح في أن التلبية تنتهي ببلوغ جمرة العقبة.

    وأيضاً كما تقدم لنا في حديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم يكبر مع كل حصاة )، فكونه يكبر مع كل حصاة فهذا يدل على أن ذكر التلبية قد انتهى؛ لأن جابر ما ذكر أنه يكبر ويلبي، وإنما ذكر أنه يكبر فقط.

    الرأي الثالث: رأي المالكية: قالوا بأنه يلبي إلى زوال الشمس من يوم عرفة، إلا إن زالت قبل وصوله إلى المصلى فيلبي إلى أن يصل المصلى، قالوا: لوروده عن علي رضي الله تعالى عنه.

    إذاً: المالكية يقولون: يلبي إلى اليوم التاسع إلى زوال الشمس من يوم عرفة، إلا إن زالت الشمس قبل أن يصل إلى المصلى فإنه يلبي إلى أن يصل إلى المصلى، والراجح في هذا: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    وضع الرامي أثناء الرمي

    قال المؤلف رحمه الله: [ويستبطن الوادي، ويستقبل القبلة ولا يقف عندها].

    قوله: (يستبطن الوادي) يعني: يرمي من بطن الوادي؛ لأن جمرة العقبة كانت في الزمن السابق في ظهر جبل، وكان تحتها وادي، فيقول المؤلف رحمه الله: يرمي من بطن الوادي.

    وقوله: (ويستقبل القبلة)، وعلى هذا إذا كان سيستقبل القبلة تكون جمرة العقبة على جانبه الأيمن ويرميها، هذا هو المذهب، يعني: أنك لا تجعل الجمرة بين يديك، وإنما تجعل الجمرة على يمينك.. وترميها وأنت مستقبل القبلة، وهذه الصفة فيها نظر، فالصحيح أن الصفة الصحيحة هي ما رواها ابن مسعود : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه واستقبل الجمرة -جعل الجمرة بين يديه- وقال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، ورماها بسبع حصيات ).

    والحنابلة رحمهم الله أخذوا هذه الصفة، فقالوا: لا يجعل القبلة عن يساره، وإنما يستقبل القبلة، وقالوا: لأن هذا وارد في سنن الترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، والترمذي صحح هذا الحديث، لكن مع أن الترمذي صحح هذا الحديث، فإنا نقول: الصواب في ذلك ما ثبت في الصحيحين ولا يعارض ما جاء في سنن الترمذي ، فالصواب في ذلك أنه يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه، وهو الذي رواه البخاري .

    وأما حديث الترمذي وإن كان الترمذي صححه فإن العلماء حكموا عليه بالشذوذ، وأيضاً قالوا: في إسناده المسعودي والمسعودي هذا قد اختلط.

    الحكمة من عدم وقوف النبي صلى الله عليه وسلم عند جمرة العقبة

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يقف عندها].

    نقول: بأنه يرمي جمرة العقبة بسبع حصياتٍ متعاقبات ولا يقف عندها، واختلف العلماء رحمهم الله في العلة في كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف عند جمرة العقبة، فقال بعض العلماء: لأن المكان ضيق فلا يقف، وقال بعض العلماء: لا يقف عندها لأن العبادة قد انتهت، وهذا رأي ابن القيم رحمه الله. فالعبادة قد انتهت والذكر يكون في جوف العبادة، وهذا القول هو الصواب.

    1.   

    ما يشرع للحاج بعد الانتهاء من الرمي

    استحباب نحر الحاج هديه بيده

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم ينحر هديه].

    هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث جابر رضي الله تعالى عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رمى جمرة العقبة ذهب إلى المنحر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أهدى مائة بدنة، فنحر بيده ثلاثاً وستين، وأمر علياً رضي الله تعالى عنه أن ينحر الباقي، والهدي هذا إن كان هدي متعة أو قران فهذا واجب كما سيأتينا إن شاء الله، وإن لم يكن الإنسان متمتعاً أو قارناً فقد قال العلماء رحمهم الله: يستحب له أن يتطوع إذا كان مفرداً.

    تعميم الحاج رأسه بالحلق أو بالتقصير

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يحلق رأسه أو يقصره].

    أيضاً هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن نحر حلق رأسه معمر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، والحلق أفضل من التقصير؛ لأن الله عز وجل ابتدأ به، فقال: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27] ولأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثاً، وأما المقصرين فإنه دعا لهم مرةً واحدة، وهذا في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.

    وقوله: (ثم يحلق رأسه أو يقصره) يفهم من كلام المؤلف: أنه لا بد أن يحلق كل رأسه، أو يقصر كل رأسه، يعني: لا بد أن يعمم رأسه بالحلق أو بالتقصير، والتقصير لا يشترط أن يأخذ من كل شعرة بعينها، المهم: أن يعمم رأسه بالتقصير، من الناصية ومن الجوانب ومن الوسط ومن القفا.. يعمم كل رأسه بالتقصير، أما أن يأخذ من جانب دون جانب فإن هذا لا يجزئ، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه، وهو مذهب أحمد وبه قال مالك ؛ لأن الله عز وجل قال: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27] وهذا يشمل كل الرأس؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق كل رأسه ولم يترك جانباً لم يحلقه عليه الصلاة والسلام.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية، قالوا: بأنه يكفي بعض الرأس، وأضعف من ذلك رأي الشافعية، قالوا: يكفي ثلاث شعرات، وهذا كله فيه نظر، والصواب في ذلك ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    أما المرأة فلا تحلق لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير ) وهذا الحديث رواه أبو داود وحسنه الحافظ ابن حجر وقوى إسناده البخاري .

    والمرأة -كما قلنا- لا تحلق وإنما تقصر من كل ظفيرة قدر أنملة، وإن كان الشعر مفلولاً فتجمع أطرافه، وتأخذ منها قدر أنملة، ويعني: طول الأنمل، وبعض النساء تأخذ الظفيرة وتلفها على الأصبع وهذا خطأ، المقصود: قدر أنملة أي: طول الأنملة، أما لف الظفيرة على الأصبع ثم تأخذ قدرها هذا خطأ، إذا كان مدرج درجات فكل خصلة تجمعها وتقص منها قدر أنملة.

    1.   

    التحلل الأول

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم قد حل له كل شيء إلا النساء].

    بم يحصل التحلل الأول؟

    ظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أن التحلل الأول يحصل باثنين، وهما: الرمي والحلق؛ لأنه بعد الحلق قال: ثم حل له كل شيء، فظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه يحصل التحلل الأول باثنين لا بد منهما: الرمي والحلق، وهذا القول هو الظاهر من السنة، يعني: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت )، قالت: (لحله) سمته متحللاً قبل الطواف بالبيت.

    ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم قبل الطواف؟ رمى وحلق.. فالنحر هذا ليس داخلاً في التحلل، قالت: (لحله قبل أن يطوف بالبيت)، فسمته متحللاً قبل أن يذهب يطوف وطيبته عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على أنه تحلل بهذين الاثنين، وأيضاً ليس من الحكمة أن النبي صلى الله عليه وسلم يتحلل بالرمي ثم يتطيب ثم يحلق، فالصواب في ذلك: ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وأنه يحصل التحلل باثنين معينين.

    والمذهب على أنه يحصل التحلل باثنين من ثلاثة، يعني: غير معينين، قد يذهب الإنسان ويرمي ولا يحلق ثم يذهب ليطوف، فالمذهب ومذهب الشافعية: أنه إذا فعل اثنين من ثلاثة: الرمي والحلق والطواف مع السعي، إذا فعل اثنين من هذه الثلاثة فإنه يتحلل التحلل الأول، وهذا هو المشهور من المذهب، وكذلك أيضاً مذهب الشافعية.

    والرأي الثالث: رأي المالكية: أن التحلل يحصل برمي جمرة العقبة، والحنفية يقولون: لا يحصل التحلل الأول إلا بالحلق، والصحيح في ذلك هو الرأي الأول الذي ذكرنا، وأما حديث عائشة وحديث ابن عباس : ( إذا رميتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء )، فالأحاديث الواردة في التحلل:

    أولاً: حديث عائشة: (إذا رميتم وحلقتم...).

    ثانياً: حديث ابن عباس : (إذا رميتم الجمرة...)، هذه الأحاديث كلها ضعيفة، ولا يبقى عندنا إلا حديث عائشة رضي الله تعالى عنهما الثابت في الصحيحين، وعلى هذا نقول: الأقرب في هذه المسألة أنه يحصل التحلل الأول باثنين معينين.

    وأما حديث ابن عباس : ( إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيءٍ إلا النساء ) فهذا منقطع، وأيضاً حديث عائشة : ( إذا رمى أحدكم جمرة العقبة حل له كل شيء إلا النساء ) أيضاً هذا رواه أبو داود وهو ضعيف، في إسناده الحجاج بن أرطأة وهو مدلس وقد عنعن ولم يسمع من الزهري .

    بعد أن حلق استحبوا له أن يتطيب كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، ويذهب يطوف وهو متطيب كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    طواف الإفاضة

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يفيض إلى مكة فيطوف للزيارة].

    يعني: يذهب إلى مكة ويطوف الزيارة، وطواف الزيارة ركن من أركان الحج، والعلماء مجمعون على ذلك، ودليله:

    قول الله عز وجل: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29] فقضاء التفث وإيفاء النذر يكون يوم النحر، ثم قال الله عز وجل: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29].

    وأيضاً حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية فأراد منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يريد الرجل من أهله، فقلت: إنها حائض، فقال: أحابستنا هي؟ ) هذا الحديث في الصحيحين، هذا يدل على أن طواف الإفاضة ركن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أحابستنا هي؟ ) لو كان واجباً ما حبس، وإنما حبس لكونه ركناً لا بد أن يؤتى به.

    ولهذا طواف الوداع لما كان واجباً هل يحبس أو لا يحبس؟ لا يحبس، خفف عنها، فإذا حاضت المرأة قبل أن تطوف طواف الوداع فإنها تنفر ولا شيء عليها، لكن طواف الإفاضة لما كان واجباً، وقيل: ( يا رسول الله! إنها حائض، قال: أحابستنا هي؟ ) فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ( إنها أفاضت، قال: فلتنفر إذاً ).

    أول وقت طواف الإفاضة

    بالنسبة لطواف الإفاضة ذكرنا أنه ركن، لكن متى يبدأ وقته؟ وما هو آخر وقته؟ وما هو الوقت الأفضل أن يفعل فيه؟

    نقول: وقته يبدأ من حين دخول وقت الدفع من مزدلفة، يعني: أن عندنا أنساك يدخل وقتها، طواف الإفاضة والسعي ورمي جمرة العقبة والحلق والتقصير، إذا دخل وقت الدفع من مزدلفة إلى منى فهذه أربعة أنساك كلها دخل وقتها.

    أما النحر فلا بد من دخول وقته؛ لأن وقت النحر المشهور من المذهب أنه من بعد صلاة العيد أو قدرها ممن لا يصلي، والرأي الثاني رأي الحنفية: أنه من بعد طلوع الفجر.

    المهم إذا دخل وقت الدفع من مزدلفة إلى منى فهذه الأنساك الأربعة دخل وقتها: طواف الإفاضة، والسعي، والحلق أو التقصير، ورمي جمرة العقبة.

    آخر وقت لطواف الإفاضة

    وطواف الإفاضة المشهور من مذهب الشافعية أنه لا حد لآخره، والعلماء يقولون: وقته العمر، يعني: لو أن الإنسان لم يطف إلا بعد يوم أو يومين أو أسبوع أو أسبوعين فكله جائز، حتى لو خرج من مكة ورجع فهو جائز، لكن يبقى أنه لم يتحلل التحلل الثاني، والأئمة متفقون على ذلك، لكن الحنفية يقولون: إن أخره عن أيام التشريق لزمه دم، والمالكية يقولون: إن أخره عن شهر ذي الحجة لزمه دم، والصحيح أنه لا دم عليه، وأن آخره غير محدود.

    وما هو وقته الأفضل؟ نقول: وقته الأفضل أن يفعله يوم النحر؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    السعي بين الصفا والمروة للمتمتع

    قوله رحمه الله: [ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً].

    يفهم من كلام المؤلف رحمه الله أن المتمتع يلزمه سعيان: سعي لعمرته، وسعي لحجه، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، والرأي الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن المتمتع يكفيه سعي واحد، ولكل منهم دليل.

    أما الجمهور فاستدلوا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: ( فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى ) وهذا في الصحيحين.

    وأيضاً حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: ( أهل المهاجرون والأنصار ) إلى أن قال: ( فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ) .

    ويتكلم عن المتمتعين ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (أهل المهاجرون والأنصار) إلى أن قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة، إلا من قلد الهدي، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ) ثم قال: ( فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ) هذا يدل على أن المتمتع كم عليه؟ عليه سعيان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة ) قال: ( فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ) ثم قال: ( فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ) وهذا أخرجه البخاري معلقاً.

    ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رد على هذه الأدلة وحكم عليها بالضعف، واستدل على ذلك بحديث جابر ، وحديث جابر قال: ( لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً ) وهذا رواه مسلم ، لكن أجاب عنه الجمهور بأن المراد هنا من هم؟ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه القارنين.