إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب المناسك [7]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من كرر محظوراً من جنسٍ غير قتل الصيد فعليه كفارة واحدة، ومن كرَّر محظوراً من أجناس مختلفة فلكل واحد كفارة، والحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه، وسائر المحظورات لا شيء في سهوه، وكل هدي أو إطعام يتعلق بالحرم أو الإحرام فهو لمساكين الحرم إلا ف

    1.   

    تابع الفدية التي تقع على الترتيب

    تقدم لنا شيء من أحكام الفدية، وأن المؤلف رحمه الله ذكر أن الفدية على ضربين: أحدهما على التخيير، وهي فدية الأذى، يعني: حلق الرأس واللبس والطيب، وأنه مخير بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، وبينا أيضاً ما المراد بالشاة، وأيضاً جزاء الصيد مخير بين أن يذبح الجزاء إن كان له جزاء، أو يقوّم الجزاء ويشترى بقيمته، أو يخرج من عنده طعاماً يطعمه المساكين، أو يصوم عن كل مدٍ إن أطعم براً يوماً، وعن كل مدين إن أطعم من غير البر كما تقدم بيانه.

    وأن الضرب الثاني: على الترتيب، وذكر من ذلك فدية المتمتع، وأن المتمتع يلزمه شاة، فإن لم يجد شاةً فإنه ينتقل إلى الصيام، فيجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وتكلمنا متى يبدأ وقت صيام الأيام الثلاثة ومتى ينتهي، وكذلك أيضاً متى يبدأ وقت صيام الأيام السبعة.

    ثم قال المؤلف رحمه الله: (وفدية الجماع بدنة).

    أيضاً هذه من الفدية التي تجب على الترتيب وعلى المشهور من المذهب، وهي فدية الجماع.

    والجماع -كما تقدم لنا أنه- لا يخلو من ثلاث حالات:

    إما أن يجامع قبل الوقوف بعرفة، فهذا تقدم حكمه، ومن أحكامه: أنه تلزمه البدنة.

    والحالة الثانية: أن يجامع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، وهذا أيضاً ذكرنا أحكامه ما يلزم عليه، وأنه يجب عليه بدنة.

    والحالة الثالثة: أن يجامع بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني، وهذا لا تجب عليه البدنة، وإنما يجب عليه فدية أذى.

    المهم أنه إذا جامع قبل التحلل الأول فإنه يجب عليه بدنة.

    فإذا لم يجد البدنة -إما لكونه فقيراً معدماً، وإما لكونه لم يجد بدنةً تباع- فهل يجب عليه أن يصوم أو لا يجب عليه أن يصوم؟ قال المؤلف رحمه الله: (فإن لم يجد فصيام كصيام المتمتع) أي: إذا لم يجد بدنةً فإنه يجب عليه أن يصوم كصيام المتمتع الذي عُدم الهدي، أي: أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رجع إلى أهله، فيجب عليه أن يصوم عشرة أيام؛ لأن المتمتع كما تقدم إذا لم يجد شاةً فإنه يصوم ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةً إذا رجع إلى أهله.

    والدليل على أن المجامع يجب عليه الصيام إذا لم يجد البدنة: القياس على المتمتع، وذهب بعض أهل العلم إلى أن المجامع إذا لم يجد بدنةً -إما لفقره، أو لكونه لم يجدها تباع- أنه لا يجب عليه الصيام؛ لأن الذي ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن عليه الهدي ولم يذكروا صياماً، وهذا القول هو الصواب؛ أنه تجب عليه بدنة، فإذا لم يجد بدنةً فإنه لا يجب عليه أن يصوم، وهذا هو الصواب في هذه المسألة.

    فدية من فاته الحج والمحصر

    قال رحمه الله: (وكذلك الحكم في دم الفوات).

    ما هو الفوات؟ الفوات: هو أن يطلع فجر يوم النحر قبل أن يقف الحاج بعرفة، فإذا طلع فجر يوم النحر قبل أن يقف بعرفة فاته الحج بإجماع العلماء، وما الذي يلزمه إذا فاته الحج؟ سيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بأحكام الفوات والإحصار.

    من الأحكام المترتبة على فوات الحج: أنه يجب عليه أن يذبح هدياً، أي: هذا الذي طلع عليه فجر يوم النحر -اليوم العاشر- ولم يقف بعرفة فإنه يجب عليه أن يذبح هدياً، وسيأتينا أيضاً أن بعض العلماء لم يوجب عليه الهدي، وأن الأصل في ذلك براءة الذمة.

    ويرد على الذين أوجبوا الهدي كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله سؤال: إذا لم يجد الهدي فما الحكم؟ يقول المؤلف رحمه الله: فإنه يصوم عشرة أيام كالمتمتع، والصحيح في ذلك أن إيجاب الهدي هذا فيه نظر -كما سيأتينا إن شاء الله- أي: أصلاً إيجاب الهدي على من فاته الحج هذا فيه نظر، فمن باب أولى بدله وهو الصيام كما سيأتي بإذن الله.

    قال رحمه الله: [والمحصر يلزمه دم، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام].

    أيضاً المحصر، والإحصار كما سيأتي: هو منع الناسك من إتمام نسكه، فإذا أحصر ولم يتمكن من إتمام النسك فإن له أن يتحلل؛ فيذبح شاة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما أحصره المشركون في غزوة الحديبية، فذبح النبي عليه الصلاة والسلام الهدي الذي معه وحلق ثم حل.

    فنقول: بالنسبة للمحصر يذبح الهدي، فإذا لم يجد المحصر هدياً -إما لفقره أو لم يجده يباع- فما الحكم؟

    يقول المؤلف رحمه الله: يصوم عشرة أيام ثم يحل قياساً على المتمتع، كما أن المتمتع يجب عليه أن يصوم عشرة أيام؛ ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، أيضاً المحصر يجب عليه أن يصوم عشرة أيام ثم بعد ذلك يحل.

    والصحيح أيضاً في هذه المسألة: أن المحصر إذا لم يجد هدياً فإنه لا صيام عليه؛ لأن الله عز وجل ذكر المتمتع والمحصر في آية واحدة، وذكر للمتمتع بدلاً وهو الصيام، ولم يذكر للمحصر بدلاً؛ فدل على أن الصيام غير مشروع، فالصواب في هذه المسألة: أن المحصر إذا لم يجد هدياً فإنه لا صيام عليه، والله عز وجل قال: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] ولم يقل: فإن لم يجد صام عشرة أيام!

    في المتمتع قال تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196] هذا ما ذكره الله عز وجل في الإحصار، مع أن حكم المحصر والمتمتع جاء في آية واحدة.

    وهذا بالنسبة لما ذكره المؤلف رحمه الله.

    1.   

    أقسام محظورات الإحرام من حيث الفدية

    تلخص لنا أن المؤلف رحمه الله يرى أن الفدية تنقسم إلى قسمين: قسم على التخيير، وقسم على الترتيب، والأقرب أن يقال بالنسبة للفدية في محظورات الإحرام أنها تنقسم من حيث الفدية إلى أقسام:

    القسم الأول: ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح؛ فعقد النكاح هذا لا فدية فيه.

    القسم الثاني: ما فديته فدية مغلظة، وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول، ففديته بدنة.

    القسم الثالث: ما فديته جزاؤه، وهو قتل الصيد.

    القسم الرابع والأخير: ما فديته على التخيير؛ إما أن يذبح شاةً، وإما أن يصوم ثلاثة أيام، وإما أن يطعم ستة مساكين، وهو بقية المحظورات، كحلق الرأس، وتقليم الأظفار إذا قلنا فيه فدية، واللبس، والطيب، وتغطية الرأس، هذه الأشياء على القول بأن فيها الفدية، نقول بأن الفدية فيها على التخيير بين أمورٍ ثلاثة: إما أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين، أو يذبح شاةً.

    فأصبحت محظورات الإحرام من حيث الفدية تنقسم إلى هذه الأقسام الأربعة.

    1.   

    مدى تكرار الفدية عند تكرار المحظور

    تكرار المحظور من جنس واحد

    ثم قال رحمه الله: [فصلٌ: ومن كرر محظوراً من جنسٍ غير قتل الصيد فكفارة واحدة].

    أي: جنس المحظور واحد، مثال ذلك: قلم أظافره اليوم، ثم قلم غداً، ثم قلم بعد غدٍ، فالمحظور واحد.

    قوله رحمه الله: (غير قتل الصيد) قتل الصيد يجب فيه بعدده ولو برمية واحدة، فلو فرض أن شخصاً رمى وضرب ثلاث حمامات، فإنه يجب عليه ثلاث شياه؛ لأن الحمامة قضى فيها الصحابة بشاة، ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة:95]، ولا تتحقق المثلية إلا إذا أخرج لكل صيدٍ جزاءً مستقلاً.

    فقتل الصيد هذا فيه بعدده، أما غير قتل الصيد من المحظورات إذا كررها فإنه يجب عليه كفارة واحدة، فمثلاً: هذا الرجل تطيب اليوم، ثم تطيب غداً، ثم بعد غدٍ، خلال أربعة أيام أو خمسة تطيب كل يوم، أو قلم أظافره اليوم، ثم غداً، ثم بعد غدٍ، أو لبس المخيط، ثم غطى رأسه عدة مرات، فهذا تجب عليه كفارة واحدة.

    قال رحمه الله: [فإن كفر عن الأول قبل فعل الثاني سقط حكم ما كفر عنه].

    أي: لو أنه قلم أظافره ثم أخرج الفدية؛ فأطعم مثلاً ستة مساكين، ثم بعد ذلك قلم أظافره مرةً أخرى بعد أن فدى، نقول: تجب عليك فدية أخرى، فإذا فدى ثم قلم مرةً ثالثة، نقول: تجب عليك أيضاً فدية ثالثة.. وهكذا.

    فأصبح إذا كرر محظوراً من جنسٍ واحد؛ إن فدى يجب عليه أن يخرج لكل مرة فدية، أما إذا لم يفدِ فإنه تكفي فدية واحدة، إلا أن المؤلف استثنى الصيد، فالصيد فدى أو لم يفد يجب عليه بعدده، ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة:95]. هذا حكم ما إذا فعل محظوراً من جنسٍ واحد.

    فالخلاصة فيه: إن فدى يجب للثاني فدية أخرى، إذا لم يفد تكفي الفدية الأولى، إلا إن كان صيداً فإنه يجب عليه بعدد ما قتل.

    تكرار المحظور من أجناس مختلفة

    ثم قال رحمه الله: [ومن فعل محظوراً من أجناس فلكل واحد كفارة].

    القسم الأول: أن يكون المحظور من جنس واحد كما تقدم، قلم أظافره عدة مرات، أو حلق عدة مرات، أو لبس عدة مرات.

    القسم الثاني: أن يكون من أجناس، فهذا يجب لكل محظور فدية مستقلة، فمثلاً: هذا رجل حلق شعر رأسه وجامع، نقول: يجب عليه فديتان؛ فدية الجماع وفدية حلق الرأس لأنه من أجناس، وعلى هذا فقس.

    1.   

    أثر الجهل والنسيان في لزوم الفدية

    قال رحمه الله: [والحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه، وسائر المحظورات لا شيء في سهوه].

    لما تكلم المؤلف رحمه الله عن فدية المحظورات أراد أن يبين ما هو المحظور الذي يعذر فيه بالجهل والنسيان، وما هو المحظور الذي لا يعذر فيه بالجهل والنسيان.

    محظورات لا يعذر فيها بالجهل والنسيان

    قوله: (الحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه).

    هذه الأصناف الأربعة عمده وسهوه كله سواء، فتجب فيه الفدية، فلو أن الإنسان نسي وقلم أظافره وجبت عليه الفدية، ولو أنه حلق ناسياً وجبت عليه الفدية، ولو أنه قتل الصيد ناسياً أو وطء ناسياً وجبت عليه الفدية، لماذا تجب الفدية هنا؟ قالوا: لأن هذا من قبيل الإتلاف، فلما كان فيه من قبيل الإتلاف لا يمكن تداركه إلا بأن يخرج الفدية.

    فهذه الأصناف الأربعة من قبيل الإتلاف ولا يمكن تداركها.

    محظورات يعذر فيها بالسهو

    أما بقية الأصناف فيقول فيها: [وسائر المحظورات لا شيء فيه].

    فقوله: (سائر المحظورات) يشمل: الطيب، هذا لو فعله سهواً لا شيء عليه، أيضاً لبس المخيط للذكر لو فعله سهواً لا شيء عليه، أيضاً تغطية الرأس للذكر لو فعله سهواً لا شيء عليه، وعقد النكاح أصلاً يرون أنه ليس فيه فدية، والمباشرة لو فعلها سهواً لا شيء عليه أي: المباشرة دون الجماع.

    فأصبح عندنا أربعة يستوي عمدها وسهوها في وجوب الفدية، وهي: التقليم والحلق والوطء وقتل الصيد.

    أربعة يعذر فيها بالسهو وتجب الفدية في حال العمد، وهي: لبس المخيط بالنسبة للذكر، وتغطية الرأس للذكر، والطيب، والمباشرة، والمرأة كما تقدم لنا أنها لا تلبس لباساً خاصاً بأي شيء -باليدين ولا بالوجه- فهذه الأربعة يعذر فيها بالسهو فلا تجب فيها فدية، فلو فعلها سهواً لا تجب عليه فيها فدية.

    وقسم لا فدية فيه أصلاً: وهو عقد النكاح، وإنما يعذر في هذه الأربعة بالسهو؛ لقول الله عز وجل: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ).

    أقسام فاعل المحظورات من حيث الفدية

    والأقرب أن يقال بأن فاعل المحظورات لا يخلو من أقسام ثلاثة:

    القسم الأول: أن يفعل المحظور عالماً ذاكراً مختاراً غير معذور، فهذا يأثم وتجب عليه الفدية؛ لقول الله عز وجل: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]، فهذا رجل -مثلاً- حلق رأسه وهو عالم مختار ذاكر فهو غير معذور؛ عالم غير جاهل، ومختار غير مكره، وذاكر غير ناسي، فهذا نقول: إن الفدية تجب عليه، وذكرنا دليل ذلك قول الله عز وجل: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196].

    القسم الثاني: أن يفعل المحظور عالماً ذاكراً مختاراً لكنه معذور، ليس مكرهاً ولا ناسياً ولا جاهلاً لكنه معذور، فما هو الحكم هنا؟ نقول: لا يأثم، لكن تجب عليه الفدية، وهذا مثل كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، عالم وذاكر ومختار لكنه معذور؛ لأن هوام رأسه آذته، فنقول: هنا لا يأثم، لكن تجب عليه الفدية؛ لقول الله عز وجل: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196].

    القسم الثالث: أن يفعل المحظور إما جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً؛ فالمذهب على التفصيل؛ فقالوا: إن كان من قبيل الإتلاف فهذا لا يعذر، والذي من قبيل الإتلاف كما ذكرنا أربعة أشياء: الحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد، وإن كان من غير قبيل الإتلاف فيعذر، مثلاً: لو تطيب وهو ناسٍ أو جاهل أو مكره، أو لبس الرجل المخيط أو غطى رأسه أو باشر، فإذا كان مكرهاً أو ناسياً أو جاهلاً؛ فهذا يعذر.

    ويلحق بهذا: إذا لبست المرأة لباساً خاصاً بالوجه والكفين فقالوا: هذه تعذر؛ لأن هذا ليس من قبيل الإتلاف، وهذا كما ذكرنا هو المذهب، وأيضاً هو مذهب الشافعية وهو الرأي الأول.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية والمالكية أنه لا يعذر مطلقاً، سواء كان من قبيل الإتلاف أو كان من غير قبيل الإتلاف.

    والرأي الثالث: أنه يعذر مطلقاً، أي: سواء كان من قبيل الإتلاف أو كان من غير قبيل الإتلاف، وعلى هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك أيضاً ابن القيم ، وهو رواية عن الإمام أحمد : لو قلم أظافره وهو ناسٍ فلا شيء عليه، ولو حلق وهو ناسٍ لا شيء عليه، ولو وطء وهو ناسٍ لا شيء عليه، ولو تطيب أو لبس أو غطى رأسه وهو ناسٍ أو جاهل أو مكره هذا كله لا شيء عليه، وهذا القول هو الصواب، ودليل ذلك: أن الله عز وجل قال في الصيد وهو أعظم الإتلافات: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة:95]، فقال الله عز وجل: (مُتَعَمِّداً) فدل ذلك على أنه إذا كان غير متعمد أنه لا يجب عليه شيء، فالله عز وجل أوجب الجزاء متى؟ في حال العمد، فدل على أنه في حال عدم العمد ناسٍ أو مكره أو جاهل أنه لا شيء عليه.

    وأيضاً يدل لهذا حديث يعلى بن أمية : ( أن رجلاً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو بالجعرانة، وقد أهلَّ بالعمرة وهو مصفر لحيته ورأسه وعليه جبة، فقال: يا رسول الله! إني أحرمت وأنا كما ترى. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: انزع الجبة، واغسل عنك الصفرة )؛ لأن الصفرة هذه طيب -زعفران- ( واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك )، وهذا في الصحيحين، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالفدية.

    فهذا الرجل لما كان جاهلاً لبس الجبة فأحرم وعليه الجبة، وصفر لحيته ورأسه، ومع ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( انزع الجبة، واغسل عنك الصفرة، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك ) وهذا القول هو الصواب.

    نقول: الصواب في هذه المسألة أنه لا يلزمه شيء إذا كان جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً، سواء كان ذلك من قبيل الإتلاف، أو كان من غير قبيل الإتلاف، أي: كل المحظورات.

    1.   

    مكان ذبح الهدي وإخراج الفدية

    قال رحمه الله: [وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم].

    هنا أراد المؤلف رحمه الله أن يبين مكان ذبح الهدي، ومكان إطعام الطعام؛ لأن الفدية -كما تقدم- إما أن تكون ذبحاً، وإما أن تكون طعاماً، وإما أن تكون صياماً، فمثلاً: المتمتع فيه إما أن يذبح شاة أو أن يصوم، وفي جزاء الصيد إما أن يذبح المثل إن كان له مثل، أو يطعم أو يصوم كما تقدم تفصيله.

    أيضاً في فدية الأذى: حلق الرأس، فهو مخير بين الصيام والصدقة والنسك، فأراد المؤلف رحمه الله أن يبين أين يكون الهدي، وأين يكون الذبح، وأين يكون الصيام، فقال: (كل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم)، هذا ضابط: كل هدي أو إطعام يتعلق بالحرم أو الإحرام فهو لمساكين الحرم، وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، مثل: هدي المتمتع هذا يتعلق بالإحرام، وهدي القارن يتعلق بالإحرام، وفدية الأذى تتعلق بالإحرام، وفدية المحظورات كلها تتعلق بالإحرام، وقاتل صيد الحرم يتعلق بالحرم، وقتل الصيد للمحرم يتعلق بالإحرام، الضابط أن نقول: كل هديٍ أو إطعامٍ يتعلق بالحرم أو الإحرام فإنه يكون لمساكين الحرم، لكن استثنى المؤلف رحمه الله أمرين كما سيأتي.

    لكن من هم مساكين الحرم؟ نقول: مساكين الحرم من كان فقيراً داخل الحرم، سواء كان من أهله أو كان من غير أهله، أي: كل مسكين داخل الحرم يجوز أن تعطيه، سواء كان من أهله أو من غير أهله، مثلاً: إنسان جاء من المغرب أو من المشرق وهو فقير، والمحرم فعل محظوراً داخل الحرم، فأخرج الفدية داخل الحرم، وأعطاها للذي جاء من المشرق أو من المغرب، هل يصح أو لا يصح؟ نقول: يصح، فهو لمساكين الحرم من كان أصلياً مقيماً فيه، ومن كان وارداً عليه، فهؤلاء كلهم يجوز أن يعطوا من الفدية.

    ودليل ذلك قول الله عز وجل: هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95]، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( نحرت هاهنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم ) وقال عليه الصلاة والسلام: ( كل فجاج مكة طريق ومنحر ).

    مكان إخراج فدية الأذى

    قال المؤلف رحمه الله: [إلا فدية الأذى فإنه يفرقها في الموضع الذي حلق به، وهدي المحصر ينحره في موضعه].

    استثنى المؤلف رحمه الله مسألتين:

    المسألة الأولى: قال: (فدية الأذى) لو حلق خارج الحرم، هناك إنسان أحرم مثلاً في السيل الكبير في قرن المنازل، أحرم وانتهى، وفي السيل فعل محظوراً من محظورات الإحرام -حلق رأسه مثلاً- ما هي الفدية الواجبة عليه؟ (فدية من صيام أو صدقة أو نسك)، قال: أريد أن أطعم، نقول: أطعم ستة مساكين؛ أطعم في الحل لا بأس في ذلك، ويجوز أن تطعمها في الحرم، نقول: لا بأس أنك تطعم في مكانك مع أنه من الحل، ويجوز أيضاً أن تطعمها داخل الحرم.

    قال: أريد أن أذبح، نقول: لا بأس، اذبح وأطعم هذه للمساكين في الموضع الذي فعلت فيه المحظور ولو كان خارج الحرم، ويجوز أيضاً أن يؤخر الذبح إلى أن يأتي الحرم ويذبح في الحرم ويعطي مساكين الحرم.

    إذاً: الأمر الأول الذي يستثنى هو فدية الأذى، وقصده المؤلف بقوله: (فدية الأذى)، أي: كل المحظورات، أي: المحظور إذا فعلته في الحل فلك أن تخرج فديته في مكان فعله، ولك أن تخرجها في الحرم.

    مثلاً: إنسان أحرم في السيل الكبير، وجامع أهله متعمداً ذاكراً عالماً مختاراً غير معذورٍ فما الحكم هنا؟ نقول: يجب عليه بدنة، فيذبح البدنة، ونقول: لا بأس أن تذبحها هناك وتطعمها الفقراء، أو أن تذبحها في الحرم، هذا الأمر الأول.

    وهذا دليله حديث كعب بن عجرة في الحديبية حلق رأسه، والحديبية من أي شيء؟ من الحل، ومع ذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يذبح في مكانه: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]. فنقول: لا بأس أنك تعمله في الحل أو في الحرم.

    مكان ذبح هدي المحصر

    المسألة الثانية: قال رحمه الله: (وهدي المحصر ينحره في موضعه).

    لو أنه أحصر في الحل، فنقول: لا بأس أنك تنحره في موضعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحصره المشركون في الحديبية فنحر هديه في الحديبية، ويجوز أن ينحره داخل الحرم، فهذا لا بأس، لكن نفهم أن المحصر إذا أحصر في الحل أنه مخير؛ إما أن ينحره في مكانه، وإما في الحرم.

    مكان أداء كفارة الصيام

    قال رحمه الله: [وأما الصيام فيجزئه بكل مكان].

    ودليل ذلك قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( والصوم حيث شاء )، وأيضاً استقراء الأدلة الشرعية؛ فإنه لم يرد في الأدلة الشرعية أن الصيام يتقيد بمكان، فلو -مثلاً- حلق رأسه وقال: أريد أن أصوم؛ فنقول: لا بأس أن تصوم في الحل أو أن تصوم في الحرم، فهذا كله جائز، يجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام، أو أن يطعم ستة مساكين، أو يذبح شاة، هذا غير مقيد، ولهذا قال: (بكل مكان).

    أيضاً المتمتع يجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج، سواء صامها في مكة أو صامها خارج مكة، المهم أن هذا غير مقيد.

    1.   

    آداب دخول المحرم مكة

    ثم قال رحمه الله: [باب دخول مكة].

    لما تكلم المؤلف رحمه الله عن الفدية وأقسامها، ومتى يعذر ومتى لا يعذر، شرع الآن في بيان دخول مكة وآداب دخول مكة.

    دخول مكة من أعلاها والخروج من أسفلها

    قال رحمه الله: [يستحب دخول مكة من أعلاها].

    أي: من ثنية كداء، والدليل على هذا حديث ابن عمر : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، ويخرج من الثنية السفلى )، وحديث ابن عمر في الصحيحين.

    إذاً: يستحب أن يدخل من أعلاها.

    قال بعض العلماء -وهو ظاهر كلام المؤلف رحمه الله-: يستحب أن يدخل مكة من أعلاها من ثنية كداء، سواء كانت على طريقه أو غير طريقه، فإن كانت على طريقه فالأمر ظاهر، وإذا كانت على غير طريقه فإنه يعرج عليها؛ يميل إليها ويدخل منها.

    الرأي الثاني: لا يستحب أن يتعمد ذلك بحيث أنه إذا كانت على غير طريقه يذهب ويميل إليها، بل إذا كانت على طريقه فإنه يدخلها من الثنية العليا، وأما إذا لم تكن على طريقه فإنه حسب ما تيسر له، وهذا قال به بعض الشافعية رحمهم الله.

    وهذا بناءً على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دخلها من الثنية العليا اتفاقاً، أي: لم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وإنما حصل ذلك اتفاقاً.

    كذلك أيضاً من الآداب: أن يخرج من أسفلها كما تقدم، وهذا أيضاً فعله النبي عليه الصلاة والسلام اتفاقاً لا قصداً.

    دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة

    قال رحمه الله: [ويدخل المسجد من باب بني شيبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل فيه].

    أيضاً يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة، وهذا دليله حديث جابر رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ارتفاع الضحى، وأناخ راحلته عند باب بني شيبة ثم دخل )، وهذا رواه مسلم .

    وباب بني شيبة هذا كان موجوداً أما الآن فغير موجود، أي: الباب الذي دخل منه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في الزمن السالف موجوداً وقريباً من البيت -الكعبة- أما الآن فمع التوسعة ذهب هذا الباب، فهو الآن غير موجود.

    دخول المحرم نهاراً

    كذلك أيضاً من الآداب: أن يدخل نهاراً كما في حديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ارتفاع الضحى )، وهذا هو ما ذهب إليه بعض العلماء: أن السنة أن يدخل نهاراً، وقال بعض العلماء: يدخل ليلاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أحرم من الجعرانة دخل مكة ليلاً كما في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وحسنه بعض العلماء، قال بعض العلماء بأن الدخول ليلاً ونهاراً سواء للأدلة؛ لأن كلاً منهما ورد به الدليل.

    والأقرب في هذا أن يقال: الأولى أن يدخل نهاراً ما لم يكن هناك مشقة؛ لأن هذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع.

    أول ما يبدأ به المحرم

    أيضاً من الآداب أن الإنسان لا يعرج على شيء قبل البيت، فإذا دخل مكة أول ما يبدأ به أن يذهب إلى البيت وأن يتوضأ؛ لما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ( أول شيءٍ بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم أن توضأ ثم طاف ) فنقول: يستحب للإنسان إذا دخل مكة ألا يعرج على شيء حتى يأتي البيت ويتوضأ؛ كما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

    أيضاً من الآداب قال: [فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر الله وحمده ودعا].

    أي: إذا دخلت المسجد ترفع يديك وتقول ما ورد، ما هو الوارد؟ نقول: الوارد: ( اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً، وزد من عظمه وشرفه ممن حجه واعتمر تعظيماً وتشريفاً... ) إلى آخره. هذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً كما روى ابن جريج ، وابن جريج مراسيله غير مقبولة عند أهل العلم، وعلى هذا لا يشرع ذلك، فالصحيح أنه إذا دخل المسجد الحرام يقدم رجله اليمنى ويقول كما يقول إذا دخل سائر المساجد؛ يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: ( اللهم إني أسالك رحمتك ) وإذا خرج يقول: ( اللهم إني أسألك فضلك ) هذا الذي ورد، أما هذا الذكر فلم يرد.. وهو كما قلنا ضعيف.

    قال رحمه الله: (فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر الله وحمده ودعا).

    كما تقدم الذكر الوارد: ( اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابةً وبراً.. ) إلى آخره، قلنا بأن هذا غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الابتداء بطواف العمرة للمعتمر والقدوم للمفرد والقارن

    قال رحمه الله: [ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمراً، أو بطواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً].

    من أتى البيت لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يكون معتمراً فهذا أمره ظاهر؛ يبدأ بطواف العمرة ويغنيه عن طواف القدوم.

    الحالة الثانية: أن يكون حاجاً، وهذا الحاج لا يخلو إما أن يكون متمتعاً أو قارناً أو مفرداً، فإن كان متمتعاً أيضاً يطوف طواف العمرة، وإن كان قارناً أو مفرداً فهذا الطواف يسمى: طواف القدوم.

    وطواف العمرة حكمه ركن، أي: سواء كان الإنسان يعتمر عمرة مفردة أو يعتمر عمرة التمتع فهذا الطواف ركن، وأما بالنسبة للمفرد والقارن فطواف القدوم حكمه سنة، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم خلافاً للإمام مالك رحمه الله فإنه يرى أنه واجب.

    قال رحمه الله: [فيضطبع بردائه فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر].

    طواف القدوم هذا فيه سُنتان:

    السنة الأولى: الاضطباع، والاضطباع هذا يكون في جميع الطواف من أوله إلى آخره، ويدل لذلك حديث يعلى بن أمية : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف مضطبعاً وعليه برد )، وهذا رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن ماجه ، وكذلك أيضاً حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود .

    السنة الثانية: الرمل، وسيأتي إن شاء الله بيانها.