إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب المناسك [6]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الفدية التي تلزم من أتى شيئاً من محظورات الإحرام على نوعين: الأول: ما يكون على التخيير بين الصيام والصدقة والنسك وهذا في الحلق والتطيب ولبس المخيط، أما قتل الصيد فإن كان له مثل يذبح المثل أو يُقوَّم، أو الإطعام، أو الصوم، وإن لم يكن له مثل فليس له إلا الإ

    1.   

    أوجه الشبه والاختلاف بين إحرام الرجل وإحرام المرأة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمرأة كالرجل إلا أن إحرامها في وجهها ولها لبس المخيط].

    تقدم لنا سابقاً بقية محظورات الإحرام، وذكرنا من ذلك عقد النكاح، وأنه محظور من محظورات الإحرام عند جمهور أهل العلم رحمهم الله؛ لحديث عثمان رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا ينكح المحرم ولا ينكح )، وذكرنا خلاف أبي حنيفة رحمه الله، وأنه يرى أن المحرم يصح نكاحه لحديث: ( تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بـميمونة وهو محرم )، كما رواه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    وأجبنا عن هذا الحديث بأجوبة ثلاثة، وقد ذكر العلماء رحمهم الله أجوبةً كثيرة، وذكرنا من أهم هذه الأجوبة: أن ميمونة صاحبة القصة روت أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي حلال، وكذلك أبو رافع السفير بينهما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي حلال.

    وذكرنا أن الحكم متعلق بالولي أو الزوج أو الزوجة، فإذا كان واحد منهم محرماً فإنه لا يصح النكاح، وتكلمنا أيضاً عن المباشرة للمحرم وأيضاً الجماع، وذكرنا أن الجماع للمحرم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يجامع قبل الوقوف بعرفة، والقسم الثاني: أن يجامع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، والقسم الثالث: أن يجامع بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني، وذكرنا الأحكام المترتبة على كل قسمٍ من هذه الأقسام.

    ما تشترك فيه المرأة مع الرجل من أحكام الإحرام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والمرأة كالرجل).

    أي: في كل ما تقدم من المحظورات، فتقدم لنا من المحظورات على سبيل المثال: حلق الشعر، فحلق الشعر من محظورات الإحرام للرجل وللمرأة، وتقدم أن ذكرنا ما المراد بالشعر الذي هو من المحظورات، وأيضاً عند جمهور أهل العلم أن تقليم الأظفار من المحظورات للرجل وللمرأة، والطيب من المحظورات للرجل وللمرأة.. وقتل الصيد من المحظورات للرجل وللمرأة.. والمباشرة.. والجماع.. وعقد النكاح.

    والقاعدة في ذلك: أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، والعكس بالعكس، إلا لدليلٍ يدل على التفريق، وأيضاً الأدلة عامة، فقول الله عز وجل: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ [البقرة:196] هذا يشمل الرجل والمرأة، فنقول: المرأة كالرجل في كل ما تقدم من محظورات الإحرام.

    ستر الوجه للمحرمة

    قال رحمه الله: (إلا أن إحرامها في وجهها).

    ذكر المؤلف رحمه الله أمرين، أو استثنى مسألتين تخالف فيهما المرأة الرجل:

    المسألة الأولى: قال: (إلا أن إحرامها في وجهها).

    ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين ).

    وكذلك أيضاً ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها. وهذا الأثر أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.

    والأقرب في ذلك أن يقال بأن المرأة ممنوعة من لباسٍ خاصٍ بالوجه، ولا تمنع من ستر الوجه، وقول المؤلف رحمه الله: (إحرام المرأة في وجهها) هذا التعبير فيه نظر، بل الصحيح أن يقال: المرأة ممنوعة من لباسٍ خاصٍ بالوجه، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: إحرام المرأة في وجهها، وإنما قال: ( لا تنتقب المرأة ) يعني: لا تلبس النقاب، وألحق العلماء رحمهم الله بالنقاب ما كان في معناه مما هو لباس خاص بالوجه كالبرقع مثلاً.

    وعلى ذلك نقول: المرأة لا تلبس لباساً خاصاً بالوجه، أما ستر الوجه فإن هذا جائز ولا بأس به، ولم يرد دليل ينهى المرأة عن تغطية وجهها؛ بل الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هو تغطية المرأة لوجهها، فقد روت فاطمة بنت المنذر رحمها الله تعالى قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق . وهذا الأثر أخرجه الحاكم في المستدرك وذكر صحته.

    لكن اشترط بعض العلماء ألا يمس الساتر وجه المرأة، كما ذهب إلى ذلك الحنفية والشافعية، أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيقول بأن هذا لا دليل عليه.

    فالخلاصة في ذلك: أن المرأة ممنوعة من لباس خاصٍ بالوجه، أما ستر الوجه فإن هذا جائز، وذكرنا دليلين: الدليل الأول أنه لم يرد منع من ذلك، والدليل الثاني: أن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما ذكرنا ذلك عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها.

    تغطية اليدين للمحرمة

    وقوله رحمه الله: (إلا أن إحرامها في وجهها) ظاهر كلامه أن المرأة لها أن تستر يديها وهذا صواب، فالمرأة وهي محرمة لها أن تستر يديها إلا أنها ممنوعة من لباسٍ خاصٍ باليدين لحديث ابن عمر السابق، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين ) وهذا أخرجه البخاري في صحيحه.

    فنقول بأن المرأة ممنوعة من لباس خاص باليدين كالقفازين، ومن لباس خاص بالوجه، أما كونها تستر يديها بعباءتها ونحو ذلك فهذا لا بأس به، بل إذا كانت بحضرة الرجال الأجانب فيجب عليها أن تستر وجهها وأن تستر يديها.

    فتلخص لنا أن الفرق بين المرأة والرجل كالتالي:

    الأول: اللباس الخاص بوجه المرأة.. فهي ممنوعة منه.

    الفرق الثاني: اللباس الخاص بيدي المرأة أيضاً ممنوعة منه، أما ستر الوجه وستر اليدين فإن هذا جائز ولا بأس به، بل قلنا: إذا كانت المرأة بحضرة الرجال الأجانب فيجب عليها أن تسترهما.

    لبس المخيط للمحرمة

    قوله رحمه الله: (ولها لبس المخيط).

    أي: للمرأة أن تلبس ما شاءت من المخيط بخلاف الرجل؛ فإن الرجل ليس له أن يلبس المخيط، وهذا هو الفرق الثالث: لها أن تلبس المخيط وما شاءت من الثياب ومن السراويل وسائر أنواع المخيط، أما بالنسبة للرجل فإنه يمنع من ذلك كما تقدم لنا، وسبق أن بينا ما الذي يمنع منه الرجل.

    والدليل على أن المرأة تلبس المخيط: أن الأصل في ذلك الحل، وكذلك أيضاً هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد ورد عن عائشة كما في صحيح البخاري : أنها لم تر بأساً أن تلبس المرأة الحلي، والثوب الأسود، والمورد، والخف.

    فالمرأة لها أن تلبس جوارب الرجلين، ولها أن تلبس الخفاف، ولها أن تلبس الثياب وتغطي رأسها.

    والخلاصة: أن الفرق بين الرجل والمرأة في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: لباس خاص بالوجه، المسألة الثانية: لباس خاص باليدين، المسألة الثالثة: لبس المخيط، أي اللباس الخاص بالبدن لها أن تستعمله، وما عدا ذلك فإنه جائز.

    ويباح لها أن تتحلى بالخلخال والسوار ونحو ذلك، لكن لا تظهر بهذه الزينة أمام الرجال الأجانب، وسبق أن أوردنا أثر عائشة رضي الله تعالى عنها أنها لم تر بأساً بالحلي للمرأة.

    1.   

    الفدية

    قال رحمه الله: [باب الفدية: وهي على ضربين].

    لما تكلم المؤلف رحمه الله على محظورات الإحرام شرع في بيان الفدية لهذه المحظورات، وقد سبق لنا أن بينا شيئاً من هذه الفدية فيما تقدم، لكن عقد لها المؤلف رحمه الله هذا الباب المستقل.

    فقوله رحمه الله: (الفدية) الفدى: ما يعطى في افتكاك الأسير أو الإنقاذ من الهلكة، وتسمية ما يجب على من فعل محظوراً من محظورات الإحرام بالفدية هذا يدل على أنه وقع في هلكة، وأنه يحتاج إلى شيءٍ يفديه لكي يخرجه من هذه الهلكة، وفي هذا دليل على ما تقدم وأشرنا إليه أن من فعل محظوراً من المحظورات هل يأثم أو لا يأثم؟ وذكرنا التفصيل في هذه المسألة.

    قوله رحمه الله: (وهي على ضربين).

    يعني: أن الفدية على ضربين، أي: على قسمين.

    قال رحمه الله: [أحدهما: على التخيير، وهي فدية الأذى واللبس والطيب، فله الخيار بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ثلاثة آصع من تمرٍ لستة مساكين، أو ذبح شاة].

    الفدية قسمها المؤلف رحمه الله إلى قسمين، وسنقسمها نحن تقسيماً آخر، فقسمها المؤلف رحمه الله تعالى إلى قسمين:

    القسم الأول على التخيير، والقسم الثاني على الترتيب، فما هو الذي على التخيير؟

    1.   

    الفدية التي تقع على التخيير

    فدية الأذى والطيب ولبس المخيط

    قال رحمه الله: الذي على التخيير: (فدية الأذى)، يعني: فدية حلق الرأس، وفدية اللبس، وفدية الطيب مخير فيها: فمن حلق رأسه نقول: أنت مخير، ولا يقال كما يقول بعض الناس: عليك دم، فهذا خطأ، يعني: أنه لا يجب عليه الدم مباشرة، بل هو مخير؛ لأن كونه يطعم ستة مساكين أهون عليه من الدم أو أن يصوم ثلاثة أيام، والبعض أيضاً قد يكون الصيام أيسر عليه من كونه يطعم ستة مساكين، فإذا حلق رأسه أو لبس المخيط بأن لبس ثوباً أو تطيب، فهذا يقول المؤلف رحمه الله تعالى بأنه مخير بين ثلاثة أمور: الأمر الأول أن يصوم: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ [البقرة:196] وهي أن يصوم ثلاثة أيام، أَوْ صَدَقَةٍ [البقرة:196] وهي أن يطعم ستة مساكين وسيأتينا، نُسُكٍ [البقرة:196] وهو أن يذبح شاة، والمراد إذا قال العلماء رحمهم الله: شاة، فإنه لا يتعين الضأن، نقول: أنت مخير بين واحدٍ من أمور أربعة: إما جذع ضأن، أو ثني معز، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة؛ لأنه قد يكون سبع البقرة أرخص.. أو قد يكون سبع البدنة أرخص.

    فأصبح عندنا فدية الأذى هي هذه الأمور الثلاثة، وهي للحلق، والحلق قام عليه الدليل، وتكلمنا عليه فيما سبق، يعني: متى تجب الفدية ومتى لا تجب، وأن اللبس على رأي جمهور أهل العلم فيه الفدية، والطيب على رأي جمهور أهل العلم فيه الفدية، فإذا أخذنا برأي جمهور أهل العلم، نقول: إنه مخير بين هذه الأمور الثلاثة.

    ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]، وكذلك أيضاً حديث كعب بن عجرة لما حمل للنبي صلى الله عليه وسلم وقد آذاه هوام رأسه، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يحلق رأسه وأن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين، أو يذبح شاةً.

    وقول المؤلف رحمه الله: (بين صيام ثلاثة أيام).

    ظاهر كلام المؤلف رحمه الله، أن هذه الثلاثة الأيام لا بأس أن تكون متفرقة أو تكون متتابعة؛ لأن النص ورد مطلقاً، وعلى هذا إذا صامها متفرقةً فإن هذا لا بأس به، وإن تابع بينها أيضاً لا بأس به.

    وقوله رحمه الله: (أو إطعام ثلاثة آصع).

    وهنا تكون الفدية مقدرة لكل مسكينٍ نصف صاع، فنقول: يطعم ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع؛ لأن الفدية في هذا الموضع ورد تقديرها، والكفارة في الشرع منها ما ورد تقدير المعطى والآخذ، ومنها ما ورد تقدير الآخذ دون المعطى، ومنها ما ورد تقدير المعطى دون الآخذ، وهذا حسب استقراء الأدلة الشرعية بالنسبة للفدية: إذاً: الأقسام ثلاثة:

    القسم الأول: ما ورد فيه تقدير المعطى والآخذ كما هنا، قدر المعطى بثلاثة آصع، والآخذ بستة.

    القسم الثاني: ما قدر فيه الآخذ دون المعطى، ومثاله: كفارة اليمين، وكفارة الظهار، والوطء في نهار رمضان، فهنا قدر الآخذ دون المعطى، فقال الله عز وجل: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:89] ولم يحدد هؤلاء العشرة كم يأخذون، بل يرجع ذلك إلى العرف.

    القسم الثالث: ما قدر فيه المعطى دون الآخذ، وهذا عكس القسم الثاني الذي هو ما قدر فيه الآخذ دون المعطى، وهذا مثل: زكاة الفطر، فزكاة الفطر قدر فيها المعطى دون الآخذ، تخرج صاعاً تعطيه واحداً، أي: مسكيناً أو مسكينين أو ثلاثة.. كله جائز، فالأقسام في ذلك ثلاثة.

    والشاهد هنا أنه في هذا الباب قدر المعطى من الفدية ومن يأخذ هذه الفدية فقال: (لستة مساكين).

    وقوله رحمه الله: (أو ذبح شاة).

    قوله: (شاة) هنا لا يتعين، وقلنا بأن المراد بقولهم رحمهم الله: شاة، أنه يجب عليه جذع ضأن، أو ثني معز، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة.

    جزاء قتل الصيد الذي له مثل

    قال رحمه الله: [وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم إلا الطائر فإن فيه قيمته إلا الحمامة ففيها شاة، والنعامة فيها بدنة، ويتخير بين إخراج المثل وتقويمه بطعام، فيطعم كل مسكين مداً، أو يصوم عن كل مد يوماً].

    المهم: جزاء الصيد على التخيير، وجزاء الصيد ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ما له مثل، والقسم الثاني: ما ليس له مثل؛ فإن كان الصيد الذي قتله المحرم له مثل، فنقول للمحرم: أنت مخير بين أن تخرج هذا المثل أي تذبحه، أو نقوم المثل هذا كم يساوي وتشتري بهذا المثل طعاماً، أو تخرج بقدره من بيتك، أو تصوم عن كل مدٍ يوماً، فأنت مخير بين هذه الأمور الثلاثة.

    إذا كان له مثل، نقول: أنت مخير فإما أن تذبح المثل، أو نقوم المثل كم يساوي فتشتري بقيمته طعاماً، أو تخرج طعاماً من بيتك بقدر قيمة هذه الدراهم وتعطيه للمساكين، أو تصوم عن كل مدٍ يوماً، مثال ذلك: محرم قتل نعامةً، النعامة هل لها مثل أو ليس لها مثل؟ نعم لها مثل، والصحابة رضي الله تعالى عنهم حكموا بأن النعامة فيها بدنة، فنقول لهذا الذي قتل النعامة: أنت مخير إما أن تخرج بدنة أي بعير، أو نقوم هذا البعير.. فننظر كم يساوي؟ فإن قالوا: يساوي ألف ريال، فتشتري بهذه الألف طعاماً وتعطيه للمساكين، فالألف كم تشتري بها طعاماً بالمد؟ قالوا: مثلاً من البر تشتري ألف مد، نقول: اشتر الطعام، أو أخرج من بيتك إذا كان عندك وتطعم ألف مد من البر، فإن قال: أنا لن أطعم ولن أذبح المثل، نقول له أيضاً: تصوم، وكم يجب عليه أن يصوم من الأيام؟ يجب عليه أن يصوم ألف يوم.

    فنقول: أنت مخير بين هذه الأمور الثلاثة: إما أن تذبح المثل، أو أن المثل يقوم وتشتري بقيمته طعاماً وتعطيه المساكين، أو تصوم عن كل مدٍ يوماً، ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً [المائدة:95] فقال: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) ثم قال: (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً) فأنت مخير بين هذه الأمور الثلاثة.

    فنقول: إما أنك تذبح المثل لهذا الصيد، أو نقوم المثل وتشتري به طعاماً ويعطى للمساكين، أو تصوم عن كل مدٍ يوماً، وقد قلنا بأنه يشتري طعاماً.. فما هو الطعام؟ الطعام إما أن يكون براً أو أن يكون غير بر؛ فإن كان براً فإنه يصوم عن كل مدٍ يوماً، وإن كان غير بر مثل تمر أو شعير يصوم عن كل مدين يوماً، فإذا قدرنا المثل بألف ريال، والجمل أو البعير بألف ريال، نقول: اشتر براً أو غير بر، كم تشتري بالألف أمداداً؟ فإن قالوا: تشتري ألف مد، قلنا: اعطه المساكين، أو صم عن كل مدٍ يوماً.

    فلو اشترى بالألف أيضاً ألف مد من الشعير، كم يجب عليه أن يصوم أياماً؟ عليه صيام خمسمائة يوم؛ لأن الشعير كل مسكين يأخذ مدين، أما البر فكل مسكين يأخذ مداً واحداً، فهنا يصوم خمسمائة يوم، لكن في البر يصوم ألفاً، فلو أن الألف الريال تأتي بألف مد من البر، أو ألفي صاع من الشعير، كم يجب عليه أن يصوم أياماً؟ عليه ألف يوم؛ لأنهم يقولون: يصوم عن كل مدٍ إذا كان من البر يوماً، وإن كان من غير البر كالتمر مثلاً أو الرز يصوم عن كل مدين يوماً.

    والأظهر -والله أعلم- في هذا أن يقال: أن الله عز وجل قال: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً [المائدة:95]. نقوم المثل فإن كان المثل يأتي بخمسمائة ريال، نشتري بها طعاماً، وننظر كم يأخذ المسكين عرفاً مداً أو مدين، وما هو طعامه في العرف؟ فإذا كان طعامه في العرف مداً نعطيه مداً، وإذا كان مدين نعطيه مدين، وعلى هذا أيضاً يصوم عن كل مسكين يوماً، المهم أنه ينظر في ذلك إلى العرف، والله أعلم.

    وهذا هو القسم الأول: إن كان للصيد مثل.

    جزاء قتل الصيد الذي ليس له مثل

    القسم الثاني: ألا يكون له مثل، مثل: العصافير، فالعلماء يقولون بأنه لا مثل لها، فلو أن محرماً صاد عصفوراً.. أي: قتل عصفوراً، فنقول: أنت مخير بين أمرين؛ لأن المثل لا يوجد:

    الأمر الأول: نقوم المثل وتشتري به طعاماً؛ لأنك مخير بين الإطعام والصيام، وذبح المثل هنا غير موجود، فيبقى الأمران الأخيران: الإطعام والصيام.

    فهذا العصفور كم قيمته؟ فإن قالوا: هذا العصفور قيمته ريالان، هنا العصفور ليس له مثل حتى نقول: اذبح المثل، فيبقى عندنا الأمران الأخيران، فنقول: اشتر بهذين الريالين طعاماً وأعطه المساكين، أو عليك أن تصوم كما تقدم إن كان براً تصوم عن كل مد يوماً، وإن كان غير بر فصم عن مدين يوماً، فيكون مخيراً بين الإطعام وبين الصيام على ما سبق.

    هذا بالنسبة لمعنى كلام المؤلف، ولهذا قال رحمه الله: (وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم، إلا الطائر فإن فيه قيمته إلا الحمامة ففيها شاة، والنعامة ففيها بدنة).

    فيتلخص من كلام المؤلف رحمه الله أن الطائر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: الحمامة، وهذه لها مثل، ومثل الحمامة شاة، هكذا ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وعلى هذا من قتل حمامة فهو بالخيار: إما أن يذبح شاة، أو نقوم الشاة وعليه أن يشتري بهذه القيمة طعاماً ويخرجه للمساكين، أو يصوم كما تقدم.. هذا القسم الأول.

    القسم الثاني: النعامة، وهذه فيها بدنة؛ لأن لها مثلاً، وعلى هذا نقول: أنت مخير بين الأمور الثلاثة.

    القسم الثالث: ما عدا الشاة والحمامة، وهذا ليس له مثل، وإنما تجب فيه القيمة، كما مثلنا في العصافير، وطيور البر.. وطيور الماء.. إلى آخره، فهذه ليس لها مثل فتجب فيها القيمة، وعلى كلام المؤلف أنه يكون مخيراً بين أمرين: بين الإطعام والصيام، أما النعامة والحمامة فهو مخير بين الأمور الثلاثة.

    قال رحمه الله: (يخير بين إخراج المثل أو تقويمه بطعام، ويطعم في كل مسكين مداً من بر، أو يصوم عن كل مدٍ يوماً).

    فتلخص أن الذي على التخيير أربعة من محظورات الإحرام: حلق الرأس، أو نقول: فدية الأذى، أي: إزالة الأذى، وكذلك الطيب واللبس وجزاء الصيد.. فهذه على التخيير.

    1.   

    الفدية التي تقع على الترتيب

    قال رحمه الله: [الضرب الثاني: على الترتيب، وهو هدي المتمتع، يلزمه شاة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج، وسبعةٍ إذا رجع].

    هدي التمتع

    المتمتع يجب عليه شاة، ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]. ولو أن المؤلف رحمه الله راعى لفظ القرآن لكان أحسن، فلو قال: المتمتع يلزمه هدي لكان أحسن؛ لأنه كما تقدم لنا: أن الشاة هذه ليست متعينة، بل يجب عليه: جذع ضأن، أو ثني معز، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة، وكون الإنسان أيضاً يراعي الألفاظ الواردة في القرآن والسنة هذا أحسن وأبعد عن الإيهام.

    فنقول: المتمتع يلزمه شاة، وهذا بالإجماع، والقرآن نص على ذلك.

    والقارن هل يلزمه هدي أو لا يلزمه هدي؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فجمهور أهل العلم أن القارن يلزمه هدي، ويدل لذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قارناً وأهدى، وأيضاً نساء النبي عليه الصلاة والسلام كـعائشة وغيرها كن قارنات ومع ذلك ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر كما في صحيح مسلم وغيره، فهذا دليل، ولأن القران فيه نوع من التمتع.

    والقران كان الصحابة يسمونه تمتعاً؛ لأن الإنسان تمتع بأداء نسكين في سفرة واحدة، وهو وإن لم يفصل بينهما إلا أنه تمتع في أداء نسكين في سفرةٍ واحدة.

    وعند الظاهرية أنه لا يلزمه أخذاً بظاهر القرآن، لكن الصواب في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله وأن القارن يلزمه الهدي.

    قوله رحمه الله: (فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع).

    يعني: إذا لم يجد هدياً فإنه يجب عليه أن يصوم، فإذا لم يجد هدياً إما لكونه فقيراً ولا يجد المال، أو لكونه غنياً لكن لم يجد هدياً يباع، فيلزمه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.

    وقت صيام الثلاثة الأيام لمن عدم الهدي

    لكن متى يبدأ صيام الثلاثة الأيام؟ المشهور من المذهب وكذلك أيضاً مذهب الحنفية: أنه يبدأ من حين الإحرام بالعمرة، فقد يحرم بالعمرة في ذي القعدة أو في شوال، مثلاً: إنسان يأتي مكة يريد الحج، ويحرم بالعمرة في شوال متمتعاً، ثم يحل منها، وهو فقير ما عنده شيء، فنقول: ابدأ الصيام من حين الإحرام بالعمرة، يعني: تصوم ثلاثة أيام، والدليل على ذلك أن الله عز وجل قال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ [البقرة:196].

    وإذا بدأ بالتمتع وجد السبب، والقاعدة: أن العبادة يجوز تقديمها بعد وجود سببها، فالإحرام بالعمرة سبب التمتع ووجد السبب، فإذا وجد السبب فإنه يجوز تقديم العبادة بعد وجود سببها، وهذه القاعدة نص عليها ابن رجب رحمه الله في كتابه: القواعد، ونظير ذلك كفارة اليمين، فيجوز أن تخرجها بعد السبب وقبل الحنث، مثلاً: إنسان حلف وقال: والله لا أسافر إلى الرياض، هنا وجد السبب وهو اليمين، أي: سبب الكفارة، فيجوز أنه يكفر أي قبل أن يحنث، يعني: هو حلف أنه لن يسافر، فإذا سافر حنث أو وجبت عليه الكفارة، فيجوز له أن يخرج الكفارة قبل أن يحنث، يعني: قبل أن يسافر.

    وأيضاً مثل ذلك: لو أنه قتل الصيد أو جرح الصيد، فيجوز له أن يخرج الجزاء قبل أن يموت الصيد؛ لأنه أداء للعبادة بعد وجود سببها، المهم.. هذه قاعدة ذكرها ابن رجب رحمه الله في كتاب القواعد، وذكر لها أمثلة، ويدل لهذا ما ذهب إليه الشافعية والمالكية حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة وشبك بين أصابعه ) فالشافعية والمالكية أخذوا بظاهر النص، وأن الإنسان لا يبدأ بصيام الثلاثة الأيام حتى يحرم بالحج؛ لأن الله عز وجل قال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]. فقالوا بأنه لا يشرع في صيام الثلاثة الأيام إلا بعد أن يشرع في إحرام الحج، والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة والحنفية؛ لأنه إذا أحرم بالعمرة فقد أحرم بالحج؛ لأن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة، وشبك النبي صلى الله عليه وسلم بين أصابعه.

    ومتى ينتهي وقت الصيام بالنسبة للثلاثة الأيام؟

    نقول: وقت الصيام بالنسبة للثلاثة الأيام ينتهي بغروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق، يعني: لو أن الإنسان ما صام حتى جاء يوم عرفة، وجاء يوم النحر، فنقول: يرخص له أن يصوم اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر حتى لو أن أيام التشريق يحرم صيامها لحديث نبيشة الهذلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيام التشريق أيام أكلٍ وشرب وذكرٍ لله عز وجل ) لكن يرخص كما في حديث عائشة وابن عمر رضي الله تعالى عنهم أنه رخص للمتمتع العادم الهدي أن يصوم هذه الأيام، فالوقت واسع من حين أن يحرم بالحج إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق.

    وما هو الأفضل في صيام هذه الأيام؟ هذا موضع خلاف، قال بعض العلماء: الأفضل أن يصوم هذه الأيام بحيث يكون آخرها يوم التروية، ويكون يوم عرفة مفطراً، وهذا قال به الشافعي .

    والرأي الثاني: أن الأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة وهذا هو المذهب، يعني: على المذهب يصوم السابع والثامن والتاسع، وعلى رأي الشافعي يصوم السادس والسابع والثامن.

    والرأي الثالث: أن الأفضل أن يصوم أيام التشريق؛ لأن هذا ظاهر فعل الصحابة، ولهذا كما تقدم في حديث عائشة وابن عمر رضي الله تعالى عنهم قالوا: ( لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا للمتمتع عادم الهدي )، والأقرب في ذلك هو ما ذهب إليه الشافعي وأنه يصوم السادس والسابع والثامن، وأما يوم عرفة فإنه يبقى مفطراً، وأما الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في هذه المسألة فهي مختلفة.

    وعلى هذا يظهر -والله أعلم- أن السنة أو الأفضل أن يصوم السادس والسابع والثامن.

    قال: (فصيام ثلاثة أيام في الحج).

    فتلخص لنا في الأيام الثلاثة: متى يبدأ صيامها.. ومتى ينتهي.. وما هو الوقت الأفضل؟ كل هذا كما تقدم.

    وقت صيام السبعة الأيام لمن عدم الهدي

    قوله رحمه الله: (وسبعة إذا رجع).

    السبعة متى يبدأ صيامها، ومتى ينتهي، وما هو الأفضل؟ وهذا كما قلنا في صيام الأيام الثلاثة، وهو موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فجمهور العلماء رحمهم الله أنه إذا انتهى من أعمال الحج دخل وقت صيام السبعة، حتى ولو كان في مكة، وعلى هذا يكون معنى قوله: (وسبعة إذا رجع) يعني: رجع من أي شيء؟ رجع من أعمال الحج، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى وهو الرأي الأول.

    الرأي الثاني: رأي الشافعي رحمه الله تعالى، قال: يبدأ صيامها إذا رجع إلى وطنه، وعلى رأي الشافعي لو أنه صامها قبل أن يسافر في مكة، هل يصح هذا أو لا يصح؟ على رأي الشافعي أنه لا يصح، فالجمهور قالوا: إن المراد بقوله: (إذا رجع) يعني: رجع من أعمال الحج، والشافعي أخذ بظاهر القرآن، وأيضاً ظاهر السنة حديث ابن عمر : ( وسبعةٍ إذا رجع إلى أهله ) في الصحيحين.

    والصحيح في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وأن المراد بذلك: سبعة إذا رجع من أعمال الحج، ويدل لهذا أن استقراء الشرع لم يرد في الشريعة تخصيص الصيام بمكانٍ دون مكان.. هذا ما ورد في الشريعة؛ لأننا لو قلنا بأنه سبعة إذا رجع، يعني: معناه رجع إلى وطنه، فنكون خصصنا الصيام في مكان دون مكان، وهذا لم يعهد في الشريعة؛ ولأن الإنسان أيضاً إذا انتهى من أعمال الحج فإنه يعتبر رجع، ويسمى: راجعاً.. فإذا صدر من منى فإنه يعتبر راجعاً.

    وأيضاً أن الله عز وجل قال في الآية: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196] وقوله: (إِذَا رَجَعْتُمْ) كونه يعود إلى الحج الذي سلف ذكره، وهذا أولى من عوده إلى الوطن، هذا بالنسبة لوقتها.

    وعلى هذا تلخص لنا أنه يبدأ وقت صيام السبعة الأيام إذا انتهى من أعمال الحج.

    وما هو المستحب لصيامها؟

    نقول: المستحب أن يصومها إذا رجع إلى أهله، ويدل لذلك حديث ابن عمر : ( وسبعةٍ إذا رجع إلى أهله )، وهل لها وقت تنتهي فيه أو ليس لها وقت تنتهي فيه؟ نقول: ليس لها وقت تنتهي فيه، وهل يجب التتابع في صيام هذه السبعة وكذلك أيضاً في صيام الثلاثة الأيام التي في الحج.. هل يجب التتابع أو لا يجب التتابع؟ نقول بأنه لا يجب التتابع، فسواء صام هذه الأيام الثلاثة متتابعة أو متفرقة، والسبعة سواء صامها متتابعة أو متفرقة فكل هذا جائز.

    فدية الجماع

    قال رحمه الله: [وفدية الجماع بدنة فإن لم يجد فصيام كصيام المتمتع].

    تقدم لنا متى تجب البدنة وأنه إذا جامع قبل التحلل الأول فإنه يجب عليه بدنة، فإذا لم يجد البدنة لكونه فقيراً أو ما وجدها لكونها لا تباع، فيقول المؤلف رحمه الله: (كصيام المتمتع)، وما هو صيام المتمتع؟ يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.

    والصحيح في ذلك أنه لا يلزمه الصيام، يعني: إذا كان فقيراً لا يجد شيئاً فالصحيح أنه لا يلزمه الصيام؛ لأن الصيام يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، وقد ورد عن الصحابة أنه يلزمه هدي، لكن كونه يجب عليه ذلك نقول: هذا لا دليل عليه.

    فدية فوات الحج

    قال رحمه الله: [وكذلك الحكم في دم الفوات].

    ما هو الفوات؟ الفوات كما سيأتينا إن شاء الله: هو طلوع فجر يوم النحر قبل أن يقف الحاج بعرفة، فمن طلع عليه فجر يوم النحر قبل أن يقف بعرفة فاته الحج، وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله، هذا الذي فاته الحج وهو محرم نقول: يلزمه أمور:

    الأمر الأول: أن يتحلل بعمرة، فيذهب ويتحلل بعمرة.

    الأمر الثاني: الهدي.. هل يلزمه الهدي أو لا يلزمه الهدي؟ هذا موضع خلاف، فالمؤلف رحمه الله يرى أنه يجب عليه الهدي. وهو الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه لا يجب عليه الهدي وهذا هو الأقرب؛ لأن الأصل براءة الذمة.

    وهل يجب عليه القضاء؟ هذه المسألة الثالثة؛ فإن كان الحج فرضاً يجب عليه أن يقضيه، وإن كان غير فرض فإنه لا يجب عليه أن يقضيه، المهم أن المؤلف رحمه الله يذهب إلى أن دم الفوات كالمتمتع.