إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الزكاة [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تجب الزكاة في الحبوب والثمار، ولهما نصاب معلوم، وأحكام ومسائل خاصة، فمن ذلك أن ما سقي منها بمئونة ففيه نصف العشر، وما سقي بلا مئونة ففيه العشر، وتجب الزكاة إذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر، كما تجب الزكاة في المعدن والركاز.

    1.   

    تابع زكاة الخارج من الأرض

    تقدم لنا شيء من أحكام زكاة الخارج من الأرض، وذكرنا دليل ذلك، وضابط ما تجب فيه الزكاة، وأن أهل العلم رحمهم الله اختلفوا في ذلك على ثلاثة آراء، فقال بعضهم: تجب في الحبوب والثمار التي تكال وتدخر، كما هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وعند مالك والشافعي : أنها تجب في كل ما كان قوتاً مدخراً، وعند أبي حنيفة رحمه الله: أنها تجب في كل ما خرج من الأرض مما يقصد الآدمي تنميته، وذكرنا أن طوائف من السلف قالوا: بأنها لا تجب إلا في أربعة أصناف: البر، الشعير، التمر، الزبيب.

    وذكرنا أن الأقرب في هذه المسألة ما ذهب إليه أحمد أو مالك والشافعي ، فهذا القول وسط بين القولين الآخرين.

    وتقدم أيضاً بيان النصاب، وأنها لا تجب في الحبوب والثمار حتى تبلغ نصاباً، والنصاب خمسة أوسق، والوسق: يساوي ستين صاعاً، فيساوي النصاب بالأصواع النبوية ثلاثمائة صاع، والصاع النبوي يساوي بالكيلوات: كيلوين وأربعين جراماً، وعلى هذا يكون النصاب بالكيلوات يساوي ستمائة واثني عشر كيلو.

    زكاة الخضروات والفواكه

    عند جمهور أهل العلم: أن الزكاة لا تجب في الخضروات والفواكه، كالبرتقال، والتفاح، والموز، وأيضاً سائر الخضروات كالطماطم والبقول كالكراث، والبصل، والجزر، وغير ذلك من الخضروات، فهذه لا تجب فيها الزكاة؛ لما يلي:

    أولاً: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ الزكاة من هذه الأشياء مع وجود هذه الأشياء في المدينة وحول المدينة، كانت تزرع، ومع ذلك لم يرد على النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ الزكاة من هذه البقول.

    ثانياً: قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد : ( ليس فيما دون خمسة أوسق )، وهذه الأشياء لا تكال، التفاح، والبرتقال، والخضروات، هذه الأشياء لا تكال، وحينئذٍ لا تجب الزكاة في هذه الأشياء؛ لكن إذا كانت عروض تجارة فتجب فيها الزكاة، إذا كان الإنسان عنده محل لبيع الخضروات، أو لبيع الفواكه يبيع ويشتري، تجب عليه الزكاة، الفلاح الذي ينتج هذه الأشياء لا تجب عليه الزكاة إلا إذا باعها وحال الحول على الثمن، فإذا حال الحول على الثمن فإنه يجب عليه أن يخرج الزكاة.

    مقدار الواجب في زكاة الحبوب والثمار

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويجب العشر فيما سقي من السماء والسيوح، ونصف العشر فيما سقي بكلفة كالدوالي والنواضح ].

    هنا بين المؤلف رحمه الله مقدار الواجب في زكاة هذه الحبوب والثمار، وهذا ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: ما سقي بكلفة ومئونة، كمثل بلادنا هذه: الذي يسقى بحفر الآبار، والمرشات، والمكائن، ونحو ذلك، فهذا فيه نصف العشر، يعني: فيه واحد من عشرين، وعلى هذا إذا أنتجت المزرعة ألف صاع من البر، فإنك تقسم هذا الناتج على عشرين، وحاصل القسمة هو الزكاة، فألف على عشرين يكون الواجب خمسين صاعاً من البر، هذا القسم الأول: ما سقي بكلفة ومئونة.

    القسم الثاني: ما سقي بغير كلفة ولا مئونة، كالذي يسقى عن طريق الأمطار، أو الأنهار، أو الأودية، أو يشرب بعروقه... إلى آخره، فهذا فيه العشر، يعني: فيه واحد من عشرة، وعلى هذا إذا كان عندنا مزرعة أنتجت ألف صاع من البر فمقدار الزكاة ألف صاع تقسم هذا الناتج على عشرة، وحاصل القسمة هو الزكاة، ودليل هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري : ( فيما سقت العيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر ).

    والذي يسقى بالأنهار، أو بالأودية، أو بالأمطار، هذا كما سلف فيه العشر، ولا يخرجه عن كونه سقي بلا مئونة كون صاحب المزرعة يقوم بتمديد المواسير للنهر، أو يقوم بحفر الجداول والسواقي حتى يصل الماء إلى النهر، هذا لا يخرجه عن كونه سقي بلا كلفة ولا مئونة، فمثل هذه الأشياء لا بد منها.

    القسم الثالث: أن يسقى بمئونة وبغير مئونة نصفين، فهذا فيه ثلاثة أرباع العشر، فمثلاً: إذا كان عندنا مزرعة سقيت بمئونة وبغير مئونة نصفين، فهذا زكاتها ثلاثة أرباع العشر، يعني: فيه خمسة وسبعون صاعاً إذا أنتجت ألف صاع.

    القسم الرابع: إذا تفاوتا يعني: سقي بمئونة، وسقي بغير مئونة؛ لكنه متفاوت، يعني: لم يسقا بمئونة وبغير مئونة على السواء هذا نصف وهذا نصف، وإنما تفاوتا، فقال العلماء رحمهم الله: ينظر إلى الأكثر نفعاً، فإذا كان الأكثر نفعاً ما سقي بمئونة ففيه نصف العشر، وإذا كان الأكثر نفعاً ما سقي بلا مئونة ففيه العشر.

    القسم الخامس والأخير: إذا جهلنا السقي، هل هي بمئونة أو بغير مئونة؟ يعني: جهلنا في السقي ما هو الأكثر نفعاً؟ هل هو السقي بمئونة أو بغير مئونة؟

    فهذا فيه العشر احتياطاً وإبراءً للذمة.

    وقت وجوب زكاة الحبوب والثمار

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإذا بدا الصلاح في الثمار، واشتد الحب وجبت الزكاة ].

    الآن بين المؤلف رحمه الله وقت وجوب الزكاة في الحبوب والثمار، ثم بعد ذلك يبين وقت الإخراج، فوقت الوجوب بالنسبة للثمار، فإن كانت الثمرة تمراً، فوقت وجوب الزكاة إذا بدا صلاحها بأن تحمر أو تصفر، فإذا بدا فيها الاحمرار أو الاصفرار، فنقول: وجبت الزكاة، وحينئذٍ إذا باعها بعد أن بدا فيها الاحمرار أو الاصفرار، فالزكاة تكون على البائع؛ لأن الزكاة وجبت في ملكه، إلا إذا شرط البائع على المشتري.

    فنقول: وقت الوجوب في الثمرة إذا كانت الثمرة تمراً إذا احمرت أو اصفرت، فإذا بدأ فيها الاحمرار أو الاصفرار نقول: وجبت الزكاة، وحينئذٍ لو أن المالك لهذه الثمرة باعها أو وهبها أو جعلها صداقاً لامرأة ونحو ذلك فنقول: بأن الزكاة تجب على البائع؛ لأنها وجبت الزكاة وهو مالك لها، هذا إذا كانت الثمرة تمراً، فإن كان من الثمار الأخرى غير التمر، فوقت الوجوب فيها أن تنضج وأن يطيب أكلها.

    أما بالنسبة للحبوب، فوقت الوجوب أن يشتد، يعني: أن تقوى الحبة وتصلب بحيث إذا ضغطها لا تنضغط، فحينئذٍ تجب الزكاة في هذه الحبوب.

    وعلى هذا إذا كان هذا الشخص مالكاً لهذه المزرعة، واشتد الحب وقوي وصلب، ثم باع هذا الزرع فنقول: بأن الزكاة تجب على البائع، أو وهب هذا الزرع نقول: الزكاة تجب على الواهب، أي المالك الأول أو جعله صداقاً ونحو ذلك فنقول: بأن الزكاة تجب على المالك الأول، هذا بالنسبة لوقت الوجوب.

    وقت إخراج زكاة الحبوب والثمار

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا يخرج الحب إلا مصفى ولا الثمر إلا يابسا ].

    هذا وقت الإخراج، يعني: الفلاح المزارع لا يخرج الزكاة من الحبوب إلا بعد أن يصفيه من قشره، لا بد أن يصفيه من قشره.

    قال: (ولا الثمر إلا يابساً) ما تخرج زكاة الثمر رطباً، وعلى هذا لو أن الفلاح خرف التمر وأخرج زكاة التمر رطباً، أخرج رطباً لقيطاً، ما يجزئ هذا، أو مثلاً: التين أخرج تيناً طرياً هذا لا يجزئ، أو المشمش أخرج مشمشاً طرياً هذا لا يجزئ، ما يجزئ إلا اليابس، يعني: لا بد أن تخرج ثمراً يابساً، فانتظر حتى يكون حويفاً، فإذا أصبح يابساً حويفاً تخرج الزكاة، ويستدلون على هذا بحديث عتاب بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أمر أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ زكاة النخل تمراً )؛ لكن هذا الحديث منقطع.

    وذهب ابن القيم رحمه الله: إلى أنه يجزئ أن يخرج رطباً، هذا مذهب ابن القيم رحمه الله، وهذا هو الأنفع الآن للناس، الناس الآن لو أعطيتهم صطلاً يابساً، أو صطلاً رطباً يأخذون الصطل الرطب، وعلى هذا لو أن الفلاح أو المزارع خرف النخل، وأخرج من عشرين صطلاً صطلاً من الخراف، وجعله زكاة، نقول: بأن هذا مجزئ، أما القول بأنه لا يجزئ إلا أن يكون التمر يابساً... إلى آخره، فالحديث الذي اعتمد عليه المؤلف رحمه الله وكثير من أهل العلم منقطع، وعلى هذا نقول: الصواب في هذه المسألة يجزئ إخراج الرطب، وهذا هو الأصلح، والأنفع للناس والفقراء.

    حكم الزكاة على من لم يكن مالكاً لها قبل وقت الوجوب

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا زكاة فيما يكتسبه من مباح الحب والتمر، ولا في اللقاط ].

    يعني: يشترط لوجوب الزكاة في الحبوب والثمار: أن يكون مالكاً لها وقت الوجوب، وتقدم لنا بيان وقت الوجوب، وأنه في الحبوب أن تشتد، وفي الثمار أن يبدو صلاحها بأن تحمر أو تصفر كما تقدم، فيشترط لوجوب الزكاة في الحبوب والثمار أن يكون مالكاً لها وقت الوجوب، وعلى هذا إذا لم يكن مالكاً لها وقت الوجوب فلا تجب عليه الزكاة.

    مثال ذلك: رجل اشترى المزرعة، وفيها حبوب، هذه الحبوب إذا اشتراها بعد أن اشتد الحب زكاتها تكون على البائع؛ لأن البائع هو المالك لهذه الحبوب وقت الوجوب، وهو وقت الاشتداد، كذلك أيضاً لو اشترى ثمرة النخيل بعد أن بدا الصلاح احمر أو اصفر وجاز البيع، فنقول: الزكاة هنا تجب على البائع؛ لأن البائع هو المالك وقت الوجوب، أما المشتري فليس مالكاً وقت الوجوب اللهم إلا إن كان هناك شرط، يعني: شرط البائع على المشتري أن يخرج الزكاة، فالمسلمون على شروطهم.

    كذلك أيضاً أشار المؤلف رحمه الله إلى اللقاط: الذي يتتبع المزارع بعد حصاد الناس، ويقوم بلقط الحب أو لقط الثمر بعد خراف الناس أو جذاذهم، فإذا لقط حباً أو لقط ثمراً يساوي نصاباً، فإنه لا تجب عليه الزكاة؛ لأن هذا اللقاط الذي قام بلقط لم يكن مالكاً لهذا الحب أو الثمر وقت الوجوب.

    ومثل ذلك أيضاً: لو أن شخصاً حصد الزرع ببعضه، مثلاً: اتفق صاحب المزرعة مع رجل حصاد يقوم بالحصد، فحصد الزرع بثلثه أو بربعه، فهذا الحصاد لا تجب فيه الزكاة، الزكاة تجب على المالك، أما بالنسبة للحصاد فما يأخذه من الحب أو الجذاذ الذي يأخذه من الثمر لا زكاة عليه؛ لأنه لم يكن مالكاً لهذه الأشياء وقت الوجوب.

    قال: (ولا زكاة فيما يكتسبه من مباح الحب والثمر).

    يعني: لو أن شخصاً خرج إلى البر، إلى الصحراء، وجمع من نبات الصحراء حباً حتى بلغ نصاباً، أو جمع ثمراً حتى بلغ نصاباً، نقول: لا زكاة عليه.

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا ما يأخذه أجرة لحصاده).

    هذه الأشياء كلها -كما أسلفنا- لا يجب فيها الزكاة على اللقاط، ولا ما يأخذه أجرة لحصاده، ولا على المشتري بعد وقت الوجوب، ولا على من وهبت له، ولا المرأة إذا أصدقت بعد وقت الوجوب... إلى آخره؛ لأن هؤلاء لم يكونوا مالكين لهذا الحب، أو الثمر وقت وجوب الزكاة.

    ضم صنف إلى غيره في زكاة الحبوب والثمار

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا يضم صنف من الحب والثمر إلى غيره في تكميل النصاب، إلا أن يكون صنفاً واحداً مختلف الأنواع كالتمور ففيها الزكاة ].

    لا يضم صنف إلى غيره، فلو أن رجلاً عنده مزرعة زرع جانباً منها شعيراً، والجانب الآخر براً، الشعير يساوي مائة صاع، والبر يساوي مائتي صاع، فهل نقول: تجب عليك الزكاة بحيث تضم المائة إلى المائتين، أو نقول: بأن الزكاة لا تجب؟

    نقول: بأن الزكاة لا تجب، لا يجب أن يضم الحب إلى غيره إذا كان مختلفاً بالجنس، فلا يجب عليه أن يضم الشعير إلى البر، وكذلك لا يضم البر إلى الرز، والرز إلى الدخن، والدخن إلى الذرة... إلى آخره، لا يجب عليه أن يضم هذه الأصناف إذا كانت مختلفة في الجنس.

    كذلك أيضاً: بالنسبة للثمر، ما يجب عليه أن يضم التمر إلى الزبيب، ولا يضم الزبيب إلى التين، والتين إلى المشمش، وغير ذلك من الثمار، نقول: بأنه لا يجب عليه أن يضم هذه الثمار بعضها إلى بعض، فإن بلغت بنفسها نصاباً، وإلا فإنه لا تجب الزكاة.

    قال: (فإن كان صنفاً واحداً مختلف الأنواع).

    إذا كان جنساً؛ لكنه أنواع، فإنه يضم بعض هذه الأنواع إلى بعضها، فإذا كان عنده مائة صاع من تمر السكري، ومائتا صاع من تمر البرحي، فنقول: يضم الأنواع بعضها إلى بعض، فيضم السكري إلى البرحي فيكمل عنده النصاب.

    أيضاً مثل ذلك: الحبوب، إذا كان الجنس مختلف الأنواع، مثلاً: البر تحته أنواع، الحنطة، والقيمي والمعين... إلى آخره، فإذا كان عنده من الحنطة مائة صاع، وعنده من القيمي مائتا صاع، فإنه يضم هذه المائة إلى المائتين في تكميل النصاب، الأنواع تضم، أما بالنسبة للأجناس فإنها لا تضم.

    كيفية إخراج الزكاة من الأنواع المختلفة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويخرج من كل نوع زكاته].

    وعلى هذا إذا كان عنده سكري، وبرحي، وشقر، السكري يخرج زكاته سكريا، والبرحي يخرج زكاته برحيا، والشقر يخرج زكاة من الشقر... إلى آخره.

    أيضاً: في الحبوب: الحنطة يخرج زكاته حنطة، واللقيمي يخرج زكاته لقيمي، والمعية يخرج زكاته معية ... إلى آخره.

    فيخرج الزكاة من كل نوع، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، والذي مشى عليه المؤلف رحمه الله؛ لكن هذا فيه مشقة، ولهذا الرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله أنه يخرج من الوسط، ينظر إلى أوسط هذه الثمار، أو أوسط هذه الحبوب، ويخرج منها؛ لأن كونه يخرج من كل نوع على حدته، هذا مراعاته فيه مشقة، وعلى هذا نقول: الأقرب في هذه المسألة الرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله، وأنه يخرج الوسط.

    أيضاً قال الإمام أحمد رحمه الله: لا بأس أن يخرج القيمة إذا باع البستان، لو أن إنساناً باع الثمرة، كما يفعل بعض الناس اليوم، يكون عنده ثمار، ويبدو صلاح هذه الثمار، يقوم ببيع الثمرة، فلا بأس بذلك ويخرج القيمة، ولا يكلف ويشتري ثمرة، فإذا باع الثمار مثلاً: بخمسين ألف ريال، وهو يسقى بكلفة ومئونة ففيه نصف العشر، يقسم خمسين ألفاً على عشرين وتخرج الزكاة.

    وعموماً الأصل في الزكاة أنك تخرج من جنس المال الزكوي، فالثمار تخرج ثمرها، والسائمة تخرج سائمة، والحبوب تخرج حباً، والذهب والفضة تخرج من الذهب والفضة... إلى آخره، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه لا بأس أن تخرج القيمة عند المصلحة، إذا كان هناك مصلحة فلا بأس أن تخرج القيمة، وذكرنا ما ورد عن الإمام أحمد رحمه الله: أنه إذا باع المزرعة فلا بأس أن يخرج من القيمة.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن أخرج جيداً عن الرديء جاز وله أجره ].

    لو أن إنساناً تبرع وأخرج عن الرديء جيداً، هذا جائز، وله أجر الزيادة، فمثلاً: إذا كان عنده سكري، وعنده شقر، فأخرج الزكاة كلها من السكري، فنقول: بأن هذا جيد، وله الأجر على ذلك؛ لأنه زيادة خير.

    زكاة المعدن

    قال المؤلف رحمه الله: [النوع الثاني: المعدن، ومن استخرج من معدن نصاباً من الذهب أو الفضة، أو ما قيمته نصاباً من الجواهر أو الكحل، والصفر والحديد أو غيره فعليه الزكاة ].

    هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وبه قال الإمام مالك أن الزكاة تجب في المعدن، والمعدن على المشهور من المذهب لا يخلو من أمرين:

    القسم الأول: أن يكون ذهباً أو فضة، فإن كان ذهباً أو فضة فتجب عليه الزكاة إذا أخرج نصاب ذهب أو فضة، تقدم لنا أن نصاب الذهب يساوي بالغرامات خمسة وثمانين غراماً، فإذا أخرج من الذهب خمسة وثمانين غراماً وجبت عليه الزكاة، والفضة نصابها خمسمائة وخمسة وتسعون غراماً، فإذا أخرج من معدن فضة خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً وجبت عليه الزكاة، هذا القسم الأول: إذا كان المعدن ذهباً أو فضة، فإذا أخرج نصاب ذهب أو نصاب فضة وجبت عليه الزكاة.

    القسم الثاني: أن يكون غير ذهب ولا فضة، كالكحل، والحديد، والرصاص، والنحاس... إلى آخره، فهذا تجب زكاته إذا أخرج قيمة نصاب ذهب، أو قيمة نصاب فضة، فإذا أخرج من الحديد ما قيمته نصاب ذهب، أو نصاب فضة، فينظر الأحظ للفقراء، والأحظ للفقراء اليوم الفضة؛ لأن الفضة نازلة، فإذا جمع مثلاً: من الحديد، أو من الرصاص، أو من النحاس ما تساوي قيمته خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً من الفضة، نقول: تجب في هذا الخارج الزكاة، غرام الفضة اليوم لعله يساوي ريالاً واحداً، وعلى هذا إذا أخرج من الحديد، أو من الرصاص، أو من الكحل، أو غير ذلك من المعادن ما تساوي قيمته خمسمائة وخمسة وتسعين ريالاً سعودي، إذا قلنا: بأن غرام الفضة يساوي ريالاً واحداً، نقول: وجبت عليه الزكاة، وقدر الزكاة: هو ربع العشر، ودليل وجوب الزكاة في هذا قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267] ، فيدخل في قوله سبحانه وتعالى: وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267] .

    وعند الشافعي رحمه الله: أن الزكاة لا تجب إلا في الذهب والفضة فقط؛ لكن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن الزكاة تجب في الذهب والفضة وفي غيرها من الرصاص، والنحاس، والصفر، وغير ذلك، وعند أبي حنيفة رحمه الله يقول: إن كان يقبل الطرق والسحب، وإلا لا تجب فيه الزكاة.

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يخرج إلا بعد السبك والتصفية].

    كما تقدم أنه لا يخرج زكاة الحب إلا بعد أن يصفيه من قشره، فكذلك أيضاً لا يخرج زكاة المعدن إلا بعد سبكه وتصفيته.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا شيء في اللؤلؤ، والمرجان، والعنبر، والسمك ].

    اللؤلؤ، والمرجان، هذان يستخرجان من البحر، فاللؤلؤ الذي يستخرج من البحر والمرجان، وكذلك أيضاً: العنبر والسمك، هذه لا شيء فيها؛ لأن الأصل براءة الذمة، وهذه ليست خارجة من الأرض، فلا تكون داخلة في قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267] ، هذه خارجة من البحر، ولا ورد ما يدل على وجوب الزكاة فيها، فنقول: إذا أخرج شيئاً من البحر من معادن البحر، أو جواهر البحر، ونحو ذلك، نقول: هذا لا زكاة فيه.

    وكذلك أيضاً: ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ولا شيء في صيد البر والبحر؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولم يرد ما يدل على وجوب الزكاة في صيد البر أو البحر، فإذا صاد سمكاً أو حوتاً، أو صاد من البر طيوراً أو حيوانات أو غير ذلك، فإنه لا زكاة فيها؛ لكن كما سلف لنا إذا باع هذه الأشياء، وحال الحول على الثمن فهذا فيه زكاة، أو جعله عروض تجارة يبيع ويشتري، فهذا فيه زكاة عروض التجارة.

    الركاز

    قال المؤلف رحمه الله: [وفي الركاز الخمس، أي نوع كان من المال قل أو كثر، ومصرفه مصرف الفيء وباقيه لواجده].

    الركاز: ما وجد من دفن الجاهلية، واعلم أن الركاز الذي وجد مدفوناً ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يكون من دفن الجاهلية، والجاهلية ما كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بأن يوجد عليه تاريخ، أو عليه اسم من أسماء ملوكهم، أو اسم من أسماء آلهتهم ونحو ذلك، فما وجد من دفن الجاهلية، فهذا ركاز فيه الخمس.

    القسم الثاني: ما وجد عليه علامة من علامات المسلمين، كأن يوجد عليه اسم من أسماء ملوكهم، أو غير ذلك من الأشياء كالتاريخ الهجري ونحو ذلك، فهذا حكمه حكم اللقطة.

    القسم الثالث: أن لا يوجد عليه علامة، لا من علامات الجاهلية، ولا من علامات الإسلام، فهذا أيضاً -كما قال العلماء- حكمه حكم اللقطة.

    وقول المؤلف رحمه الله: (وفي الركاز الخمس).

    المراد بالركاز هنا: ما كان من دفن الجاهلية، أي: قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا فيه الخمس، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وفي الركاز الخمس).

    وقال المؤلف رحمه الله: (أي نوع كان المال قل أو كثر).

    يعني: سواء كان الركاز من الذهب أو من الفضة، أو من الصفر، أو من النحاس، أو من الرصاص... إلى آخره، وهذا ما عليه كثير من أهل العلم رحمهم الله، خلافاً للشافعي فإنه يقول: لا بد أن يكون من الذهب أو الفضة لكي يأخذ حكم الركاز، المؤلف يقول: من أي نوع كان، سواء كان من الذهب، أو الفضة، أو الرصاص، أو النحاس، أو اللؤلؤ أو غير ذلك، وعند الشافعي يشترط أن يكون من الذهب أو الفضة.

    وقوله: (قل أو كثر).

    يعني: لا يشترط في الركاز أن يبلغ النصاب، أي شيء تجده من دفن الجاهلية ففيه الخمس، سواء كان قليلاً أو كثيراً، وهذا أيضاً ما عليه كثيراً من أهل العلم رحمه الله خلافاً للشافعي، فإن الشافعي يشترط أن يبلغ نصاب الذهب أو الفضة، نصاب الذهب إن كان ذهباً، والفضة إن كان فضة.

    قال: (ومصرفه مصرف فيء).

    هذا أيضاً قول كثير من أهل العلم رحمهم الله خلافاً للشافعي ، فإن الشافعي رحمه الله يرى أن مصرفه مصرف الزكاة، فيصرف في أهل الزكاة عند الشافعي ، أما الرأي الأول الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله -وهو المذهب- فإنه يصرف مصارف الفيء في مصالح المسلمين.

    فتلخص لنا أن الشافعي رحمه الله غلب جانب الزكاة في الركاز، فيشترط أن يكون من الأموال الزكوية الذهب والفضة، وكذلك أيضاً يبلغ النصاب، وكذلك أيضاً يصرف في أهل الزكاة، والرأي الأول: غلبوا جانب خمس الغنيمة، فلا يشترط النصاب، ولا يصرف في مصارف الزكاة، وإنما في مصالح المسلمين كخمس الغنيمة، وكذلك أيضاً: لا يشترطون أن يكون من الذهب والفضة سواء كان من الذهب والفضة أو غيرهما.

    1.   

    زكاة الأثمان

    قال المؤلف: [باب زكاة الأثمان].

    تكلم المؤلف رحمه الله عن المال الزكوي: الأول السائمة، ثم تكلم عن الخارج من الأرض، ثم تكلم على المال الثالث، وهو زكاة الأثمان.

    والأثمان: جمع ثمن، والمراد بذلك: الذهب والفضة، وكذلك أيضاً ما يقوم مقام الذهب والفضة من الأوراق النقدية.

    والأدلة على وجوب الزكاة في الذهب والفضة القرآن، والسنة، والإجماع.

    أما القرآن فقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34].

    وأيضاً من السنة كما سيأتينا في الأحاديث، ومن ذلك حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فيكوى به جنبه، وجبينه، وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، كلما بردت ردت عليه حتى يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار )، والإجماع قائم على ذلك.

    نصاب الفضة

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم فيجب فيها خمسة دراهم ].

    ولا زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم، ويدل لذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ليس فيما دون خمس أواق صدقة ) والأوقية: تساوي أربعين درهماً، فخمسة في أربعين يساوي مائتي درهم، وأيضاًحديث علي رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وصححه الحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولا شيء عليك -أي: في الفضة- حتى تبلغ مائتي درهم، ففيها خمسة درهم )، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ولا شيء عليك -يعني: في الذهب- حتى تبلغ عشرين مثقالاً ففيها نصف مثقال ).

    نصاب الذهب

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا في الذهب حتى تبلغ عشرين مثقالاً، فيجب فيها نصف مثقال ].

    يعني: يجب فيها ربع العشر.

    أولاً: النصاب في الذهب يساوي عشرين مثقالاً، المثقال هذا قدره العلماء رحمهم الله في الزمن السابق بحب الشعير، قالوا: المثقال يساوي ثنتين وسبعين من حب الشعير مما دق وطال وعليه قشره، يعني: مما كان قشره عليه، وقطع أطرافه الحبة الشعير قدرها العلماء في الوقت الحاضر، واختلفوا في تقديرها بالغرامات:

    القول الأول: وزنها أربع غرامات وربع.

    والقول الثاني: أنها تساوي ثلاثة غرامات ونصف، وهذان القولان هما أشهر الأقوال.

    القول الثالث: ثلاثة وستين غراماً.

    القول الرابع: أربعة وثلاثين غراماً.

    لكن القولان الأولان هما أشهر الأقوال، والأقرب من هذين القولين: أربعة غرامات وربع، وهو مقتضى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن المثقال يساوي أربعة غرامات وربع، وعلى هذا العشرون مثقالاً إذا أردت أن تخرج النصاب بالغرامات، عشرون في أربعة وربع يساوي خمسة وثمانين غراماً، هذا نصاب الذهب.

    إذا قلنا: بأن المثقال يساوي ثلاثة ونصف غرامات، تضرب عشرين في ثلاثة ونصف، فعشرين في ثلاثة ونصف يساوي سبعين غراما، فالنصاب إما سبعون غراماً من الذهب، أو خمسة وثمانون غراماً، والأقرب إلى الصحة أنه خمسة وثمانون غراماً، وعلى هذا ما تجب الزكاة في الذهب حتى يملك الإنسان خمسة وثمانين غراماً من الذهب.

    بالنسبة للفضة، الفضة النصاب فيها يساوي مائتي درهم، قال العلماء رحمهم الله: كل عشرة دراهم تساوي سبعة مثاقيل، أنت الآن حول الدراهم إلى المثاقيل، لما عرفت الآن وزن المثقال بالغرامات حول الدراهم إلى المثاقيل، ثم بعد ذلك اضرب هذه المثاقيل بوزن المثقال بالغرامات، فعندك الآن مائة درهم كم تساوي مثاقيل؟ كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، كم مائة درهم تساوي من المثاقيل؟

    تساوي سبعين، ومائتان تساوي مائة وأربعين مثقالاً، فنصاب الفضة يساوي مائة وأربعين مثقالاً، المثقال وزنه أربعة وربع، أو ثلاثة ونصف، فإذا أخذنا بقول من يقول: بأنه أربعة وربع تضرب مائة وأربعين بأربعة وربع، يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، فيكون نصاب الفضة إذا قلنا: بأن وزن المثقال أربعة غرامات وربع يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، وإذا قلنا: بأنه ثلاثة ونصف، مائة وأربعين بثلاثة ونصف يساوي أربعمائة وتسعين غراماً من الفضة.

    فتلخص لنا: أن النصاب في الذهب يساوي خمسة وثمانين غراماً، وأن النصاب في الفضة يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، هذا أقرب من القول بأن نصاب الذهب يساوي سبعين غراماً، وأن نصاب الفضة يساوي أربعمائة وتسعين غراماً.

    قال المؤلف رحمه الله في الفضة: (حتى تبلغ مائتي درهم)، وقال في الذهب: (حتى يبلغ عشرين مثقالاً)، فاعتبر الفضة بالعدد، ما قال: حتى تبلغ الفضة مائة وأربعين مثقالاً، اعتبر الفضة بالعدد، واعتبر الذهب بالوزن، فهل هذا مقصود أو غير مقصود؟

    هذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم، فجمهور أهل العلم قالوا: إن العبرة هو الوزن، ولا عبرة بالعدد، فإذا كان عندك وزن عشرين مثقالاً من الذهب تجب عليك الزكاة، وإذا كان عندك وزن مائة وأربعين مثقالاً من الفضة تجب عليك الزكاة ولا عبرة بالعدد، يعتبرون الوزن، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يعتبر العدد، ويظهر الخلاف بين الرأيين، قلنا: بأن نصاب الذهب بالغرامات يساوي خمسة وثمانين غراماً، على رأي الجمهور لو أن الإنسان ملك عشرة دنانير، وهذه الدنانير تساوي خمسة وثمانين غراماً، تجب عليه الزكاة عند الجمهور، وأما عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما تجب عليه الزكاة؛ لأنه يعتبر العدد، لا بد أن تبلغ عشرين ديناراً.

    أيضاً الفضة قلنا: بأن نصاب الفضة يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، لو أن إنساناً ملك مائة درهم، وهذه المائة ثقيلة تبلغ خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، تجب الزكاة فيها على رأي الجمهور؛ لكن على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لا تجب؛ لأنها لم تبلغ مائتي درهم.