إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الصلاة [18]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يشترط لصلاة الجمعة شروط هي: الوقت، والاستيطان في قرية، وحضور أربعين رجلاً، وأن تتقدمها خطبتان، ولهما ركنان هما: الجهر والوعظ، وزاد بعضهم أركاناً أخرى.

    1.   

    صلاة الجمعة

    تقدم لنا في الدرس السابق شيء من أحكام صلاة الخوف، وذكرنا الصفات الواردة في صلاة الخوف إلى آخره، وأن هذه الصفات تعود إلى ستة أصول, أو الروايات المختلفة في تعداد صلاة الخوف تعود إلى هذه الأصول الستة.

    فضل يوم الجمعة

    قال المؤلف رحمه الله: [باب صلاة الجمعة].

    الجمعة ورد فيها ثلاث لغات، نقول: الجمُعة بالضم، وكذلك الجمْعة بالتسكين، والجمِعة بالكسر، والأفصح هو الضم.

    يوم الجمعة كان يسمى في الجاهلية بيوم العروبة، وسمي بهذا الاسم قيل: لأن خلق آدم جمع فيه، وهذا ورد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بإسناد قوي.

    وقيل: لأن خلق الخلق اكتمل في يوم الجمعة.

    وقيل: لأنها تجمع الخلق الكثير.

    وقيل: إن كعب بن لؤي كان يجمع الناس في الجاهلية ويذكرهم بتعظيم الحرم.

    وقيل: لاجتماع الناس للصلاة فيها.

    وأصح هذه الأقوال هو الرأي الأول، وأن يوم الجمعة سمي بهذا الاسم لأن خلق آدم جمع فيه، ويوم الجمعة هو أفضل أيام الأسبوع، وقد ورد في سنن ابن ماجه من حديث أبي لبابة البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( سيد الأيام يوم الجمعة ).

    وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الثابت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة ).

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام.

    وصلاة الجمعة صلاة مستقلة ليست ظهراً مقصورة، وليست بدلاً عن الظهر، بل هي صلاة مستقلة لها أحكامها التي تختص بها، وصلاة الجمعة أفضل من صلاة الظهر، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله ثلاثاً وثلاثين خصيصة من خصائص يوم الجمعة، والسيوطي رحمه الله له كتاب في خصائص الجمعة اسمه اللمعة في خصائص يوم الجمعة.

    من تجب عليهم الجمعة

    قال المؤلف رحمه الله: [كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة].

    أفاد المؤلف رحمه الله بأن صلاة الجمعة واجبة، ووجوب صلاة الجمعة دل عليه القرآن والسنة والإجماع.

    أما القرآن: فقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] .

    وأما السنة: فحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم )، وهذا أخرجه مسلم في صحيحه.

    وثبت أيضاً في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليطبعن الله على قلوبهم ).

    والإجماع قائم على أن الجمعة واجبة، وإن اختلف العلماء رحمهم الله في شيء من تفاصيلها.

    قال المؤلف رحمه الله في بيان من تجب عليه الجمعة قال: [كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة إن كان مستوطناً].

    فالذي تجب عليه الجمعة من اجتمعت فيه شروط:

    الشرط الأول: أن يكون ذكراً، فالأنثى لا تجب عليها الجمعة؛ ويدل لذلك الإجماع، الإجماع منعقد على أن الجمعة لا تجب على الأنثى.

    وأيضاً: ما سبقت الإشارة إليه من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة )، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( على رجال يتخلفون على الجمعة ).

    الشرط الثاني: الحرية، وهذا اشترطه كثير من أهل العلم، فقالوا: يشترط أن يكون حراً، وعلى هذا فالرقيق لا تجب عليه الجمعة؛ لأنه مشغول بخدمة سيده.

    والرأي الثاني: أنه لا فرق بين الحر والرقيق، فالرقيق تجب عليه الجمعة كما تجب على الحر.

    وهذا القول هو الصواب؛ والقاعدة في ذلك: أن الأصل تساوي الأحرار والأرقاء في العبادات البدنية المحضة إلا لدليل، فكما أن الحر يجب عليه الغسل كذلك أيضاً الرقيق يجب عليه الغسل، والحر يجب عليه الوضوء والصلاة كذلك الرقيق يجب عليه الوضوء والصلاة.. إلى آخره، لا فرق، هذا هو الصواب.

    الشرط الثالث: الإسلام، فالكافر لا تجب عليه الجمعة؛ لأنه فاقد للأصل، فالجمعة لا تصح من الكافر؛ لقول الله عز وجل: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65].

    وأيضاً: قول الله عز وجل: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:54].

    فيشترط لوجوب الأداء الإسلام، فالكافر لا تجب عليه وجوب أداء وإن كان مكلفاً بها يعاقب عليها؛ لقول الله عز وجل: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:42-44] ، فدل ذلك على أن تركهم للعبادات له أثر في تعذيبهم.

    الشرط الرابع: العقل، فالمجنون لا تصح منه الجمعة؛ لحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم: المجنون حتى يفيق ).

    الشرط الخامس: الاستيطان، فغير المستوطن لا تجب عليه الجمعة، ويخرج بقولنا (الاستيطان) اثنان:

    الأول: من ليس له مكان يستوطن فيه، كأهل البادية الذين يتنقلون يطلبون القطر ومواضع النبات، فهؤلاء لا تجب عليهم الجمعة؛ لأنهم ليسوا مستوطنين؛ ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر الأعراب الذين حول المدينة بصلاة الجمعة.

    والثاني: المسافر؛ فالمسافر لا تجب عليه الجمعة إلا تبعاً لغيره، فإذا كان سائراً فإنه لا تجب عليه الجمعة ولا يقيمها، فلو كان هناك مجموعة مسافرون فإنهم لا يقيمون الجمعة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحفظ عنه أنه أقام الجمعة في السفر وهو سائر.

    لكن الجمعة كما أسلفنا تجب على المسافر تبعاً لغيره، فتبعاً لغيره لا بأس؛ ويدل على أنها تجب عليه تبعاً لغيره حديث الحكم بن حزن رضي الله تعالى عنه أنه قال: ( وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه الجمعة )، وأيضاً يدل لذلك العمومات؛ كقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ [الجمعة:9] ، فإذا كان المسافر في البلد فإنه لا يجوز له أن يتخلف عن صلاة الجمعة.

    وبهذا الشرط أيضاً نعرف أن غير المستوطنين الذين يقيمون خارج البلد كما قلنا كأهل البوادي وهم لا يريدون استيطان هذا المكان، أو يخرجون خارج البلد لنزهة، أو لغرض ويقيمون معسكراً أو مركزاً وهم لا يريدون الاستيطان أنه لا تشرع لهم الجمعة، ولا يصلون الجمعة.

    الشرط الأخير: البلوغ؛ فالصبي لا تجب عليه الجمعة؛ كما تقدم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم النبي عليه الصلاة والسلام: الصبي حتى يبلغ )، لكن يؤمر بالجمعة لسبع, ويضرب عليها لعشر؛ لما سبق من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع ).

    حكم صلاة الجمعة على المستوطن خارج البلد

    قال المؤلف رحمه الله: [إن كان مستوطناً ببناء وبينه وبين الجامع فرسخ فما دون ذلك].

    من تجب عليه الجمعة لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون داخل البلد، فهذا تجب عليه الجمعة مطلقاً قرب من الجامع أو بعد؛ لأن المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت محالاً متباعدة، ولم يكن يقام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا جمعة واحدة، فنقول: من تجب عليه الجمعة هذا إن كان داخل البلد وجب عليه أن يصلي مطلقاً.

    الأمر الثاني: أن يكون خارج البلد، فهذا تجب عليه إن كان بينه وبين المسجد فرسخ فما دونه، فإن كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ فلا تجب عليه الجمعة.

    والفرسخ قدره ثلاثة أميال، والميل قدره ألف وستمائة كيلو، فما يقرب من خمسة كيلو يعني إذا كان الإنسان خارج البلد أكثر من خمسة كيلو فهذا لا تجب عليه الجمعة، وإن كان دون ذلك فإن الجمعة تجب عليه.

    الدليل على هذا قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] ، فقال: (إذا نودي للصلاة)، قالوا: والنداء إذا كانت الرياح ساكنة والأصوات هادئة يسمع لمسافة فرسخ.

    والرأي الثاني: أن العبرة بسماع النداء، فإذا كان من خارج البلد يسمع النداء فيجب عليه أن يجيب، وإن كان لا يسمع النداء فلا يجب عليه.

    حكم صلاة الجمعة على المرأة والعبد والمسافر والمعذور

    قال المؤلف رحمه الله: [إلا المرأة والعبد والمسافر والمعذور بمرض أو مطر أو خوف].

    ويقول المؤلف رحمه الله: (إلا المرأة) فالمرأة لا تجب عليها الجمعة، وهذا دليله الإجماع كما سلف؛ لأن الإجماع منعقد على أن المرأة لا تجب عليها الجمعة.

    وسبق أيضاً أن ذكرنا حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم )، فالمرأة لا تجب عليها الجمعة.

    قال: (والعبد). أيضاً تكلمنا عن ذلك، وذكرنا أن كثيراً من أهل العلم لا يرى وجوب الجمعة على الرقيق، وذكرنا أن الصواب في هذه المسألة أن الجمعة تجب على الرقيق، وأن القاعدة في ذلك: أن العبادات البدنية المحضة لا فرق بين الأحرار والأرقاء فيها إلا لدليل، هذا الأصل.

    قال: (والمسافر). أيضاً المسافر لا تجب عليه الجمعة، ولا تشرع منه، لا يشرع له أن يقيمها، فلو كان سائراً وتوقف في أثناء الطريق وأقام الجمعة نقول: هذا الفعل بدعة، لكن المسافر تجب عليه الجمعة تبعاً لغيره.

    وذكرنا دليل ذلك وهو العمومات كقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] ، فالعمومات تدل على وجوبها.

    كذلك أيضاً من الأدلة على أنها لا تجب على المسافر إذا كان سائراً, فإنه لا يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقام الجمعة وهو في السفر سائراً، فإن كان داخل البلد فإنه يجب عليه أن يصلي الجمعة تبعاً لغيره؛ لعموم قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] ، ولما سبق إيراده من حديث الحكم بن حزن رضي الله تعالى عنه.

    قال المؤلف رحمه الله: [والمعذور بمرض أو مطر أو خوف].

    إذا كان الإنسان معذوراً بمرض يلحقه مشقة ظاهرة في إتيان الجمعة، أو معذوراً بخوف يخاف على نفسه ويخاف على أهله، أو يخاف على ماله، أو معذوراً بأمطار غزيرة.. إلى آخره فإنه يعذر بترك الجمعة، ويصلي ظهراً أربعاً إن كان غير مسافر، وثنتين إن كان مسافراً.

    ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] ، وقوله سبحانه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] .

    حضور المعذورين صلاة الجمعة

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن حضروها أجزأتهم ولم تنعقد بهم إلا المعذور إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به].

    يعني: إذا حضرها الرقيق, المؤلف ذهب إلى أن الرقيق لا تجب عليه الجمعة، لكنه حضر مع الناس وصلى فإنها تجزئه ولا يطالب أن يصلي ظهراً.

    وكذلك أيضاً المرأة لو حضرت مع الناس وصلت فنقول: بأنها تجزئها الجمعة، ولا تطالب أن تصلي ظهراً، مثل أيضاً بقية من لا تجب عليه الجمعة.

    ومعنى قوله: (لم تنعقد بهم) يعني: أنهم لا يحسبون من عدد الجمعة، فالمرأة والرقيق والمسافر على كلام المؤلف لا يحسبون.

    الجمعة لا بد لها من العدد, تشترط لها الجماعة فلا بد من العدد، وعدد الجمعة على المشهور من المذهب أربعون، وعند شيخ الإسلام ثلاثة، فإذا أخذنا برأي الحنابلة وأنه لا بد من أربعين لو كان عندنا تسعة وثلاثون رجلاً وامرأة فإنهم لا يصلون جمعةً وإنما يصلون ظهراً، قالوا: لأن المرأة لا تنعقد بها الجمعة.

    وكذلك أيضاً على رأي شيخ الإسلام لو كان عندنا رجلان وامرأة فإنهم لا يصلون جمعة، وهذا الصواب أن المرأة لا تنعقد بها الجمعة؛ لأنها ليست من أهل الجمعة ولا الجماعات، ولكن إذا حضرت الجمعة فإن الجمعة تجزئها.

    أما بالنسبة للرقيق والمسافر فكذلك أيضاً على المذهب، الرقيق لو كان عندنا تسعة وثلاثون رجلاً والأربعون رقيق، على المشهور عند الحنابلة أنهم لا يصلون جمعةً، وإنما يصلون ظهراً؛ لأن الرقيق لا تنعقد به، لكن لو حضر وصلى مع الناس الجمعة أجزأته كما سبق.

    أيضاً المسافر، لو كان عندنا تسعة وثلاثون رجلاً والأربعون مسافر لا يصح منهم الجمعة، ولا تنعقد بهذا المسافر أو بهذا الرقيق.

    أيضاً لو اخترنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأن عدد الجمعة ثلاثة، فإذا كان الثالث رقيقاً أو مسافراً لا تنعقد به.

    والصواب في ذلك أن يقال: بأنها تنعقد بالرقيق والمسافر، هذا هو الصواب؛ لأن هؤلاء من أهل الجمعة والجماعات.

    قال: إذا حضر فإنها تنعقد به وتصح منه وتجزئ، فلو فرض أن عندنا تسعةً وثلاثين رجلاً والأربعون مريض، لكن تحامل على نفسه وأتى ليصلي مع الناس, هل تنعقد الجمعة أو لا تنعقد؟ نقول: بأنها تنعقد.

    أو عندنا الأربعون شخص معذور بخوف أو معذور بمطر، يقول المؤلف رحمه الله: بأنها لا تنعقد به.

    والصواب: أنها تنعقد به، وأيضاً تنعقد بالرقيق وبالمسافر، الذي لا تنعقد به هو فقط المرأة؛ لأن المرأة ليست من أهل الجمعة ولا الجماعات.

    1.   

    شروط صلاة الجمعة

    الشرط الأول: الوقت

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن شرط صحتها فعلها في وقتها في قرية، وأن يحضرها من المستوطنين أربعون من أهل وجوبها].

    الجمعة يشترط لها شروط:

    الشرط الأول: الوقت؛ وهذا من خصائص صلاة الجمعة، يشترط دخول الوقت، ولو أن الإنسان نام عن الظهر أو نسي أن يصلي الظهر فإنه يصلي الظهر يقضيها بعد الوقت، أما الجمعة فلو أن الإنسان نام عنها أو نسيها فإنه لا يصليها, فاتت عليه.

    فنقول: الشرط الأول: الوقت، والوقت فيه ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى: ما هو أول الوقت؟

    المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله: أن أول وقت صلاة الجمعة هو أول وقت صلاة العيد، ووقت صلاة العيد يبدأ إذا طلعت الشمس وارتفعت قيد رمح بعد طلوع الشمس بما يقرب من ثنتي عشرة دقيقة يدخل وقت صلاة العيد، كذلك أيضاً الجمعة يدخل وقتها كدخول وقت صلاة العيد.

    وعلى هذا لو صلينا الجمعة بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح فإن الصلاة صحيحة، هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله؛ واستدلوا على ذلك بحديث جابر أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين الزوال )، وهنا قال: يصلي الجمعة ثم بعد ذلك يذهبون إلى جمالهم ثم يريحونها وقت الزوال, دل ذلك على أن الجمعة وقعت قبل الزوال، وهذا الحديث حديث جابر رضي الله تعالى عنه في الصحيحين.

    وكذلك أيضاً: استدلوا بحديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: ( كنا نجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به )، وهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام بادر بها بحيث إنهم ينصرفون من الجمعة وليس للحيطان ظل يستظل به.

    الرأي الثاني: رأي جمهور أهل العلم وأن الجمعة وقتها بعد زوال الشمس؛ واستدلوا على ذلك بحديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة حين تميل الشمس )، فقال: ( حين تميل الشمس )، وهذا أخرجه البخاري في صحيحه.

    وأيضاً: حديث سلمة بن الأكوع قال: ( كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ).

    وذهب بعض أهل العلم كـالخرقي من الحنابلة إلى أن الجمعة يصح فعلها قبل الزوال بساعة؛ واستدل على ذلك بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا دخل الإمام دخلت الملائكة.. ) إلى آخره.

    فهنا قال: في الخامسة: ( قرب بيضة )، والزوال يكون بعد السادسة، وقال: ( فإذا دخل الإمام )، فدل ذلك على أن دخول الإمام يكون بعد الخامسة، والزوال يكون بعد السادسة.

    والأقرب في هذا أن الإنسان يسلك ما سلكه جمهور أهل العلم, وأنه يجوز تقديم الجمعة قبل الزوال بشيء يسير هذا لا بأس به، وأدلة الحنابلة تدل على أنه يجوز تقديمها بشيء يسير، لكن لا تدل على أنها تفعل كما تفعل صلاة العيد.

    نقول: هذا لم يرد فيه دليل على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الدليل دل على أنه لو بادر بها قبل الزوال بشيء يسير فنقول: بأن هذا لا بأس به؛ كما في حديث جابر قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين الزوال )، فهذا يفهم أن الجمعة تقدمت بشيء يسير.

    وأيضاً: حديث سلمة بن الأكوع : ( أنهم يصلون الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يذهبون يتتبعون الفيء، وليس للحيطان ظل يستظل به ).

    المسألة الثانية: آخر وقت صلاة الجمعة هو آخر وقت صلاة الظهر بالإجماع، ووقت صلاة الظهر ينتهي إذا صار ظل كل شيء مثله، فكذلك أيضاً صلاة الجمعة آخر وقتها ينتهي إذا صار ظل كل شيء مثله.

    أما بالنسبة لوقت الاستحباب, صلاة الجمعة يستحب أن تفعل بعد الزوال مباشرة؛ لما تقدم من حديث أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس )، وهذا في البخاري ، وأيضاً حديث سلمة : ( كنا نجمع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس )، وهذا في الصحيحين.

    فنقول: بأن وقت صلاة الجمعة المستحب هو بعد زوال الشمس مباشرة، ولا يشرع الإبراد بها إذا كان في شدة حر، صلاة الظهر في شدة الحر يشرع الإبراد بها، أما الجمعة ففي شدة الحر لا يشرع الإبراد بها:

    أولاً: لما تقدم من الأدلة: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي الجمعة إذا زالت الشمس ) كما في حديث سلمة بن الأكوع وحديث أنس رضي الله تعالى عنهما.

    وأيضاً أن الناس ينتابون الجمعة مبكرين، ويندب لهم ذلك، فلو قيل: بالإبراد وأن الجمعة تؤخر إلى قرب العصر حتى ينكسر الحر لكان في ذلك مشقة؛ لأن الناس كما أسلفت يأتونها مبكرين من أول النهار، فلو قلنا: بأنه يبرد بها لكان في ذلك مشقة ظاهرة عليهم.

    الشرط الثاني: الاستيطان في قرية

    قال المؤلف رحمه الله: [في قرية].

    هذا الشرط الثاني، وهو: أن يكونوا مستوطنين في قرية، وعلى هذا كما أسلفنا المسافر السائر ليس له أن يقيمها، وأيضاً غير المستوطن ليس له أن يقيمها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يأمر الأعراب حول المدينة بإقامة صلاة الجمعة.

    الشرط الثالث: العدد

    قال المؤلف رحمه الله: [أربعون من أهل وجوبها].

    هذا هو الشرط الثالث، الشرط الثالث من شروط صحة الجمعة: أن يكونوا أربعين، وهذا مذهب أحمد والشافعي ؛ واستدلوا على ذلك بأن مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه لما قدم المدينة جمع بهم، قال: وكان عددهم أربعين.

    وأيضاً: أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه جمع في نقيع الخضمات, وكان عددهم أربعين.

    وأيضاً: ورد في الحديث: ( مضت السنة أن في كل أربعين: جمعة وفطر وأضحى )، وهذا الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    الرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله أنه لا بد من أربعة؛ واستدلوا بحديث أم عبد الله الدوسية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( في كل قرية فيها إمام جمعة وإن لم يكن فيها إلا أربعة )، وهذا الحديث أخرجه الطبراني وابن عدي ، وهو ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والرأي الثاني رأي الظاهرية: وأنه يكتفى باثنين، الظاهرية قالوا: بأنه يكتفى باثنين؛ لأن أقل الجماعة اثنان.

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يكتفى بثلاثة؛ وهذا أصوب الأقوال؛ لأن الصلاة لا بد لها من جماعة، والخطبة لا بد لها من جماعة، وأقل الجماعة اثنان.

    لو قلنا برأي الظاهرية لكان الذي يستمع الخطبة واحد، يخطب واحد، ويستمع واحد، والخطبة لا بد لها من جماعة.

    على رأي شيخ الإسلام يخطب واحد ويستمع اثنان، كذلك أيضاً في الصلاة يخطب واحد ويصلي واحد ويأتم اثنان، فما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو الأقرب في هذه المسألة.

    الشرط الرابع: الخطبتان

    قال المؤلف رحمه الله: [وأن تتقدمها خطبتان في كل خطبة حمد الله تعالى، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم، وقراءة آية، والموعظة].

    هذا الشرط الرابع: أن تتقدم الجمعة خطبتان؛ ويدل لذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9]، فقال: (اسعوا إلى ذكر الله) وهنا أمر بالسعي إلى الخطبة، وهذا يدل على الوجوب، فإذا وجب استماع الخطبة وجبت الخطبة من باب أولى، يعني الاستماع فرع، فإذا وجب الفرع وجب الأصل.

    وأيضاً: حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب أنصت فقد لغوت )، فإذا وجب الإنصات للخطبة فوجوب الخطبة من باب الأولى، فيشترط تقدم خطبتين.

    وأيضاً يدل لذلك: مداومة النبي صلى الله عليه وسلم على هاتين الخطبتين، فإن النبي عليه الصلاة والسلام داوم عليهما ولم يتركهما، وكذلك أيضاً الخلفاء من بعده، والمسلمون مجمعون عليهما.

    أركان الخطبتين وشروطهما

    قال المؤلف رحمه الله: (في كل خطبة حمد الله)، كل خطبة لها أركان ولها شروط، فأركان الخطبتين على المذهب ستة أركان:

    الركن الأول: حمد الله، فلا بد من حمد الله في كل خطبة.

    والثاني: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لا بد من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في كل خطبة.

    والثالث: قراءة آية أيضاً لا بد من ذلك في كل خطبة.

    والرابع: الوصية بتقوى الله عز وجل.

    والخامس: الجهر بحيث يسمع العدد المعتبر.

    والسادس: أن يوالي بين الخطبتين والصلاة.

    هذه ستة أركان، والصواب من هذه الأركان أن نقول: لا بد من الجهر بحيث يسمع العدد المعتبر، وأيضاً لا بد من الموعظة، هذان الركنان هما اللذان يشترطان في خطبة الجمعة، لا بد من الموعظة التي تحرك القلوب وتفيد الناس، وتعالج مشاكلهم، وتذكرهم وتفيدهم فيما ينفعهم، تفيد المسلم فيما ينفعه في أمور العقائد، وفي أمور العمليات، وما يتعلق بالمجتمع… إلى آخره، المهم أن تكون الخطبة مما تفيد وتذكر وتحث على السير إلى الله والدار الآخرة، ونصرة هذا الدين.. إلى آخره، هذا هو المطلوب.

    أما ما عدا ذلك فآداب وسنن، فكونه يقرأ آية أو آيات، يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، أيضاً حمد الله… إلى آخره هذه آداب للخطبة ينبغي للخطيب أن يأتي بها.

    أما أن نقول: لو أن الإنسان نسي أن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام نقول: الخطبة غير صحيحة ثم بعد ذلك يترتب على ذلك أن تكون الصلاة غير صحيحة فهذا فيه نظر.

    أما بالنسبة لشروط الخطبة فخمسة شروط:

    الشرط الأول: الوقت؛ تقدم بيان وقت صلاة الجمعة، فلا بد أن تكون الخطبة بعد دخول الوقت.

    الشرط الثاني: النية؛ لحديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات ).

    الشرط الثالث: وقوع الخطبة حضراً.

    الشرط الرابع: حضور العدد المعتبر لصلاة الجمعة، فإذا كان هذا المعتبر أربعين لا بد أن يحضر أربعون، إذا كان العدد المعتبر ثلاثة لا بد.. إلى آخره كما تقدم، لا بد أن يحضر العدد المعتبر.

    الشرط الأخير: أن تكون الخطبة ممن تصح إمامته في صلاة الجمعة.

    قال: (وأن تتقدمها خطبتان، في كل خطبة يحمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    على المشهور من المذهب أنه لا بد من حمد الله كما تقدم في الخطبة، وأنه ركن لكن يقولون: لا يشترط أن يكون الحمد في أول الخطبة، يعني كون الحمد في أول الخطبة هذا ليس شرطاً.

    والصواب: أن المشروع أن يكون الحمد في أول الخطبة؛ ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه الراتبة أو العارضة أنه استفتح بغير الحمدلة.

    قال: (وقراءة آية). قراءة آية؛ لحديث جابر بن سمرة قال: ( كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصداً، يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس ) أخرجه أبو داود .

    قال: (والموعظة). تقدم أن الموعظة هي ركن الخطبة، وأنها هي المطلوبة.