إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الصلاة [12]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صلاة التراويح من السنن المؤكدة، وهي عشرون ركعة وقيل غير ذلك، ووقتها من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وتسن الجماعة لها كما تسن لصلاة الكسوف.

    1.   

    صلاة التراويح

    ذكر المؤلف رحمه الله سابقاً أن صلاة التطوع على خمسة أضرب، وصلاة التطوع من جوابر الصلاة، وسبقت الإشارة إلى أن هذه الفرائض التي أوجبها الله عز وجل جعل الشارع لها جوابر تجبرها، إذ إن هذه الفرائض يعتريها شيء من الخلل والسهو والغفلة، ومن رحمة الله عز وجل أن جعل ما يجبر هذا السهو لكي يأتي المسلم يوم القيامة بصلاة تامة، فإن أول ما يقضى بين العباد فيما يتعلق بحق الله عز وجل الصلاة.

    وسبقت الإشارة إلى أن جوابر الصلاة ثلاثة: سجود السهو، والذكر بعد الصلاة، وصلاة التطوع، وتقدم لنا ما يتعلق بسجود السهو، وكذا أيضاً ما يتعلق بالذكر دبر الصلاة، ثم بعد ذلك شرع المؤلف رحمه الله فيما يتعلق بصلاة التطوع، وتقدم لنا في الدروس السابقة شيء من أضرب صلاة التطوع، فإن المؤلف رحمه الله جعلها على خمسة أضرب، فتقدم لنا ما يتعلق بالضرب الأول وهو السنن الرواتب، وإنما بدأ بها المؤلف رحمه الله لأنها تابعة للفرائض، فوقتها هو وقت الفريضة.

    وتقدم ما يتعلق من الأحكام المتعلقة بسنن الرواتب، فيما يتعلق بعددها، ووقتها، وما يتعلق بقضائها، وأيضاً السنن التي تشرع في هذه السنن أو بعضها.. إلى آخره.

    وكذلك أيضاً ثنى المؤلف رحمه الله بالضرب الثاني وهو الوتر؛ لأن الوتر أيضاً تابع للفرائض، الوتر يكون بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وأيضاً بعض العلماء كـأبي حنيفة رحمه الله ذهب إلى وجوبه، وسبقت الإشارة إلى أحكام الوتر من حيث الوجوب، من حيث الوقت، من حيث القضاء.. إلى آخره، وأيضاً بيان كيفية الوتر إذا أراد أن يوتر بثلاث أو خمس أو سبع أو تسع ونحو ذلك، وما كيفية ذلك تقدم بيانه… إلى آخره.

    ثم ثلث المؤلف رحمه الله بصلاة التطوع تطوعاً مطلقاً، وما يتعلق بصلاة الليل، تقدم لنا أيضاً صلاة الليل والسنن التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها عند القيام لصلاة الليل، وما هو أفضل أوقاتها، وما هو وقتها.. إلى آخره.

    ثم قال المؤلف رحمه الله: [الضرب الرابع: ما تسن له الجماعة وهو ثلاثة أنواع أحدها: التراويح]، هذا الضرب الرابع من ضروب صلاة التطوع.

    التراويح جمع ترويحة، وهي في الأصل اسم للجلسة مطلقاً.

    وأما في الاصطلاح: فهو قيام رمضان.

    حكم صلاة التراويح

    والتراويح سنة مؤكدة سنها النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها ليالي فصلوها معه، ثم تأخر فصلى في بيته بقية الشهر، وقال: إني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها )، وهذا في الصحيحين.

    ويدل لذلك أيضاً حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )، وهذا في الصحيحين.

    والتراويح يذكرها أهل السنة رحمهم الله في تآليفهم في العقيدة، إذ إن تأدية هذه الصلاة من سمات أهل السنة، وعدم تأديتها من سمات أهل البدعة؛ الرافضة قبحهم الله لا يرون التراويح ويقولون بأنها بدعة عمر ، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: من لم يصل التراويح من أهل السنة ففيه شبه بالرافضة؛ لأن الرافضة كما أسلفت لا يرون التراويح، ويقولون: بأنها بدعة عمر رضي الله تعالى عنه، وهذا من خللهم وخطئهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سن التراويح كما تقدم لنا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وأيضاً بين فضلها كما سبق في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ).

    عدد صلاة التراويح

    قال المؤلف رحمه الله: [وهي عشرون ركعة بعد العشاء في رمضان].

    تقدم حكمها وأنه سنة مؤكدة، ثم بين المؤلف رحمه الله عدد ركعاتها، فقال: عشرون ركعة دون الوتر، يعني عدد ركعات التراويح دون الوتر عشرون ركعة، فيصلي عشرين ركعة ثم بعد ذلك يوتر، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله والشافعي وأبي حنيفة ، فالأئمة الثلاثة يرون أن عدد ركعات التراويح عشرون ركعة، عند الإمام مالك رحمه الله عدد ركعاتها ست وثلاثون ركعة.

    وقال بعض العلماء: بأن عدد ركعاتها إحدى عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، فهذه أربعة آراء، الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد : عشرون ركعة دون الوتر، مالك : ست وثلاثون ركعة دون الوتر، وذهب بعض أهل الحديث إلى أنها إحدى عشرة، وذهب آخرون إلى أنها ثلاث عشرة.

    شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: التراويح ليس لها عدد معين، وحينئذ يكون تكثير الركعات وتقليلها حسب تطويل الركوع والسجود والقراءة، فإذا أطال الإنسان القراءة والركوع والسجود قلل الركعات، وإذا قصر أكثر الركعات وهو كله حسن.

    المؤلف رحمه الله ذهب إلى أن عدد ركعات التراويح عشرون، وقلنا بأن هذا أيضاً مذهب أبي حنيفة والشافعي ، واستدلوا على ذلك بأثر السائب بن يزيد قال: كانوا يقومون على عهد عمر رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة. وهذا أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، والبيهقي في السنن الكبرى، وإسناده صحيح.

    من قال: بأنها إحدى عشرة استدل بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشر ركعة )، وهذا في الصحيحين.

    وكذلك أيضاً استدلوا بأن عمر رضي الله تعالى عنه أمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة. وهذا أخرجه مالك والبيهقي ، وإسناده صحيح.

    والذين قالوا: بأنها ثلاث عشرة استدلوا بما ورد من حديث عائشة وحديث ابن عباس في فعل النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة.. إلى آخره، وتقدم أن أشرنا إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, وأنه ليس في التراويح عدد معين، وأن هذا كله حسن.

    والأقرب في ذلك أن يقال: إن الإنسان ينظر إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهدي النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( أنه ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشر ركعة )، فيأخذ بهدي النبي عليه الصلاة والسلام، ويطيل القراءة والركوع والسجود؛ لأنه كما سلف من قول شيخ الإسلام أن التكثير والتقليل يكون على حسب طول القراءة والركوع والسجود، وعلى هذا إذا قلل الركعات فإنه يركد الركوع والسجود والقراءة.

    وكان السلف رحمهم الله يعتمدون على العصي من طول القيام، وكانوا ينصرفون قبل طلوع الفجر، فينبغي للإنسان أن يطيل، ولو أن أحداً صلى عشرين فهذا لا إنكار عليه، فالسلف رحمهم الله تقدم لنا حديث السائب بن يزيد كانوا يقومون في عهد عمر بعشرين ركعة, وأيضاً السلف فعلوا العشرين، فـالأعمش وسعيد بن جبير وأبو مجلز وابن أبي مليكة رحمهم الله كانوا يصلون عشرين ركعة، فلا تحجير.

    وتقدم لنا حديث ابن عمر في الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( صلاة الليل مثنى مثنى )، فلا حد، لو صلى الإنسان عشرين كما قال الأئمة أو صلى ستاً وثلاثين كما قال الإمام مالك فإنه لا تحجير، لكن الأفضل أن الإنسان يتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي كما صلى النبي عليه الصلاة والسلام، ويطيل القراءة والركوع والسجود.

    وقت صلاة التراويح

    قال المؤلف رحمه الله: [بعد العشاء في رمضان].

    هنا بين المؤلف رحمه الله وقت صلاة التراويح، وأن وقت صلاة التراويح بعد صلاة العشاء، فإذا صلى الإنسان العشاء وصلى السنة الراتبة يصلي التراويح.

    قال المؤلف رحمه الله: [ويمتد وقتها إلى طلوع الفجر].

    يعني: الوقت يمتد إلى طلوع الفجر؛ لأن التراويح من صلاة الليل، وصلاة الليل يمتد وقتها إلى طلوع الفجر، وسبق بيان ذلك وذكر الأدلة عليه من حديث أبي سعيد , ابن عمر وكذلك أيضاً حديث عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بإحدى عشرة ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر يسلم من كل ركعتين )، وهل الأفضل أن يؤديها الإنسان في أول الليل أو في آخره؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فقال بعض العلماء كالإمام أحمد رحمه الله: الأفضل أن تكون في أول الليل؛ لأن الناس في عهد عمر رضي الله تعالى عنه كانوا يقومون أول الليل.

    والرأي الثاني: أن الأفضل أن يصليها آخر الليل، وهذا قال به الإمام مالك رحمه الله؛ لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من طمع أن يقوم من آخر الليل فليوتر آخره، فإن صلاة آخر الليل مشهودة محظورة، ومن لم يطمع أن يقوم من آخر الليل فليوتر أوله )، وهذا أخرجه مسلم .

    وأيضاً حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا فيقول: من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يدعوني فأستجيب له؟ إلى طلوع الفجر، وذلك كل ليلة ).

    وأيضاً قال عمر رضي الله تعالى عنه: والتي ينامون عنها أفضل. يعني: كونهم يتركون الوتر في آخر الليل، ويفعلونه في أول الليل، وينامون عن الصلاة في آخر الليل، شرف الفضيلة.

    والأقرب في ذلك أن يقال: أنه ينظر الإنسان إلى الأرفق ما دام الناس يفعلونها في المساجد، والأرفق بالناس اليوم أن تؤدى في أول الليل؛ لأنها إذا أديت في آخر الليل أو قيل بأنها تؤدى في آخر الليل للحق الناس في ذلك مشقة، إلا إن كانوا جماعة محصورة، أو كان الإنسان منفرداً فإن السنة أن تكون صلاته آخر الليل هذا الأفضل.

    1.   

    صلاة الكسوف

    قال المؤلف رحمه الله: [والثاني: صلاة الكسوف، فإذا ما كسفت الشمس أو القمر فزع الناس إلى الصلاة إن أحبوا جماعة، وإن أحبوا أفراداً].

    الكسوف في اللغة: التغير إلى سواد. والخسوف في اللغة: الذهاب والنقصان.

    وأما في الاصطلاح: فهو انحجاب ضوء الشمس أو القمر بسبب غير معتاد، ويقال: كسفت الشمس وخسفت الشمس، وكسف القمر وخسف القمر، هذا كله وارد، والسنة وردت كسفت الشمس وخسفت الشمس هذا كله وارد، فيجوز أن تقول: كسفت الشمس، وخسفت الشمس، ويجوز أيضاً أن تقول: كسف القمر وخسف القمر.

    قال ثعلب وهو من أئمة اللغة: أجود الكلام أن يقول الإنسان: كسفت الشمس، وخسف القمر، هذا هو أجود الكلام.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله في قوله: (صلاة الكسوف) أنها سنة وتأتي الإشارة إلى ذلك، والأصل في صلاة الكسوف القرآن والسنة والإجماع.

    أما القرآن فقول الله عز وجل: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ [فصلت:37] استنبط بعض العلماء من هذه الآية شرعية صلاة الكسوف والخسوف.

    وأما السنة في ذلك كثيرة جداً، وسيأتينا إن شاء الله في بحث مسائل الكسوف كثيراً من الأدلة، من ذلك حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يخوف الله بهما عباده )، وفي حديث عائشة : ( إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته.. ) إلى آخره، ويأتينا إن شاء الله بقية الأحاديث الواردة في ذلك.

    والإجماع قائم على ذلك.

    حكم صلاة الكسوف

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن صلاة الخسوف سنة؛ لأنه ذكرها في صلاة التطوع، وجعلها من الضرب الرابع وهو التطوع الذي تسن له الجماعة، وذكر أن هذا الضرب على ثلاثة أنواع، فظاهر كلامه رحمه الله أن صلاة الكسوف سنة وليست واجبة، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، فجمهور العلماء رحمهم الله على أن صلاة الكسوف سنة وليست واجبة.

    والرأي الثاني: أن صلاة الكسوف واجبة، وهذا صرح به أبو عوانة رحمه الله، ونقل عن أبي حنيفة وكذلك أيضاً مالك ، ولكل من القولين دليل.

    أما الذين قالوا: بأنها سنة وهم الجمهور فاستدلوا بحديث ابن عباس : ( لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً

    إلى اليمن قال: إنك تأتي قوماً من أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة )، فدل على أن المفروض خمس صلوات، وما عدا ذلك ليس واجباً.

    وأيضاً استدلوا بحديث طلحة بن عبيد الله في الصحيحين: ( في السائل الذي سأل عما افترض الله عز وجل من الصلوات؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة )، فلو كان هناك صلاة واجبة غير هذه الصلوات لبينه النبي صلى الله عليه وسلم.

    والرأي الثاني الذين قالوا بالوجوب استدلوا على ذلك بدليلين:

    أما الدليل الأول: ( فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالفزع إلى الصلاة عند حدوث الكسوف )، والأصل في الأمر الوجوب.

    وأيضاً الدليل الثاني: قالوا: إن الكسوف سببه الشرعي تخويف العباد، فكون الإنسان يرى مثل هذه الآية العظيمة، وتخويف الله للناس، وانطماس ضوء هذا الكوكب العظيم، ولا يفزع إلى الصلاة هذا يدل على قلة الإيمان، وعدم المبالاة، وهذا من تعظيم الله عز وجل وتعظيم آياته، فالله عز وجل يقول: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32] ، وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30] ، وهذا أحوط أن الإنسان إذا حصل مثل هذه الآيات العظيمة يفزع إلى الصلاة.

    سبب الكسوف

    الكسوف له سببان:

    السبب الأول: سبب شرعي.

    والسبب الثاني: سبب حسي كوني.

    أما السبب الشرعي فبينه النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي بكرة كما سبق، فقال عليه الصلاة والسلام: ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده )، فسببهما الشرعي: تخويف العباد، وقد ذكر بعض العلماء أن حدوث الكسوف والخسوف بمنزلة الإنذار بوقوع العقوبة، فينبغي للإنسان إذا حصل ذلك أن يلجأ إلى الله عز وجل أولاً بالتوبة، ثم بعد ذلك يلجأ إلى الصلاة كما أرشد النبي عليه الصلاة والسلام بالصلاة، والصدقة، والدعاء، والاستغفار، والعتق، هذه كلها مستحبة عند حصول الكسوف، يصلي، ويذكر الله، ويتصدق، ويعتق، ويستغفر.. إلى آخره، هذا السبب الشرعي تخويف العباد.

    أما السبب الكوني بالنسبة لكسوف الشمس هو حيلولة القمر بين الأرض وبين الشمس، إذا حال القمر بين الأرض وبين الشمس حصل كسوف الشمس، انحجب ضوؤها عن كوكب الأرض.

    وأما بالنسبة للسبب الكوني لكسوف القمر فهو حيلولة الأرض بين الشمس وبين القمر؛ لأن القمر يستقي نوره من الشمس، فالشمس كالقنديل، والقمر كالمرآة، فيأخذ القمر من هذا القنديل ويعكسه على كوكب الأرض، فإذا حالت الأرض بين الشمس وبين القمر انحجب ضوء القمر عن كوكب الأرض فحصل خسوف القمر، فأصبح السبب الكوني لخسوف القمر أن الأرض تحول بين الشمس وبين القمر، وأما السبب الكوني لكسوف الشمس فهو حيلولة القمر بين الشمس وبين الأرض.

    وقت حصول الكسوف والخسوف

    وهل الكسوف متصور في كل وقت أو أنه ليس متصوراً في كل وقت؟

    هذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم، يعني هل كسوف الشمس متصور في كل يوم أو نقول: له أوقات معينة؟ هل خسوف القمر متصور في كل ليلة أو نقول: له أوقات معينة؟

    هذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فجمهور أهل العلم قالوا: يتصور كسوف الشمس وخسوف القمر في كل وقت.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا يتصور في كل وقت، وهذا قول أهل الفلك، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: الله عز وجل أجرى العادة أن خسوف القمر لا يكون إلا في وقت إبدار القمر حينما يكون بدراً، ومتى يكون بدراً؟ في ليالي البيض: ليلة الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، ما عدا هذه لا يمكن أن يخسف فيها القمر، هكذا أجرى الله عز وجل العادة، كما أن الله عز وجل أجرى العادة أن القمر يقل في بداية أول شهر قمري.. وهكذا حتى يكون بدراً، ثم يحصل له استسرار، فهذه أشياء أجراها الله عز وجل، وكسوف الشمس لا يكون إلا في أيام الاستسرار، يعني استسرار القمر ليلة التاسع والعشرين وليلة الثلاثين، ما عدا هذا لا يمكن أن يحدث خسوف أو كسوف.

    الجمهور استدلوا على ذلك قالوا: بأن إبراهيم ابن النبي عليه السلام مات في اليوم العاشر، وفي ذلك اليوم كسفت الشمس، وهذا الحديث باطل من وجهين: من جهة الإسناد، ومن جهة الواقع.

    من جهة الإسناد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الواقدي لا يحتج بمسانيده فكيف بمراسيله؟ مرسل من مراسيل الواقدي .

    من جهة الواقع أن بعض الفلكيين حسب الكسوفات التي حدثت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر ذلك الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على كتاب المحلى لـابن حزم ، أن بعض الفلكيين حسب الكسوف الذي وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فتبين أن الكسوف وقع في السنة العاشرة للهجرة، في يوم الثلاثاء في اليوم الرابع عشر في الساعة الثامنة والنصف صباحاً، وقد ذكر هذا الفلكي أنه أيضاً أثناء الحساب وجد أن القمر خسف أيضاً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام في السنة الرابعة للهجرة، لكن لم ينقل أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى الكسوف، فالذي نقل أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى لكسوف الشمس.

    الصواب في مثل هذا أن الكسوف والخسوف لا يمكن أن يحدثا إلا في أوقات معينة فقط؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أجرى الله عز وجل العادة أن تكون هذه الأشياء في هذه الأوقات، كما أن الهلال يخرج في وقت كذا وكذا.. إلى آخره.

    حكم أداء صلاة الكسوف جماعة

    قال المؤلف رحمه الله: [فإذا ما كسفت الشمس أو القمر فزع الناس إلى الصلاة إن أحبوا جماعة، وإن أحبوا أفراداً].

    ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أن الجماعة في صلاة الكسوف ليست واجبة، كما أن الجماعة في صلاة التراويح ليست واجبة، فلو أن الإنسان صلى في بيته لا بأس، لكن الأفضل أن يجتمع الناس في المساجد، والأفضل أيضاً أن يجتمعوا في الجوامع، الأفضل أن يجتمعوا في المساجد وفي الجوامع، ( والنبي عليه الصلاة والسلام صلاها جماعة، وبعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة )، فاجتمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم النساء.

    صفة صلاة الكسوف

    قال المؤلف رحمه الله: [فيكبر ويقرأ الفاتحة وسورةً طويلة، ثم يركع..] إلى آخره.

    هنا شرع المؤلف رحمه الله في بيان صفة صلاة الكسوف، وصفة صلاة الكسوف أشكلت على العلماء رحمهم الله لورود صفات كثيرة لها في السنة، وهذه الصفات سنسردها كما ذكر ابن حزم رحمه الله وغيره.

    الصفة الأولى: أن يصلي ركعتين في كل ركعة ركوعان كما هو المعمول عندنا الآن، يصلي ركعتين في كل ركعة ركوعان، فيكبر ويستفتح ويستعيذ ويبسمل ويقرأ الفاتحة، ثم يقرأ سورة طويلة، في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أنها بقدر سورة البقرة )، كما في صحيح البخاري ، ثم يركع ركوعاً طويلاً، ثم يرفع، ويشرع في قراءة الفاتحة، ثم يقرأ سورة طويلة دون الأولى، ثم يركع ويطيل الركوع دون الأول، ثم يرفع ويسمع ويحمد ويطيل -على الصواب- ثم يسجد سجدتين يطيل فيهما، ويطيل أيضاً بين السجدتين، ثم يقوم ويفعل الركعة الثانية كالأولى لكنها دونها في القراءة والركوع إلى آخره، هذه الصفة دل لها حديث ابن عباس وحديث عائشة رضي الله تعالى عنهم.

    الصفة الثانية: أن يصلي في كسوف الشمس ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات.

    الصفة الأولى: يكرر الركوع مرتين، الصفة الثانية: يكرر الركوع ثلاث مرات، يعني يقرأ، ثم يركع، ثم يرفع ويقرأ، ثم يركع، ثم يرفع ويقرأ، ثم يركع، ثم يرفع ويسمع ويحمد.. إلى آخره.

    الصفة الثالثة أيضاً في كسوف الشمس: أن يصلي ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات.

    الصفة الرابعة: أن يصلي ركعتين في كل ركعة خمس ركوعات.

    الصفة الخامسة: أن يصلي ركعتين في كل ركعة ركوع واحد كسائر المواطن.

    الصفة السادسة: أن يقوم ويكبر ويرفع يديه يذكر الله عز وجل ويدعوه حتى يتجلى الكسوف، فإذا تجلى الكسوف فإنه يصلي ركعتين في كل ركعة ركوع.

    الصفة السابعة: أن يصلي كأحدث صلاة صلاها من المكتوبة، فإذا كسفت الشمس ضحى أحدث صلاة صلاها الفجر، فيصلي ركعتين كصلاة الفجر، إذا كسفت بعد الظهر يصلي كصلاة الظهر.. وهكذا يصلي في كسوف الشمس وخسوف القمر كأحدث صلاة من المكتوبة، وعلى هذا لو خسف القمر بعد المغرب صلى ثلاثاً، ولو خسف بعد العشاء صلى أربعاً.. وهكذا.

    الصفة الثامنة والأخيرة: أن يصلي ركعتين ركعتين، وهذه الصفات الثمان اختلف العلماء رحمهم الله تجاهها إلى مسلكين:

    المسلك الأول: مسلك الترجيح، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله والشافعي والبخاري وشيخ الإسلام وابن القيم والإمام مالك ذهبوا إلى مسلك الترجيح، وذلك بترجيح حديث عائشة وابن عباس الذي فيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان ) على بقية الصلوات، وما عدا هذه الصفة شاذ، وإن ثبت بعضها في صحيح مسلم ، ويدل لهذا الترجيح أمران:

    الأمر الأول كما ذكر البيهقي : أن الروايات التي وردت في صفة صلاة الكسوف تشير إلى موت إبراهيم عليه السلام، وموت إبراهيم عليه السلام وقع مرة واحدة، فدل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الكسوف مرة واحدة فقط ولم يعدد، لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة وإنما صلى مرةً واحدة فقط، فيدل على أنه صلى صفة واحدة، وما عدا هذه الصفة فإنه شاذ.

    الأمر الثاني: ما سبق أن نقلناه عن الفلكي الذي حسب الكسوف الذي حصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الشمس لم تكسف في عهد النبي عليه الصلاة والسلام إلا مرةً واحدة فقط، فإذا كان كذلك فيدل على أن صفة الكسوف لم تتعدد.

    المسلك الثاني: مسلك الجمع، وهذا ذهب إليه ابن حزم رحمه الله، وكذلك أيضاً إسحاق بن راهويه وابن خزيمة وغيرهم من أهل العلم ذهبوا إلى مسلك الجمع، وأنه يعمل بسائر الصفات الواردة، فتارةً يصلي هذه الصفة وتارةً يصلي هذه الصفة إلى آخره.

    والصواب أنه يسلك مسلك الترجيح كما ذهب إليه الإمام أحمد ومالك والشافعي والبخاري وشيخ الإسلام ابن القيم ، فترجح صفة الصلاة التي وردت في حديث عائشة وابن عباس على غيرهما من الصفات، هذا هو الصواب.

    إطالة القراءة والأركان في صلاة الكسوف

    قال المؤلف رحمه الله: [فيكبر ويقرأ الفاتحة وسورةً طويلة].

    السنة في صلاة الكسوف: أن يقرأ سورةً طويلة، وقد سبق أن أشرت ما ورد في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قام قياماً طويلاً قدر سورة البقرة )، وهذا أخرجه البخاري في صحيحه، وبهذا نعرف الخطأ الذي يكون عليه بعض الأئمة، إذ بعض الأئمة يصلي صلاة خفيفة، هذا خلاف السنة، السنة أن يطيل القراءة، كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يكثرون من طول القيام، وإذا كان الإنسان لا يحفظ فإنه يأخذ القرآن ويقرأ فيه، لا بد أن يحقق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو المشروع.

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يركع ركوعاً طويلاً، ثم يرفع فيقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون التي قبلها، ثم يركع فيطيل دون الذي قبله، ثم يرفع].

    وأيضاً الصواب أنه يطيل في الرفع الثاني بعد الركوع الثاني، هل يطيل فيه أو لا يطيل؟

    هذا موضع خلاف، والمشهور من المذهب أنه لا يطيل فيه، والصواب أنه يطيل فيه، ويدل لذلك حديث جابر في صحيح مسلم قال: ( ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال )، فالصواب أنه يطيل.

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يسجد سجدتين طويلتين].

    أيضاً يطيل ما بين السجدتين، الجلوس بين السجدتين هل يطيله أو لا يطيله؟

    الصواب أنه يطيله؛ ويدل لذلك أن هدي النبي عليه الصلاة والسلام في صلاته أنها معتدلة كما في حديث البراء بن عازب قال: ( رمقت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت ركوعه فرفعه، فسجوده، فجلسته بين السجدتين قريباً من السواء )، فمن السنة أن يطيل.

    حكم الخطبة في صلاة الكسوف

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يسجد سجدتين طويلتين، ثم يقوم فيفعل مثل ذلك، فتكون أربع ركعات وأربع سجدات].

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن الإمام لا يخطب، لا يشرع له أن يخطب، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وقال به جمهور أهل العلم، وعند الشافعية: أنه يشرع للإمام أن يخطب، وهذا هو الصواب.

    نقول: يشرع للإمام أن يخطب، ويدل لذلك لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة في حديث عائشة قالت: ( ثم قام فقال: إن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته.. ) إلى آخر الحديث في الصحيحين.

    وأيضاً حديث أسماء في الصحيحين قالت: ( فحمد الله فأثنى عليه.. ) إلى آخره.

    فالصواب في هذه المسألة: أن الخطبة في صلاة الكسوف مشروعة، فإذا انتهى الإمام من الصلاة فإنه يخطب ويعظ الناس ويذكرهم ويخوفهم بالله عز وجل، ويبين لهم سبب الكسوف، وما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف.. إلى آخره.

    انتهاء صلاة الكسوف ولم ينجل الكسوف

    باقي مسائل تتعلق بصلاة الكسوف من هذه المسائل: إذا انتهت الصلاة والكسوف لم يتجل فماذا يفعل؟

    نقول: يفعل ما أرشد له النبي صلى الله عليه وسلم، أن يدعو ويذكر الله عز وجل، يستمر في الذكر والدعاء إلى أن يتجلى الكسوف هذا هو السنة.

    زوال الكسوف أثناء الصلاة

    مسألة أخرى: إذا تجلى الكسوف وهو لا يزال في الصلاة، فنقول: إذا تجلى الكسوف وهو لا يزال في الصلاة فإنه يتمها خفيفة؛ لحديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم )، وهذا في الصحيحين.

    حكم صلاة الكسوف في أوقات النهي

    المسألة الثالثة: صلاة الكسوف هل تفعل في أوقات النهي أو نقول: بأنها لا تفعل في أوقات النهي؟

    جمهور أهل العلم أنها لا تفعل في أوقات النهي، وعند الشافعية: أنها تفعل في أوقات النهي، وهذا القول هو الصواب، وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بذوات الأسباب هل تفعل في أوقات النهي أو لا تفعل في أوقات النهي؟ وأن الصواب أنها تفعل في أوقات النهي، ذوات الأسباب الصواب أنها تفعل في أوقات النهي، وهذا سيأتينا إن شاء الله بيانه في بيان الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وما يشرع فيها من الصلوات وما لا يشرع فيها من الصلوات، وصلاة الكسوف من ذوات الأسباب.

    حكم صلاة الكسوف لآية أخرى غير كسوف الشمس وخسوف القمر

    المسألة الرابعة: هل يصلى بآية أخرى غير الكسوف أم نقول: بأن هذه الصلاة خاصة بصلاة الكسوف؟

    العلماء رحمهم الله اختلفوا في ذلك على أقوال، المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه لا يصلى بآية أخرى إلا الزلزلة، إذا حصلت زلزلة فإنه يصلى كصلاة الكسوف؛ لورود ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكذلك أيضاً حذيفة بأسانيد صحيحة.

    والقول الثاني: هذه الصلاة لا تشرع إلا للكسوف، وهذا قال به مالك والشافعي ، مالك والشافعي قالا: لا يصلى إلا لصلاة الكسوف؛ قالوا: لأن هذه الآيات وجدت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وقع في عهد النبي عليه الصلاة والسلام هبوب الرياح، والظلمة في النهار، ونحو ذلك من الآيات ومع ذلك لم يرد أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى.

    والرأي الثالث رأي أبي حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام : أنه يصلى لكل آية؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في حديث أبي بكرة كما سبق: ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده )، فالعبرة التخويف، فكل آية يحصل فيها تخويف تشرع لها صلاة الكسوف، كالزلزلة، وأيضاً وجود الظلمة في النهار، أو حصول الرياح والعواصف ونحو ذلك قالوا: بأن كل آية يحصل فيها تخوف تشرع لها الصلاة.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.