إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الصلاة [11]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يشرع للمسلم التطوع به من الصلوات السنن الرواتب، وآكدها سنة الفجر والتي اختصت بجملة سنن عن غيرها من الرواتب، ومن التطوع كذلك الوتر، وله صفات وردت في السنة، واختلفوا في قنوت الوتر على أقوال رجح شيخ الإسلام أنه يؤتى به أحياناً.

    1.   

    صلاة التطوع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب صلاة التطوع: وهي على خمسة أضرب].

    التطوع في اللغة: فعل الطاعة.

    وفي الاصطلاح: طاعة غير واجبة.

    وصلاة التطوع هي الجابر الثالث من جوابر الصلاة، وسبق أن أشرنا أن الصلاة لها ثلاثة جوابر:

    الجابر الأول: الذكر دبر الصلاة.

    والجابر الثاني: سجود السهو.

    والجابر الثالث: صلاة التطوع.

    ولهذا في مسند الإمام أحمد رحمه الله: ( إن أول ما يقضى بين العباد الصلاة، فإن صلحت وإلا قال الله عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ )، فشرعية مثل هذه السنن من رحمة الله عز وجل بالعبد؛ لأن هذه السنن لو لم تكن مشروعةً لكانت بدعة، إذ إن أمر العبادة مبني على الحظر والتوقيف، والأصل فيها المنع.

    1.   

    السنن الرواتب

    قال المؤلف رحمه الله: [أحدها: السنن الرواتب، وهي التي قال ابن عمر رضي الله عنه: (عشر ركعات حفظتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم..)] إلى آخر الحديث الذي أورده المؤلف رحمه الله.

    بالنسبة للسنن الرواتب هذه تحتها مباحث:

    عدد السن الرواتب

    أما ما يتعلق بعددها فقد ذكر المؤلف رحمه الله حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وهو قوله: (عشر ركعات حفظتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر)، فيؤخذ من كلام المؤلف أنه يرى أن السنن الرواتب عددها عشر ركعات، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    والرأي الثاني: أن عدد السنن الرواتب ثنتا عشرة ركعة، بدليل حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في صحيح مسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في بيتها قبل الظهر أربعاً)، هذا الحديث اختلف أهل العلم رحمهم الله في توجيهه، فقيل: كيف نجمع بين حديث عائشة: (يصلي قبل الظهر أربعاً)، وبين حديث ابن عمر قال: (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر

    فالجمع الأول: أنه إذا صلى الإنسان في بيته يصلي أربع ركعات، تكون السنة أربع ركعات، وإذا صلى في المسجد فإنه يصلي السنة القبلية ركعتين، هذا الجواب الأول.

    الجواب الثاني: أن هذا محمول على التنويع، يعني تارة النبي عليه الصلاة والسلام يصلي أربع ركعات قبل الظهر، وتارة يصلي ركعتين.

    والجواب الثالث أو الجمع الثالث وهذا مال إليه ابن القيم رحمه الله: أن هذه الأربع التي في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ليست سنة الظهر وإنما هي سنة مستقلة تكون عند زوال الشمس، يعني أربع ركعات كان النبي عليه الصلاة والسلام يصليها سنة مستقلة تكون عند زوال الشمس.

    الصواب أنه يؤخذ بالأكثر في هذه المسألة، وهو أن السنة القبلية للظهر أربع ركعات؛ ويدل لهذا الجمع حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها في صحيح مسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى لله في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة بني له بهن بيت في الجنة)، هذا في مسلم، في سنن الترمذي فسر هذه الثنتي عشرة: أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر.

    وحينئذ نقول: يستحب للإنسان أن يحافظ على هذه الثنتي عشرة ركعة، لكي ينال هذا الفضل العظيم وهو أنه يبنى له بيت في الجنة، مع أن هذه السنن تجبر الصلاة.

    وقت السنن الرواتب

    هذه السنن إن كانت قبلية فوقتها من دخول وقت الصلاة المفروضة إلى إقامة الصلاة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة )، هذا الصواب، الصواب بالنسبة لوقتها إذا كانت قبلية نقول: وقتها من دخول وقت الصلاة إلى إقامة الصلاة، وإن كانت بعديةً فوقتها من بعد الفراغ من الصلاة إلى خروج وقت الصلاة.

    الشافعية قالوا: وقتها سواء كانت بعدية أو قبلية من دخول الوقت إلى خروجه، وهذا فيه نظر؛ لأنه لو كان وقتها من دخول الوقت إلى خروجه لم يكن هناك فائدة من تقسيم السنن إلى سنن قبلية وسنن بعدية.

    الحنفية يستثنون ركعتي الفجر، يقولون: تصلى ولو بعد إقامة الصلاة، وهذا أيضاً فيه نظر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة )، وفي لفظ: ( فلا صلاة إلا التي أقيمت ).

    وأما ما ورد في البيهقي من استثناء ركعتي الفجر فهذا لا يثبت، الثابت هو الذي في الصحيح: ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت )، أو ( لا صلاة إلا المكتوبة ).

    قضاء السنن الرواتب

    يستحب للمسلم إذا فاتته هذه السنن لعذر من نوم أو شغل أو نحو ذلك أن يقضي هذه السنن، قضاء هذه السنن مستحب، فإذا شغلت في صلاة الظهر وقد أقيمت الصلاة فبعدما تنتهي من الصلاة صل السنة البعدية، ابدأ بالبعدية، ثم بعد ذلك اقض السنة القبلية التي فاتتك.

    وكذلك أيضاً إذا أتيت لصلاة الفجر وقد أقيمت الصلاة فإنه يستحب لك أن تقضي سنة الفجر؛ والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيح ( أن النبي عليه الصلاة والسلام لما شغله وفد عبد القيس عن السنة البعدية لصلاة الظهر قضاها النبي عليه الصلاة والسلام بعد العصر )، وكذلك أيضاً لما نام عن سنة الفجر قضاها النبي عليه الصلاة والسلام لما استيقظ.

    وأيضاً في حديث قيس بن قهد : ( لما انصرف النبي عليه الصلاة والسلام من صلاة الفجر وجده يصلي ركعتين، فقال: آلفجر أربعاً؟ فأخبره أنه لم يصل السنة، فأقره النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك ).

    فنقول: يستحب للمسلم أن يقضيها، وهل تقضى في أوقات النهي أو لا تقضى في أوقات النهي؟

    يقول: لا تقضى في أوقات النهي إلا أننا نستثني من ذلك سنة الفجر، لا بأس أن الإنسان يقضيها بعد الصلاة؛ لحديث قيس بن قهد السابق، والأفضل أن تقضيها بعد طلوع الشمس، هذا الأحسن والأفضل لفعل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.

    يستثنى أيضاً سنة الظهر البعدية إذا شغلت عنها فلا بأس أن تقضيها بعد العصر لفعل النبي عليه الصلاة والسلام.

    آكد السنن الرواتب

    قال المؤلف رحمه الله: [وحدثتني حفصة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طلع الفجر وأذن المؤذن صلى ركعتين وهما آكدها )].

    يقول: آكد هذه السنن ركعتا الفجر، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ) رواه مسلم .

    وأيضاً: قول عائشة رضي الله تعالى عنها: ( لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهداً من ركعتي الفجر )، وهذا في الصحيحين.

    فينبغي أن نحافظ على هاتين الركعتين، ويكفي فيهما قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها )؛ لأن هذه الدنيا مهما ملكتها فإنك ستزول عنها، لكن بالنسبة لهاتين الركعتين اللتين صليتهما فإنك ستجدهما يوم القيامة، وستثاب عليهما الثواب الذي لا تزول عنه، هذه الدنيا مهما ملكتها فإنك ستزول إن لم تزل هي عنك، لكن بالنسبة لهاتين الركعتين ستجدهما يوم القيامة، وستثاب عليهما ثواباً لا يزول أبداً؛ ولهذا كان هاتان الركعتان خيراً من الدنيا وما فيها.

    بعد ركعتي الفجر في الآكدية سنة المغرب، ثم بعد ذلك قال العلماء رحمهم الله: الباقي سواء، فسنة الظهر القبلية والبعدية وسنة العشاء هذه السنن الثلاث سواء، يعني متساوية في الفضيلة.

    استحباب تخفيف ركعتي الفجر وصلاتها في البيت

    قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب تخفيفهما، وفعلهما في البيت أفضل، وكذا ركعة المغرب].

    بالنسبة لسنة الفجر لتأكد هذه السنة شرع لها سنن، يعني يشرع لسنة الفجر سنن:

    السنة الأولى: قال المؤلف رحمه الله: (ويستحب تخفيفهما)، يستحب للمسلم أن يخفف ركعتي الفجر؛ ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنهما قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين قبل الفجر حتى إني أقول: أقرأ فيهما بأم القرآن؟ ) يعني: أقرأ فيهما بالفاتحة؟ وهذا من تخفيفه عليه الصلاة والسلام، وهذا في الصحيحين.

    السنة الثانية: أن يقرأ في الركعة الأولى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا [البقرة:136] . ويقرأ في الركعة الثانية قوله تعالى في سورة آل عمران : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا [آل عمران:64].

    أو يقرأ في الركعة الأولى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، وفي الركعة الثانية: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1].

    السنة الثالثة: قال: (وفعلهما في البيت أفضل).

    واعلم أن سائر السنن والتطوعات السنة أن تفعل في البيت، هذا هو السنة بالنسبة للنوافل والتطوعات أن تفعل في البيت؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة )، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( صلوا في بيوتكم، لا تجعلوها قبوراً )، إلا ما يشرع أن تفعله في المسجد مثل التراويح، مثل الكسوف، الاستسقاء، تحية المسجد، ما عدا ذلك السنة أن تفعله في البيت، فالسنن الرواتب السنة أن تفعل في البيت، والوتر السنة للإنسان أن يفعله في البيت إلا إذا كان هناك مقتض يقتضي أن تفعله في المسجد، يخشى الإنسان أنه لو ذهب إلى البيت أنه لا يصلي، أو أن المكان قد لا يناسبه.

    والصلاة في البيت فيها فضل عظيم، أولاً: اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، يعني استجابة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وثانياً: طرد الشيطان، وإحلال البركة.

    وأيضاً ثالثاً: أن الإنسان يعلم أهله هذه الصلاة؛ فإن الصغار والكبار يقتدون به.

    الاضطجاع بعد ركعتي الفجر

    السنة الرابعة لسنة الفجر: الاضطجاع بعد ركعتي الفجر هل هو مشروع أو ليس مشروعاً؟ يعني إذا صلى الإنسان ركعتي الفجر هل يسن له أن يضطجع أو لا يسن له أن يضطجع؟

    هذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فذهب طائفة من السلف من الصحابة والتابعين إلى أن هذا سنة، يسن للإنسان أن يضطجع بعد ركعتي الفجر وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، يعني إذا صليت سنة الفجر المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن تضطجع على جانبك الأيمن، وهذا قال به ابن سيرين وعروة ، وأيضاً قال به من الصحابة أبو موسى وأنس وأبو هريرة ورافع وغيرهم.

    والرأي الثاني: أن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر بدعة، وهذا قال به الإمام مالك رحمه الله، وأيضاً قال به ابن مسعود وابن عمر .

    والرأي الثالث: أن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر واجب، وهذا ذهب إليه ابن حزم رحمه الله، ابن حزم رحمه الله يقول: إن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر واجب، وأن الإنسان إذا لم يضطجع فإن صلاة الفريضة باطلة ولا تصح!

    والصواب في هذه المسألة: أن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر يستحب إذا كان هناك حاجة، فإن لم يكن حاجة فإنه لا يشرع، هذا لعله هو الأقرب من أقوال أهل العلم رحمهم الله.

    1.   

    صلاة الوتر

    حكم صلاة الوتر

    قال المؤلف رحمه الله: [الضرب الثاني: الوتر، ووقته ما بين صلاة العشاء والفجر].

    قول المؤلف رحمه الله: (الضرب الثاني: الوتر) يفهم منه أن الوتر ليس واجباً وإنما هو سنة، وهذا قول جمهور أهل العلم؛ ودليل ذلك حديث ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً

    إلى اليمن، فقال له: إنك تأتي قوماً من أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة )، الشاهد قوله: ( خمس صلوات في اليوم والليلة )، ولو قلنا بأن الوتر واجب لكانت الصلوات الواجبة في اليوم والليلة ستاً.

    وعند الحنفية رحمهم الله: أن الوتر واجب، وأن الإنسان إذا لم يوتر فإنه يأثم، واستدلوا بحديث أبي أيوب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الوتر حق، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل )، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه ، لكن كثير من الأئمة على أنه موقوف، وليس مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم، أبو حاتم والذهلي والدارقطني والبيهقي كلهم يقولون: بأن هذا الحديث موقوف، ولو صح هذا الحديث لكان محمولاً على أنه يتأكد استحباب الوتر.

    وقال علي رضي الله تعالى عنه: ( الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة، ولكنه سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم )، وهذا حسنه الترمذي .

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يجب الوتر على من يقوم الليل، إذا كان الإنسان يقوم الليل فإنه يجب عليه أن يوتر.

    عدد ركعات الوتر

    قال المؤلف رحمه الله: [أقله ركعة].

    تقدم في مباحث الوتر حكم الوتر، الآن ذكر المؤلف رحمه الله ما يتعلق بعدد الوتر، فالوتر أقله ركعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( الوتر ركعة من آخر الليل )، وورد الإيتار بواحدة عن عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، المهم أن الإنسان لا يترك الوتر، حتى لو أوترت بواحدة.

    قال المؤلف رحمه الله: [وأكثره إحدى عشرة].

    لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر إحدى عشر ركعة ) في مسلم .

    وأيضاً قول عائشة : ( ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة ).

    فنقول: أكثره إحدى عشرة، وقد ورد ثلاث عشرة كما في حديث ابن عباس وحديث عائشة ، والجمع سهل، غالب هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الوتر أنه يوتر بإحدى عشرة، الغالب أنه يوتر بإحدى عشرة ركعة، وربما زاد إلى ثلاث عشرة، وربما نقص إلى تسع إلى سبع إلى خمس، لكن الغالب أنه كان يوتر عليه الصلاة والسلام بإحدى عشرة ركعة، فينبغي للمسلم أن يتحرى سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    صفة صلاة الوتر

    قال المؤلف رحمه الله: [وأدنى الكمال ثلاث بتسليمتين].

    أدنى الكمال ثلاث ركعات، يعني أوترت بواحدة وقع الإجزاء، لكن أدنى كمال الوتر ثلاث ركعات، إذا أراد الإنسان أن يوتر بثلاث فله صفتان:

    الصفة الأولى: أن تصلي ركعتين ثم تسلم ثم تصلي ركعة، هذه الصفة الأولى.

    الصفة الثانية: أن تصلي ثلاث ركعات سرداً بسلام واحد وتشهد واحد، تارة تصلي هكذا، وتارة تصلي هكذا.

    وإذا أردت أن توتر بخمس فالسنة أن تسردها سرداً، تصلي الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة ثم تجلس تتشهد وتسلم، ولهذا في حديث أم سلمة قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع وبخمس، لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام ).

    فنقول: إذا أردت أن توتر بخمس فالسنة أن تسردها سرداً، تصلي الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة ثم تجلس تتشهد وتسلم، إذا أردت أن توتر بسبع أيضاً السنة أن تسردها سرداً كالخمس، الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة، ثم تجلس تتشهد وتسلم، وهذه دليله كما تقدم ما في صحيح مسلم حديث أم سلمة قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بخمس وبسبع لا يفصل بينهما بسلام ولا كلام ).

    وقد ورد في مسند الإمام أحمد رحمه الله صفة أخرى للإيتار بسبع، وهي أن يسردها سرداً لكن بتشهدين وسلام، يعني تصلي ست ركعات سرداً الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم تجلس تتشهد، ثم تقوم وتأتي بالسابعة ثم تجلس وتتشهد.

    إذا أردت أن توتر بتسع أيضاً تسردها سرداً كما في حديث عائشة رضي الله تعالى، تصلي ثمان ركعات سرداً، ثم تجلس تتشهد، ثم تقوم وتصلي التاسعة، وبعد أن تنتهي من صلاة التاسعة تتشهد وتسلم، فتسع كالصفة الثانية في السبع، والخمس كالصفة الأولى في السبع.

    إذا أردت أن توتر بإحدى عشرة فالصواب أنك تسلم من كل ركعتين.

    وقد ذكر العلماء رحمهم الله للإيتار بإحدى عشرة أربع صفات، لكن الصواب من هذه الصفات التي دلت لها السنة أنك تسلم من كل ركعتين؛ لقول عائشة : ( كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ).

    وأيضاً يدل لذلك حديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة الليل مثنى مثنى ).

    القنوت في الوتر

    قال المؤلف رحمه الله: [ويقنت في الثالثة بعد الركوع].

    القنوت هو الدعاء، والقنوت في اللغة يطلق على معان منها: القيام، طول العبادة، التسبيح، الخشوع، الدعاء، لكن المراد بذلك هنا الدعاء.

    وقال المؤلف رحمه الله: (بعد الركوع)، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن السنة جاءت بأن القنوت يكون قبل الركوع ويكون بعد الركوع، وحديث أبي بن كعب في قنوت النبي صلى الله عليه وسلم قبل الركوع فيه ضعف، وعلى هذا يقنت الإنسان بعد الركوع.

    ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن القنوت في الوتر مشروع كل ليلة في كل قنوت، يعني كلما أوترت فإنك تقنت، وهذا مذهب أحمد وأبي حنيفة رحمهم الله.

    وقال مالك والشافعي : لا يقنت إلا في النصف الثاني من رمضان فقط، لا قنوت إلا في النصف الثاني من رمضان؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه لما جمع الناس على أبي بن كعب يصلي بهم في رمضان، فكان لا يقنت إلا في النصف الثاني من رمضان، وهذا ضعيف.

    واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في القنوت أنه يفعل في بعض الأحيان، ويترك في بعض الأحيان، يعني أن الإنسان ما يداوم على القنوت، يفعله في بعض الأحيان، ويتركه في بعض الأحيان.

    والذي يتأمل سنة النبي عليه الصلاة والسلام الثابتة في الصحيح نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقنت، كما في حديث عائشة وحذيفة وابن مسعود وجابر وغير ذلك.

    يعني الذي ينظر إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام، في الصحيح من صلاته في الليل -تهجده ووتره- يجد أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يقنت، عند بعض العامة أنه إذا ما قنت ما أوتر، وهذا خطأ، بل كما ذكرت المتأمل في سنة النبي عليه الصلاة والسلام الثابتة في الصحيح الذين وصفوا صلاة النبي عليه الصلاة والسلام في الليل عائشة ابن عباس حذيفة ابن مسعود جابر وغيرهم ما ذكروا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقنت، هذا لم يذكروه، لكن القنوت هذا ورد في حديث الحسن : ( علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر )، مع أن بعض أهل العلم لا يثبت هذا الحديث بهذا اللفظ، وإنما قال: ( كلمات أقولهن في قيام الليل )، وورد أيضاً حديث أبي بن كعب : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام قنت في الوتر )، وهذا الحديث بعض أهل العلم يثبته وبعضهم لا يثبته.

    على كل حال الخلاصة في هذه المسألة: أن الغالب على هدي الإنسان أنه لا يقنت، يعني توتر بلا قنوت، وفي بعض الأحيان تقنت، هذا لا بأس؛ لأنك إذا تأملت هدي النبي عليه الصلاة والسلام تجد أنه في الغالب أنه لا يقنت، لكن في بعض الأحيان لا بأس أن تقنت.

    أيضاً من المسائل التي ينبه لها في القنوت: أن القنوت ورد في حديث الحسن : ( اللهم اهدني فيمن هديت )، هذا الذي ورد، يعني قال: ( كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت.. ) إلى آخره، ولا بأس أن الإنسان أيضاً يزيد، يعني ورد أيضاً عن النبي عليه الصلاة والسلام: ( اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك )، هذا ورد.

    وقد ذكر الإمام أحمد رحمه الله أن القنوت يكون بقدر سورة إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [الانشقاق:1] ، وعلى هذا الإنسان يقنت بهذه الكلمات الواردة، أو بما ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه: اللهم إنا نستعينك ونستهديك.. إلى آخره، ولا يطيل في القنوت، يقتصر على ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما أسلفت الإمام أحمد رحمه الله قال: إنه بقدر إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [الانشقاق:1].