إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الصلاة [9]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تشتمل الصلاة على أركان وواجبات وسنن، أما الأركان فمثل: تكبيرة الإحرام، والفاتحة والركوع والسجود والرفع منهما، والواجبات مثل: تكبيرات الانتقال والتسبيح في الركوع والسجود، والسنن ما عداها.

    1.   

    تابع الأذكار بعد السلام

    تقدم لنا الذكر الأول: الاستغفار، وذلك بأن يقول إذا انتهى من صلاته: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام! هكذا هي الصفة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما قول بعض الناس إذا انتهى من صلاته: أستغفر الله العظيم التواب الكريم.. إلى آخره فهذه الصفة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ولا شك أن الأذكار توقيفية، فيتوقف فيها المسلم مع النص الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وبعد الاستغفار يهلل فيقول: ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد )، فهذا وارد من حديث المغيرة ، وكذلك أيضاً من حديث معاوية .

    والتسبيح ورد له أربع صفات:

    الصفة الأولى: أن يسبح ويحمد ويكبر ثلاثاً وثلاثين، فيقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، يسبح ويحمد ويكبر ثلاثاً وثلاثين، ثم يقول في تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، هذه هي الصفة الأولى أن يسبح ويحمد ويكبر ثلاثاً وثلاثين, فهذه تسعة وتسعون، ثم يقول في تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.

    الصفة الثانية: أن يسبح ثلاثاً وثلاثين, فيقول: سبحان الله، سبحان الله إلى آخره ثلاثاً وثلاثين، وأن يحمد ثلاثاً وثلاثين، وأن يكبر أربعاً وثلاثين تكبيرة، فهذه مائة، فيقول: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، ثم يقول: الحمد لله ثلاثاً وثلاثين، ثم يقول: الله أكبر أربعاً وثلاثين.

    الصفة الثالثة: أن يسبح ويحمد ويكبر ويهلل خمساً وعشرين مرة، فيقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يقول ذلك خمساً وعشرين مرة، فهذه مائة.

    الصفة الرابعة: أن يسبح عشراً، ويحمد عشراً، ويكبر عشراً، أن يحمد عشراً يقول: سبحان الله، سبحان الله.. عشر مرات، ويقول: الحمد لله، الحمد لله.. إلى آخره عشر مرات، ويقول: الله أكبر الله أكبر.. إلى آخره عشر مرات.

    فهذه أربع صفات كلها واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكما تقدم لنا في مثل هذه الصفات أنه يستحب أن يفعل هذه تارة وهذه تارة.. إلى آخره؛ لكي يأتي بالسنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها.

    ثم بعد ذلك يقرأ آية الكرسي.. إلى آخره مما يشرع دبر الصلاة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإذا سلم استغفر ثلاثاً وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام ].

    وهذا دليله حديث ثوبان قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته قال ذلك )، قال الأوزاعي رحمه الله: يقول: أستغفر الله، أستغفر الله.. إلى آخره كما سبق بيانه.

    1.   

    أركان الصلاة

    معنى الركن والفرق بينه وبين الشرط

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب أركان الصلاة وواجباتها: أركانها اثنا عشر ].

    الأركان جمع ركن، والركن هو جانب الشيء الأقوى، وهو جزء الماهية.

    والفرق بين الركن وبين الشرط من وجوه:

    الوجه الأول: أن شروط الصلاة قبلها, وأما أركان الصلاة فهي في نفس العبادة، فشروط الصلاة من الوضوء واستقبال القبلة وستر العورة إلى آخره هذه قبل الدخول في الصلاة، وأما بالنسبة لأركان الصلاة فهي في نفس العبادة.

    الفرق الثاني: أن الشرط لا بد من استمراره من أول الصلاة إلى آخرها، فلا بد أن يكون الإنسان متطهراً من أول الصلاة إلى آخر الصلاة، ولا بد أن يستقبل من أول الصلاة إلى آخرها، وأما بالنسبة للركن فهو ينتقل من ركن إلى آخر.

    الوجه الثالث: أن ركن الصلاة لا يسقط، فلا بد أن يأتي به الإنسان، فهو لا يسقط لا في العمد ولا في السهو إلا مع العجز، فقد لا يتمكن الإنسان من القيام فيسقط عنه ركن القيام إلى الجلوس، أما بالنسبة للشرط فقد يسقط مع السهو، فمثلاً اجتناب الخبث هذا يقول العلماء رحمهم الله: بأنه من شروط صحة الصلاة كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ومع ذلك لو أن الإنسان نسي وصلى وعلى ثوبه نجاسة أو بدنه أو بقعته فإن صلاته صحيحة.

    القيام مع القدرة

    قال المؤلف رحمه الله: [القيام مع القدرة ].

    هذا الركن الأول من أركان الصلاة: القيام، ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238].

    وأيضاً من الأدلة على ذلك: حديث عمران في صحيح البخاري لما شكى للنبي صلى الله عليه وسلم أن به بواسير قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب ).

    وأيضاً حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ).. إلى آخره.

    وقول المؤلف رحمه الله: (مع القدرة). يعني: يسقط القيام مع العجز, أي أنه إذا كان الإنسان لا يتمكن من القيام فإنه يسقط عنه، وكذلك أيضاً إذا كان يلحقه مشقة ظاهرة بحيث إنه يود أن لو ركع أو جلس, فهنا نقول أيضاً: يسقط عنه القيام، يعني: إذا كان الإنسان يجد حرجاً إذا قام يحصل له حرج وثقل ومشقة بحيث يود أنه لو ركع أو جلس فنقول هنا في حال المشقة الظاهرة: له أن يجلس.

    وكذلك أيضاً في حال الضرورة كما لو خاف على نفسه من عدو إذا قام فإنه يسقط عنه القيام.

    وهذا الركن القيام هذا بالنسبة للفرض، أما بالنسبة للنفل فإنه لا بأس أن يصلي الإنسان جالساً؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، وصلاة المضطجع على النصف من صلاة القاعد ).

    ما هو قدر القيام المجزئ؟

    قدر القيام المجزئ هو قدر تكبيرة الإحرام، فلا بد للإنسان أن يقوم قدر تكبيرة الإحرام؛ لأن تكبيرة الإحرام ركن وقراءة الفاتحة؛ لحديث عبادة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ).

    تكبيرة الإحرام

    قال المؤلف رحمه الله: [ وتكبيرة الإحرام ].

    هذا الركن الثاني من أركان الصلاة، ويدل لذلك حديث علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تحريمها التكبير )، وهذا إسناده حسن.

    وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته: ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر )، فلا بد من تكبيرة الإحرام.

    قراءة الفاتحة

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقراءة الفاتحة ].

    ودليل ذلك: حديث عبادة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة لمن لم يقر بفاتحة الكتاب ).

    وتقدم لنا أن المصلي لا يخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى والثانية: أن يكون منفرداً أو إماماً، فإذا كان منفرداً أو إماماً فهذا لا بد أن يقرأ الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته: ( ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ) لما علمه النبي عليه الصلاة والسلام.

    الحالة الثالثة: أن يكون مأموماً، وقد تقدم أنه يجب عليه أن يقرأ فيما يسر به الإمام، فمثلاً صلاة الظهر وصلاة العصر والركعة الثالثة من المغرب والركعتان الأخيرتان من صلاة العشاء يجب على المأموم أن يقرأ.

    لكن فيما يجهر به الإمام هل يجب عليه أن يقرأ أو لا يجب عليه أن يقرأ؟

    تقدم أن أشرنا إلى الخلاف في هذه المسألة، وذكرنا أن الأقرب -والله أعلم- أنه لا يجب عليه أن يقرأ فيما يجهر به الإمام، وأن الإمام يتحمل عنه، لكن لو قرأ فهذا أحوط.

    الركوع والرفع منه

    قال المؤلف رحمه الله: [ والركوع ].

    هذا الركن الرابع الركوع، ودليل ذلك: قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج:77].

    وأيضاً حديث أبي هريرة , وفيه قول النبي عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته: ( ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ).

    والإجماع أيضاً قائم على ذلك.

    قال المؤلف رحمه الله: [ والرفع منه ].

    وهذا قول جمهور أهل العلم أن الرفع من الركوع ركن، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: ( ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ), وفي لفظ: ( حتى تطمئن قائماً ).

    وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تجزئ صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود ). وهذا قول جمهور أهل العلم أن الرفع من الركوع ركن من أركان الصلاة.

    وعند الحنفية أنه سنة, وليس ركناً؛ لأن الله عز وجل لم يذكره في قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج:77]، وهم يقولون: بأنه سنة؛ ولذلك تلحظ الآن الذين يتبعون مذهب الحنفية أنهم لا يطمئنون، تجد أنه إذا رفع من الركوع يهوي مباشرة؛ لأنهم يرون أن الرفع هذا سنة، ولذلك تلحظ بعض الإخوة الوافدين من المشرق إذا قام من الركوع يهوي بسرعة, ولا يعتدل قائماً؛ لأن الحنفية رحمهم الله يرون أن الرفع من الركوع سنة، وهذا فيه نظر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال للمسيء صلاته: ( ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ).

    وأيضاً البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه ذكر في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كان ركوعه فرفعه فسجوده فجلسته بين السجدتين قريباً من السواء )، هذه الأشياء متساوية، هكذا السنة.

    السجود والجلوس عنه

    قال المؤلف رحمه الله: [ والسجود ].

    أيضاً الإجماع قائم على أن السجود ركن من أركان الصلاة؛ لقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج:77].

    وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته: ( ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ).

    وأيضاً محافظة النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك.

    قال المؤلف رحمه الله: [ والجلوس عنه ].

    الخلاف في هذا الركن كالخلاف في ركن الرفع من الركوع، فالجمهور يرون أن الجلسة بين السجدتين ركن من أركان الصلاة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال للمسيء صلاته: ( ثم ارفع حتى تعتدل جالساً )، وفي لفظ: ( حتى تطمئن جالساً ).

    وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تجزئ صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود ).

    وعند الحنفية أن الجلسة من السجدتين سنة, وليست واجبة، يكفي أن الإنسان لكي يفصل بين السجدتين أن يرفع رأسه ثم ينزل مرة أخرى، يعني: على مذهب أبي حنيفة رحمه الله القدر المجزئ أن يرفع رأسه ثم يسجد مرة أخرى، أما كونه يجلس بين السجدتين قالوا: بأن هذا ليس واجباً، وليس ركناً وهذا فيه نظر.

    وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن أمراء بني أمية رحمهم الله تصرفوا في الصلاة، ومن تصرفاتهم في الصلاة أنهم خففوا الرفع بعد الركوع، والرفع بعد السجود، وهذا خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فسنة النبي عليه الصلاة والسلام أن الركوع والرفع منه والسجود والجلسة بين السجدتين هذه الأشياء قريب من السواء، يفعلها الإنسان، وقد تقدم لنا أن قدر الركوع عشر تسبيحات، قدر السجود عشر تسبيحات، وعلى هذا يرفع بمقدار عشر تسبيحات، ويجلس بمقدار عشر تسبيحات.

    الطمأنينة في الأركان

    قال المؤلف رحمه الله: [ والطمأنينة في هذه الأركان ].

    أيضاً هذا ركن من أركان الصلاة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته: ( ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ).. إلى آخره.

    وما هو قدر الطمأنينة؟

    قال بعض العلماء: قدر الطمأنينة السكون وإن قل.

    وقال آخرون: قدر الطمأنينة أن يركع أو يسجد بقدر الذكر الواجب، يعني القول الثاني: أن قدر الطمأنينة قدر الذكر الواجب، وهذا القول هو الأقرب، وعلى هذا إذا ركع الإنسان فيجب عليه أن يطمئن بقدر قول سبحان ربي العظيم تسبيحة واحدة؛ لأن الذكر الواجب في الركوع قول: سبحان ربي العظيم، وإذا سجد يجب عليه أن يطمئن بقدر قول: سبحان ربي الأعلى، وإذا جلس بين السجدتين يجب عليه أن يطمئن بقدر قول: ربي اغفر لي، وأما السنة فأن يزيد إلى عشر, هذا إذا كان إماماً يزيد إلى عشر، وأما بالنسبة للمأموم فهو تبع للإمام، وأما بالنسبة للمنفرد فهو أمير نفسه كما سبق, فإن شاء أن يطول طول، وإن شاء أن يقصر قصر.

    التشهد الأخير والجلوس له

    قال المؤلف رحمه الله: [ والتشهد الأخير ].

    التشهد الأخير هذا ركن من أركان الصلاة، ودليل ذلك: حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ( كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد )، فقوله: ( كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد ) هذا دليل على أن التشهد فرض.

    والتشهد الأخير هو كما تقدم: التحيات لله، والصلوات.. إلى قول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    قال المؤلف رحمه الله: [ والجلوس له ].

    أي للتشهد الأخير، هذا ركن، وعلى هذا لو أن الإنسان قال هذا التشهد في الصلاة وهو قائم فإن ذلك لا يجزئه؛ لأن هذا خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتشهد وهو جالس.

    الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد

    لم يذكر المؤلف رحمه الله الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، فظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ليست ركناً، وهذا خلاف المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، فإنهم يرون أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ركن من أركان الصلاة، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    وتقدم لنا أن أشرنا إلى الخلاف في هذه المسألة، وأن الصواب في هذه المسألة: أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ليست ركناً، إن أتى بها الإنسان هذا هو الأحسن, هذا هو السنة، وإن لم يأت بها الإنسان فإن صلاته صحيحة.

    والدليل على أنها ليست ركناً: حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ثم ليتخير من الدعاء ما شاء ), فهذا يدل على أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ليست ركناً، وهذا قول جمهور أهل العلم، وهو الصواب في هذه المسألة.

    التسليمتان

    قال المؤلف رحمه الله: [ والتسليمة الأولى ].

    هذا أيضاً خلاف المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، فإن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن التسليمتين كل منهما ركن في الفرض، في الفرض لا بد أن يسلم تسليمتين، وهذا القول هو الصواب خلافاً لما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    الحنفية أصلاً لا يرون التسليم واجباً، فهم يقولون: إذا جلس الإنسان بقدر التشهد فله أن يقوم، وله أن يتكلم، وله أن يأكل، ولا يجب عليه أن يسلم.

    الرأي الثاني رأي الشافعية والمالكية: أن الواجب تسليمة واحدة فقط.

    والرأي الثالث مذهب أحمد رحمه الله: أن الواجب تسليمتان في الفرض، وهذا القول هو الصواب؛ لحديث جابر بن سمرة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يجزئ من أحدكم أن يقول على يمينه وشماله: السلام عليكم .. السلام عليكم ). فقال: ( يجزئ )، وما دون الإجزاء لا تقع به الكفاية، فلا بد لكي يحصل الإجزاء من أن يقول على يمينه وعلى شماله، فدل ذلك على أن كلاً من التسليمتين واجبة، وأنه لا بد أن يأتي بهما، فهذا هو الصواب في هذه المسألة.

    وأيضاً لم يعهد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه اقتصر على تسليمة واحدة في الفرض أبداً، بل هدي النبي عليه الصلاة والسلام في الحضر وفي السفر وفي القرى وفي البوادي والأمصار أنه يسلم تسليمتين، ولم يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على تسليمة واحدة إلا في صلاة الليل، صلاة الليل اقتصر النبي عليه الصلاة والسلام على تسليمة واحدة كما في حديث عائشة وحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فنقول: النفل لا بأس أن الإنسان يسلم تسليمة واحدة.

    ترتيب الأركان

    قال المؤلف رحمه الله: [ وترتيبها على ما ذكرناه ].

    أيضاً لا بد أن يرتب، فلو أنه سجد قبل أن يركع أو ركع قبل أن يقرأ الفاتحة.. إلى آخره نقول: لا يصح؛ لأن هذا خلاف ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً خلاف أمره وخلاف فعله، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال للمسي: ( ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع، ثم اسجد، ثم اجلس ), وهذا أمر، وأيضاً خلاف فعل النبي عليه الصلاة والسلام.

    وتقدم أن أشرنا إلى قاعدة, وهي أن كل عبادة مركبة من أجزاء لا بد فيها من أمرين:

    الأمر الأول: الترتيب بين أجزائها، وإلا لم تكن وفق السنة.

    والأمر الثاني: الموالاة بين أجزائها، وإلا لم تكن وفق السنة.

    قال رحمه الله: [ فهذه الأركان لا تتم الصلاة إلا بها ].

    1.   

    واجبات الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ وواجباتها سبعة: التكبير غير تكبيرة الإحرام، والتسبيح في الركوع والسجود مرة مرة، والتسميع ].. إلى آخره.

    هذه الواجبات انفرد الحنابلة رحمهم الله بذكرها، أما جمهور أهل العلم فلا يرون أنها من واجبات الصلاة, فهذا من مفردات مذهب الحنابلة، ما يتعلق بتكبيرات الانتقال وتسبيحات الركوع وتسبيحات السجود .. التسميع .. التحميد .. قول: ربي اغفر لي .. التشهد الأول .. الجلوس له، هذه ثمان واجبات انفرد الحنابلة رحمهم الله بكونها من واجبات الصلاة.

    الخلاف في واجبات الصلاة

    كان ما سبق هو مذهب الحنابلة، أما جمهور أهل العلم فلا يرون أنها من الواجبات، فمثلاً على رأي الجمهور: لو لم تقل: سبحان ربي العظيم في الركوع عمداً فصلاتك صحيحة، لكن عند الحنابلة إن تركت ذلك عمداً فصلاتك باطلة، وإن تركته سهواً فإنك تجبر ذلك بسجود السهو.

    ولكل منهما دليل، نأخذ الأدلة على سبيل الاختصار.

    المشهور من مذهب الإمام أحمد كما قلنا هذه الثمانية: تكبيرات الانتقال وتسبيحات الركوع وتسبيحات السجود وقول: ربي اغفر لي بين السجدتين .. التشهد الأول .. الجلوس له .. التسميع .. التحميد، ثمان واجبات، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، أما أكثر أهل العلم فلا يرون أنها من واجبات الصلاة.

    الحنابلة استدلوا بأدلة, من هذه الأدلة أنه ورد الأمر ببعضها، والأصل في الأمر الوجوب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة وحديث أبي هريرة في الصحيح قال: ( إذا كبر فكبروا )، قوله: (فكبروا) أمر، والأمر يقتضي الوجوب.

    وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد ), هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.

    وأيضاً من الأدلة: حديث ابن مسعود : ( كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد )، فدل على أن التشهد فرض، لكن لم نقل: بأن التشهد الأول ركن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما قام عنه جبره بسجود السهو، لو كان ركناً ما تركه النبي عليه الصلاة والسلام, الركن لا بد أن تأتي به كما سيأتينا في باب سجود السهو إن شاء الله، فنقول: كون النبي عليه الصلاة والسلام تركه وجبره بسجود السهو هذا يدل على أنه واجب, وليس ركناً، وعلى هذا يكون قول ابن مسعود : ( كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد )، قوله: ( قبل أن يفرض علينا التشهد ) فيما يتعلق بالتشهد الأول أنه واجب؛ لوجود الصارف، وأما ما يتعلق بالتشهد الأخير فهو ركن؛ لعدم وجود الصارف.

    وأيضاً من الأدلة التي ذكرها الحنابلة رحمهم الله: لو قلنا: بأن هذه الأركان ليست واجبة لأدى ذلك إلى أن تخلو هذه الأركان من الذكر، والنبي عليه الصلاة والسلام في حديث معاوية بن الحكم في صحيح مسلم قال: ( إن صلاتنا هذا لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هو التكبير والتسبيح وقراءة القرآن )، فحصر النبي عليه الصلاة والسلام هذه الصلاة بالتسبيح والتكبير وقراءة القرآن.

    كما أنه أيضاً ورد في حديث عقبة بن عامر وإن كان فيه ضعف: ( لما نزل قول الله عز وجل: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:74] قال النبي عليه الصلاة والسلام: اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] قال النبي عليه الصلاة والسلام: اجعلوها في سجودكم ), فهذا أمر.

    أما بالنسبة للجمهور فيستدلون بأن هذه الأشياء ليست واجبة بأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعلمها المسيء صلاته.

    وهذا يجاب عنه من وجهين:

    الوجه الأول: عدم التسليم، فقد ورد في أبي داود ما يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام علمه بعض الواجبات.

    والجواب الثاني: أن يقال: بأن النبي عليه الصلاة والسلام إنما علمه الشيء الذي أخل به.

    قال المؤلف رحمه الله: [ والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير ].

    كلام المؤلف رحمه الله على أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد الأخير من واجبات الصلاة، وهذا ما ذهب إليه المؤلف، وتقدم أن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنها ركن، وأن الجمهور على أنها سنة، وذكرنا أن الأقرب أنها سنة؛ لما تقدم من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.

    الفرق بين الركن والواجب

    قال المؤلف رحمه الله: [ فهذه إن تركها عمداً بطلت صلاته، وإن تركها سهواً سجد لها ].

    هذا الفرق بين الركن والواجب، الركن لا يسقط لا في العمد ولا في السهو، وأما الواجب فإنه يسقط بالسهو، لا يسقط بالعمد إذا تركها عمداً لم تصح صلاته، وأما بالنسبة للسهو إذا تركها سهواً فنقول: بأن صلاته صحيحة، لكن يجبر ذلك بسجود السهو، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام لما قام عن التشهد الأول جبره النبي عليه الصلاة والسلام بسجود السهو، وكما في حديث عبد الله بن بحينة رضي الله تعالى عنه, وسيأتي إن شاء الله.

    1.   

    سنن الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ وما عدا هذه فسنن, لا تبطل الصلاة بعمدها، ولا يجب السجود لسهوها ].

    ما عدا هذه الأشياء التي ذكر المؤلف رحمه الله يقول: بأنها سنن، لا تبطل الصلاة بتركها عمداً، ولا بتركها سهواً، لو ترك السنة مثل ترك الاستفتاح: اللهم باعد بيني وبين خطاياي أو ترك الاستعاذة أو البسملة فنقول: بأن صلاته صحيحة.

    وقال المؤلف: (ولا يجب السجود لسهوها), لا يجب، لكن هل يستحب أو لا يستحب؟ نقول: ترك السنة لا يجب السجود لسهوه، لكن هل يستحب ذلك أو لا يستحب؟

    نقول: إن كان من عادته أنه يأتي بهذه السنة فيستحب السجود، وإن كان من عادته أنه لا يأتي بهذه السنة بل تارة يأتي بها وتارة لا يأتي بها فإنه لا يستحب السجود، هذا هو الصواب.