إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الصلاة [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد عظم الإسلام شأن الصلاة فجعلها الركن الثاني من أركان الإسلام، ولهذا كان القول الراجح هو كفر تارك الصلاة مطلقاً، والأذان من شعائر الإسلام، وهو أفضل من الإقامة والصحيح أنه فرض كفاية.

    1.   

    مقدمات

    تعريف الصلاة وبيان فرضيتها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كتاب الصلاة: روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له) ].

    قال المؤلف رحمه الله: (كتاب الصلاة).

    مناسبة هذا الكتاب لما تقدم من أحكام الطهارة مناسبة ظاهرة، فإن المؤلف رحمه الله تكلم عن أحكام الطهارة كما سبق لنا، وبعد أن تكلم عن أحكام الطهارة شرع في أحكام الصلاة؛ وذلك لأن الطهارة فيها التخلية، والصلاة فيها التحلية والوقوف بين يدي الله عز وجل، والتخلية تكون قبل التحلية، فالإنسان يتخلى من الحدث، وأيضاً يتنظف، ثم يتحلى بعد ذلك بالوقوف بين يدي الله عز وجل؛ ولأنها مفتاح الصلاة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، ولا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ).

    الصلاة في اللغة: الدعاء؛ ومنه قول الله عز وجل: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة:103] أي: ادع لهم.

    وأما في الاصطلاح: فهو التعبد لله عز وجل بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم.

    والصلاة فرضيتها معلوم من الدين بالضرورة، فالأدلة عليها ظاهرة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين، فمن الكتاب قول الله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] .

    وأما السنة فحديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن، وفيه قول النبي عليه الصلاة والسلام لـمعاذ : ( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم.. ) إلى آخر الحديث.

    والإجماع قائم على ذلك.

    قال: (روى عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له).

    هذا الحديث أخرجه أهل السنن، وإسناده صحيح.

    على من تجب الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالصلوات الخمس واجبة على كل مسلم، عاقل، بالغ إلا الحائض والنفساء].

    هذا الوجوب بالإجماع، وتقدم الدليل على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    قال: (مسلم)، قوله: مسلم هذا يخرج الكافر، فالكافر يتوجه إليه خطابان:

    الخطاب الأول: خطاب وجوب الأداء.

    والخطاب الثاني: خطاب وجوب التكليف.

    أما بالنسبة لوجوب الأداء فلا يجب عليه أن يؤدي الصلاة، يعني لا نأمر الكافر أن يؤدي الصلاة؛ لأنه فاقد للأصل وهو التوحيد، والله عز وجل قال: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23] ، ما تنفع، فإذا كانت هذه الصلاة لا تنفع لم يكن هناك فائدة من أمره بأدائها، والله عز وجل يقول: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:54] ، فالنفقات مع أن نفعها متعد ليس نفعاً محضاً لم تقبل من الكافر؛ لأنه كفر بالله وبرسوله، فكذلك أيضاً الصلاة، فنقول: بالنسبة لوجوب الأداء لا يجب عليه أن يؤدي لما ذكرنا من الدليل.

    وأما بالنسبة لوجوب التكليف فنقول: بأنه مكلف بها، وواجبة عليه، ويحاسب عليها يوم القيامة، ودليل ذلك قول الله عز وجل: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ [المدثر:42-45] .

    فمن أسباب دخولهم النار قال: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:43].

    قال: (عاقل).

    بالنسبة للمجنون لا تجب عليه الصلاة؛ لحديث ( رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم- المجنون حتى يفيق ).

    قال: (بالغ).

    فغير البالغ لا تجب عليه الصلاة لما تقدم من حديث عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( رفع القلم عن ثلاثة، ذكر منهم: المجنون حتى يفيق، والصبي حتى يبلغ ) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم والدارمي وغيرهم، وهو حديث صحيح ثابت.

    فغير البالغ لا تجب عليه الصلاة، لكن يؤمر بها لسبع سنوات، ويضرب عليها لعشر، يجب على وليه أن يأمره بها لسبع، وأن يضربه على ذلك ضرب تأديب لعشر سنوات تأديباً له وتمريناً له على هذه الطاعة، ودليل ذلك حديث عبد الله بن عمرو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر ).

    قال: (إلا الحائض والنفساء).

    الحائض والنفساء لا تجب عليهن الصلاة كما تقدم لنا، ويدل لذلك ما تقدم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة )، وهذا في البخاري .

    وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم ).

    وقول النبي عليه الصلاة والسلام للمستحاضة: ( إذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة ).

    فالحائض والنفساء لا تجب عليهما الصلاة، إلا أننا استثنينا حالتين تجب فيهما الصلاة، ما هما هاتان الحالتان؟

    إذا أدركت من آخر الوقت ركعة واحدة.

    الحالة الثانية: إذا أدركت من أول الوقت قدر ركعة، بحيث كانت طاهرة قدر ركعة فأكثر ثم بعد ذلك حاضت فإنه يجب عليها أن تؤدي هذه الصلاة إذا طهرت.

    كذلك أيضاً: إذا طهرت قبل خروج الوقت بقدر ركعة فإنه يجب عليها أن تقضي هذه الصلاة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة : ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، وسبق أن أشرنا إلى هذه المسألة.

    حكم تارك الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن جحد وجوبها لجهله عرف ذلك، وإن جحدها عناداً كفر].

    تارك الصلاة لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يتركها جحداً لوجوبها بحيث يقول: الصلاة ليست واجبة، يقول: لا أصلي؛ لأن الصلاة ليست واجبة، فهذا يكفر بإجماع المسلمين؛ لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين، فإن القرآن دل على وجوبها، والسنة دلت على وجوبها، وإجماع المسلمين دل على وجوبها، إلا إذا كان هذا الشخص جاهلاً لكونه حديث عهد بإسلام، أو لكونه ناشئاً ببادية بعيدة عن بلاد المسلمين فهذا يعرف بالوجوب، فإن أقر به وإلا حكم بكفره.

    فنقول: الحالة الأولى: أن يتركها جحداً لوجوبها، إذا تركها جحداً لوجوبها فإنه يكفر، إلا إذا كان جاهلاً لكونه حديث عهد بإسلام، أو لكونه ناشئاً ببادية بعيدة عن بلاد المسلمين فيعرف.

    الحالة الثانية: أن يترك الصلاة تهاوناً وكسلاً، لا يصلي مع الناس تهاوناً وكسلاً فهذا هل يكفر أو لا يكفر؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يكفر، والمشهور من مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي أنه لا يكفر.

    فعندنا رأيان إذا تركها تهاوناً وكسلاً يعني يقر بوجوبها لكن تهاوناً وكسلاً لا يصلي، هل نحكم بكفره أو لا نحكم بكفره.

    هذا موضع خلاف، أشرنا أن الإمام أحمد رحمه الله يحكم بكفره، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة حتى ذكر ابن القيم رحمه الله أن الحكم بكفر تارك الصلاة دل عليه القرآن من عشرة أوجه، وأطال ابن القيم رحمه الله في هذه المسألة في كتابه كتاب الصلاة.

    من الأدلة الدالة على كفره قول الله عز وجل: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11] ، فدل ذلك على أنهم إذا لم يقيموا الصلاة أنهم ليسوا إخواناً لنا في الدين، ولا تنتفي الإخوة في الدين إلا بانتفاء الإسلام ووجود الكفر.

    وأيضاً: من الأدلة على كفره حديث جابر في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة ).

    قال: (الشرك أو الكفر) أتى بـ(ال) التي تفيد الاستغراق يشمل الكفر الأكبر والكفر الأصغر.

    وأيضاً: حديث بريدة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ).

    وأيضاً: ورود ذلك عن الصحابة، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذكر آثاراً كثيرة عن الصحابة في كفره، وكذلك أيضاً اللالكائي وغيرهما من أهل العلم ذكروا آثار الصحابة.

    وقال عبد الله بن شقيق : ما أجمع أصحاب محمد على شيء تركه كفر من الأعمال إلا الصلاة.

    وورد نحو هذا عن جابر رضي الله تعالى عنه.

    أما الذين قالوا: بأنه لا يكفر كما قلنا: هو مذهب أبي حنيفة وأيضاً مالك والشافعي ، فاستدلوا على ذلك بأدلة، من أدلتهم:

    أحاديث الرجاء، أي: الأحاديث التي ورد فيها الترغيب الكثير والثواب العظيم، ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة )، وهذا جاء في صحيح مسلم ونحو ذلك من هذه الأحاديث ( من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة )، وهذا يشمل كل من قال: لا إله إلا الله سواء كان يصلي أو كان لا يصلي.

    وأيضاً: استدلوا بحديث حذيفة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يبقى صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك، وليسرى على كتاب الله عز وجل حتى لا يبقى منه آية، فيبقى الشيخ الكبير والمرأة العجوز يقولان: لا إله إلا الله، أدركنا آباءنا يقولونها فنحن نقولها. فقال صلة بن زفر لـحذيفة : ما تنفعهم لا إله إلا الله؟ قال: تنجيهم من النار ).

    الشاهد هنا قوله: ( تنجيهم من النار )، هذا الحديث أخرجه ابن ماجه وإسناده صحيح.

    وكذلك أيضاً: استدلوا بحديث عبادة بن الصامت الذي أورده المؤلف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة فمن حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له).

    فقوله: ( إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له ) هذا يدل على عدم الكفر؛ لأنه قال: ( إن شاء غفر له )، والكافر لا يغفر له.

    والأقرب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله وأن تارك الصلاة يكفر لصراحة الأدلة على ذلك.

    وأما ما استدل به الجمهور على عدم كفره فنقول: بالنسبة لأحاديث الرجاء الإنسان لا ينظر إلى النصوص بعين أعور، وإنما ينظر إلى النصوص بعينين سليمتين، يعني ينظر إلى الأدلة التي جاءت بالترغيب والثواب العظيم، وأيضاً ينظر لأدلة الوعيد، فإن النبي عليه الصلاة والسلام مثلاً قال: ( من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة )، لا إله إلا الله ما تكفي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( خالصاً من قلبه )، إذا كان الإنسان مخلصاً في قول: لا إله إلا الله لا بد أن يعمل، ما يكفي أن يقول: لا إله إلا الله، وإلا فالمنافق يقول: لا إله إلا الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( خالصاً من قلبه )، ولا يقول الإنسان: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه إلا إذا عمل بشرائع الإسلام خصوصاً الصلاة.

    ولهذا قال الزهري : لا إله إلا الله مفتاح الجنة، لكن من جاء بمفتاح له أسنان فتح له، وإلا لم يفتح له، فما يكفي أن يقول الإنسان: لا إله إلا الله، بل لا بد من العمل، ولا يكون الإنسان مخلصاً في هذه الكلمة إلا إذا عمل وخصوصاً الصلاة التي ورد النص في كفر تاركها.

    وأما بالنسبة لحديث حذيفة رضي الله تعالى عنه يقول: أدركنا آباءنا.. إلى آخره فهؤلاء معذورون بالجهل، هؤلاء أدركوا آباءهم على هذه الكلمة فيقولون هذه الكلمة، هذا مبلغ علمهم فيعذرون بذلك.

    وأما بالنسبة لحديث عبادة الذي أورده المؤلف في الحديث: ( من حافظ عليهن بركوعهن وخشوعهن وسجودهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة, ومن لم يحافظ عليهن ) يعني: بهذه الأشياء بالركوع والخشوع.. إلى آخره فلا يعني ذلك ترك الصلاة، في الحديث ( فمن حافظ عليهن بركوعهن وخشوعهن.. ) إلى آخر ما جاء في الحديث، ومن لم يحافظ عليهن يعني: بهذه الأشياء لم يكن له عهد عند الله.

    فالأقرب في هذه المسألة أنه يكفر تارك الصلاة تهاوناً وكسلاً، لكن هل يكفر بمجرد ترك صلاة أو صلاتين، أو نقول: لا بد أن يترك الصلاة بالكلية فإذا كان يصلي ويخلي لا نحكم بكفره؟ هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شرح العمدة وغيره.

    فنقول: نحكم بكفره إذا ترك الصلاة بالكلية، أما إذا كان يصلي وقتاً ويترك وقتاً فهذا لا يظهر أنه يحكم بكفره؛ لأنه يعتبر مصلياً، لا نحكم بكفره إلا إذا ترك الصلاة بالكلية، فإذا كان لا يصلي بالكلية مثلاً على أقل شيء يمر عليه أسبوع؛ لأن الأسبوع هذا في أيام الدنيا ولم يصل لله عز وجل فنقول: هذا هو الذي يحكم بكفره، أما إذا كان يصلي هذا اليوم ويترك اليوم الثاني فهذا لا يظهر أنه يحكم بكفره.

    واعلم أن جمهور أهل العلم رحمهم الله قالوا: بأن تارك الصلاة يقتل، جمهور العلماء إلا أبا حنيفة رحمه الله، يعني حتى الذين قالوا: بأنه لا يكفر قالوا: بأنه يقتل مثل المالكية والشافعية يقولون: بأن تارك الصلاة لا يكفر، ومع ذلك يقولون بأنه يقتل.

    ودليل ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة )، إلا عند أبي حنيفة رحمه الله فإنه لا يرى قتله, وإنما يرى أنه يحبس حتى يصلي.

    حكم تأخير الصلاة عن وقت وجوبها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يحل تأخيرها عن وقت وجوبها إلا لناو جمعها، أو مشتغل بشرطها].

    لا يحل تأخير الصلاة عن وقتها، فتأخير الصلاة عن وقتها محرم ولا يجوز، ويدل لذلك قول الله عز وجل: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103] أي: مفروضاً في الأوقات، قال عمر رضي الله تعالى عنه: إن للصلاة وقتاً اشترطه الله لها لا تصلح إلا به، وقال الله عز وجل: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5] .

    قال ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص : لم يتركوها بالكلية -تركها بالكلية كفر- وإنما أخروها عن مواقيتها، فتوعدهم الله عز وجل بالويل.

    فتأخير الصلاة عن وقتها محرم ولا يجوز، لا يجوز للإنسان أن يؤخر الصلاة عن وقتها، وأيضاً قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي قتادة : ( أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى ) رواه مسلم .

    فسماه النبي صلى الله عليه وسلم مفرطاً، فتأخير الصلاة عن وقتها محرم ولا يجوز، وفعل الصلاة خارج الوقت مخل بشرط هو أعظم شروط الصلاة، العلماء كـشيخ الإسلام وغيره يذكرون أن شرط الوقت أعظم من شرط الطهارة، وأعظم من شرط ستر العورة، يعني كون الإنسان يصلي الفجر بعد الشمس هذا مثل الذي يصلي بلا طهارة بل أعظم، لو أن إنساناً صلى وهو لم يرفع الحدث نقول: صلاته غير صحيحة، كذلك أيضاً لو صلى خارج الوقت نقول: صلاته غير صحيحة، أو صلى وهو لم يستقبل القبلة، أو صلى ولم يتطهر من الخبث أو يستر عورته، فعل الصلاة في وقتها أعظم من هذه الشروط كلها، فعلى المسلم أن يتنبه لهذا، وأن يجاهد نفسه على إحداث هذه الصلاة في وقتها، وفعلها خارج الوقت لا يصح، عمل ليس عليه أمر الله ولا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلنا يعلم لو أن أحداً صام في غير وقت الصيام، أو حج في غير وقت الحج فإن صيامه وحجه ما يصح، فكذلك أيضاً بالنسبة للصلاة.

    قال: (إلا لناو جمعها، أو مشتغل بشرطها).

    استثنى المؤلف رحمه الله تأخير الصلاة عن وقتها في حالتين:

    الحالة الأولى: إذا كان ينوي الجمع، مثل المسافر، أو المريض، أو نحو ذلك ممن يرخص له في الجمع، فإذا نوى أن يؤخر الظهر إلى العصر، أو المغرب إلى العشاء يقول المؤلف رحمه الله: هذا لا بأس.

    (أو مشتغل بشرطها).

    هذا قيده العلماء رحمهم الله قالوا: مشتغل بشرطها الذي يحصله قريباً، مثال ذلك إنسان عنده ثوبه الذي يستر به عورته، انشق الثوب أو حصل فيه فتق أو خرق أو نحو ذلك، هنا الآن يحتاج إلى دقائق لكي يخيط هذا الثوب، هنا الآن يحصل شرطاً من شروط الصلاة وهو ستر العورة.

    عندنا أمران: إما أن يصلي الصلاة في وقتها، أو يشتغل بخياطة الثوب، أو بإخراج الماء مثلاً حتى يحصل شرط الصلاة، نقول هنا: لا بأس أنك تشتغل ما دام أن هذه الخياطة لن تستغرق وقتاً طويلاً، دقائق اشتغل بهذه الخياطة وخيط الثوب ولو خرج وقت الصلاة، مادام هذا الشرط تحصله قريباً، أو مثل الماء تحصله قريباً ما في بأس حتى لو خرجت الصلاة عن وقتها.

    فالصواب في هذه المسألة: أنه يجب على الإنسان أن يصلي الصلاة في وقتها على حسب حاله، ولا يجوز له أن يؤخرها، فلو أن ثوبه انشق عليه أو نحو ذلك فنقول: يجب عليك أن تصلي الصلاة في وقتها، ولا يجوز لك أن تؤخرها عن وقتها.

    استتابة تارك الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن تركها تهاوناً بها استتيب ثلاثاً، فإن تاب وإلا قتل].

    تقدم لنا أن تارك الصلاة عند جمهور أهل العلم رحمهم الله يقتل؛ ودليلهم على ذلك أدلة كثيرة منها حديث ابن عمر : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة )، وهذا في الصحيحين.

    وأيضاً أبو بكر رضي الله تعالى عنه ومعه الصحابة قاتلوا تاركي الصلاة، إلا عند أبي حنيفة رحمه الله فإنه قال: يحبس، وذكرنا هل يكفر أو لا يكفر؟

    ذكرنا الخلاف في هذه المسألة، لكن قال المؤلف رحمه الله: لا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام؛ ويدل لذلك ما ورد عن عمر أنه بلغه أن رجلاً ارتد فقتل، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: هلا استتبتموه ثلاثاً وأطعمتموه كل يوم رغيفاً، لعله يتوب فيتوب الله عليه.

    وهذا الأثر الوارد عن عمر رضي الله تعالى عنه ضعيف.

    والرأي الثاني: أنه لا حاجة إلى أن نستتيبه ثلاثة أيام؛ لحديث ابن عباس في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من بدل دينه فاقتلوه )، فقال النبي عليه الصلاة والسلام في المرتد: ( من بدل دينه فاقتلوه )، ولم يقيد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بثلاثة أيام.

    وأيضاً في البخاري أن معاذاً أتى أبا موسى في اليمن فإذا رجل مقيد فسأل عن ذلك فأخبر أنه ارتد عن دينه، فقال معاذ : لا أنزل حتى يقتل فقتل.

    قلنا: هل يستتاب أو لا يستتاب؟

    ذكرنا في ذلك رأيين:

    الرأي الأول: أنه يستتاب ثلاثاً لورود ذلك عن عمر ، لكن هذا الأثر ضعيف.

    والرأي الثاني: أنه لا يستتاب، وذكرنا دليل ذلك.

    والأقرب في مثل هذا بالنسبة لاستتابة المرتد كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يرجع في ذلك إلى اجتهاد الحاكم، فالحاكم إن رأى أن يستتيبه استتاب، وإن رأى ألا يستتيبه فإنه لا يستتيبه، يعني إذا قامت القرائن على قربه من الخير ورجوعه فيستتيبه، وإن قامت القرائن على خلاف ذلك فإنه لا يستتيبه.

    1.   

    الأذان والإقامة

    تعريف الأذان والإقامة

    قال المؤلف رحمه الله: [باب الأذان والإقامة].

    الأذان في اللغة: الإعلام؛ ومن ذلك قول الله عز وجل: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:3] أي: إعلام.

    وأما في الاصطلاح: فهو التعبد لله عز وجل بالإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة.

    وأما الإقامة في اللغة: فهي مصدر أقام أي: جعل الشيء مستقيماً.

    وأما في الاصطلاح: فهي التعبد لله عز وجل بالإعلام بالقيام إلى الصلاة بألفاظ مخصوصة.

    حكم الأذان والإقامة

    قال المؤلف رحمه الله: [وهما مشروعان].

    الأذان والإقامة دل عليهما القرآن والسنة وإجماع المسلمين.

    أما القرآن ففي قول الله عز وجل: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا [المائدة:58].

    والسنة ستأتينا أحاديث في الباب وهي كثيرة جداً.

    والإجماع قائم على مشروعية الأذان والإقامة، لكن قال المؤلف رحمه الله: (وهما مشروعان) لم يبين المؤلف رحمه الله هل هما سنة أو فرض؟

    فالعلماء لهما في ذلك رأيان بالنسبة للأذان والإقامة هل هما فرض أو سنة.

    فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنهما فرض كفاية، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة وأيضاً الشافعي أنهما سنة.

    فعندنا رأيان:

    الرأي الأول: أنهما فرض كفاية.

    والرأي الثاني: مذهب أبي حنيفة والشافعي : أنهما سنة.

    والأقرب في ذلك ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله وأنهما فرض كفاية، يعني النبي عليه الصلاة والسلام أمر بهما كما في حديث مالك بن الحويرث في صحيح البخاري وغيره: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم )، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن ) هذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أحدكم ) هذا يدل على أن هذا الأمر كفائي، وأنه ليس عينياً، يعني إذا قام به من يكفي سقط الأمر عن الباقين، لم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: (أذنوا كلكم )، وإنما قال: ( فليؤذن لكم أحدكم )، إذا قام بهذا الأمر شخص فإن ذلك كاف، ففي حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه دليل على أنه فرض، ودليل أيضاً على أن هذا الفرض على سبيل الكفاية.

    شروط من يجب عليهم الأذان والإقامة

    قال المؤلف رحمه الله: [للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء].

    قلنا: الأذان والإقامة فرض على الكفاية، فلا يجب على كل أحد يؤذن، وإنما يؤذن شخص ويكفي، يقيم شخص ويكفي عن البقية، هذا الفرض يشترط له شروط، يعني على من يجب هذا الأذان والإقامة؟

    فنقول: شروط من يجب عليهم الأذان والإقامة:

    الشرط الأول: أن يكونوا رجالاً، والمراد بالرجال هنا البالغون، فإذا كانوا بالغين وجب عليهم، وأيضاً يراد بهم أن يكونوا اثنين فأكثر كما سيأتينا إن شاء الله هذا الشرط الأول.

    الشرط الثاني: أن يكونوا مقيمين، فإن كانوا مسافرين لم يجب عليهم الأذان ولا الإقامة وإنما يكون مستحباً، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    والرأي الثاني: أن الأذان والإقامة يجب على المسافرين كما يجب على المقيمين، وهذا القول هو الصواب، ويدل لذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لـمالك بن الحويرث ومن معه وهم مسافرون: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم )، وهم مسافرون، فالصواب في ذلك: أنه يجب على المسافرين كما يجب على المقيمين.

    الشرط الثالث: أن تكون هذه الصلوات مؤداة، فإن كانت مقضيةً فإنه لا يجب لها الأذان ولا الإقامة، فالشرط الثالث: أن تكون مؤداة، وأيضاً هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    والصواب في هذا أيضاً: أن الأذان والإقامة كل منهما يجب للصلوات المؤداة، ويجب أيضاً للصلوات المقضيات؛ لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مالك بن الحويرث : ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم ) يشمل حضور الصلاة في الوقت، ويشمل حضور الصلاة بعد خروج الوقت وهي المقضية، يشمل الأمرين.

    الشرط الرابع: أن يكونوا جماعة، يعني لكي يجب الأذان والإقامة لا بد أن يكونوا جماعة، والمراد بالجماعة أن يكونوا اثنين فأكثر، هذا هو المراد بالجماعة، أما إن كان واحداً يعني كان مسافراً واحداً، أو كان مثلاً في بادية أو مثلاً في مزرعة أو نحو ذلك فالأذان والإقامة له سنة وليس واجباً، لا يجب عليه أن يؤذن، ولا يجب عليه أن يقيم، لكن يستحب له أن يؤذن، ويستحب له أن يقيم، لكن إذا كانوا جماعة، والمراد بالجماعة اثنان فأكثر؛ لأنهما هما اللذان تنعقد بهما الجماعة.

    الشرط الخامس: أن يكونوا أحراراً، فإن كانوا أرقاء لم يجب عليهم الأذان والإقامة.

    والصواب في ذلك: أنه لا فرق بين الأحرار والأرقاء، وعندنا قاعدة: أن العبادات البدنية المحضة الأصل يتساوى الأحرار والأرقاء فيها، فقولنا: البدنية يخرج المالية، فالعبادات المالية لا تجب على الرقيق؛ لأنه لا يملك، بل هو مال، المحضة يخرج المركبة من المال والبدن، فهذه أيضاً لا تجب على الرقيق، فعندنا الأصل في العبادات البدنية المحضة أنه لا فرق فيها بين الأرقاء والأحرار.

    فمثلاً: الأذان والإقامة لا فرق بين الأرقاء والأحرار، وأيضاً صلاة الجمعة وصلاة الجماعة، الصلاة الوضوء الغسل.. إلى آخره، هذه كلها عبادات بدنية محضة، وهذه القاعدة تريح كثيراً؛ لأن العلماء كثيراً ما يفرقون بين الأحرار والأرقاء.

    الشرط السادس: أن يكون الأذان والإقامة للصلوات الخمس دون غيرها، فمثلاً صلاة الاستسقاء وصلاة العيدين ليس لهما أذان ولا إقامة، كذلك صلاة الكسوف ليس لها أذان ولا إقامة، وإنما لها نداء فقط؛ لأن السنة إنما وردت بالنسبة للأذان والإقامة للصلوات الخمس سواء كانت هذه الصلوات مؤداة أو كانت مقضية كما أسلفنا، والجمعة تدخل في الصلوات الخمس.

    المفاضلة بين الأذان والإقامة

    واختلف أهل العلم رحمهم الله أيهما أفضل الأذان أو الإمامة؟ هل الأفضل للإنسان أن يكون مؤذناً أو الأفضل أن يكون إماماً؟

    للعلماء في ذلك رأيان، فذهب بعض أهل العلم إلى أن الأذان أفضل من الإمامة؛ لأن الأذان ورد فيه أحاديث كثيرة تدل على فضل الأذان من ذلك حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة )، وهذا في صحيح البخاري .

    وأيضاً ما ثبت في الصحيح من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه في مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة )، هذا يدل على فضل الأذان.

    وذهب بعض أهل العلم إلى أن الإمامة أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان إماماً، وكذلك أيضاً بالنسبة لخلفائه الراشدين كانوا أئمةً ولم يكونوا مؤذنين.

    وأيضاً قالوا: بأن الشارع علق بالإمامة أوصافاً شرعية مما يدل على فضلها، ففي حديث أبي مسعود البدري قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً ) فعلق الشارع بالإمامة أوصافاً شرعية مما يدل على علو رتبتها.

    والأقرب في ذلك هو الرأي الأول وأن الأذان أفضل من الإمامة، وكون النبي عليه السلام علق بالإمامة أوصافاً شرعية نقول: هذا يدل على فضل الإمامة، وأن الإمامة لها فضل ولها مزية، وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مؤذناً، وأيضاً الخلفاء لم يكونوا مؤذنين؛ لأنهم شغلوا بأشياء أهم من الأذان والإقامة؛ لأن الأذان والإقامة يحتاجان إلى مجاهدة ومراقبة إلى آخره، فهم شغلوا بأشياء أعظم من مسألة الأذان بما يتعلق بتسيير أمور المسلمين، والنظر في أحوالهم، وهذه أعظم من مسألة الأذان، ولهذا ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: لولا الخلافة لأذنت.

    فنقول: الصواب في ذلك من حيث الجملة: أن الأذان أفضل من الإمامة، إلا أنه قد يكون هناك شخص قد يقال له بالنسبة لك الإمامة أفضل من الأذان؛ لأنه قد يكون طالب علم، أو يكون قارئاً، أو نحو ذلك، فهو يختلف، لكن من حيث الجملة الأذان أفضل من الإمامة، لكن قد يكون في بعض الناس يختلف الحال فيكون الأذان أو الإمامة في حقه أفضل.

    قال رحمه الله: (وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها للرجال دون النساء).

    الأذان والإقامة لا يشرعان لصلاة العيد، ولا يشرع لصلاة الاستسقاء، ولا لصلاة الكسوف، ولا لصلاة الجنازة إلى آخره، وإنما الأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس؛ لأنهما إنما وردا للصلوات الخمس دون غيرها من الصلوات، الكسوف يشرع لها النداء، أما ما عدا ذلك فإنه لا يشرع لها أذان ولا إقامة.

    حكم الأذان والإقامة للنساء

    قال المؤلف رحمه الله: (للرجال دون النساء).

    أما النساء فلا يجب عليهن أذان ولا إقامة، إذا صلت النساء جماعة، لو أن النساء صلين جماعةً فهل يؤذن ويقمن أو نقول: بأنهن لا يؤذن ولا يقمن؟ فلو أن نساءً اجتمعن وصلين جماعةً هل نقول: يشرع لكن أن تؤذن وأن تقمن أو نقول: لا يشرع؟

    هذه المسألة اختلف فيه أهل العلم رحمهم الله، فقال بعض العلماء: يكره للنساء أن يؤذن وأن يقمن، هذا مكروه.

    وقال بعض العلماء: يباح ذلك، يباح لهن أن يؤذن وأن يقمن.

    وقال بعض العلماء: يستحب لهن ذلك، أما الوجوب لا يجب؛ لأنهن ليستا من أهل الجمعة ولا الجماعة.

    والصواب في هذه المسألة: أننا نفرق بين الأذان وبين الإقامة، فنقول: بالنسبة للأذان لا يشرع لهن أن يؤذن، وأما بالنسبة للإقامة فنقول بأنه يشرع لهن أن يقمن الصلاة لاجتماعهن؛ لأن الإقامة هي إعلام للحاضرين بالقيام إلى الصلاة، ويدخل في ذلك النساء، أما بالنسبة للأذان فهو إعلام بدخول وقت الصلاة، وهذا لا يكون بالنسبة للمرأة.

    وعلى هذا نقول: إذا اجتمع النساء وصلين جماعةً فإن الإقامة مشروعة لهن، وأما بالنسبة للأذان فإنه ليس مشروعاً لهن، أما لو صلت امرأة لوحدها فنقول: لا يشرع لها أن تؤذن ولا أن تقيم.