إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الطهارة [9]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدم الخارج بسبب الولادة له حالات، بعضها يكون نفاساً، وبعضها ليس كذلك، والنفاس كالحيض إلا أنهما يفترقان في مسائل؛ ككون الحيض يحصل به البلوغ بخلاف النفاس، وأكثر مدة النفاس أربعون يوماً ولا حد لأقله.

    1.   

    النفاس

    تعريف النفاس

    قال المؤلف رحمه الله: [باب النفاس: وهو الدم الخارج بسبب الولادة].

    تقدم لنا في الدرس السابق شيء من أحكام الحيض، وذكرنا ما يتعلق بأقله وأكثره، وأيضاً ما يتعلق بالسن الذي يمكن فيه الحيض بالنسبة للمرأة، وأيضاً تكلمنا عن الطهر بين الحيضتين، وما هو أقله؟ وهل لأكثره حد أو لا؟

    وأيضاً تكلمنا عن أحكام المبتدأة، وتكلمنا أيضاً عن أحكام الاستحاضة .. إلخ، وتوقفنا على باب النفاس.

    النفاس لغة: مأخوذ من التنفس وهو التشقق والانصداع، أو مأخوذ من التنفس وهو مأخوذ الهواء من الرئة بعد دخوله إليها.

    وأما في الاصطلاح: فكما عرفه المؤلف رحمه الله بقوله: (وهو الدم الخارج بسبب الولادة).

    فنقول: النفاس هو الدم الخارج بسبب الولادة.

    حالات الدم الخارج بسبب الولادة

    اعلم أن هذا الدم الخارج من المرأة بسبب الولادة له ثلاث حالات: يعني: متى نعتبره نفاساً؟ ومتى لا نعتبره نفاساً؟

    نقول: بأن هذا الدم الخارج من المرأة بسبب الولادة له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: الدم الخارج بعد الولادة، هذا نفاس بالإجماع، بإجماع العلماء رحمهم الله أنه يأخذ أحكام النفاس.

    الحالة الثانية: الدم الخارج أثناء الولادة، يعني: والمرأة تلد، هل هذا الدم نعتبره نفاساً أو لا نعتبره نفاساً .. إلخ؟ أيضاً هذا نقول: هو نفاس على الصحيح.

    الحالة الثالثة: الدم الخارج قبل الولادة، يعني: قبل أن تلد المرأة خرج منها دم، فهل يعتبر هذا الدم نفاساً بحيث إنه يأخذ أحكام النفاس من كونها لا تجب عليها الصلاة، ولا يصح منها الصوم .. إلخ أحكام الحيض؛ لأن النفاس له أحكام الحيض كما سيأتينا إلا في بعض الفروق؟ فهل نعتبر هذا الدم الخارج قبل أن تلد المرأة نفاساً أو لا نعتبره نفاساً؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.

    الرأي الأول: أنه نفاس مطلقاً مع وجود الأمارة، يعني: إذا وجدت أمارات الولادة من الطلق ونحو ذلك فإنه نفاس مطلقاً، ولا يحدد بزمن، فإذا كان مع المرأة طلق قبل يوم أو يومين أو ثلاثة، ثم رأت هذا الدم وبدأ هذا الدم يخرج معها، فنقول: هو نفاس، وهذا اختيار الشيخ السعدي رحمه الله.

    الرأي الثاني: أنه يكون نفاساً إذا وجدت الأمارة يعني الطلق، وأيضاً كان الزمن يسيراً كيومين ويوم ونحو ذلك، وهذا هو المشهور من المذهب، يعني: إذا كان الزمن يسيراً يقيدونه بيومين أو يوم ونحو ذلك ووجدت الأمارة العلامة، فقالوا بأنه حينئذٍ يكون نفاساً.

    الرأي الثالث: أنه ليس نفاساً مطلقاً، مادامت قبل الولادة قالوا: ليس نفاساً مطلقاً.

    والصواب في هذه المسألة: هو الرأي الأول؛ لأن هذا الدم خارج بسبب الولادة، فنقول: إذا وجدت أمارة الولادة مع المرأة من الطلق فإنه يكون نفاساً، وهذا القول هو أصوب الأقوال وأرجحها.

    أما بالنسبة للماء الذي يخرج من المرأة قبل الولادة فهذا لا تأخذ المرأة حكم النفساء، فيجب على المرأة أن تصلي، وهذا الماء طاهر، لكن يجب على المرأة أن تصلي, وأيضاً يجب عليها أن تصوم إذا قدرت على الصيام ونحو ذلك، لا تأخذ أحكام النفساء بالنسبة لهذه المياه.

    وهذه المياه التي تخرج من المرأة من مخرج الرحم طاهرة، ولا تأخذ حكم النفاس، إنما تأخذ حكم النفاس بخروج الدم, وكان معه علامة الولادة -الطلق- فحينئذ يكون نفاساً.

    مواضع الاتفاق والافتراق بين الحيض والنفاس

    قال المؤلف رحمه الله: [وحكمه حكم الحيض فيما يحل ويحرم ويجب ويسقط به].

    يقول المؤلف رحمه الله: وحكمه حكم الحيض فيما يحل للحائض، ما يحل للحائض أن تعمله كما سبق لنا، وأيضاً مما يحل مثلاً الاستمتاع بالمرأة الحائض, النفساء كالحيض تماماً، ويحرم وطء المرأة الحائض في الفرج أيضاً يحرم وطء النفساء في الفرج، أيضاً المرأة الحائض يجب عليها الغسل، كذلك أيضاً النفساء يجب عليها أن تغتسل إذا طهرت، وتسقط عنها الصلاة كالحائض.

    وتقدم لنا أن الحائض ليس لها أن تدخل المسجد وأن تمكث في المسجد، كذلك أيضاً النفساء، فالمسائل التي تقدمت في الحيض كذلك النفساء تأخذ أحكام الحائض.

    ويدل لذلك حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها لما حاضت قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ( لعلك نفست )، فسمى النبي صلى الله عليه وسلم الحيض نفاساً؛ فدل على أن هذا الدم كدم الحيض، إلا أن هناك فروقاً بين دم الحيض ودم النفاس.

    الفرق الأول: أن دم الحيض يحصل به البلوغ بخلاف دم النفاس، فإن دم النفاس ليس علامة من علامات البلوغ، وتقدم لنا دليل أن الحيض علامة من علامات البلوغ كما في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار )، فالمراد بقوله حائض يعني: البالغ، فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم على البالغ نفس الحائض مما يدل على أن الحيض يحصل به البلوغ.

    الفرق الثاني من الفروق بين دم الحيض والنفاس: أن دم الحيض يكون به الاعتداد، بخلاف دم النفاس فإن دم النفاس لا عبرة له في العدة.

    فالمرأة مثلاً إذا طلقت وهي من ذوات الأقراء فإن عدتها ثلاثة قروء؛ كما قال الله عز وجل: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، أما دم النفاس فإنه لا عبرة به بالنسبة للعدة، فلو أن النفساء طلقت، وخرج منها الدم لمدة عشرين يوماً مثلاً، فنقول: هذا الدم لا عبرة به، بل إذا طهرت ثم جاءها الحيض ثلاث مرات فإنها تخرج من عدتها، هذا الفرق الثاني.

    الفرق الثالث: الطلاق؛ تقدم لنا أن طلاق الحائض محرم ولا يجوز، وهو طلاق بدعي؛ ( لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما طلق ابن عمر رضي الله تعالى عنهما زوجته تغيظ في ذلك، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن يأمر ابن عمر أن يراجع زوجته ).

    أما بالنسبة للنفساء فإن طلاقها طلاق سنة، فلو أن الإنسان طلق زوجته وهي نفساء فإن هذا الطلاق طلاق سنة، وليس طلاق بدعة، ويقع به الطلاق؛ لأن المرأة تستقبل به العدة، بخلاف الحائض إذا طلقت في أثناء الحيض فإنها لا تستقبل بها عدة.

    كذلك أيضاً الفرق الرابع: أن المرأة إذا طهرت قبل تمام العدة في الحيض فإنه لا يكره لزوجها أن يطأها، فلو كانت عدة المرأة مثلاً ستة أيام، ثم طهرت لخمسة أيام فإنه لا يكره لزوجها أن يطأها.

    أما بالنسبة للنفاس فإن المشهور من مذهب الحنابلة أنه يكره لزوجها أن يطأها، فعدة النفاس كما سيأتينا إن شاء الله أربعون يوماً، لو أن المرأة طهرت لشهر مثلاً، فإنه يكره لزوجها أن يطأها قبل أن تتم أربعون يوماً؛ لورود ذلك عن عثمان بن أبي العاص فإنه قال لزوجته لما طهرت قبل تمام الأربعين: لا تقربيني.

    والصواب: أنه لا يكره، وما ورد عن عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنه هذه كراهة نفسية، إذا أراد الإنسان أن يترك ذلك لكونه يأنف منه فنقول: بأن هذا لا بأس به، وليس حكما شرعياً، فلو أن الإنسان وطئ زوجته قبل تمام العدة نقول: لا بأس به؛ لقول الله عز وجل: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223].

    الفرق الخامس: أن المرأة إذا انقطع عنها الدم في أثناء العادة ثم عاد فهو دم حيض، وأما النفساء إذا انقطع عنها الدم أثناء عدة النفاس ثم عاد الدم مرة أخرى فإن العلماء يقولون بأنه دم مشكوك فيه.

    والصواب: أنه ليس هناك دم مشكوك فيه، بل نقول كما قال المؤلف رحمه الله: إذا عاد في مدة الأربعين أنه نفاس، ونقول: الصواب أنه ليس هناك دم مشكوك فيه.

    أكثر مدة النفاس

    قال المؤلف رحمه الله: [وأكثره أربعون يوماً ولا حد لأقله].

    بالنسبة لأكثر النفاس اختلف فيه أهل العلم رحمهم الله، أما بالنسبة لأقله فلا حد لأقله؛ لأنه قد يوجد امرأة تلد ولا يخرج منها دم، وإذا ولدت امرأة ولم يخرج منها دم فإنها لا تكون نفساء، فيجب عليها الصيام والصلاة وسائر أحكام الطاهرات، وإنما قال العلماء رحمهم الله: خروج هذا الولد ينقض الوضوء فقط، وعلى كلام العلماء رحمهم الله تتوضأ وتصلي وتصوم .. إلخ وتفعل كأحكام الطاهرات، ولا يجب عليها الغسل إذا ولدت ولم تر دماً.

    بالنسبة لأقله نقول: لا حد لأقله؛ لأنه قد يوجد امرأة تلد ولا يوجد معها دم، أما بالنسبة لأكثره فذكر المؤلف رحمه الله أكثره فقال: (أكثره أربعون يوماً)، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو قول أبي حنيفة .

    والرأي الثاني: رأي الشافعي رحمه الله أن حده ستون يوماً.

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيضاً: أنه لا حد لأكثره، فلو أن امرأة رأت الدم أكثر من أربعين أو ستين أو سبعين وانقطع فهو نفاس والأقرب من هذه الأقوال ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضاً مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وأن أكثر مدة النفاس أربعون يوماً.

    ويدل لذلك حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نفاسها أربعين يوماً ). أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي والحاكم وغيرهم، والحديث هذا -إن شاء الله- إسناده حسن، وله شواهد تعضده وتؤيده.

    وأيضاً: مما يدل لذلك ويعضد ذلك أن هذا هو قول الأطباء، الأطباء في الوقت الحاضر يقولون بأن النفاس السوي ما بلغ ستة أسابيع، وأنت إذا ضربت ستة في سبعة فإنه يساوي اثنين وأربعين يوماً.

    فما وردت به السنة يوافق ما ذكره الأطباء رحمهم الله، فإن الأطباء قالوا: عندما تلد المرأة يخرج دماً، ثم بعد ذلك ينقلب إلى كونه صفرة، ثم بعد ذلك ينقطع إلى تمام ستة أسابيع.

    فهذا القول الذي ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، وذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى، هو الذي يوافق ما ذكره الأطباء في هذا الوقت.

    وعلى هذا نقول بأن المرأة تجلس أربعين يوماً، فإذا تم لها أربعون يوماً ولم ينقطع الدم فإنه يجب عليها أن تغتسل وأن تصلي وأن تصوم .. إلخ, وإذا كان هذا الخارج مستمراً مع هذا الدم فإنها تأخذ أحكام المستحاضات، تتلجم وتأخذ أحكام المستحاضات السابقة، والمستحاضة تأخذ أحكام الطاهرات كما تقدم لنا إلا في بعض المسائل.

    طهر النفساء قبل الأربعين

    قال المؤلف رحمه الله: [ومتى رأت الطهر اغتسلت وهي طاهرة].

    متى رأت المرأة الطهر، يعني: انقطع عنها الدم، وانقطع عنها الصفرة والكدرة، ليس معها شيء، فنقول: يجب عليها أن تغتسل وأن تصوم وأن تصلي .. إلخ، فإذا نفست المرأة ثم طهرت ولم يكن معها لا دم ولا صفرة ولا كدرة، فنقول: يجب عليها أن تغتسل، وأن تأخذ أحكام الطاهرات.

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن عاد في مدة الأربعين فهو نفاس].

    يعني: إذا عاد عنها الدم في مدة الأربعين فهو نفاس، وإن عاد الدم بعد الأربعين فهذا يظهر أنه حيض، وأنه هو عادتها.

    بالنسبة للحائض إذا انقطع عنها الدم في أثناء العادة هل يجب عليها أن تغتسل أو لا يجب عليها أن تغتسل؛ لأن الحيض مع المرأة لا يستمر خروجه، بل تارة يخرج وتارة يقف؟

    فنقول: هذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، والصواب في هذه المسألة ما ذكره ابن قدامة صاحب المغني قال: إذا كان الانقطاع ليوم فأكثر فيجب عليها أن تصلي وأن تغتسل .. إلخ، أما إذا كان الانقطاع لأقل من يوم مثلاً انقطع عليها ساعتين .. ثلاث ساعات.. خمس ساعات، فنقول: هذا الانقطاع وهذا الطهر لا عبرة به, وإنما يكون هذا الحكم حكم الحيض.