إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الطهارة [8]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • على طالب العلم أن يعرف أحكام الحيض وأحوال النساء فيه، لتنزيل الأحكام الشرعية بمقتضى حال كل امرأة، سواء كانت مبتدأة أو معتادة أو متحيرة، ومعرفة الطوارئ التي تطرأ على الحيض، وعلامة الطهر عند النساء وحكم الصفرة والكدرة.

    1.   

    أحكام الحيض والنفاس

    لبث الحائض في المسجد

    قال المؤلف رحمه الله: [واللبث في المسجد].

    يعني: أن المرأة الحائض ممنوعة من اللبث في المسجد، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، فجمهور أهل العلم رحمهم الله أن الحائض ممنوعة من اللبث في المسجد؛ ودليل ذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43]، فقال الله عز وجل: وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43].

    وقد ورد تفسير ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد بذلك موضع الصلاة المسجد، فالجنب ممنوع من اللبث في المسجد إلا على سبيل العبور يعني: أن يدخل المسجد لحاجة ثم بعد ذلك يخرج ولا يمكث.

    قالوا: وكذلك أيضاً الحائض؛ الحائض يجوز لها أن تدخل المسجد لحاجة ثم بعد ذلك تخرج ولا تمكث، أما المكث فإن الله عز وجل قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ [النساء:43]، وقد ورد عن ابن عباس أن المراد بقول.. أن المراد بذلك موضع الصلاة.

    وخالف ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في ذلك ابن مسعود وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فقالوا: إن المراد بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43]، المسافر إذا أجنب ولم يجد الماء فإنه يتيمم.

    الدليل الثاني الذي استدل به أهل العلم رحمهم الله على أن الحائض ممنوعة من المسجد حديث عائشة : ( كان النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد، وعائشة في حجرتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ناوليني الخمرة ).

    والخمرة شيء يعمل من الخوص يكون مكاناً للسجود، يسجد عليه الإنسان في الصلاة على قدر وجهه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـعائشة : ( ناوليني الخمرة، فقالت: إني حائض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن حيضتك ليست في يدك )؛ لأن عائشة رضي الله تعالى عنها ستدخل يدها في المسجد مناولة للنبي صلى الله عليه وسلم الخمرة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن حيضتك ليست في يدك )، والتي ستدخل إنما هي اليد، فقول عائشة رضي الله تعالى عنها لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ( ناوليني الخمرة، فقالت: إني حائض ) قالوا: هذا دليل على أن الحائض ممنوعة من المسجد، ولهذا اعتذرت بأنها حائض.

    وأيضاً: استدلوا أيضاً بما ورد بسند جيد ( أن المعتكفات كن إذا حضن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجهن من المسجد ).

    وأيضاً مما يدل حديث عائشة رضي الله تعالى عنها لما حاضت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي في البيت ).

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: منعت من الطواف في البيت ليست لأنها محدثة، ولكن لأن الحائض ممنوعة من اللبث في المسجد, هذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله, واستدلوا بهذه الأدلة.

    الرأي الثاني: رأي الظاهرية، قالوا: بأن الحائض ليست ممنوعة من المسجد فلها أن تدخل المسجد, ولها أن تلبث فيه، واستدلوا بالعمومات؛ مثل حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )، فهذا يشمل حتى الحائض، فالحائض لها أن تدخل المسجد.

    واستدلوا أيضاً بما ثبت في الصحيح من قصة الوليدة التي كانت ساكنة في المسجد، فقالوا: كون هذه المرأة ساكنة في المسجد والمرأة يعتريها الحيض، هذا يدل على أن الحائض ليست ممنوعة من المسجد.

    وقد أجاب جمهور أهل العلم عن قصة الوليدة بما ثبت في البخاري وغيره أن هذه الوليدة إنما جاز لها أن تدخل المسجد وأن تمكث فيه وهي حائض للضرورة؛ لأنه لا مكان لها إلا المسجد.

    وجواب آخر قالوا: لعلها إذا كان في وقت الحيض تخرج من المسجد، أو لعلها بلغت سن الإياس بحيث انقطع عنها دم الحيض .. إلخ.

    وعلى هذا نقول: الأحوط للمرأة الحائض أن لا تدخل المسجد للبث فيه, أما دخولها لحاجة ثم بعد ذلك تخرج من المسجد فإن هذا جائز ولا بأس به.

    وطء الحائض

    قال المؤلف رحمه الله: [والوطء في الفرج].

    يعني: إذا كانت المرأة حائضاً فإنه يحرم على زوجها أن يطأها في الفرج، والمراد بذلك: تغييب الحشفة فما فوق، هذا محرم ولا يجوز.

    ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222]، وأيضاً لما ثبت من حديث أنس في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح )، فالوطء في الفرج محرم ولا يجوز.

    ولو أن الإنسان وطأ زوجته وهي حائض، فإنه يأثم ويجب عليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وتجب عليه الكفارة، كما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضاً قال به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لورود ذلك عن ابن عباس، يجب عليه أن يخرج كفارة.

    والكفارة هي دينار أو نصف دينار على التخيير، ووزن الدينار أربعة غرامات وربع من الذهب، فإذا كان الغرام يساوي ثلاثين ريالاً اليوم، فأربعة غرام يساوي مائة وعشرين، وربع الغرام يساوي سبعة ريال تقريباً.

    يعني: يجب عليه أن يخرج كفارة مائة وسبعة ريال يعطيها للمساكين، أو نصفها على التخيير؛ لأنه ورد عن ابن عباس في الذي يطأ زوجته وهي حائض يتصدق بدينار أو بنصف دينار.

    قوله: يتصدق بدينار أو بنصف دينار، بعض أهل العلم قال: على سبيل التخيير، إن شاء أخرج ديناراً، وإن شاء أخرج نصف دينار.

    وبعض أهل العلم قال: إن وطئ في أول الحيض فإنه يخرج ديناراً كاملاً، وإن وطئ في نهاية الحيض فإنه يخرج نصف دينار.

    وقال بعض العلماء: إن وطئ في الدم الأحمر يخرج ديناراً كاملاً، وإن وطئ في الصفرة أو الكدرة فإنه يخرج نصف دينار.

    وظاهر الأثر أنه مخير مطلقاً.

    طلاق الحائض

    قال المؤلف رحمه الله: [وسنة الطلاق].

    يعني: الذي يطلق زوجته وهي حائض فهذا خلاف السنة، طلاقه يسمى طلاقاً بدعياً.

    واعلم أن الطلاق لا يكون طلاق السنة إلا إذا جمع أربع صفات، يعني: إذا أراد الإنسان أن يطلق زوجته فعليه أن يتقيد بهذه الصفات الأربع:

    الصفة الأولى: أن يطلقها طلقة واحدة فقط، ولا يزيد على ذلك، لا يقول: أنت طالق، أنت طالق .. إلخ، أو أنت طالق ثلاثاً، أو أنت طالق طلقتين، .. إلخ، هذا كله طلاق بدعة حرام لا يجوز، السنة أن تطلق طلقة واحدة فقط، هذه الصفة الأولى.

    الصفة الثانية: أن يكون ذلك في طهر، ما يكون ذلك في حال الحيض, فإن كان الطلاق في حال الحيض فإن هذا طلاق بدعة، أيضاً لا يجوز محرم.

    الصفة الثالثة: أن يكون هذا الطهر لم يجامع فيه زوجته، بمعنى: أن المرأة طهرت من حيضها، ثم بعد ذلك إذا أراد أن يطلق يوقع الطلقة قبل أن يجامع.

    فلو أنه مثلاً مضى عليها الحيض، وطهرت من حيضتها، ثم بعد ذلك جامعها، وأراد أن يطلق، نقول: لا يجوز أن تطلق في هذا الطهر التي جامعتها فيه، بل انتظر حتى تحيض، فإذا طهرت من حيضتها، طلقها قبل أن تمسها.

    ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لـابن عمر لما طلق ( ليطلقها طاهراً أو حاملاً )، وقال الله عز وجل: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أي: طاهرات من غير جماع.

    الصفة الرابعة: أن تتركها ما تلحقها طلقة أخرى حتى تنتهي عدتها، فأنت تطلقها طلقة واحدة، ثم بعد ذلك تتركها حتى تنتهي عدتها, ولا تلحقها طلقة أخرى في العدة، فإن ألحقتها طلقة أخرى في العدة فهذا طلاق بدعي.

    فأصبح طلاق السنة لا بد له من هذه الصفات الأربع: أن تكون طلقة واحدة، وأن تكون في طهر، وأن يكون هذا الطهر لم يحصل فيه جماع، وأن تتركها حتى تنتهي عدتها.

    وعلى هذا إذا طلق الإنسان في حال الحيض فإن هذا طلاق بدعة، وهذا محرم؛ ويدل لذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أنه لما طلق زوجته تغيظ في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر عمر أن يأمر ابن عمر أن يراجع زوجته )، فالطلاق في حال الحيض هذا محرم ولا يجوز؛ لأنه خلاف للسنة.

    1.   

    عدة الحائض

    قال المؤلف رحمه الله: [والاعتداد بالأشهر].

    إذا حاضت المرأة فإن عدتها تكون بالحيض، قبل أن تحيض إذا طلقت أو إذا حاضت وكبرت وأيست فإن عدتها تكون بالأشهر.

    ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، فالمرأة إذا كانت طاهراً ثم بعد ذلك وقع عليها طلاق، فإن عدتها ثلاث حيض، إذا كانت لا تحيض لصغر، حتى الآن لم يأتها الحيض، أو أنها كبرت وانقطع عنها دم الحيض، فإن عدتها ثلاثة أشهر؛ كما قال الله عز وجل: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4].

    فالتي لم تحض لصغر أو أيست من الحيض لكبر فإن عدتها ثلاثة أشهر، أما التي تحيض فإنها لا بد لها أن تمضي عليها ثلاث حيض.

    وهذه أيضاً مسألة يغلط فيها كثير من الناس، بعض الناس يظن أن العدة هي ثلاثة أشهر، وهذا خطأ، العدة إذا كانت تحيض ثلاث حيض، إلا إذا كانت متوفى عنها زوجها فعدتها دائماً أربعة أشهر وعشرة أيام إلا إن كانت حاملاً فعدتها وضع الحمل.

    أما بالنسبة لغير المتوفى عنها وهي التي طلقها زوجها فنقول: إن كانت تحيض فعدتها ثلاث حيض، إذا كانت لا تحيض لكبر أو صغر، أو مرض انقطع عنها الدم بمرض، مثلاً: استأصل رحمها ما تحيض, هذه نقول: عدتها ثلاثة أشهر.

    والحامل لا فرق بين حال الحياة وحال الموت، الحامل عدتها وضع الحمل.

    كما أن أيضاً كثيراً من الناس يخطئ في الطلاق، ففهم أنه يطلق لغير سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والطلاق بسنة النبي عليه الصلاة والسلام فيه خير كل خير، إذا طلق الإنسان طلقة واحدة، وطلق في غير الحيض وهو لم يجامع .. إلخ اتباع السنة هذا هو الذي فيه الخير.

    وتجد بعض الناس يخالف، ويطلق طلاق بدعة، يطلق ثلاث طلقات، ثم يوقع عليها الطلاق، نجد أنه يندم، يريد أن يراجع وقد لا يتمكن من المراجعة .. إلخ، فسن للإنسان أن ينتبه لهذه الصفات الأربع.

    1.   

    وجوب الغسل بانقطاع الحيض

    قال المؤلف رحمه الله: [ويوجب الغسل].

    يعني: الحيض يوجب الغسل، من موجبات الغسل: خروج دم الحيض؛ ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222]، المراد بذلك انقطاع الدم، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ [البقرة:222] والمراد به الغسل، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222].

    وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم لـأم حبيبة رضي الله تعالى عنه لما استحيضت: ( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي ) هذا يدل على أن الحائض إذا انقطع عنها دم الحيض يجب عليها أن تغتسل.

    1.   

    بلوغ الجارية بالحيض والاعتداد به

    قال المؤلف رحمه الله: [والبلوغ].

    إذا حاضت الجارية فإنها بلغت، وتجب عليها التكاليف الشرعية، تجب عليها الصلاة، ويجب عليها الصيام وغير ذلك من التكاليف الشرعية، ولو لم تبلغ ثلاث عشرة، ولو لم تبلغ خمس عشرة .. إلخ، فقد تحيض البنت من ثنتي عشرة سنة، وقد تحيض من إحدى عشرة سنة، فيجب عليها أن تصلي، ويجب عليها أن تصوم، تأخذ أحكام البالغات.

    ودليل ذلك حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار )، المراد بالحائض هنا البالغ.

    قال المؤلف رحمه الله: [والاعتداد به].

    يعني: إذا وجد الحيض فإن المرأة تعتد به، وهذه المسألة سبق أن أشرنا إليها، فإذا طلقت المرأة وهي من ذوات الحيض، فإن عدتها ثلاث حيض: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، أما إذا كانت لا تحيض إما لصغر أو لكبر ونحو ذلك فإن عدتها ثلاثة أشهر؛ كما تقدم في قول الله عز وجل: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4].

    1.   

    ما يباح بانقطاع دم الحيض

    قال المؤلف رحمه الله: [فإذا انقطع الدم أبيح فعل الصوم والطلاق ولم يبح سائرها حتى تغتسل].

    كل ما تقدم لا يباح إلا بالغسل، فمثلاً: الجماع لا يباح من الحائض إلا بالغسل، الطواف لا يباح من الحائض إلا بالغسل.

    اللبث في المسجد، مس المصحف .. إلخ كل هذه لا بد فيها من غسل، إلا أنه استثنى المؤلف رحمه الله شيئين يباحان للحائض وإن لم تغتسل، المهم أنها طهرت، فالشيء الأول: الصوم، والشيء الثاني: الطلاق.

    فلو أن المرأة طهرت قبل طلوع الفجر، انقطع عنها دم الحيض قبل طلوع الفجر، فلا بأس أن تنوي الصيام وأن تصوم وإن لم تغتسل إلا بعد دخول وقت الصوم، بعد طلوع الفجر.

    فنقول: إذا انقطع عنها دم الحيض وطهرت المرأة فإنها تصوم وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر.

    الأمر الثاني مما يباح بعد الطهر وقبل الغسل: الطلاق؛ فإذا طهرت المرأة قبل أن تغتسل يجوز لزوجها أن يطلقها.

    1.   

    الاستمتاع بالحائض

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجوز الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اصنعوا كل شيء غير النكاح )].

    الاستمتاع بالحائض إذا كان من قبل الزوج أو من قبل السيد بالنسبة لأمته.

    نقول: هذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: الاستمتاع بالوطء في الفرج؛ فهذا محرم ولا يجوز، وتقدم أن الإنسان إذا وطئ في الفرج فإنه يجب عليه كفارة، يجب عليه أن يكفر، وتجب الكفارة بشروط ثلاثة:

    الشرط الأول: أن يكون عالماً بالحال والحكم الشرعي، يعلم أن هذا محرم, ويعلم بالحال أن المرأة حائض.

    الشرط الثاني: أن يكون مختاراً.

    الشرط الثالث: أن يكون ذاكراً غير ناسٍ.

    فالشرط الأول: العلم بالحال والحكم الشرعي.

    الشرط الثاني: الاختيار؛ فإن كانت المرأة مكرهة مثلاً على الجماع، أكرهها زوجها فإنها لا يجب عليها كفارة ولا تأثم، هو الذي يأثم ويجب عليه كفارة.

    الشرط الثالث: أن يكون ذاكراً، فإن كان ناسياً وكانت المرأة ناسية، فإن كان ناسياً فلا يجب عليه، هذه ثلاثة شروط.

    فنقول: القسم الأول من الاستمتاع بالحائض: الاستمتاع بالوطء في الفرج، وتكلمنا عن المراد بالوطء في الفرج، المراد بالوطء في الفرج هو تغييب الحشفة، وذكرنا أن المراد بالحشفة رأس الذكر، فإذا حصل تغييب رأس الذكر في الفرج يعني: رأس الذكر تكون عليه الجلدة التي تقطع عند الختان، فإنه في هذه الحالة يأثم الإنسان وتجب عليه الكفارة؛ لأنه جامع في حال الحيض, هذا القسم الأول.

    القسم الثاني: الاستمتاع بما فوق السرة ودون الركبة، يعني: كون الإنسان يستمتع من زوجته الحائض بما فوق السرة، بما هو أعلى البدن، أو بما هو أسفل البدن من الركبة فأنزل، فأيضاً هذا جائز ولا بأس به.

    القسم الثالث: موضع خلاف، الاستمتاع بما بين السرة والركبة في غير الوطء في الفرج، أما الوطء في الفرج فتكلمنا عليه، هل يجوز للإنسان أن يستمتع بما بين السرة والركبة؟ هذا موضع خلاف.

    وذكر ابن القيم رحمه الله أن ظاهر حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ) أن هذا جائز ولا بأس به.

    يعني: كون الإنسان يستمتع فيما بين السرة والركبة هذا جائز ولا بأس به؛ لظاهر حديث أنس رضي الله تعالى عنه، ولأن الأصل في الاستمتاع بين الزوجين الحل إلا ما ورد في الشرع تحريمه، لقول الله عز وجل: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، لكن قال العلماء رحمهم الله يستحب للزوج إذا أراد أن يستمتع من زوجته فيما بين السرة والركبة أن يأمر أن تستر محل الحيض؛ لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض ).

    1.   

    أقل الحيض وأكثره

    قال المؤلف رحمه الله: [وأقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً].

    يقول المؤلف رحمه الله: أقل الحيض يوم وليلة؛ وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، اليوم والليلة يساوي: أربعة وعشرين ساعة، فلو أنها رأت الدم أقل من يوم وليلة, يعني: مثلاً لمدة عشرين ساعة، فإن هذا لا يعتبر حيضاً بل يجب عليها أن تصوم وأن تصلي, ويجوز لزوجها أن يجامعها .. إلخ؛ لأن أقل الحيض يوم وليلة.

    وما هو الدليل على تحديده بيوم وليلة؟

    الدليل على تحديده بيوم وليلة قالوا: الرجوع إلى الوجود، فإنه لم يوجد حيض أقل من يوم وليلة.

    والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة: أنه ليس له حد بالنسبة للقلة؛ ودليل ذلك قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222]، فإذا وجد هذا الأذى سواء كان أذى لمدة يوم وليلة أو أكثر أو أقل .. إلخ، المهم إذا وجد هذا الأذى فإن أحكامه تترتب عليه.

    وأيضاً: يدل لذلك حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة )، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على إقبال الحيضة، وهذا الحديث في الصحيحين، وهذا القول هو الصواب.

    نقول: الصواب أن أقله بالنسبة للأيام أنه لا حد لأقله، وهذا أيضاً قول الأطباء، الأطباء يقولون: لا حد لأقله، فنقول: بالنسبة للأيام الصواب لا حد لأقله، فإذا رأت المرأة الدم المعروف عند النساء سواء كان ليوم وليلة، أو لأقل أو أكثر .. إلخ فنقول بأنه حيض يأخذ أحكام الحيض, تترك الصلاة، ولا يعاشرها زوجها .. إلخ.

    قال المؤلف رحمه الله: (وأكثره خمسة عشر يوماً).

    يقول المؤلف رحمه الله: بأن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، وعلى هذا إذا زاد عن خمسة عشرة يوماً فالزائد استحاضة.

    والكلام في هذه المسألة كالكلام في المسألة السابقة، وأن الصواب في هذه المسألة أن أكثره ليس مقيداً، بمدة وليس محدداً بزمن.

    فالصواب: أن المرأة متى رأت المعروف عند النساء فإنها تترك من أجله الصلاة والصيام .. إلخ، حتى ولو تجاوز خمسة عشر يوماً، ولا يحد بخمسة عشر يوماً؛ والدليل على ذلك كما تقدم قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222]، فعلق الله عز وجل الحكم على وجود الأذى، سواء وجد الأذى لخمسة عشر يوماً أو لأقل أو لعشرة .. إلخ.

    وأيضاً: حديث عائشة السابق في الصحيحين: ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة )، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على إقبال الحيضة، فذكر أن المرأة إذا كثر عندها الدم مخالفة عادتها الطبيعية فإنها تحتاط وتنظر فيه، فقد لا يكون هذا الدم دم حيض؛ فمثلاً: إذا كانت المرأة عادتها سبعة أيام أو ستة أيام ثم بعد ذلك زاد معها الدم.

    فنقول بأنها تنظر فيه وتحتاط، إن كانت على وتيرة واحدة ولم يختلف عليها فهذا دم حيض حتى لو تجاوز خمسة عشر يوماً إلا إن أطبق عليها الدم فأصبح لا ينقطع أبداً، أو لا ينقطع بالشهر إلا مدة يسيرة فحينئذٍ نقول: إنها مستحاضة.

    1.   

    الطهر بين الحيضتين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، ولا حد لأكثره].

    يقول المؤلف رحمه الله: الطهر بين الحيضتين أقله ثلاثة عشر يوماً، وعلى هذا لو أن امرأة طهرت من حيضتها، وبعد أن مضت عشرة أيام رأت الدم، أو لا نحكم بأنه حيض على كلام المؤلف؛ لأن المؤلف رحمه الله يقول: بأن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، وعلى هذا إذا قالت المرأة: أنا طهرت، ما لي إلا تسعة أيام أو ما لها إلا أسبوع فهذا دم فاسد، نقول لها على كلام المؤلف: صلي وصومي ولا يعتبره حيضاً، ولزوجها أن يعاشرها .. إلخ؛ لأن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً.

    وأيضاً: الخلاف في هذه المسألة كما تقدم, فعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا حد لأقل الطهر بين الحيضتين، وعلى هذا نقول: هذه المرأة التي جاءها الدم وطهرت من حيضتها، ثم بعد عشرة أيام أو أحد عشر يوماً أو اثنا عشر يوماً جاءها الدم نقول: إن كان هذا الدم إن وصفته دم الحيض فهو حيض.

    والدليل على ذلك أن الله عز وجل قال: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222]، وأيضاً حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة )، فمتى وجد الأذى ومتى وجد الحيضة فإن الأحكام تترتب على ذلك، وهذا القول هو الصواب، وأنه لا حد له لأنه لم يرد في الشرع تحديده.

    قال: (ولا حد لأكثره) ولا حد لأكثر الطهر بين الحيضتين، وهذا الصواب، بعض النساء لا تحيض أبداً، ويوجد من النساء من تجلس سنة كاملة لا يأتيها الدم، ومنهن من تجلس أربعة أشهر، ومنهن من تجلس خمسة أشهر .. إلخ، فلا حد لأكثره كما ذكره المؤلف رحمه الله, وهذا الصواب.

    1.   

    أقل سن تحيض فيه المرأة وأكثره

    قال المؤلف رحمه الله: [وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين، وأكثره ستون].

    يقول المؤلف رحمه الله: أقل سن تحيض منه المرأة تسع سنين، يعني: إذا أتمت تسع سنين، وعلى هذا لو كان عندنا جارية لها ثمان سنوات، ثم جاءها دم الحيض، هل وجبت عليها الصلاة أو لم تجب عليها الصلاة؟

    لم تجب عليها الصلاة؛ لأن هذا الدم على كلام المؤلف لا نعتبره دم حيض، ولا بد أن تبلغ الجارية تسع سنوات لكي يكون هذا الدم الذي خرج منها دم حيض، فإن كان لها ثمان سنوات ونصف .. إلخ، فإن رأت الدم فإننا لا نعتبره حيضاً، هذا على كلام المؤلف رحمه الله، وهو قول أكثر أهل العلم، أن أقل سن تحيض له المرأة هو تمام تسع سنوات، لا بد أن تتم تسع سنوات؛ وعلى هذا إذا رأت الدم في ثمان سنوات أو أقل أو أكثر .. إلخ لكن لم تبلغ تسع سنوات فإنه لا يعتبر حيضاً، واستدلوا على ذلك بقول عائشة رضي الله تعالى عنها: ( إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة )، وهذا ليس صريحاً.

    وأيضاً قالوا: بأنه يرجع إلى الوجود، فإنه وجد أن الجارية تحيض من تسع سنوات فأكثر، يعني: قالوا: ما وجدنا أن جارية حاضت في أقل من تسع سنوات.

    وأيضاً الصواب في هذه المسألة كما تقدم في المسائل السابقة أنه لا حد, وأن الجارية متى رأت الدم المعروف عند النساء فنقول: بأنه دم حيض، تترك الصلاة ويجب عليها التكاليف الشرعية ونحكم بأنها بلغت، حتى لو كان لها أقل من تسع سنوات.

    ودليل ذلك كما أسلفنا قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222]، فعلق الله عز وجل الحكم على وجود هذا الأذى، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ) ولم يقيد ذلك بسنين ولم يقيد ذلك بأيام.. إلخ، فمتى أقبلت تلك الحيضة فإنها تدع الصلاة.

    أيضاً أكثره ستون، يعني: هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله, وهي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، والرواية المشهورة عن الإمام أحمد رحمه الله أن أكثره خمسون سنة.

    وعلى هذا لو كان عندنا امرأة تم لها خمسون، أو تم لها ستون سنة على كلام المؤلف, وهي ترى الدم، ما نقول لها بالنسبة لهذا الدم تصلي أو لا تصلي؟ نقول: تصلي، يعني: عندنا امرأة لها خمسون سنة، ثم رأت دم الحيض، على كلام المؤلف نقول لها صلي؛ لأن سن الحيض بين تسع إلى خمسين، أو بين تسع إلى ستين كما ذكر المؤلف رحمه الله، وعلى هذا نقول لها: صلي، وصومي، ويجوز لزوجها أن يعاشرها, ولا نحتسب ذلك من دم الحيض، بل نخرجه عن دم الحيض، ويكون حكمه حكم الاستحاضة كما سيأتي إن شاء الله.

    والصواب في هذه المسألة كما تقدم: أنه لا حد لذلك، وأن المرأة متى رأت الدم المعروف عند النساء، حتى ولو كان لها خمسون سنة أو أكثر أو أقل .. إلخ فإننا نعتبره دم حيض؛ والدليل على ذلك ما أسلفناه فيما تقدم من قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، فرتب الله عز وجل الحكم على وجود هذا الأذى, ولم يقيده بخمسين أو بتسع أو بيوم وليلة أو بخمسة عشر يوماً، وأيضاً ما تقدم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.

    1.   

    المبتدأة في الحيض

    قال المؤلف رحمه الله: [والمبتدأة إذا رأت الدم لوقت تحيض في مثله جلست، فإذا انقطع لأقل من يوم وليلة فليس بحيض، وإن جاوز ذلك ولم يعبر أكثر الحيض فهو حيض، فإذا تكرر ثلاثة أشهر بمعنى واحد صار عادة].

    المراد بالمبتدأة: هي التي رأت الدم أول مرة، يعني: أول مرة يأتيها دم الحيض، فهذه الجارية التي أول مرة يأتيها دم الحيض ماذا نقول لها؟

    مذهب الإمام أحمد رحمه الله من أصعب المذاهب فيما يتعلق بالمبتدأة، على كلام المؤلف نقول لهذه المبتدأة التي لها عشر سنوات وجاءها دم الحيض: تجلس أقل الحيض، يوم وليلة، بمعنى أنها لا تصلي ولا تصوم .. إلخ، تأخذ أحكام الحائضات، بعد أن يمضي يوم وليلة تغتسل، بعد أن تنتهي من الغسل تقوم وتعمل العبادات يعني: تصوم وتصلي.. إلخ، لكن لا يطؤها زوجها؛ لأنه يحتمل بأن هذا الدم دم حيض.

    فهم يقولون: ما نحكم أنه دم حيض، نقول: تصوم وتصلى، والدم معها، ولا نحكم بأنه دم حيض حتى تتكرر ثلاث مرات؛ لأن العادة لا تسمى عادة حتى تتكرر، فبعد أن تغتسل بعد يوم وليلة، نقول: صومي وصلي، وافعلي العبادات لكن لا يقربها زوجها إذا كانت متزوجة؛ لأنه يحتمل أن هذا الدم حيض، ثم بعد ذلك إذا انقطع بعد -مثلاً- خمسة أيام.. ستة أيام نقول: تغتسل مرة أخرى لانقطاع دم الحيض، الغسل الأول تغتسل احتياطاً، ثم بعد ذلك إذا انقطع الحيض اغتسلت مرة أخرى غسل الحيض، ثم تفعل ذلك في الشهر الثاني، ثم تفعل ذلك في الشهر الثالث، فإذا تكرر عليها هذا الدم ثلاث مرات عرفنا بأن هذا الدم عادة، فما دمنا حكمنا أنها عادة نرجع ونقول لها: اقضي الواجبات التي فعلتها ما بين يوم وليلة إلا إذا اغتسلت.

    قلنا لها: اجلسي يوماً وليلة أقل الحيض، ثم تغتسل، وبعد أن تغتسل تصوم وتصلي .. إلخ، الآن صامت، صيامها هل هو صحيح أو ليس صحيحاً؟ غير صحيح؛ لأنه لما تكرر تبين أن هذا عادة، فنقول لها: أعيدي الواجبات التي فعلتيها في حال الحيض، الصلاة ما تجب، لكن فعلتها في حال الحيض احتياطاً، لكن الصيام يحرم على الحائض، لو أنها صامت وهي حائض يجب أن تعيده، ولو أنها طافت بعد أن اغتسلت يجب أن تعيده، ولو أنها اعتكفت اعتكافاً واجباً يجب أن تعيده؛ لأنه تبين أنها حائض، وهذه الأشياء لا تصح من الحائض، الصلاة والصيام لا تصحان من الحائض، الطواف لا يصح من الحائض .. إلخ، فيجب عليها أن تعيد.

    هذا خلاصة قول الحنابلة رحمهم الله في المبتدأة، يعني: التي أصابها الدم أول مرة، يقولون كما أسلفت: تجلس يوماً وليلة، وتأخذ أحكام الحائض، ثم بعد ذلك تغتسل، ثم بعد ذلك تمارس العبادات كالطاهرات، مع أن معها الدم، لكن زوجها لا يقربها لأنه يحتمل أن هذا الدم دم حيض، إلى أن ينقطع عنها الدم، فإذا انقطع عنها الدم تغتسل، بعد أن تنتهي من الغسل تكون كالطاهرات الآن، إذا تكرر اليوم في الشهر الثاني والثالث .. إلخ عرفنا بأن هذا عادة، فنقول لها ما فعلتيه في حال جريان الدم في حال وجود الحيض يجب عليك أن تعيديه، فالصيام الذي فعلته في حال الحيض ما يصح، الاعتكاف ما يصح، الطواف ما يصح، يجب أن تعيديه.

    والصواب في المبتدأة: كما هو رأي أكثر أهل العلم أن نقول: المبتدأة إذا رأت الدم تجلس، فحكمها كحكم غيرها، وتكون حكمها كحكم الحائضات، إذا طهرت تغتسل وهكذا، ولا حاجة إلى أن نقول: أنها تغتسل بعد يوم وليلة .. إلخ كما هو قول الحنابلة رحمهم الله.

    وهذا القول هو الصواب, فإن مذهب أكثر أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة هو الصواب، وأن نقول البنت التي رأت الدم أول مرة إذا رأت دم الحيض تجلس، وتأخذ أحكام الحائضات، لا تصلي ولا تصوم, وإن كانت متزوجة لا يقربها زوجها، ولا حاجة إلى أن نقول: بعد يوم وليلة أو حتى يتكرر .. إلخ.

    ودليل ذلك ما تقدم أن أشرنا إليه من قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، فرتب الله عز وجل الحكم على وجود الأذى، إذا وجد الأذى من المبتدأة أو غير المبتدأة.

    وأيضاً حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة )، وهذا يشمل المبتدأة وغير المبتدأة.

    1.   

    المستحاضة

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن عبر ذلك فالزائد استحاضة، وعليها أن تغتسل عند آخر الحيض وتغسل فرجها وتعصبه، ثم تتوضأ لوقت كل صلاة].

    تعريف الاستحاضة

    اختلف العلماء رحمهم الله في تعريف المستحاضة، يعني: عندنا حائض وعندنا مستحاضة وعندنا نفساء.

    أما المستحاضة فقال بعض العلماء: هي التي تجاوز دمها خمسة عشر يوماً، فقالوا: إن الزائد على خمسة عشر يوماً نعتبره استحاضة.

    والرأي الثاني: قالوا: إن المستحاضة هي التي ترى دماً لا يصلح أن يكون حيضاً ولا نفاساً.

    والرأي الثالث: أن المستحاضة هي التي يطبق عليها الدم، فلا ينقطع عليها أبداً، أو ينقطع لمدة يسيرة، يعني: امرأة أصبح معها نزيف الآن، ما ينقطع أبداً أو لا ينقطع إلا مدة يسيرة.

    والصواب من هذه الآراء هو التعريف الثاني، وأن المستحاضة هي التي ترى دماً لا يصلح أن يكون حيضاً ولا نفاساً، ويدخل فيه التعريف الثالث التي أطبق عليها الدم، يعني: المرأة التي أطبق عليها الدم لا يصلح أن يكون حيضاً، هذا القول هو الأقرب.

    ما يلزم المستحاضة

    وما الحكم بالنسبة للمستحاضة إذا حكمنا بأنها مستحاضة؟

    المستحاضة من أحكامها: عليها أن تغتسل عند آخر الحيض، هذا يأتينا إن شاء الله بيانه، أن المستحاضة لها أقسام، فإذا قلنا: إن المستحاضة معتادة، يعني: هذه امرأة تقول: أنا لي عادة، وعادتي من واحد إلى ستة، هذا وقت العادة التي ينزل فيها الدم، فإذا أطبق عليها الدم، وأصبح مستمراً معها، نقول لها: اجلسي في وقت العادة من واحد إلى ستة، وبعد أن ينتهي وقت العادة، نقول لها: اغتسلي، ثم بعد ذلك صلي.

    هذا الحكم الأول، يجب عليها أن تغتسل إذا انتهت حيضتها، ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة للمستحاضة: ( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي ).

    قال المؤلف رحمه الله: (وتغسل فرجها وتعصبه).

    تعصب الفرج لكي لا يخرج الدم؛ ولهذا أسماء بنت عميس لما ولدت في ذي الحليفة بـمحمد بن أبي بكر , أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تستثفر بثوب، تتلجم تتحفظ لكي لا يخرج الدم، ثم تتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي.

    المستحاضة الحكم الثاني أنها تتحفظ، تستثفر بثوب، يعني: تتلجم بثوب، هذا الحكم الثاني.

    الحكم الثالث: هل يجب عليها أن تغسل الفرج، وتغير هذا الثوب أو ما تحفظت به كل وقت أو لا يجب؟

    ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا لا يجب عليها، ما دام أنه لم يخرج منها إلا هذا الحدث، فإنه لا يجب عليها أن تغير ما تتحفظ به وقت كل صلاة.

    نقول: هذا لا يجب عليها, لكن تغسل الفرج، وإذا كان يضرها الغسل فإنها تستجمر.

    الحكم الرابع: هل تتوضأ لوقت كل صلاة مثل من به سلس بول .. إلخ؟ هل يجب عليها أن تتوضأ إذا دخل الوقت أو نقول بأنه لا يجب، وأن هذا الحدث ليس ناقضاً للوضوء؟

    مذهب الإمام مالك رحمه الله أن هذه الأحداث المستمرة ليست ناقضة، وأن الذي ينقض هو الحدث المعتاد، فالصواب في هذا أنه لا يجب عليها أن تتوضأ لوقت كل صلاة إلا إذا وجد حدث آخر غير الاستحاضة، فإنه يجب عليها أن تتوضأ، أما إذا كان الذي يخرج هو الاستحاضة فقط غير دم الحيض هذا دم عرق فلا يجب عليها.

    قال المؤلف رحمه الله: [وكذا حكم من به سلس البول وما في معناه].

    يعني: في الوضوء هل يجب الوضوء أو لا يجب الوضوء؟

    1.   

    أحوال المستحاضة

    قال المؤلف رحمه الله: [فإذا استمر بها الدم في الشهر الآخر، فإن كانت معتادة فحيضها أيام عادتها، وإن لم تكن معتادة وكان لها تمييز وهو أن يكون بعض دمها أسود ثخيناً وبعضه أحمر رقيقاً فحيضها زمن الأسود الثخين، وإن كانت مبتدأة أو ناسية لعادتها ولا تمييز لها فحيضها من كل شهر ستة أيام أو سبعة؛ لأنه غالب عادات النساء] .. إلخ.

    هنا الحكم الرابع من أحوال المستحاضة، نقول: المستحاضة لها أحوال، نبينها فيما يلي:

    المعتادة غير المميزة

    الحالة الأولى: أن تكون المستحاضة معتادة، يعني: لها عادة قبل الاستحاضة، قبل أن يطبق عليها الدم لها عادة.

    مثال: امرأة تقول: أنا أطبق علي الدم، الآن أصابني نزيف, نقول لهذه المرأة: هل لك عادة أو ليست لك عادة؟ قالت: نعم.. لي عادة، متى عادتك؟ قالت: عادتي مثلاً من عشرة إلى خمسة عشر. نقول لهذه المرأة: ارجعي لعادتك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أرجع المستحاضة إلى العادة، فإذا جاء من اليوم العاشر إلى اليوم الخامس عشر اجلسي، وخذي أحكام الحائضات، ثم بعد ذلك اغتسلي وكوني كالطاهرات.

    إذا قلنا كما تقدم: إنها تتلجم وتغسل الفرج وتتوضأ لكل صلاة، إذا قلنا بهذا فنقول بالنسبة للمستحاضة المعتادة: ارجعي إلى عادتك واجلسي أيام العادة، تأخذين أحكام الحائضات، ثم بعد ذلك إذا انتهى فإنك تغتسلين وتأخذين أحكام الطاهرات.

    ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: ( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي ).

    فالحالة الأولى من أحوال المستحاضة: أن يكون لها عادة، فإذا كان لها عادة نقول: ارجعي إلى عادتك، وترجع إلى عادتها، فإذا كانت هذه المستحاضة التي أصابها الآن الدم وأطبق عليها تقول: أنا لي عادة من عشرة إلى خمسة عشر نقول: اجلسي في هذا الوقت من عشرة إلى خمسة عشر، وخذي أحكام الحائضات، ثم بعد ذلك اغتسلي وصلي وافعلي أحكام الطاهرات إلا ما يتعلق بالمستحاضات, هذه الحالة الأولى.

    المعتادة المميزة

    الحالة الثانية من أحوال المستحاضة: أن يكون لها عادة معلومة ولها تمييز، فهذا موضع خلاف بين أهل العلم، والصواب فيها أنها ترجع أيضاً إلى عادتها.

    فهذه امرأة أطبق عليها الدم، تقول: أنا لي عادة، وعادتي أن يأتيني الحيض مثلاً من خمسة إلى عشرة، هذا وقت العادة، لكني أرى الدم متميزاً، يعني: فيه صفات دم الحيض من عشرة إلى خمسة عشر، فهل نقول: ترجع إلى هذا التمييز؟ يعني: تقول مثلاً: من عشرة إلى خمسة عشر أرى صفات الدم فيه، أرى أنه أسود، أو أنه ثخين، أو أن له رائحة منتنة .. إلخ، من عشرة إلى خمسة عشر، وعادتي: خمسة إلى عشرة، فهذا نرجعها إلى التمييز، أو نرجعها إلى العادة؟

    نقول: بأننا نرجعها إلى العادة؛ لأن هذا أضبط للمرأة؛ ولأن هذا التمييز قد يختلف عليها، وأيضاً لأن النبي عليه الصلاة والسلام أرجع المستحاضة إلى العادة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي ) رواه مسلم .

    الناسية للعادة المميزة

    الحالة الثالثة: لها عادة لكن نسيت العادة ولها تمييز، يعني: هذه امرأة تقول: أنا لي عادة، لكن نسيت العادة، ما أدري متى العادة؟ وعندها تمييز ترى الدم متميزاً، مثلاً من خمسة عشر إلى عشرين ترى أنه متميز بصفات الحيض .. إلخ فنقول: في هذه الحالة ترجع إلى التمييز، فإذا كانت لها عادة ونسيت العادة، أو أصلاً ليس لها عادة، المبتدأة أطبق عليها الدم ولها تمييز، فنقول: ترجع إلى التمييز، فمثلاً إذا كان الدم أحمر لكنه متميز، من خمسة عشر إلى عشرين، وهي تقول: نسيت العادة، لكن عندها تمييز، فنقول في هذه الحالة: ترجع إلى التمييز.

    الناسية للعادة غير المميزة

    الحالة الرابعة من أحوال المستحاضة: امرأة ليس عندها تمييز ولها عادة لكن نسيت العادة، وهذه يقسمها العلماء رحمهم الله ثلاثة أقسام: يعني: امرأة الآن أطبق عليها الدم، نقول: متى عادتك لكي نرجع إلى العادة؟ تقول: نسيت، هل عندك تمييز؟ هل ترين الدم متميزاً مثلاً من كذا إلى كذا؟ تقول: لا، الدم على صفة واحدة، متى عادتك؟ قالت: نسيت.

    فالحالة الرابعة: امرأة نسيت عادتها وليس لها تمييز، هذه يقسمها العلماء رحمهم الله إلى ثلاثة أقسام:

    فأعيد الأحوال باختصار:

    الحالة الأولى: لها عادة معلومة، نقول لها: ارجعي إلى عادتك.

    الحالة الثانية: لها عادة وتمييز, نقول لها: ارجعي إلى العادة.

    الحالة الثالثة: ليس لها عادة لكنها تميز، أو نسيت العادة لكن تميز، نقول لها: ارجعي إلى التمييز.

    الحالة الرابعة: نسيت العادة، وليس لها تمييز، فهذه قسمها العلماء رحمهم الله إلى ثلاثة أقسام.

    القسم الأول: نسيت الموضع والعدد، هذه يسميها العلماء متحيرة، فهي لا تدري الموضع، هل هو أول الشهر أو وسط الشهر أو آخر الشهر؟ ولا تدري هل عادتها خمسة أيام أو ستة أو سبعة ..

    نقول في هذه الحالة: اجلسي غالب عادة نسائك، يعني: انظري إلى من تشابهك من أقاربك في الخلقة وفي السن .. إلخ، كم عادتها؟ عادتها ستة أيام سبعة .. إلخ، فنقول: اجلسي من أول الشهر ستة أيام أو سبعة كغالب نسائك، فنقول: تجلس أول الشهر ستة أيام أو سبعة كغالب نسائها.

    فإذا كانت من تشابهها من أقاربها حيضتها ستة أيام تجلس ستة، إذا كانت من تشابهها حيضها خمسة أيام تجلس خمسة، إذا كانت تجلس سبعة أيام تجلس سبعة .. إلخ من أول الشهر، إذا كانت تقول: أنا أعلم أن العادة تأتيني في النصف الثاني، لكن ما أحدده, ما نقول لها؟ هل تجلس من النصف الأول أو النصف الثاني؟ نقول: من النصف الثاني.

    إذا قالت: أنا أعرف أن العادة تأتيني في العشر الأواخر لكن ما أحدد، نقول: من أول العشر الأواخر وهكذا.

    الحالة الثانية: أن تعلم الموضع لكن تنسى العدد, تقول: أعرف أن الحيض يأتيني من اليوم الخامس، لكن نسيت العدد، نسيت هل هو خمسة أو ستة .. إلخ؟

    ما دامت تعلم الموضع نقول: اجلسي من اليوم الخامس، بالنسبة للعدد ترجع إلى من يشابهها من نسائها، فتنظر إلى من يشابهها من نسائها في السن والخلقة .. إلخ، وتنظر كم تتحيض وتحيض مثلها.

    القسم الثالث: عكس القسم الثاني وهو أن تعرف العدد وتنسى الموضع، فإذا كانت تعرف العدد وتنسى الموضع نقول: اجلسي من أول الشهر، كم عدد حيضتك؟ قالت: سبعة، اجلسي من أول الشهر سبعة، إلا إذا قالت: أنا أعرف أن موضعه في النصف الثاني، فنقول: اجلسي من أول النصف الثاني، قالت: أنا أعرف في العشر الأواخر، نقول: اجلسي من أول العشر الأواخر، هذه أحوال الاستحاضة.

    1.   

    حيض الحامل

    قال المؤلف رحمه الله: [والحامل لا تحيض إلا أن ترى الدم قبل ولادتها بيوم أو يومين أو ثلاثة فيكون دم نفاس] هل تحيض الحامل أو لا تحيض الحامل؟

    جمهور أهل العلم على أن الحامل لا تحيض، وعلى هذا لو كان عندنا امرأة حامل، ثم بعد ذلك رأت الدم، فنقول: هذا ليس حيضاً، على رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله, وعلى هذا يجب عليها أن تصوم وأن تصلي .. إلخ، ويجوز لزوجها أن يعاشرها.

    ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في سبايا أوطاس: ( لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة )، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم وجود الحيض دليلاً على براءة الرحم، ولو كان يجتمع معه لن يكون وجوده علماً على عدمه.

    فنقول: حديث أبي سعيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل -غير حامل- حتى تحيض حيضة ) دليل على أن الحامل لا تحيض؛ لأنه إما حمل أو حيض، وقال الإمام أحمد رحمه الله: إنما تعرف النساء الحبل بانقطاع الدم.

    والرأي الثاني: ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله وغيره أن الحامل تحيض، وأن المرأة الحامل إذا رأت الدم بصفات دم الحيض نحكم بأنه حيض؛ لقول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، وهذا يشمل ما إذا كانت حاملاً أو غير حامل، وأيضاً ما تقدم من قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة )، وهذا يشمل ما إذا كانت حاملاً أو غير حامل.

    والأقرب في ذلك هو الرأي الأول، هذا القول هو ما يقرره الأطباء، فالأطباء اليوم يقررون ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وأن الحامل لا يمكن أن تحيض، وأن ما تراه الحامل من دم فإنه لا يكون حيضاً، وهذا أيضاً هو الذي يشهد له الواقع والتجربة.

    يعني: المرأة الآن إذا كانت حاملاً ويأتيها شيء من الدم، إذا سئلت عن صفات هذا الدم تجد أنه لا يوافق الدم الطبيعي، تجد أنه مختلف، إما قطرات أو نزغات أو نحو ذلك، وهذا القول هو الصواب.

    وعلى هذا نقول: الصواب في هذا المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وأن المرأة الحامل إذا رأت دماً فإنها لا تعتبر حيضاً بل يجب عليها أن تصوم، ويجب عليها أن تصلي، ويصح صومها .. إلخ، وتأخذ أحكام الطاهرات, ولا تأخذ أحكام الحائضات.

    قال: (إلا أن ترى الدم قبل ولادتها بيوم أو يومين أو ثلاثة فيكون دم نفاس). وهذا سنتعرض إليه إن شاء الله في باب النفاس.

    1.   

    مسائل متعلقة بالحيض

    علامة الطهر

    بقي علينا قبل أن ننتهي من باب الحيض مسألتان أو ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى: علامة الطهر عند النساء، ما هي علامة الطهر عند النساء؟ نقول: علامة الطهر عند النساء علامتان:

    العلامة الأولى: الجفاف؛ جفاف المحل، بحيث إذا احتشت شيئاً فإنها لا ترى شيئاً.

    العلامة الثانية: القصة البيضاء؛ والقصة البيضاء هي ماء أبيض يقذفه الرحم بعد نهاية دم الحيض، يعني: بعد طهر المرأة من عادتها ترى القصة البيضاء.

    زيادة الحيض ونقصانه وتقدمه وتأخره

    المسألة الثانية: الطارئ على دم الحيض، هناك طوارئ تطرأ على دم الحيض، من هذه الطوارئ الزيادة أو النقص، أو التقدم أو التأخر.

    يعني مثلاً: المرأة عادتها خمسة أيام فيزيد عنها الدم باليوم السادس، أو النقص عادتها ستة أيام فينقص عنها الدم خمسة أيام، أو التقدم تكون عادتها في آخر الشهر فترى الدم في أول الشهر، أو التأخر تكون عادتها في أول الشهر فيتأخر عنها إلى آخر الشهر.

    في هذه الصور الأربع كلها نقول: هو حيض، يأخذ أحكام الحيض، ما دام أنه بصفته نقول بأنه حيض، يعني: لو تقدم عليها الحيض أو تأخر أو زاد أو نقص، فإذا نقص نقول: هو طهر يجب عليها أن تعتزل، إذا زاد نقول: هو حيض، إذا تقدم أو تأخر الدم نقول: هذه الطوارئ التي تطرأ عليها لا تؤثر، بل تأخذ المرأة أحكام الحائضات، ولا حاجة إلى أن يتكرر أو لا يتكرر كما ذهب إليه بعض أهل العلم رحمهم الله.

    والدليل على ذلك ما تقدم أن أشرنا إليه من قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، فرتب الله عز وجل الحكم على وجود الأذى، متى وجد هذا الأذى فإنه يتعلق به الحكم.

    وأيضاً تقدم معنا حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ) وهذا في الصحيحين.

    الصفرة والكدرة

    المسألة الأخيرة ما يتعلق بالصفرة والكدرة.

    الصفرة هي: عبارة عن ماء أصفر يخرج من النساء، والكدرة: عبارة عن ماء ممزوج بحمرة.

    فما حكم الصفرة والكدرة؟

    نقول: الصفرة والكدرة لها ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن تكون الصفرة والكدرة قبل نزول العادة، يعني: قبل أن تنزل على المرأة العادة ترى هذه الصفرة أو ترى هذه الكدرة نقول: الصواب أنه لا عبرة بها، فيجب على المرأة أن تصلي ويصح منها الصيام .. إلخ، ولا تترك العبادات، بل نقول: هذه الصفرة والكدرة لا حكم لها على الصحيح، حتى لو كانت مع المرأة أو جاء دم الحيض .. إلخ، فنقول: تنتظر حتى ينزل عليها الدم المعروف عند النساء.

    ودليل ذلك حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ( كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً )، وهذا يشمل ما إذا طهرت المرأة إلى أن ينزل عليها دم الحيض.

    الحالة الثانية: من أحوال الصفرة والكدرة أن يكون ذلك بعد الطهر، أيضاً لا عبرة بهذه الصفرة والكدرة، مثلاً: امرأة طهرت من حيضتها، إما بانقطاع الدم والجفاف أو بالقصة البيضاء، ثم بعد ذلك رأت صفرة أو كدرة فإنه في هذه الحالة تأخذ أحكام الطاهرات، ولا تجلس في هذه الصفرة والكدرة.

    الحالة الثالثة: أن تكون هذه الصفرة والكدرة متصلة بالحيض، إذا كانت متصلة بالدم، ليست بعد الطهر، وليست قبل العادة، قبل الدم، وإنما هي متصلة بالدم، فنقول: حكمها حكم الحيض ما دامت المرأة في عادتها الطبيعية، فمثلاً: عندنا امرأة رأت الدم اليوم الأول والثاني والثالث، ثم بعد ذلك رأت صفرة أو كدرة في الرابع والخامس والسادس .. إلخ، فنقول: هذه الصفرة والكدرة حكمها حكم الحيض؛ لأنه ما دامت هذه الصفرة والكدرة في المدة الطبيعية للحيض نحتسبها.

    أيضاً مثال آخر: امرأة رأت الدم خمسة أيام، رأت صفرة لمدة يومين، نقول: هذا حيض؛ لأنه في العادة الطبيعية للمرأة.

    مثال ثالث: امرأة رأت الدم ستة أيام أو سبعة أيام، ثم بعد ذلك رأت صفرة أو كدرة، نقول: لا تنظر إليها، فيجب عليها أن تغتسل وأن تصلي.

    أو مثلاً: بعض النساء قد ترى الدم خمسة أيام، ثم بعد ذلك تجلس معها الصفرة خمسة أيام .. إلخ، تجلس وتطول معها الصفرة، نقول: إذا تجاوزت العادة الطبيعية للمرأة ستة أيام أو سبعة فإنها تغتسل.

    هذا هو الصواب في هذه المسألة, وحينئذٍ نقول الخلاصة في الصفرة والكدرة أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يكون ذلك قبل نزول الحيض هذه لا عبرة بها.

    القسم الثاني: أن يكون ذلك بعد الطهر فهذه لا عبرة بها.

    القسم الثالث: أن تكون متصلة بالحيض -يعني: بالدم- فهذه فيها التفصيل الذي سبق.