إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الطهارة [6]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للوضوء نواقض ذكرها العلماء رحمهم الله، إلا أنهم اختلفوا في بعضها كمس الذكر وأكل لحم الإبل. ومن انتقض وضوءه يحرم عليه أشياء منها مس المصحف على خلاف. وللغسل موجبات منها: إنزال المني، والتقاء الختانين.

    1.   

    تابع نواقض الوضوء

    مس الذكر

    قال المؤلف: رحمه الله تعالى: [ولمس الذكر بيده].

    ذكر المؤلف رحمه الله من نواقض الوضوء لمس الذكر بيده, وأن تمس بشرته بشرة امرأة بشهوة.

    تقدم لنا الناقض الأول وهو الخارج من السبيلين، وذكرنا أن الخارج من السبيلين ينقسم إلى قسمين، وتكلمنا على كل قسم من هذين القسمين.

    وأيضاً الناقض الثاني: الخارج من بقية البدن، وأن الخارج من بقية البدن ينقسم إلى قسمين، وتكلمنا على كل من هذين القسمين.

    الناقض الثالث: زوال العقل، وأيضاً ذكرنا أن زوال العقل أو تغطية العقل ينقسم إلى قسمين، وتكلمنا على كل قسم من هذين القسمين.

    ثم قال رحمه الله في الناقض الرابع: (ولمس الذكر بيده). لمس الذكر هل هو ناقض من نواقض الوضوء، أو ليس ناقضاً من نواقض الوضوء؟

    هذا اختلف فيه العلماء رحمهم الله على رأيين:

    الرأي الأول: وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله وقول الشافعي أن لمس الذكر باليد، والمراد باليد هنا الكف فقط، يعني: إذا لمس ذكره بكفه دون بقية بشرته بلا حائل، فإنه ينتقض وضوءه، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد الذي مشى عليه المؤلف رحمه الله, وأيضاً هو قول الشافعي .

    والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن مس الذكر لا ينقض الوضوء. فعندنا رأيان في هذه المسألة، ولكل من الرأيين دليل.

    أما الذين قالوا بأن مس الذكر ينقض الوضوء؛ فاستدلوا بحديث بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من مس ذكره فليتوضأ )، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي والدارقطني .. وغيرهم، وهذا الحديث له شواهد، فله شاهد من حديث أبي هريرة وحديث أم حبيبة وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد ذكر الترمذي رحمه الله أنه روي عن سبعة من الصحابة، وهو حديث ثابت.

    ودليل من قال بأن مس الذكر لا ينقض الوضوء، ما رواه قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة؟ فقال: وهل هو إلا بضعة منك؟ ) يعني: قطعة منك، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وغيرهم، وأيضاً ورد له شاهد من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، لكن حديث أبي أمامة هذا في إسناده جعفر بن الزبير وهو متروك.

    وحديث طلق بن علي هذا صححه جمع من أهل العلم منهم علي بن المديني ، والطحاوي وغيرهم، فإسناده ثابت أيضاً إسناده حسن.

    فعندنا هذان الحديثان، حديث طلق بن علي ، وحديث بسرة ، واختلف المحدثون في ترجيح أحدهما على الآخر، فـيحيى بن معين رحمه الله كان يرجح حديث بسرة بنت صفوان ، وكذلك أيضاً أبو حاتم وأبو زرعة كل منهم يضعف حديث طلق بن علي ، ويرجحون عليه حديث بسرة بنت صفوان .

    وقد وقعت مناظرة بين يحيى بن معين رحمه الله وبين علي بن المديني ، فـعلي بن المديني يرى حديث طلق بن علي حسناً، ويرجحه على حديث بسرة ، ويحيى بن معين يرجح حديث بسرة على حديث طلق بن علي .

    والأقرب في ذلك أن حديث طلق بن علي ثابت وأنه حسن، كما سبق لنا حسنه علي بن المديني رحمه الله وهو إمام معتبر، وصححه الطحاوي وغيرهم من أهل العلم.

    وعلى هذا يجمع بين الحديثين أنه يستحب للإنسان إذا مس ذكره أن يتوضأ، ولا يجب عليه، جمعاً بين الحديثين، والأحوط للإنسان أن يتوضأ إذا مس ذكره؛ لأن أكثر الصحابة على أن مس الذكر يوجب الوضوء، أو أن الإنسان يتوضأ من مس الذكر.

    نقول: إن حديث بسرة : ( من مس ذكره فليتوضأ ) هذا محمول على الاستحباب؛ ويدل لذلك حديث طلق بن علي بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: ( وهل هو إلا بضعة منك؟ )، ولا يمكن النسخ، يعني: كما قال بعض العلماء بأن حديث بسرة متأخر، وحديث طلق بن علي متقدم، فحديث بسرة ينسخ حديث طلق بن علي ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام علل بعلة ما يمكن أن تنسخ، قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وهل هو إلا بضعة منك؟ ) هذه علة لا يمكن أن تنسخ أبداً.

    فالأقرب في ذلك أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، كما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وحديث بسرة هذا يحمل على الاستحباب والاحتياط، أحوط للإنسان كما ورد عن أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    وقوله: (بيده) المراد باليد كما أسلفنا الكف، وعلى هذا فلو أنه مس ذكره برجله، أو مس ذكره بذراعه، أو بغير ذلك من أعضاء بدنه فإن هذا لا ينقض الوضوء، لا ينتقض الوضوء إلا إذا مس ذكره بكفه بلا حائل.

    وقول المؤلف أيضاً لمس الذكر، هذا يخرج ما إذا لمس الأنثيين، فلو لمس الأنثيين فإن ذلك لا ينقض الوضوء، وإنما الذي ينقض الوضوء هو فقط لمس الذكر إذا قلنا بما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وإذا رجحنا مذهب أبي حنيفة وأن مس الذكر لا ينقض الوضوء فسواء مس ذكره أو مس أنثييه .. إلخ، فإن هذا لا ينتقض وضوءه.

    مس المرأة بشهوة

    قال المؤلف رحمه الله: [ولمس امرأة بشهوة].

    هذا الناقض الخامس: أن يمس امرأة بشهوة بلا حائل، وهنا عبر المؤلف رحمه الله بقوله: (ولمس) بالنسبة لمس الذكر لا يحصل النقض إلا بالكف فقط خاصة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( من أفضى بيده ) فإن النبي عليه الصلاة والسلام نص على اليد، وهنا بالنسبة للأنثى إذا مس الأنثى لشهوة، سواء كان ذلك باليد أو بسائر أجزاء البدن، فإنه ينتقض وضوءه على ما ذهب إليه المؤلف.

    فلو أنه رجله مست رجل زوجته بشهوة انتقض وضوءه، أو أن يده مست يد امرأته بشهوة، أو أي جزء من أجزاء البدن مس جزءاً من أجزاء بدن هذه المرأة بشهوة بلا حائل فإنه ينتقض وضوءه، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: رأي الشافعي وهو أوسع من هذا، وهو أن مس الأنثى مطلقاً ينقض الوضوء، سواء مس بشهوة أو كان ذلك بغير شهوة.

    والرأي الثالث: أن مس الأنثى مطلقاً لا ينقض الوضوء، سواء كان ذلك بشهوة أو كان بغير شهوة، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وهو أرجح الأقوال.

    ولكل من هذه الأقوال دليل، أما الحنابلة الذين فصلوا قالوا: إن مس لشهوة فإنه ينتقض وضوءه، وإن كان لغير شهوة فإنه لا ينتقض وضوءه؛ فاستدلوا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم -في الصحيحين- كان يصلي من الليل، فإذا أراد السجود غمزها، فكفت رجلها )، وهنا مس النبي صلى الله عليه وسلم. فقالوا: بأن هذا المس كان لغير شهوة، فلا ينتقض الوضوء.

    وأيضاً ما ثبت من حديث عائشة في صحيح مسلم : ( أنها خرجت تبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت: فوقعت يدي على قدميه، وهما منصوبتان، وهو ساجد )، فهنا وقعت يدها على قدمي النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينتقض وضوءه.

    وأما كونه ينتقض إذا كان لشهوة، قالوا: إن مس المرأة لشهوة هذا مظنة خروج الخارج، وإذا كان مظنة لخروج شيء من الإنسان خروج مذي مثلاً من الإنسان فإنه ينتقض الوضوء كالنوم، فإن النوم ينقض الوضوء؛ لأنه مظنة خروج الريح من الدبر، لما تقدم لنا من قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء ).

    وأما بالنسبة لما ذهب إليه الشافعي وأن مس الأنثى ينقض مطلقاً فاستدل بقول الله سبحانه وتعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43]، وهذا يشمل مس المرأة سواء كان ذلك لشهوة أو كان لغير شهوة.

    وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله أن المرأة لا ينقض الوضوء فاستدل بما تقدم من حديث عائشة في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل، فإذا سجد غمزها، فكفت رجلها )، وأيضاً ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة : ( أنها ذهبت تبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم فوقعت يدها على قدميه وهما منصوبتان وهو ساجد ).

    وهذه الأدلة تدل على أن مس الأنثى سواء كان ذلك لشهوة أو لغير شهوة فإنه لا ينقض الوضوء، وهذا القول هو الصواب, وأيضاً مما يؤيد ذلك عدم الدليل على النقض، فليس هناك دليل يدل على نقض الطهارة بمس المرأة، والطهارة ارتفعت بمقتضى دليل شرعي، فلا بد من دليل شرعي على نقض الوضوء.

    وأما قول الله عز وجل: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43] فإن المراد بالملامسة هنا الجماع؛ كما فسر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بإسناد صحيح.

    وقد ورد في سنن أبي داود من حديث عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قبلها وصلى ولم يتوضأ )، لكن هذا الحديث مرسل، قال أبو داود : إبراهيم النخعي رواه عن عائشة وإبراهيم النخعي لم يسمع من عائشة رضي الله تعالى عنها.

    الردة عن الإسلام

    قال المؤلف رحمه الله: [والردة عن الإسلام].

    هذا الناقض السادس: الردة عن الإسلام، فإذا ارتد الإنسان بطلت طهارته, وهذا ما ذهب إليه المؤلف؛ ودليل ذلك قول الله عز وجل: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65].

    وجمهور أهل العلم على أن الردة عن الإسلام لا تبطل الوضوء؛ لأن الأصل بقاء الطهارة، لكن يأتينا إن شاء الله أن الكافر إذا أسلم فإنه يجب عليه أن يغتسل.

    أكل لحم الجزور

    قال المؤلف رحمه الله: [وأكل لحم الجزور].

    هذا الناقض السابع من نواقض الطهارة.

    قال المؤلف رحمه الله: [(لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم توضئوا منها. قيل: أفنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ)].

    أكل لحم الجزور هل هو ناقض أو ليس ناقضاً؟

    للعلماء في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: ما مشى عليه المؤلف رحمه الله، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد أن أكل لحم الجزور ناقض، قال الإمام أحمد رحمه الله فيه حديثان صحيحان عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث جابر بن سمرة وحديث البراء بن عازب ، أما حديث جابر ففي صحيح مسلم : ( أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم توضأ من لحوم الإبل )، وهذا في صحيح مسلم ، أيضاً حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه: ( توضئوا من لحوم الإبل )، ففيه حديثان صحيحان كما قال الإمام أحمد رحمه الله.

    أكثر أهل العلم -الأئمة الثلاثة- على أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء؛ واستدلوا بحديث جابر في السنن أنه قال: ( كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ), ويدخل في ذلك لحم الإبل، ويجاب عنه بجوابين:

    الجواب الأول: أن هذا الحديث لا يثبت بهذا اللفظ، بل بلفظ: ( أكل من كتف شاة ثم دعي إلى الصلاة فقام النبي عليه الصلاة والسلام فصلى )، هذا الجواب الأول.

    الجواب الثاني: على فرض ثبوته فنقول: بأن حديث جابر بن سمرة ، حديث البراء بن عازب مقدم على هذا الحديث؛ لأنه أخص، فنقول: ترك الوضوء مما مست النار يستثنى من ذلك لحم الإبل؛ لدلالة حديث جابر بن سمرة ، وحديث البراء بن عازب ، ولذلك أكثر أهل الحديث على ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله أن أكل لحم الجزور يبطل الوضوء.

    قال المؤلف رحمه الله: (وأكل لحم الجزور) فقال: لحم، ما المراد باللحم؟ المراد باللحم الهبر، وعلى هذا فبقية أجزاء الجزور لا ينقض الوضوء، فلو أكل الإنسان كبداً أو كلية أو قلباً أو لحم رأس أو مصراناً أو كرشاً أو نحو ذلك من غير اللحم فإنه لا ينتقض وضوءه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وأن النقض خاص فقط في الهبر، أما بقية الأجزاء فإنها لا تنقض.

    والرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله، وهو اختيار الشيخ السعدي أن بقية أجزاء الإبل تنقض الوضوء، فإذا أكل الإنسان كبداً أو كرشاً أو كلية أو قلباً أو مصراناً أو لحم رأس أو نحو ذلك فإن هذه الأشياء أيضاً تنقض الوضوء، وألحقوا هذه الأشياء بالهبر.

    أما بالنسبة للمذهب فاستدلوا بحديث جابر وحديث البراء ، فإن الحديث إنما ورد في اللحم، والكرش هذا ليس لحماً، والمصران ليس لحماً، والكبد ليس لحماً.

    أما الذين قالوا بأنها تنقض، فقالوا بأنه لا يوجد في الشريعة حيوان يختلف حكمه حلاً وحرمة ونجاسة وطهارة، إما أن يكون حلالاً وإما أن يكون حراماً، إما أن تكون جميع أجزائه ناقضة، أو تكون جميع أجزائه ليست ناقضة .. إلخ، هكذا استدلوا.

    والدليل الثاني: قالوا: إن هذه الأشياء التي قيل بأنها لا تنقض منها ما يدخل في مسمى اللحم، مثل لحم الرأس، لحم الرأس هذا يدخل في مسمى اللحم، وأنتم أخرجتموه، فإذا كان كذلك فإنه يدخل في الأحاديث.

    والأحوط للإنسان أن يتوضأ من هذه الأشياء، يعني: إذا أكل كبداً، أو كرشاً أو نحو ذلك نقول: الأحوط للإنسان أن يتوضأ من هذه الأشياء.

    وقال المؤلف رحمه الله: (وأكل لحم الجزور) هذا يصدق على القليل والكثير؛ لأنه لو أكل شيئاً كثيراً، أو أكل شيئاً يسيراً، فإن هذا كله مما ينقض الوضوء، وكذلك أيضاً سواء كان هذا اللحم مطبوخاً أو نيئاً هذا كله ينقض الوضوء.

    الشك في الطهارة والحدث

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو على ما تيقن].

    إذا كان الإنسان متطهراً ثم شك هل أحدث أو لم يحدث؟ هل نام نوماً مستغرقاً أو النوم حتى الآن ليس مستغرقاً؟

    فنقول: الأصل بقاء الطهارة، أو كان محدثاً ثم شك، هل توضأ أو لم يتوضأ؟

    نقول: الأصل بقاء الحدث، هذا يندرج تحت قاعدة اليقين لا يزول بالشك.

    ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة : ( إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً، فأشكل عليه هل خرج منه شيء أو لم يخرج منه شيء فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وأيضاً يدل لذلك حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه في الصحيحين.

    1.   

    ما يحرم على المحدث

    قبل أن ننتقل إلى الباب الآخر، بقي عندنا مسألة، وهذه المسألة ما هي الأشياء التي تحرم على المحدث؟

    نقول: ذكر العلماء رحمهم الله أشياء تحرم على المحدث:

    الأول: الصلاة؛ فالصلاة محرمة على المحدث، سواء كانت نافلة أو فريضة، وضابط الصلاة التي تجب لها الطهارة كما ذكر ابن القيم رحمه الله هي المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، فيدخل في ذلك صلاة النافلة، والفريضة وصلاة الجنازة وصلاة العيدين والاستسقاء .. إلخ.

    ويدل ذلك حديث علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم )، وهذا إسناده حسن، فضابط الصلاة التي تشترط لها الطهارة هي المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، يخرج عندنا سجود التلاوة، سجود الشكر، هذه الأشياء ليست صلاة؛ لأنها ليست داخلة تحت هذا الضابط الذي يدل عليه حديث علي رضي الله تعالى عنه.

    وعلى هذا لو قرأ الإنسان عن ظهر قلب، ثم مر بسجدة تلاوة فإنه يسجد، أو حصل له نعمة، أو انكشفت عنه نقمة فإنه يسجد حتى لو كان محدثاً، هذا الأمر الأول.

    الأمر الثاني: مس المصحف؛ فالمصحف لا يجوز للإنسان أن يمسه إلا بطهارة، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله خلافاً للظاهرية؛ ويدل لذلك حديث عمرو بن حزم رضي الله تعالى عنه، وفيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه: أن لا يمس القرآن إلا طاهر )، وهذا الحديث ثبت موصولاً للنبي صلى الله عليه وسلم, وله شواهد من حديث حكيم بن حزام ، وحديث ابن عمر وغيرها، فهو ثابت.

    وأيضاً يدل لذلك دلالة إشارة قول الله عز وجل: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79]، حتى ولو قلنا بأن المراد بالمطهرين هم الملائكة فإنه يدل بالإشارة إلى أن غير المتطهر من بني آدم لا يمس القرآن.

    الأمر الثالث مما يحرم على المحدث: الطواف؛ والطواف هذا موضع خلاف، هل يجوز للإنسان أن يطوف وهو محدث أو لا يجوز أو تشترط الطهارة ؟

    الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي والإمام أحمد : أنه تشترط الطهارة للطواف؛ لحديث عائشة في الصحيحين قالت: ( أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم توضأ ثم طاف ). وهذا الحديث في الصحيحين، وأيضاً ما يروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الطواف بالبيت صلاة ) لكن هذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا يصح رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم.

    والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله، يفصل في المسألة إذا طاف على غير طهارة، يقول: إذا خرج من مكة لزمه دم، وإن كان في مكة أمر بالإعادة.

    والرأي الثالث: أنه لا تشترط الطهارة للطواف؛ وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأنه تستحب الطهارة ولا تشترط، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الذين أوجبوا الطهارة للطواف ليس معهم دليل أصلاً، إذ لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترط الطهارة للطواف، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: لا يقبل طواف أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ كما قال في الصلاة. وإنما الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أراد الطواف توضأ، وهكذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام، يتوضأ حتى للذكر، ولهذا لما أراد أن يرد السلام أقبل النبي صلى الله عليه وسلم على الجدار وتيمم عليه ورد السلام، وقال أيضاً: ( كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ).

    وعلى هذا نقول: الأحوط للإنسان أن يتوضأ، لكن لو أن الإنسان سبقه الحدث، مثلاً في الزحام سبقه الحدث، فيظهر أنه لا يجب عليه أن يذهب ويخرج ويتوضأ، أو أنه نسي الإنسان وطاف على غير طهارة فنقول: إن شاء الله طوافه صحيح، أو سبقه الحدث وهو يطوف، نقول: طوافه صحيح إن شاء الله.

    والأحوط للإنسان إذا أراد أن يطوف أن يفعل هدي النبي عليه الصلاة والسلام، إذا أراد أن يطوف يتوضأ، لكن كما أسلفت لو سبقه ونسي فهذه إن شاء الله لا يجب عليه أن يعيد.

    1.   

    الغسل من الجنابة

    قال المؤلف رحمه الله: [باب: الغسل من الجنابة].

    مناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة؛ لأن المؤلف رحمه الله لما ذكر الحدث الأصغر، وذكر موجباته، ولما ذكر الوضوء، وكيفيته وشروطه وفروضه ونواقضه شرع الآن إلى ما يتعلق بالحدث الأكبر، وما هي موجباته، وكيفية التطهر منه.

    والغسل من الجنابة: هو التعبد لله عز وجل بغسل البدن على وجه مخصوص لأشياء مخصوصة.

    والأصل فيه القرآن والسنة والإجماع كما سيأتينا, أما القرآن فقول الله عز وجل: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة:6]، وأيضاً من السنة حديث عائشة وحديث ميمونة وحديث عمران وغيرها في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم، والإجماع قائم على ذلك.

    موجبات الغسل

    قال المؤلف رحمه الله: [والموجب له خروج المني وهو الماء الدافق].

    الموجب للغسل أشياء:

    الموجب الأول: خروج المني

    الأول: خروج المني؛ فقال المؤلف رحمه الله: (وهو الماء الدافق). يشترط لهذا المني لكي يوجب الغسل شروط:

    الشرط الأول: أن يكون دافقاً، وعبر بعض العلماء بقوله: أن يكون خروجه بلذة، وعلى هذا إذا خرج هذا الماء بغير لذة، بغير دفق، خرج إما لشدة برد أو لمرض أو لغير ذلك، هذا لا يجب الغسل، وإنما يتوضأ الإنسان وضوءه للصلاة فقط.

    وهذا الماء كما سبق لنا أنه ماء طاهر، فلا يجب على الإنسان أن يستنجي، يعني: لا يجب عليه أن يغسل ذكره؛ لأنه طاهر، وإنما يتوضأ وضوءه للصلاة، لأنه تقدم لنا أن الخارج المعتاد ينقض الوضوء، هذا الشرط الأول: أن يكون بلذة, وأن يكون خروجه دفقاً.

    ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي : ( إذا نضحت الماء فاغتسل )، قال العلماء رحمهم الله: نضح الماء خروجه عن طريق الغلبة، ومعنى خروجه عن طريق الغلبة يعني: عن طريق الشهوة، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والإمام أحمد رحمه الله، وصححه ابن حبان والنووي وابن خزيمة وغيرهم.

    هذا الشرط الأول: أن يكون بلذة, أو يكون دافقاً، وذكرنا دليل ذلك.

    الشرط الثاني: أن يخرج من مخرجه، فإن خرج من غير مخرجه فلا يوجب الغسل، وعلى هذا لو أن صلب الإنسان انكسر، أو أجرى الإنسان عملية مع ظهره .. إلخ. فخرج هذا الماء، فإنه لا يوجب الغسل.

    الشرط الثالث: أن يكون في حال اليقظة، أما في حال النوم إذا وجد الإنسان بللاً في ثيابه فهذا له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يتيقن أنه مني، لكونه يعرف المني، فنقول هنا: يجب عليه أن يغتسل مطلقاً، سواء ذكر احتلاماً في منامه أو لم يذكر احتلاماً في منامه، يعني: سواء تذكر أنه خرج منه المني في منامه أو رأى أنه يجامع في منامه أو لم ير ذلك، المهم ما دام أنه تيقن أنه مني فإنه يجب عليه أن يغتسل، هذه الحالة الأولى.

    الحالة الثانية: أن يتيقن أن هذا البلل ليس منياً، فنقول: لا يجب عليك أن تغتسل، لكن يغسل الإنسان ذكره وأنثييه ويطهر ما أصابه.

    الحالة الثالثة: أن يشك في هذا الماء، لا يدري هل هو مني أو مذي؟ شك فيه فنقول: إن ذكر في منامه أنه احتلم وأنه جامع ونحو ذلك، فنقول: يجعله منياً ويغتسل، وإن لم يذكر احتلاماً فلا يجب عليه الغسل، لكن يتوضأ ويطهر ما أصابه.

    فأصبح إذا رأى الإنسان ماءً في منامه له هذه الحالات الثلاث: أن يتيقن أنه مني فيجب عليه أن يغتسل، أن يتيقن أنه ليس منياً فلا يجب عليه أن يغتسل، أن يشك فيه، فإذا شك فيه فإن ذكر احتلاماً وجب عليه أن يغتسل، وإن لم يذكر احتلاماً نقول: لا يجب عليك أن تغتسل، وإنما يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة.

    قال المؤلف رحمه الله: (خروج المني)، فإن المني لا يوجب الغسل حتى يخرج، وعلى هذا الإنسان إذا أحس بانتقال المني، لكنه لم يخرج، إما لكونه حبسه أو لكونه لا يحبسه، فإنه لا يجب عليه الغسل حتى يخرج منه؛ ويدل لذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام لـأم سليم لما قالت: ( هل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم إذا هي رأت الماء )، وهذا في الصحيحين.

    هذا الأمر الأول من النواقض، وهو خروج الماء، وهو ناقض بإجماع المسلمين؛ ويدل له ما تقدم من حديث أم سليم ، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الماء من الماء ) كما في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم رحمه الله.

    الموجب الثاني: التقاء الختانين

    قال المؤلف رحمه الله: [والتقاء الختانين]

    هذا الموجب الثاني من موجبات الغسل، التقاء الختانين، والمراد بالتقاء الختانين: هو أن يغيب الزوج حشفته في فرج زوجته، والمراد بالحشفة هي رأس الذكر التي تقوم عليها الجلدة التي تقطع عند الختان، فإذا غيب هذه الحشفة في فرج زوجته، فإنه يحصل التقاء الختانين، إذا حصل تغييب الحشفة مع حد القطع بالنسبة للمرأة، فهنا يلتقي الختانان.

    وليس المراد بالتقاء الختانين هو مس الفرج بالفرج، فمس الفرج بالفرج لا يوجب الغسل، يعني: إذا فرج الزوج مس فرج زوجته هذا لا يوجب الغسل، لكن الذي يوجب الغسل هو أن يحصل تغييب للحشفة، والمراد بالحشفة ليست كل الذكر، وإنما هي رأس الذكر التي تكون عليها الجلدة التي تقطع عند الختان، فإذا حصل هذا التغييب هذا يمس حد القطع بالنسبة للزوجة، فيحصل التقاء الختانين.

    والتقاء الختانين هذا موجب من موجبات الغسل وإن لم يحصل إنزال، ولا بد أيضاً من تغييب جميع الحشفة، أما إذا غيب شيئاً من الحشفة فإن هذا لا يوجب الغسل، إنما يوجب الغسل إذا حصل تغييب الحشفة, وحصل التقاء الختانين.

    وقول المؤلف رحمه الله: التقاء الختانين وإن لم يحصل إنزال، هذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله؛ ويدل لذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان وجب الغسل )، وتقدم لنا كيف يمس الختان، وفي لفظ: ( إذا جاوز الختان الختان )، وفي لفظ عند مسلم أيضاً: ( وإن لم ينزل ).

    والرأي الثاني: أنه لا يجب الغسل إلا مع الإنزال؛ لحديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الماء من الماء ) يعني: لا يجب ماء الغسل إلا إذا خرج ماء الإنزال، هذا هو الرأي الثاني، وقد ورد عن جمع من الصحابة، ورد عن عثمان وعلي وطلحة والزبير وأبي بن كعب ، ورد عنهم أن التقاء الختانين لا يوجب الغسل إلا مع الإنزال، وثبت عن أكثرهم أنه رجع.

    وعلى هذا نقول: يجب على الإنسان أن يغتسل حتى ولو لم يحصل الإنزال، وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( الماء من الماء ) فهذا في أول الإسلام كانوا كما في حديث أبي بن كعب لا يجب على الإنسان غسل إلا إذا حصل منه إنزال، ثم نسخ ذلك، ولذلك في حديث أبي هريرة : ( إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان وجب الغسل ) في لفظ لـمسلم : ( وإن لم ينزل ).

    ذكر المؤلف رحمه الله موجبين من موجبات الغسل، وهناك موجبات أخرى لم يتعرض لها المؤلف، فنقول:

    الموجب الثالث والرابع: خروج دم الحيض والنفاس

    الموجب الثالث والرابع: خروج دم الحيض، وخروج دم النفاس؛ وهذا سيأتينا إن شاء الله قريباً في باب الحيض والنفاس؛ ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222]، قال: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ [البقرة:222] وهذا التطهر إنما يكون من غسل، وأيضاً السنة بينت ذلك كما في حديث عائشة .. إلخ، والإجماع قائم على ذلك.

    الموجب الخامس: إسلام الكافر

    الخامس: إسلام الكافر، هل هو موجب للغسل أو ليس موجباً للغسل؟

    هذا فيه خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، فالمشهور من المذهب أن إسلام الكافر يوجب الغسل؛ ويدل لذلك أدلة، من هذه الأدلة حديث قيس بن عاصم : ( فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يغتسل ) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ، وهو حسن، وكون النبي عليه الصلاة والسلام أمر قيساً بن عاصم أن يغتسل، هذا يدل على وجوب الغسل.

    وأيضاً قصة ثمامة بن أثال كما في الصحيحين، ( فإنه لما أسلم ذهب واغتسل )، بل في مصنف عبد الرزاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اذهبوا به إلى حائط أبي طلحة ، وأمره أن يغتسل )، هذا هو المشهور من المذهب.

    الرأي الثاني: أنه لا يجب أن يغتسل، هذا مذهب أبي حنيفة ، واستدلوا على ذلك بأدلة, منها: قول الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، وأيضاً حديث عمرو بن العاص في صحيح مسلم : ( إن الإسلام يجب ما قبله )، وأكثر الذين أسلموا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرهم بالغسل.

    الرأي الثالث: رأي الشافعي رحمه الله قال: إن أجنب في حال كفره وجب عليه أن يغتسل، وإن لم يجنب في حال كفره لا يجب عليه أن يغتسل.

    يعني: يقول الشافعي : إذا حصل منه جنابة في حال كفره يجب عليه أن يغتسل ولو اغتسل في حال الكفر؛ لأن الغسل في حال الكفر غير معتبر؛ لأنه يشترط في الغسل النية، وهذا الكافر لا تصح منه النية.

    والأحوط في ذلك: ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله بأن الإنسان إذا أسلم فإنه يغتسل؛ لأن أمر النبي عليه الصلاة والسلام للواحد من الأمة أمر لجميع الأمة، وكونه لم ينقل -كما ذكر الحنفية- أن أكثر الذين أسلموا لم يعهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالاغتسال، نقول: عدم النقل ليس نقلاً للعدم. فالأحوط في ذلك ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله.

    الموجب السادس: الموت

    الموجب السادس: الموت، ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الذي وقصته ناقته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ) في الصحيحين، وأيضاً حديث أم عطية في اللاتي غسلن ابنته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك )، فقوله: ( اغسلن ) هذا أمر.

    هذا بالنسبة لموجبات الغسل، تتلخص لنا موجبات الغسل: خروج المني، والتقاء الختانين، وإسلام الكافر، والحيض والنفاس، والموت.

    كيفية الغسل

    قال المؤلف رحمه الله: [والواجب فيه النية وتعميم بدنه بالغسل مع المضمضة والاستنشاق، وتسن التسمية, ويدلك بدنه بيديه, ويفعل كما روت ميمونة .. إلخ].

    شرع المؤلف رحمه الله في بيان كيفية الغسل، وذكر أنه تجب فيه النية، وهذا دليله ظاهر حديث عمر رضي الله تعالى عنه: ( إنما الأعمال بالنيات )؛ لأن الإنسان يعمم قد يقصد التبرد وقد يقصد التنظف وقد يقصد العبادة، فلا بد من النية التي تميز العبادة من العادة، والغسل له كيفيتان:

    كيفية مسنونة كاملة، وكيفية مجزئة.

    والكيفية المسنونة الكاملة هي التي اشتملت على الشروط، والواجبات، والمستحبات.

    والكيفية المجزئة هي التي اشتملت على الشروط والواجبات.

    فالكيفية الكاملة كما ذكر المؤلف رحمه الله في حديث ميمونة وعائشة يستحب الإنسان أولاً أن يتوضأ وضوءه للصلاة تماماً، وهل يغسل رجليه أو لا يغسل رجليه؟ هذا سيأتينا إن شاء الله، فيتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه .. إلخ كما تقدم في صفاته، ثم بعد ذلك يغسل رأسه ثلاث مرات كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، ثم بعد ذلك يغسل سائر بدنه مرة واحدة، يبدأ بالجانب الأيمن ثم بالجانب الأيسر، ثم بعد ذلك يأتي بأذكار الوضوء السابقة، فإنها تشرع عند نهاية الغسل، هذه الكيفية الكاملة.

    لكن بالنسبة للكيفية الكاملة يستحب للإنسان أن يغسل رجليه في بعض الأحيان كما في حديث عائشة ، وفي حديث ميمونة : ( ثم تنحى وغسل رجليه ) يعني: في بعض الأحيان تتوضأ وضوءك كاملاً وتغسل رجليك، وفي بعض الأحيان يستحب أن تتوضأ وضوءاً كاملاً وتترك غسل رجليك.

    المشهور من المذهب أن الإنسان في الغسل الكامل يستحب أن يغسل قدميه مرتين، يعني: تتوضأ وضوءاً كاملاً, وتغسل قدميك، ثم بعد ذلك تغتسل وتغسل قدميك، يعني: يقولون: يستحب أن تغسل قدميك مرتين، هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم رحمهم الله.

    والأقرب في ذلك التنويع، وأن الإنسان في بعض الأحيان يتوضأ وضوءاً كاملاً ويترك غسل قدميه حتى نهاية الغسل، وفي بعض الأحيان يتوضأ وضوءاً كاملاً ويغسل قدميه، فتارة يفعل هذا وتارة يفعل هذا، ويكون قد عمل بالسنة كلها؛ لأنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: ( أنه غسل قدميه مع الوضوء )، وورد أيضاً: ( أنه ترك غسل قدميه ) كما في حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها قالت: ( فتوضأ وضوءه للصلاة غير رجليه ).

    فبعض العلماء حمله على التنويع، قال: يستحب أن يفعل هذا تارة ويستحب أن يفعل هذا تارة، وبعض العلماء حمل قولها: (غير رجليه) على أن المكان غير مناسب، إما لكونه فيه طين أو تراب أو غير ذلك، فإذا كان المكان كذلك فإنه يؤخر غسل القدمين في آخر الغسل.

    وبعض العلماء قال كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: يستحب أن يغسل القدمين مرتين لكي يأتي بالحديثين، حديث ميمونة وحديث عائشة.

    لكن الصواب والأقرب -والله أعلم- أن هذا على سبيل التنويع، فإن الإنسان في بعض الأحيان يغسل قدميه، وفي بعض الأحيان يترك غسل قدميه، هذا بالنسبة للكيفية الكاملة.

    وأما بالنسبة للكيفية المجزئة فهي أن ينوي ويعم بدنه بالماء ويتمضمض ويستنشق، إذا عم بدنه بالماء ومضمض واستنشق كفى ذلك، وسواء تمضمض في أول الغسل أو في أثناء الغسل أو في آخر الغسل يحصل له ارتفاع الحدث.

    قال المؤلف رحمه الله: (وتسن التسمية).

    تقدم الكلام عن التسمية .. إلخ.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويدلك بدنه بيديه ويفعل كما روت ميمونة .. إلخ).

    يدلك بدنه بيديه, الدلك هذا مستحب، وقد ورد عن الإمام مالك رحمه الله أنه أوجبه، ويحمل ما ورد عن الإمام مالك رحمه الله إيجاب الدلك أنه يجب في موضع يظن أنه لا يصل إليه الماء، يعني: لو كان هناك موضع لا يصل إليه الماء فإنه يدلك, أما إذا ظن أنه وصل الماء فلا يجب الدلك.

    مثلاً: يدلك ظهره أو بطنه أو رجليه .. إلخ، المهم يكفي في ذلك الظن؛ ولذلك في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( حتى إذا ظن أنه روى بشرته )، فإذا حصل الظن فإن ذلك كاف.

    نقض الشعر في الغسل

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يجب نقض الشعر في غسل إذا روى أصوله].

    ويدل لذلك حديث أم سلمة أنها قالت: ( يا رسول الله! إني أشد ظفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين )، وهذا في صحيح مسلم .

    وقول المؤلف رحمه الله: (ولا يجب نقض الشعر في غسل الجنابة) يفهم من كلامه أنه يجب النقض في غسل الحيض والنفاس، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    والصواب في هذا أنه لا يجب نقض الشعر لا في غسل الجنابة، ولا في غسل الحيض؛ ويدل لذلك أيضاً ما في صحيح مسلم : ( أن أم سلمة رضي الله تعالى عنه قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: أفأنقضه للحيضة؟ قال: لا. لما سألته عن غسل الجنابة قال: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين ).

    وأيضاً في صحيح مسلم : ( لما سألته عن الحيضة قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا ).

    الغسل عن الحدثين الأكبر والأصغر

    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا نوى بغسله الطهارتين أجزأ عنهما].

    النية في الغسل لها صور:

    الصورة الأولى ذكرها المؤلف رحمه الله قال: (أن ينوي بغسله الطهارتين) يعني: هذا الإنسان اغتسل ونوى بغسله أن يرفع الحدث الأكبر والحدث الأصغر، عليه مثلاً جنابة من خروج مني أو عن جماع، أو امرأة حائض أو نحو ذلك، فهذا إذا نوى بغسله الحدثين الأكبر والأصغر فإنهما يرتفعان، هذه الصورة الأولى.

    الصورة الثانية: أن ينوي رفع الحدث الأكبر، هل يرتفع الأصغر أو لا يرتفع الأصغر؟

    فالمشهور من المذهب أنه لا يرتفع الأصغر، يعني: عمم بدنه بالماء وقد نوى أن يرفع الحدث الأكبر فإن الأصغر لا يرتفع، فيجب عليه أن يتوضأ.

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إذا نوى رفع الأكبر فإنه يرتفع الأصغر، وهذا هو الصواب في هذه المسألة، فنقول: إذا نوى أن يرفع الحدث الأكبر فإنه يرتفع حدثه الأصغر، وعلى هذا إذا نوى أن يغتسل من الجنابة فإنه يرتفع حدثه الأكبر والأصغر ويرتفع بذلك.

    الصورة الثالثة: أن ينوي غسلاً مسنوناً، فإنه يجزئ عن الغسل الواجب، مثلاً: الإنسان استيقظ يوم العيد وعليه جنابة، واغتسل غسل العيدين، غسل العيدين غسل مستحب، فإنه يرتفع الواجب، ويجزئ هذا المسنون عن الواجب.

    الصورة الرابعة: أن ينوي غسلاً واجباً فإنه يكفي عن الغسل المسنون، مثلاً لو استيقظ يوم العيد وهو جنب، واغتسل من جنابة فإن هذا يكفيه عن الغسل المستحب.

    ومثل ذلك أيضاً: لو استيقظ يوم الجمعة ووجد أن عليه جنابة، واغتسل ينوي به غسل الجمعة وغسل الجنابة نقول: بأن هذا كاف، فإن نوى غسل الجنابة نقول: بأن هذا يكفي؛ لأن هذا من باب تداخل العبادات. وتداخل العبادات الضابط في ذلك: أن العبادة الثانية إذا كانت غير مقصودة لذاتها فإنها تندرج تحت العبادة الأولى، فالمقصود من ذلك تعميم البدن والنظافة، تطهير البدن وتنظيفه، فيكفيه غسل واحد.

    الصورة الخامسة: أن ينوي رفع الحدث ويطلقه، فنقول: يرتفع الحدثان عنه، يرتفع الحدث الأصغر وكذلك أيضاً الحدث الأكبر.

    التيمم عن الحدثين الأكبر والأصغر

    قال: [وكذلك لو تيمم للحدثين والنجاسة على بدنه أجزأ عن جميعها].

    لو تيمم للحدثين، الإنسان عليه حدث أكبر وعليه حدث أصغر، وعليه نجاسة على بدنه، فتيمم ينوي بهذا التيمم الحدث الأكبر والأصغر والنجاسة، يقول المؤلف رحمه الله: يجزئ.

    وقول المؤلف رحمه الله: (والنجاسة على بدنه أجزأ) يؤخذ من كلامه أن التيمم عن النجاسة التي على البدن مشروع، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    والصواب: أنه لا تيمم عن النجاسة، التيمم إنما ورد عن الحدث إما أكبر وإما أصغر، أما التيمم عن النجاسة التي على البدن فإن هذا غير مشروع, ولم يرد دليل في ذلك.

    فنقول: النجاسة التي على البدن يشرع للإنسان أن يزيلها، فإذا لم يتمكن أن يزيلها يخففها ما استطاع، أما كونه يتيمم عنها فنقول: بأن هذا غير مشروع.

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن نوى بعضها فليس له إلا ما نوى].

    يعني: مثلاً نوى الحدث الأكبر لا يرتفع الأصغر، والصواب: أنه إذا نوى في التيمم أو بالغسل الحدث الأكبر فإنه يرتفع الحدث الأصغر، هذا هو الصواب.

    أما التيمم عن النجاسة فتقدم أنه غير مشروع، وإذا نوى بتيممه الحدث الأصغر فإنه لا يرتفع الحدث الأكبر، أو توضأ عن الحدث الأصغر فهذا ظاهر لا يرتفع الأكبر.

    وقول المؤلف رحمه الله: (وإن نوى بعضها فليس له إلا ما نوى). هذا ليس على إطلاقه، بل نقول: إذا نوى الأكبر فإنه يندرج تحته الأصغر، فإن ارتفع الأكبر ارتفع الأصغر، إذا تيمم عن الأكبر فإنه يرتفع الأصغر، أما لو تيمم عن الأصغر نوى بتيممه فقط الحدث الأصغر فإنه لا يرتفع الأكبر، انتهى الباب.

    قراءة القرآن للجنب والحائض والنفساء

    قبل أن ننتقل إلى باب التيمم بقي علينا مسألتان تتعلقان بالغسل.

    تقدم أن المحدث يحرم عليه الصلاة ومس المصحف والطواف على خلاف كما ذكرناه، ومن عليه جنابة يحرم عليه قراءة القرآن, أما بالنسبة للحائض والنفساء فالصواب: لا تحرم القراءة عليها، فعندنا جنب، وعندنا حائض أو نفساء، فالجنب إذا خرج منه المني أو حصل منه الجماع هل يحرم عليه قراءة القرآن أو لا يحرم عليه قراءة القرآن؟

    جمهور أهل العلم أن قراءة القرآن محرمة عليه؛ ويدل لذلك حديث علي رضي الله تعالى عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً ) أخرجه الترمذي .

    واختلف أهل العلم رحمهم الله في إثباته، هل هو ثابت أو ليس ثابتاً؟ فصححه جمع من أهل العلم منهم ابن حبان ، وأيضاً الشيخ أحمد شاكر , حسنه الحافظ ابن حجر ، صححه ابن السكن والإشبيلي ، بعض العلماء ضعفه, مثل الشافعي والبيهقي والنووي ، وعلته عبد الله بن سلمة فإنه كبر وتغير، وهذا الحديث مما روي عنه بعد تغيره. وأيضاً: مما يدل أنه لا يجوز أنه ورد عن علي رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح في الدارقطني , وعلي من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بأخذ سنته: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ )، وأيضاً ورد من حديث ابن عمر لكن هذه الأحاديث ضعيفة. لكن عندنا أثر علي رضي الله تعالى عنه.

    وأما الذين قالوا بالإباحة أن الجنب يجوز له أن يقرأ القران، استدلوا بأن القران فعل خير, والله عز وجل أمر به، وليس هناك دليل على المنع: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45]، ( اقرأ القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه )، وهذا يشمل الجنب وغيره، ولم يأت دليل عليه.

    لكن الأحوط في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، ويكفي في ذلك -إذا قلنا بأن الحديث لا يثبت- وروده عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

    أما الحائض والنفساء فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والإمام مالك قالا: إنه يجوز لهما قراءة القرآن، خلافاً لجمهور أهل العلم، وهذا القول هو الصواب؛ لأن الحديث في ذلك حديث ابن عمر : ( لا يقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن ) هذا ضعيف لا يثبت، ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه منع من ذلك.

    وقراءة القرآن فعل خير, قد أمر الله عز وجل به، وكذلك أيضاً أمر النبي صلى الله عليه وسلم: ( اقرأ القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45].

    فالصواب في ذلك: أن الحائض والنفساء يجوز لهما قراءة القرآن، لكن مس المصحف كما تقدم لنا لا يجوز، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يجب على الحائض أن تقرأ القرآن إذا خشيت نسيانه.

    غسل الجنب أو وضوءه قبل الأكل والشرب

    المسألة الأخيرة: من عليه جنابة يستحب له أن لا يأكل أو يشرب حتى يغتسل أو يتوضأ، كما ورد بذلك حديث عائشة وحديث عمار رضي الله تعالى عنهما، فنقول: من عليه جنابة يستحب له أن لا يأكل ولا يشرب حتى يغتسل أو يتوضأ.

    كذلك أيضاً: إذا أراد أن يعاود الوطء يجامع مرة ثانية يستحب له أن لا يطأ حتى يتوضأ أو يغتسل.

    وأما بالنسبة للنوم فإنه يكره للإنسان أن ينام على جنابة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بذلك كما في حديث عمر رضي الله تعالى عنه.