إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الطهارة [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الإسلام بالطهارة من الحدث والنجس, والطهارة من النجاسة تشمل البدن والثوب والمكان, فإذا وقعت النجاسة في شيء من ذلك وجب إزالتها بالماء, واختلف الفقهاء في حكم إزالتها بغير الماء. ومن الطهارة الاستنجاء, وله آداب شرعية علمها النبي صلى الله عليه وسلم أمته, ف

    1.   

    تابع الآنية

    تقدم لنا شيء من أحكام الآنية، وذكرنا ما يتعلق بالآنية, وما يتعلق بالأكل والشرب في آنية الذهب والفضة.

    وأيضاً: استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب.

    وأيضاً: ما يتعلق باتخاذ آنية الذهب والفضة, هل هو جائز أو ليس جائزاً؟

    وأيضاً: ما هو الأصل في الآنية؟ وذكرنا الدليل على ذلك.

    وأيضاً حكم المضبب بالفضة, ومتى يجوز الأكل فيه إناء مضبب بالفضة ومتى لا يجوز؟ وذكرنا شروط ذلك.

    ثم بعد ذلك تكلمنا في آخر شيء عن جلد الميتة، هل يطهر بالدبغ أو لا يطهر بالدبغ, وذكرنا آراء العلماء رحمهم الله في هذه المسألة.

    وظهر لنا ما دل عليه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دبغ الإهاب فقد طهر ), أو: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ), وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا في صحيح مسلم .

    فهذا يدل على أن كل جلد يدبغ فإنه يطهر بالدبغ، لكن يبقى معنا أن في حديث أبي المليح بن أسامة رضي الله تعالى عنه ( أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن جلوع السباع ). وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن الجارود وغيرهم, وإسناده صحيح ثابت.

    وأيضاً: حديث معاوية رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ركوب النمور )، النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود النمور أن تركب, فكونه يطهر جلد السبع بالدبغ هذا لا يدل على أن الإنسان له أن يستعمله، لكن لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن جلود النمور كما تقدم؛ كما في حديث أبي المليح بن أسامة , وأيضاً في حديث معاوية رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن جلود النمور أن تركب ), وهذان الحديثان ثابتان، فلا يلزم من الطهارة جواز الاستعمال؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عنها.

    1.   

    النجاسات

    قال المؤلف رحمه الله: [وكل ميتة نجسة إلا الآدمي وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر (هو الطهور ماؤه, الحل ميتته)].

    هنا شرع المؤلف رحمه الله في ذكر أشياء من النجاسات، وسنذكر ضوابط لهذه النجاسات وما عداها فإنه يكون طاهراً؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة، كما تقدم في قول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، وأيضاً قوله: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن:10]، فعندنا ضوابط للأشياء النجسة، بدأ المؤلف رحمه الله في ذكر شيء منها، وسنكملها إن شاء الله، وما عدا ذلك يتبين لنا طهارته.

    الخمر

    الضابط الأول: الخمر؛ وهو كل مسكر من أي شيء كان، سواء كان من نبيذ العنب، أو من نبيذ التمر أو الشعير أو غير ذلك. هذا هو الصواب في هذه المسألة.

    ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل مسكر خمر، وكل خمر حرام )، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم على أن كل مسكر خمر.

    فنقول: الخمر تعريفه هو كل مسكر من أي شيء كان؛ ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل مسكر خمر، وكل خمر حرام ).

    هذا الخمر اختلف فيه العلماء رحمهم الله هل هو طاهر أو نجس على رأيين:

    فالرأي الأول: أن الخمر نجس؛ وهذا قال به جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة؛ واستدلوا على ذلك بأدلة، من أدلتهم أن الله عز وجل قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ [المائدة:90]، والرجس هو النجس.

    وكذلك أيضاً استدلوا بأن الله عز وجل قال في خمر أهل الجنة: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان:21]، فكون الله عز وجل يصف خمر الجنة بأنه طهور يدل على أن خمر أهل الدنيا نجس.

    والرأي الثاني: قالوا بأن الخمر طاهرة؛ والدليل على ذلك: أن الخمر كانت مباحة في أول الإسلام، ثم بعد ذلك حرمت، لما حرمت لم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن يغسلوا أوانيهم، أو أن يغسلوا ثيابهم؛ لأن شارب الخمر سيصيب هذا الخمر شيئاً من أوانيه وثيابه.. إلخ.

    وكذلك أيضاً استدلوا على ذلك قالوا: بأن الخمرة لما حرمت خرج بها الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأراقوها في طرق المدينة وأزقتها، فلو كانت نجسة لم يفعلوا ذلك؛ لأن الشارع نهى عن البول في الطرقات كما سيأتينا إن شاء الله في آداب قضاء الحاجة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟! قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم ) رواه مسلم .

    وكذلك أيضاً استدلوا بقصة صاحب الراوية، فإن رجلاً جاء للنبي عليه الصلاة والسلام براوية خمر، كما في الصحيح، فأهداها للنبي عليه الصلاة والسلام فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام أن الخمر قد حرمت, وفي هذا الحديث أن صاحب هذه الراوية شقها وأراقها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم, فلو كانت نجسة لما أراقها بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام.

    وهذا القول ذهب إليه جماعة من أهل العلم، منهم الليث بن سعد والمزني وغيرهم من أهل العلم، وهذا القول هو الأقرب, فالأقرب في الخمر أنها طاهرة، وأنها ليست نجسة.

    وأما بالنسبة لما استدل به الجمهور من قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90] فإن المراد بالنجاسة هنا النجاسة المعنوية؛ بدليل أن الله عز وجل قرن الخمر بالميسر والأزلام.. إلخ؛ فيدل ذلك على أن هذه النجاسة نجاسة معنوية.

    وكذلك أيضاً: قول الله عز وجل في شراب أهل الجنة: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان:21] هذا لا يدل على نجاسة خمر الدنيا، وإنما هذا وصف لخمر أهل الجنة، وأحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا، وكذلك أيضاً أحوال الدنيا لا تقاس بأحوال الآخرة.

    الميتة

    الضابط الثاني: ما أشار إليه المؤلف رحمه الله بقوله: (كل ميتة نجسة). فكل ميتة نجسة, والميتة: هي كل ما مات حتف أنفه، أو ذكي ذكاة غير شرعية.

    فنقول: الضابط الثاني من ضوابط النجاسات: كل ميتة نجسة، يستثنى من ذلك ما يلي:

    الأول: الآدمي، فالآدمي ميتته طاهرة حتى لو كان كافراً، ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن المؤمن -وفي لفظ: المسلم- لا ينجس ).

    وهذا الحديث في الصحيحين، حديث أبي هريرة : ( إن المؤمن لا ينجس )فهذا يدل على أن المؤمن طاهر، حياً وميتاً، وكذلك أيضاً الكافر طاهر؛ والدليل على ذلك أن الله عز وجل أباح لنا طعام أهل الكتاب ونساءهم، ولا شك أن المسلم إذا تزوج بالنصرانية أو باليهودية سيفعل بزوجته, الله عز وجل يقول: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5], فهذا يدل على طهارة الآدمي إذا كان كافراً، فنقول: نستثنى من الميتات ميتة الآدمي، فإنها طاهرة.

    قال: (وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه).

    هذا الأمر الثاني: حيوان البحر، حيوان البحر هذا ميتته طاهرة؛ والدليل على ذلك قول الله عز وجل: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة:96]، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: صيد البحر ما أخذ حياً، وطعامه ما أخذ ميتاً، وأيضاً يدل لذلك ما استدل به المؤلف رحمه الله من قول النبي صلى الله عليه وسلم في حيوانات البحر: ( الحل ميتته ) , فهذا دليل على أن حيوان البحر ميتته طاهرة ولا بأس بها.

    الثالث مما يستثنى من هذا الضابط: ما لا نفس له سائلة؛ فكل ما لا نفس له سائلة فهو طاهر، ويدخل في هذا أشياء كثيرة، مثل: الذباب، البق، البعوض، يعني: كل شيء إذا قتلته لا يخرج منه الدم فهو طاهر.

    وسيأتينا أيضاً أن ما خرج منه فهو طاهر أيضاً، فعندك الذباب، والبعوض، والبق، والعنكبوت، والفراش، والعقرب والخنفساء والجعل.. إلخ، كل هذه الأشياء طاهرة، في حال الحياة وفي حال الممات؛ ويدل لذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ) , فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بغمسه، هذا مما يدل على طهارته.

    ما خرج من محرم الأكل

    الضابط الثالث: نقول: ما خرج من محرم الأكل فهو نجس، لكن نستثني من ذلك أشياء, فنستثني بالنسبة للآدمي لعابه، فريق الآدمي طاهر، وكذلك مخاطه ولبنه، ومنيه، وعرقه، وكذلك رطوبة فرج المرأة هذه أيضاً طاهرة, أما الدم فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.

    أيضاً مما يستثنى: ما خرج مما لا نفس له سائلة؛ فنقول: بأن هذا طاهر, فالذي يخرج من الذباب أو العنكبوت أو الجعل.. إلخ، نقول: بأن هذا طاهر.

    كذلك أيضاً بالنسبة لما يشق التحرز عنه؛ مثل الفأرة, مثل الهرة, مثل الحمار .. إلخ، نقول: ريق الهرة طاهر، ريق الفأرة طاهر، عرق الهرة طاهر، عرق الفأرة طاهر، أيضاً عرق الحمار والبغل طاهر، ريق البغل والحمار وما يخرج من أنفه هذه الأشياء نقول: بأنها طاهرة.

    فنقول: الضابط الثالث: ما خرج من محرم أكله هو نجس إلا ما ذكرنا أنه طاهر، ما استثنيناه بالنسبة للآدمي, وما استثنيناه أيضاً بالنسبة لما لا نفس له سائلة، وما استثنيناه أيضاً بالنسبة لما يشق التحرز عنه.

    كل حيوان محرم الأكل

    الضابط الرابع: نقول: كل حيوان محرم الأكل فهو نجس, يستثنى من ذلك الآدمي، وتقدم الدليل على ذلك، ونستثني أيضاً ما لا نفس له سائلة أيضاً طاهر، وتقدم الدليل على ذلك، ونستثني أيضاً ما يشق التحرز عنه أيضاً هذا طاهر؛ ويدخل في هذا الأشياء التي تكثر التطواف على بني آدم, فهذه طاهرة؛ كالهرة، والفأرة، والحمار, والبغل.

    وبينا معنى طهارة هذه الأشياء، يعني أن عرقها طاهر كما تقدم، أن ريقها طاهر، أن ما يخرج من أنفها طاهر، أما بالنسبة لما يخرج منها من البول .. إلخ فهذا نجس كما سبق فيما خرج من محرم الأكل.

    كل جزء انفصل من حيوان طاهر حال الحياة

    الضابط الخامس: نقول: كل جزء انفصل من حيوان طاهر في حال الحياة فهو نجس, ونستثني من ذلك أشياء, أولاً ما هو الحيوان الطاهر بحال الحياة؟ نقول: الحيوان الطاهر في حال الحياة يشمل أموراً:

    الأمر الأول: مأكول اللحم، إذا كان الحيوان مأكول اللحم مثل: الضأن, مثل البقر, مثل الإبل, مثل الدجاج .. إلخ، هذا حيوان طاهر في حال الحياة.

    الثاني: ما يشق التحرز عنه؛ مثل الفأرة مثل الهرة .. إلخ، هذا حيوان طاهر في حال الحياة, بحيث إن هذه الأشياء لو ماتت فهي نجسة، لكن في حال الحياة هي طاهرة، فالحيوان الطاهر بحال الحياة يشمل هذين الأمرين.

    فالأجزاء التي تنفصل من هذا الأشياء نقول: بأنها نجس؛ فمثلاً: إذا قطعت من الشاة يدها، نقول: بأن هذه اليد نجسة؛ لأنا ذكرنا الضابط: كل جزء انفصل من حيوان طاهر في حال الحياة فهو نجس.

    فإذا قطعت يد شاة مثلاً أو يد بقرة .. إلخ فنقول: بأن هذه الأشياء نجسة, يستثنى من ذلك: الشعر، والوبر، والريش، والصوف, والأظلاف، والقرون، هذه كلها طاهرة.

    يعني: إذا أخذنا الشعر من المعز, أو الصوف من الضأن أو الأظلاف أو القرون ونحو ذلك من هذه الحيوانات في حال الحياة، فنقول: بأنها طاهرة.

    الدم

    الضابط الأخير: الدم؛ والدم هذا تحته أقسام:

    القسم الأول: الدم المسفوح الذي يخرج عند التذكية؛ فنقول: الدم الخارج عند التذكية نجس؛ ويدل لذلك قول الله عز وجل: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام:145].

    القسم الثاني: الدم الخارج من فرج الإنسان، فهذا أيضاً نقول بأنه نجس؛ ويدل لذلك حديث أسماء رضي الله تعالى عنها لما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الدم يصيب الثوب، هل تصلي فيه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيها ).

    القسم الثالث: الدم الذي يبقى في الحيوان بعد تذكيته؛ فمثلاً إذا ذبح الإنسان شاة شاة أو بعيراً أو بقرة، وبقي شيء من هذا الدم في هذا الحيوان، نقول: بأنه طاهر.

    القسم الرابع: الدم الخارج من الحيوان غير المأكول، أو من المأكول حال الحياة، نقول: هذا نجس؛ فلو مثلاً شاة، وخرج منها دم نقول: هذا الدم نجس؛ ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما أبين من حي فهو كميتته )، فهذا الخارج كميتة هذه الشاة، أي: إذا خرج منها هذا الدم فنقول بأن هذا الدم نجس، كما أن ميتة هذا الحيوان نجسة، فكذلك أيضاً ما خرج منه فهو نجس.

    القسم الخامس: ما خرج مما لا نفس له سائلة؛ فهذا طاهر.

    القسم السادس: ما خرج من حيوان البحر؛ هذا أيضاً نقول بأنه طاهر.

    القسم السابع: ما خرج من بدن الإنسان, فإذا جرح الإنسان ثم خرج منه دم، هل هذا الدم طاهر أو نجس؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم، فأكثر العلماء على أنه نجس، وحكي الإجماع على ذلك.

    والرأي الثاني: أنه طاهر؛ وهذا يشير إليه قول الحسن البصري رحمه الله: كانوا يصلون في جراحاتهم, وأيضاً اختيار الشوكاني رحمه الله.

    فالدم الخارج من بقية جسد الإنسان غير الفرج هل هو طاهر أو نجس؟

    نقول: الرأي الثاني: أنه طاهر, وهذا القول هو الأقرب.

    ويدل لذلك أن أجزاء الآدمي طاهرة، لو قطعت يد من الآدمي, النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( ما أبين من حي فهو كميتته ) فيد الآدمي لو قطعت هل هي طاهرة أو نجسة؟ طاهرة، يد الآدمي هذه طاهرة لأنها كميتته: ( ما أبين من حي فهو كميتته ) , وميتة الآدمي تقدم لنا أنها طاهرة، فإذا كانت هذه اليد طاهرة، فكذلك أيضاً هذا الدم أيضاً طاهر.

    ومما يدل لذلك أيضاً: أن سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه جرح في غزوة الخندق، وضرب له النبي عليه الصلاة والسلام قبة في المسجد لكي يعوده من قريب، فانطلق دمه ذات يوم وسال في أرض المسجد.

    وأيضاً مما يدل على ذلك: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يغزون الغزوات مع النبي عليه الصلاة والسلام، وأيضاً مع غير النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعهد عنهم أنهم كانوا ينظفون أسلحتهم أو أبدانهم أو ثيابهم مما يصيبهم من الدماء.

    فالأقرب في الدماء الخارجة من بقية بدن الإنسان أنها طاهرة.

    وأيضاً مما يدل لذلك ما تقدم لنا أن المني طاهر؛ لأنه أصل الإنسان، أصل الشهداء والرسل والأنبياء، هذه النطفة تتحول إلى علقة، تتحول إلى قطعة دم. فالأقرب في ذلك هو القول بطهارة هذه الدماء.

    ما لا نفس له سائلة مما كان متولداً من النجاسات

    قال المؤلف رحمه الله: [وما لا نفس له سائلة إذا لم يكن متولداً من النجاسات].

    والصواب أن كل ما لا نفس له سائلة طاهر حتى ولو كان متولداً من النجاسة؛ لأن عندنا مسألة وهي: هل النجاسة تطهر بالاستحالة أو لا تطهر بالاستحالة؟ يعني: إذا كان عندنا نجاسة عينية، يعني: ذات هذا الشيء، هذا الشيء عينه وذاته نجسة، هل تطهر بالاستحالة -يعني إذا انقلبت من عين إلى عين أخرى- أو لا؟

    في ذلك رأيان للعلماء رحمهم الله, والصواب في هذه المسألة أن النجاسة العينية تطهر بالاستحالة، فإذا كان عندنا عذرة، وهذه العذرة احترقت وأصبحت رماداً فإنها تطهر بالاستحالة.

    كذلك أيضاً ما لا نفس له سائلة: نقول: بأنه طاهر حتى ولو كان متولداً من النجاسة، مثل: صراصير الكنف، صراصير الكنف هذه متولدة من النجاسات، متولدة من العذرة، يقول المؤلف رحمه الله: هذه الصراصير إذا كان أصلها النجاسة فإنها ليست طاهرة, والصواب: أنها طاهرة؛ لأن النجاسة هنا استحالت وانقلبت من عين إلى عين أخرى.

    وتقدم لنا أن النجاسة عين مستقذرة شرعاً إذا تغيرت بأي مغير فإن الحكم يتغير معه؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا زالت النجاسة بأي مزيل، سواء كان ذلك بالاستحالة, سواء كان ذلك بالماء, سواء كان ذلك بغير الماء .. إلخ، فإن الحكم يزول معه، وينتفي الخبث, ونقول: بأن المحل قد طهر.

    كذلك أيضاً: هذه الصراصير الآن وإن كان أصلها العذرة، لكنها انقلبت من عين إلى عين أخرى.

    فالصواب أن ما لا نفس له سائلة طاهر, وعلى هذا نقول: بأن هذه الصراصير التي توجد في الكنف تكون متحولة من العذرة, نقول بأنها طاهرة.

    1.   

    قضاء الحاجة

    قال المؤلف رحمه الله: [باب قضاء الحاجة].

    قول المؤلف رحمه الله: باب قضاء الحاجة، المراد بذلك الأحكام المتعلقة بقضاء الحاجة من البول أو الغائط.

    وعبر المؤلف رحمه الله عما يتعلق بإخراج البول أو الغائط بقوله: (باب قضاء الحاجة)، فبعض العلماء يعبر بقوله: باب الاستنجاء والاستجمار، وبعضهم يعبر فيقول: باب الاستنجاء وآداب التخلي.

    إذا أراد المسلم أن يقضي حاجته من بول أو غائط فهناك آداب قولية وفعلية، وهناك أيضاً شروط لما يتعلق به قضاء حاجته وتطهير المحل، تعرض لها العلماء رحمهم الله في مثل هذه الأبواب.

    البسملة عند دخول الخلاء

    قال المؤلف رحمه الله: [يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله].

    حكى النووي الاتفاق على أنه يستحب للإنسان إذا أراد أن يدخل الخلاء -أي: البيت المعد لقضاء الحاجة- أن يقول: بسم الله؛ وهذا دليله حديث علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الكنيف أن يقول: بسم الله ).

    وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه وهو ضعيف، وله شواهد من حديث أنس رضي الله تعالى عنه, وكذلك أيضاً من حديث ابن مسعود ومن حديث معاوية بن حيدة لكن هذا الحديث ضعيف، ومع ذلك النووي رحمه الله حكى الاتفاق على ذلك، وأنه يستحب للإنسان إذا أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله.

    الاستعاذة

    قال المؤلف رحمه الله: [أعوذ بالله من الخبث والخبائث].

    أيضاً هذا الأدب الثاني: أن يقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث؛ وهذا دل عليه حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث ).

    والخبث: هو الشر، والخبائث: هم أهله، فكأن الإنسان استعاذ من الشر وأهله، هذا أحسن ما قيل في تفسير الخبث والخبائث.

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم].

    يعني: تقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم، هذا الأدب الثالث أيضاً, تستعيذ من الرجس النجس الشيطان الرجيم.

    هذا دل له حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ), وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه وهو ضعيف، وعلى هذا ما يثبت فيه سنة، ما دام أنه ضعيف، لا يستحب للإنسان أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم؛ لأن هذا الحديث ضعيف لا تثبت به السنة.

    قول غفرانك عند الخروج من الخلاء

    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا خرج قال: غفرانك].

    هذا الأدب الرابع, ويدل له حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك ), وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي ، وإسناده صحيح.

    وعلى هذا يستحب للإنسان إذا خرج من الخلاء أن يقول: غفرانك, وما مناسبة قول: غفرانك عند الخروج من الخلاء؟

    قال بعض العلماء: المناسبة في قول: (غفرانك) أنه انحبس هذه الفترة عن ذكر الله عز وجل، فيستغفر الله عز وجل, لما انحبس هذه الفترة عن ذكر الله عز وجل فإنه يطلب الله عز وجل أن يغفر له.

    وقال ابن القيم رحمه الله: المناسبة أن هذا من باب تذكر الشيء بالشيء، وأن الإنسان لما تخفف من أذية الجسم تذكر أذية الإثم، فسأل الله عز وجل أن يخفف عنه أذية الإثم كما حصل له التخفف من أذية الجسم.

    وهذا القول هو الصواب، يعني: ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله أن مناسبة قول غفرانك أنه من باب تذكر الشيء بالشيء.

    قول: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني

    قال المؤلف رحمه الله: [الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني].

    هذا الأدب الخامس, يقول: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني؛ وهذا دليله حديث أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء يقول: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني )، وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه , وهو ضعيف لا يثبت، وعلى هذا لا تثبت به هذه السنة.

    تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء واليمنى عند الخروج

    قال المؤلف رحمه الله: [ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج].

    هذا الأدب السادس: أنك إذا أردت دخول بيت الخلاء تقدم رجلك اليسرى دخولاً، واليمنى خروجاً.

    وقد حكى النووي رحمه الله الإجماع على ذلك، وأنه يستحب للإنسان إذا أراد دخول الخلاء -يعني: بيوت الخلاء التي يقضى فيه الحاجة- أن يقدم رجله اليسرى دخولاً، وأن يقدم رجله اليمنى خروجاً.

    وعندنا نقول: السنة دلت على أن ما كان من قبيل الإكرام فإنه تقدم فيه اليمنى، سواء كانت يداً أو رجلاً, وما كان من قبيل الإهانة فإنه تقدم فيه اليسرى، يداً كان أو رجلاً، وما تردد بينهما فالأصل في ذلك اليمنى.

    وعلى هذا فنقول الأقسام ثلاثة:

    القسم الأول: ما كان من قبيل الإكرام فإننا نقدم اليد اليمنى والرجل اليمني، وما كان من قبيل الإهانة فإننا نقدم اليد اليسرى والرجل اليسرى، ما تردد فإن الأصل أن يقدم الإنسان اليمين.

    ويدل لهذه القاعدة التي أشرنا إليها وذكرها أهل العلم رحمهم الله حديث أبي قتادة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه )، وإنما يتمسح بالشمال، وهذا الحديث في الصحيحين؛ لأن كونه يمسك الذكر باليمين وهو يبول مظنة أن يصيب اليمين شيء من البول, كذلك أيضاً لا يتمسح لا يستنجي ولا يستجمر باليمين، وإنما يستجمر بالشمال؛ لأن هذا من قبيل الإهانة.

    وكذلك أيضاً في حديث أنس أنه قال: ( من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى ) , وهذا الحديث أخرجه الحاكم وغيره، وإسناده صحيح ثابت.

    وكذلك أيضاً: ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة : ( إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ باليسرى )، لماذا يبدأ باليمنى إذا انتعل؟ لأن الانتعال من قبيل الإكرام، لأنه حفظ ووقاية وصيانة للرجل, وأما الخلع -خلع النعل- هذا ليس من قبيل الإكرام؛ لأنه إزالة لهذه الوقاية والستر والحماية، فالسنة إذا انتعل الإنسان أن يبدأ باليمنى، وإذا خلع أن يبدأ باليسرى.

    وكذلك أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا لبستم وتوضأتم فابدءوا بميامنكم )؛ لأن اللبس هنا فيه ستر ووقاية وحماية .. إلخ.

    فنقول: هذه الأدلة دالة لهذه القاعدة.

    وإذا تردد الإنسان بين أمرين لم يتضح له هل من قبيل الإكرام أو من قبيل الإهانة فليبدأ باليمنى؛ ( لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعجبه التيمن ) كما تقدم لنا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.

    حكم إدخال شيء فيه ذكر الله إلى الخلاء

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يدخله بشيء فيه ذكر الله تعالى إلا من حاجة].

    الأدب السابع: إذا أردت دخول بيت الخلاء، يعني دورة المياه لا تدخل بشيء فيه ذكر الله، فإذا كان معك أوراق، أو معك نقود أو نحو ذلك لا تدخل فيها إلى بيت الخلاء.

    ويستدلون على ذلك بحديث أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد دخول بيت الخلاء وضع خاتمه، وكان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم مكتوباً فيه: الله .. محمد .. رسول ) هكذا في الأعلى الله، ثم محمد، ثم رسول. فقالوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء وضع خاتمه, لكن هذا الحديث ضعيف، وعلى هذا ما نقول بأن الإنسان يكره له أن يدخل بيت الخلاء بشيء فيه ذكر الله عز وجل, فإذا كان الإنسان معه أوراق، وفيها شيء من ذكر الله, يعني أسماء الله عز وجل مثل الله أو الرحمن أو نحو ذلك، فإن هذا لا بأس به إن شاء الله؛ لأن هذا الحديث الذي استدلوا به حديث أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد دخول الخلاء وضع خاتمه ) أخرجه أبو داود , لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    كيفية الجلوس عند قضاء الحاجة

    قال المؤلف رحمه الله: [ويعتمد في جلوسه على رجله اليسرى].

    هذا الأدب الثامن: يعني: إذا أردت أن تقضي الحاجة، فإن اعتمادك سيكون على رجلك اليسرى، وهذا اتفاق الأئمة، فالحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة يستحبون هذا, أن يعتمد الإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته على رجله اليسرى.

    واستدلوا على ذلك بحديث سراقة بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: ( علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى ) وهذا أخرجه الطبراني في معجمه وهو ضعيف، لكن إن كان هناك فائدة صحية فيقال: هذا هو الأولى، أما كونه سنة يعمل بها الإنسان ويقصدها لأنها واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم فنقول: هذا لم يرد فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    البعد والاستتار

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن كان في الفضاء أبعد واستتر].

    هذا الأدب الثامن من آداب قضاء الحاجة، أن الإنسان ينبغي له أن يستتر، والاستتار ينقسم إلى قسمين عند قضاء الحاجة:

    القسم الأول: استتار واجب؛ وهو أن يستر عورته؛ لقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المؤمنون:5]، ومن حفظ الفرج أن يحفظه الإنسان عن أن ينظر إليه من لا يحل له أن ينظر إليه, فلا يجوز للإنسان أن يكشف عورته في أثناء البول أو نحو ذلك أو الاستنجاء أو الاستجمار وهناك من ينظر إليه، نقول: هذا محرم ولا يجوز.

    وأيضاً حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال: ( يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك )، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ العورة. هذا هو القسم الأول: حفظ وستر واجب.

    القسم الثاني: ستر مستحب؛ والستر المستحب أن يبتعد الإنسان حتى لا يرى شيء منه، يبتعد فلا يرى شيء من بدنه وهو يقضي حاجته، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث المغيرة في صحيح مسلم : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يقضي حاجته قال المغيرة : فأبعد حتى توارى عني ), فنقول: هذا ستر مستحب، بحيث إن الإنسان يختفي بدنه عن الناس بحيث لا يرى منه شيء.

    ارتياد موضع رخو للبول

    قال المؤلف رحمه الله: [ويرتاد لبوله موضعاً رخواً].

    يعني: يبحث عن مكان موضع لين، هذا هو الأدب التاسع، فلا يبول في أماكن قاسية, كالحجارة والصخور ونحو ذلك؛ لأن هذا ذريعة إلى أن يصيبه شيء من البول.

    ويدل لهذا الأدب سائر الأدلة في التنزه من البول، كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرأ من بوله )، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه ), فكونه يرتاد لبوله موضعاً رخواً هذا هو الأدب التاسع.

    عدم البول في ثقب أو شق

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يبول في ثقب ولا شق].

    هذا الأدب العاشر، أن الإنسان لا يعمد إلى ثقب، سواء كان في الأرض أو كان في الحقب يبول فيه؛ والدليل على ذلك: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر ), وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي وإسناده حسن.

    ومما يدل لذلك أن هذه الجحور وهذه الثقوب قد تكون مساكن لشيء من الهوام والحشرات، فتخرج عليه هذه الأشياء فيؤدي ذلك إلى تطاير شيء من النجاسة على بدنه أو ثيابه.

    فيستدل على ذلك أيضاً بما تقدم من الأدلة الدالة على أن الإنسان يتنزه من البول, فإذا بال في هذا الشق أو الجحر قد يؤدي ذلك إلى تطاير شيء من النجاسة على بدنه بسبب خروج هذه الأشياء.

    عدم البول في الطريق والظل النافع وتحت الشجرة المثمرة

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا طريق، ولا ظل نافع، ولا تحت شجرة مثمرة].

    هذا هو الأدب الحادي عشر أن الإنسان لا يبول في طريق، ولا يبول أيضاً في ظل الناس، وكذلك أيضاً في منتزهات الناس وحدائقهم، والأماكن التي يتشمسون ويجلسون فيها في فصل الشتاء، أو الأماكن التي يبيعون فيها .. إلخ.

    فالقاعدة في ذلك: أن الإنسان لا يبول في مكان يحتاج إليه الناس, هذه القاعدة؛ والدليل على ذلك قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:58]، كون الإنسان يبول في الطريق أو في ظل نافع أو تحت الأشجار التي عليها ثمار هذا فيه أذية للمؤمنين، والله عز وجل يقول: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:58].

    وأيضاً ما تقدم لنا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يبول في طريق الناس أو ظلهم ).

    عدم استقبال الشمس والقمر بالفرج

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يستقبل الشمس والقمر بفرجه].

    الإنسان في أثناء قضاء الحاجة لا يستقبل الشمس بفرجه، ولا يستقبل أيضاً القمر بفرجه؛ وهذا عليه جمهور أهل العلم قالوا: يكره أن تستقبل الشمس أو تستقبل القمر وأنت تقضي الحاجة.

    وذهب بعض العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة، وأيضاً الشوكاني أن هذا لا يكره، كون الإنسان يستقبل الشمس أو يستقبل القمر هذا لا يكره.

    الجمهور قالوا: يكره لما فيهما من نور الله، وأيضاً عللوا بعلة أخرى، قالوا: بأن الشمس والقمر معهما الملائكة فيكره ذلك، لكن عندنا حديث أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا ), وإذا استقبل الإنسان المشرق فإنه سيستقبل الشمس، الشمس تشرق من المشرق، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( شرقوا أو غربوا ).

    ولو قلنا بهذه العلة التي ذكر العلماء رحمهم الله لما فيهما من نور الله أيضاً نقول: يلزم من ذلك أيضاً أن الإنسان ما يستقبل الكواكب، أيضاً الكواكب فيها من نور الله المخلوق, فالصواب في ذلك أنه لا يكره.

    عدم استقبال القبلة

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يستقبل القبلة].

    هذا الأدب الثاني عشر: لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها أثناء قضاء الحاجة، أثناء البول أو أثناء الغائط.

    وهذه المسألة كثر فيها كلام أهل العلم رحمهم الله، لكن نلخص أهم الأقوال في هذه المسألة، يعني: استقبال القبلة حال البول وحال الغائط.

    فالمشهور من مذهب أبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم : أن استقبال القبلة حال قضاء الحاجة أو استدبارها محرم ولا يجوز، يعني: لا يجوز للإنسان أن يستقبل أو يستدبر حال قضاء الحاجة، سواء كان ذلك في الصحراء أو كان ذلك في البنيان, لا فرق بين الصحراء والبنيان, يعني مطلقاً يحرم في الصحراء وفي البنيان، يحرم الاستقبال، ويحرم الاستدبار؛ وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكذلك ابن القيم .

    واستدلوا بعمومات الأدلة الواردة في ذلك، من ذلك حديث أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط )، وهذا الحديث في الصحيحين.

    وأيضاً حديث سلمان رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم قال: ( نهانا صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ), وهذا يشمل الصحراء, وكذلك أيضاً يشمل البنيان.

    وأيضاً حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا جلس أحدكم إلى حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ). وهذا في صحيح مسلم , هذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة رحمه الله.

    الرأي الثاني: رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله من المالكية والشافعية والحنابلة, يفصلون في المسألة فيقولون: في الصحراء يحرم، يعني: إذا كان الإنسان في البر يحرم عليه أن يستقبل القبلة أو أن يستدبرها، وإذا كان في البنيان يجوز للإنسان أن يستقبل وأن يستدبر؛ مثل الآن دورات المياه، لو كان الإنسان مستقبل الكعبة أو كان مستدبراً لها هذا لا بأس به.

    هذا ما عليه الأئمة الثلاثة؛ ويستدلون عليه بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ( أنه رقي على بيت حفصة ، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الكعبة مستدبر الشام ), وقالوا: كون النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك هذا يدل على أن هذا جائز في البنيان، وأما التحريم إنما هو خاص في الصحراء.

    هذا القول الثاني: فيه تفصيل، في البنيان يجوز الاستقبال والاستدبار، في الصحراء يحرم الاستقبال والاستدبار.

    الرأي الثالث يقابل الرأي الأول: وأن هذا جائز، يجوز لك أن تستقبل، ويجوز لك أن تستدبر في البنيان وفي الصحراء، لكن مع الكراهة؛ وهذا ما ذهب إليه داود الظاهري ؛ واستدلوا على ذلك بحديث جابر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا، ثم رأيته قبل أن يموت بعام مستقبل الكعبة وهو يبول).

    ففي حديث جابر الاستقبال، وفي حديث ابن عمر السابق الاستدبار, يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا، ثم رأيته قبل أن يموت بعام مستقبل الكعبة وهو يبول), وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وإسناده ثابت.

    والأقرب في هذه المسألة أن يقال: ما ورد من استقبال واستدبار إنما هو من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والنهي عن الاستقبال والاستدبار، هذا قول من أقوال النبي عليه الصلاة والسلام؛ وعلى هذا نقول: الأحوط للمسلم أن لا يستقبل وألا يستدبر؛ لأن الأحاديث القولية أقوى من الأحاديث الفعلية، وسواء كان ذلك في الصحراء، أو كان ذلك في البنيان.

    وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن تحريم الاستقبال والاستدبار ورد في بضعة عشر حديثاً، فأدلة النهي هذه أحوط، فنقول: الأحوط للإنسان أن لا يستقبل وأن لا يستدبر.

    مسح الذكر ونتره بعد البول

    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا انقطع البول مسح من أصل ذكره إلى رأسه، ثم ينتره ثلاثاً].

    هذا الأدب الثالث عشر: أن الإنسان إذا انتهى من البول يقوم بالمسح، بمعنى أن يجعل الإبهام على الذكر، والسبابة تحت الذكر، فيقوم بالسلت, والعلة في ذلك قالوا: لكي يخرج ما تبقى من البول؛ هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: بأنه بدعة، ولم يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شيخ الإسلام رحمه الله يقول: الذكر مثل الدر -يعني مثل الضرع- إن تركته قر، وإن حلبته در، فكون الإنسان يقوم بهذا السلت هذا يسبب له سلس البول.

    فكما أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً هذا مما يكون سبباً لحدوث سلس البول، فكون الإنسان يقوم بالسلت هذا يؤدي له استمرار خروج الماء، وكما قال شيخ الإسلام: الذكر مثل الضرع إن حلبته در وإن تركته قر, وعلى هذا نقول: بأن هذا لا يشرع.

    كذلك أيضاً ما ذكره من النتر ثلاثاً، يعني: يحرك ذكره ثلاث مرات؛ لكي يخرج منه المتبقى من البول، سواء حركه بيده أو حركه بنفسه لكي يخرج ما تبقى من البول .. إلخ، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: هذا غير مشروع؛ لأن هذا كله مما يسبب الوسوسة، ويسبب للإنسان سلس البول وغير ذلك, فنقول: الصواب في مثل هذه المسائل أنها غير مشروعة.

    عدم مس الذكر باليمين عند البول وعدم الاستجمار بها

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يمس ذكره بيمينه].

    هذا الأدب الخامس عشر، أن لا يمس ذكره بيمينه؛ ودليل ذلك ما تقدم من حديث أبي قتادة في الصحيحين: ( لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ) وهذا النهي للكراهة، يعني: أهل العلم رحمهم قالوا: يكره أن يمس ذكره بيمينه وهو يبول.

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يستجمر بها].

    هذا الأدب السادس عشر، لا يستجمر بيمينه، وإنما يكون الاستجمار بالشمال، وهذا تقدم لنا وذكرنا القاعدة في هذه المسألة؛ ويدل لذلك ما تقدم من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه، وفيه قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ولا يتمسح من الخلاء بيمينه )، وهذا عند أهل العلم رحمهم الله مكروه؛ لأن هذا من باب الإرشاد والآداب.

    الاستجمار وتراً

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يستجمر وتراً].

    هذا الأدب السادس عشر: أنه يستجمر وتراً، الاستجمار أقله ثلاث مسحات إذا أنقى، فإن لم ينق فإن الإنسان يزيد رابعة وجوباً، ثم بعد ذلك يزيد خامسة استحباباً لكي يقطع على وتر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( وإذا استجمر أحدكم فليوتر ), هذا حديث أبي هريرة في الصحيحين.

    فنقول: إذا أنقى بثلاث الحمد الله، ما أنقى بثلاث يزيد رابعة وجوباً وخامسة استحباباً، إذا لم ينق بالخمس يزيد سادسة وجوباً وسابعة استحباباً.. وهكذا لكي يقطع على وتر.

    الاستنجاء بالماء أو الاقتصار على الاستجمار بالحجارة

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يستنجي بالماء, فإن اقتصر على الاستجمار أجزأه].

    إذا انتهى الإنسان من حاجته فله ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يجمع بين الاستجمار والاستنجاء، يعني: يستجمر بالحجارة وبالمناديل أولاً ثم بعد ذلك يستنجي؛ وقد ورد عن عائشة أنها قالت: ( مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء من أثر غائط, فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله )، وهذا أخرجه أبو داود والترمذي وإسناده صحيح.

    وأيضاً: هذا أبلغ في النظافة، كون الإنسان يجمع بين الاستنجاء والاستجمار هذا أبلغ.

    الحالة الثانية: أن يقتصر على الاستنجاء، فهذا أيضاً لا بأس به، وهي أقل من المرحلة التي سبقتها؛ ويدل لذلك ما في الصحيحين حديث أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى الخلاء, قال: فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء ).

    المرتبة الثالثة: أن يقتصر على الاستجمار، وهذا أيضاً لا بأس به؛ ويدل لذلك حديث ابن مسعود : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام ذهب إلى الخلاء فأتاه ابن مسعود بحجرين وروثة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروثة, وقال: هذا رجس ). وهذا في صحيح البخاري .

    شروط الاستجمار

    قال المؤلف رحمه الله: [وإنما يجزئ الاستجمار إذا لم يتعد الخارج موضع الحاجة].

    الاستجمار هذا يشترط له شروط: الاستنجاء بالماء أمره ظاهر، يعني: أن يعود المحل كما كان، يعني يتنظف المحل من أثر النجاسة ويعود كما كان, أما بالنسبة للاستجمار بالخرق أو بالمناديل أو بالتراب أو بالحجارة ونحو ذلك فهذا له شروط:

    الشرط الأول: هو ما قاله المؤلف: (إذا لم يتعد الخارج موضع الحاجة)، وما هي العادة التي ينتشر البول إليها إذا خرج من الذكر، يعني يكون عند الثقب وما حول الثقب، ما هو المكان الذي ينتشر إليه الغائط إذا خرج من الإنسان؟ فإن انتشر الغائط وتعدى الموضع الذي في العادة يصل إليه، فمثلاً إلى شيء من الصحفتين، أيضاً بالنسبة للبول تعدى إلى شيء من الحشفة, يقول المؤلف رحمه الله: إذا تعدى موضع الحاجة لا يجزئ فيه إلا الماء.

    والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه يجزئ مطلقاً، أن الاستجمار يجزئ حتى ولو تعدى الخارج موضع الحاجة؛ لأن الاستجمار رخص فيه الشارع، فإذا كان في أصله رخص فيه فلا يشدد، ولذلك الاستجمار يبقى معه شيء من النجاسة، ومع ذلك رخص الشارع في ذلك.

    فنقول: الصواب أن هذا ليس شرطاً، وأنه حتى ولو تعدى الخارج موضع الحاجة فإن هذا لا بأس به.

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات منقية].

    هذا الشرط الثاني: لا بد من ثلاث مسحات؛ ويدل على ذلك حديث سلمان رضي الله تعالى عنه وفيه: ( وأن لا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار )، فلا بد من ثلاثة أحجار، وأيضاً ما تقدم من حديث ابن مسعود : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الخلاء وأتاه ابن مسعود بثلاثة أحجار وروثة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا رجس ), فلا بد من ثلاث مسحات، هذا الشرط الثاني.

    هذا الشرط الثالث قوله: (منقية) يعني أن يكون ما يستجمر به منقياً، ما يستجمر به لا بد أن يكون منقياً, فإن كان لا ينقي فهذا لا يجزئ الاستجمار به، مثلاً لو استجمر الإنسان بزجاج، الزجاج لا ينقي، أو استجمر بحجارة ملساء مثل الرخام ونحو ذلك، هذه الأشياء لا تنقي، فلا يجزئ الاستجمار بها.

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجوز الاستجمار بكل طاهر].

    هذا الشرط الرابع: أن يكون ما يستجمر به طاهراً، وعلى هذا إذا كان نجساً فإنه لا يصح الاستجمار به؛ ويدل على ذلك ما تقدم من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه ابن مسعود بحجرين وروثة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا رجس ). يعني: هذا نجس.

    قال المؤلف رحمه الله: [ويكون منقياً إلا الروث والعظام وما له حرمة].

    هذا الشرط الخامس: أن لا يكون روثاً ولا عظاماً، فلا يجزئ الاستجمار بالروث والعظام، ما هو الدليل على ذلك؟

    الأدلة على ذلك كثيرة؛ من ذلك ما تقدم من حديث ابن مسعود : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ألقى الروثة وقال: إنها رجس ).

    وأيضاً: حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنها زاد إخوانكم من الجن ). وذلك لما اجتمع النبي بالجن وسألوه عن طعامهم فقال عليه الصلاة والسلام: ( لكم كل عظم ذكر عليه اسم الله تجدونه أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لبهائمكم )، فالعظام الذي يذكر عليها اسم الله عز وجل يجدها إخواننا الجن أوفر ما تكون لحماً، وهذا البعر يكون علفاً لبهائم الجن، فنهى الشارع أن يستنجي الإنسان بهذه الأشياء؛ لأنه يلوثها على إخوانه من الجن، ويكون فيه أذية لهم.

    قال المؤلف رحمه الله: [وما له حرمة].

    الشرط السابع: كل ما له حرمة لا يجوز الاستنجاء به، مثل طعام الآدميين, إذا كان طعام الجن لا يجزئ الاستجمار به، فطعام الآدميين من باب أولى، وهو من كفر النعمة.

    وكذلك أيضاً: إذا كان طعام بهائم الجن لا يجزئ الاستجمار به، فكذلك أيضاً طعام بهائم الإنس أيضاً لا يجزئ الاستجمار به. وكذلك أيضاً ما يتعلق بكتب العلم وغير ذلك، كل شيء له حرمة فإنه لا يجزئ أن يستجمر به.