إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الطهارة [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأصل في الماء أنه طهور إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة تحدث فيه، ولاشتباه الطاهر بالنجس صور ولكل صورة حكم معين، والأصل في الأواني إباحة استعمالها واتخاذها إلا ما حرمه الشرع كآنية الذهب والفضة.

    1.   

    تلخيص لما سبق من أحكام الطهارة

    فقد سبق لنا شيء من أحكام الطهارة، وذكرنا أن الطهارة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: طهارة معنوية. والقسم الثاني: طهارة حسية. وبينا أن بحث العلماء رحمهم الله في مثل هذه الأقوال إنما تكون في الطهارة الحسية، وأن الطهارة الحسية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: رفع الحدث. والقسم الثاني: زوال الخبث.

    ثم شرع المؤلف رحمه الله في بيان أحكام المياه، وذكرنا أيضاً أن الصواب في المياه أنها تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ماء طهور. والقسم الثاني: ماء نجس.

    وأن الأصل في المياه الطهارة؛ لقول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، وقوله سبحانه: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11]، فالأصل في الماء أنه طاهر يرفع الحدث، إلا في حالتين:

    الحالة الأولى: إذا تغير بنجاسة. فإذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة حدثت فيه فهو نجس بالإجماع، لا يرفع الحدث.

    الحالة الثانية: إذا تغير بطاهر سلبه اسم الماء المطلق، بحيث لا يسمى ماءً عند الإطلاق، وإنما يسمى ماء بالإضافة.

    فمثلاً: يقال: ماء زعفران أو ماء حبر ونحو ذلك، فإذا تغير بطاهر سلبه اسم الماء المطلق فإنه لا يرفع الحدث حينئذٍ، فلو كان عندك ماء ثم بعد ذلك أضفت إليه حبراً أو أضفت إليه صبغاً أو أضفت إليه زعفراناً أو نحو ذلك، فتغير به بحيث سلبه اسم الماء المطلق فإنه في هذه الحالة لا يرفع الحدث، فأصبح عندنا أن الماء طهور يرفع الحدث إلا في هاتين الحالتين.

    أما زوال الخبث فيرتفع على الصحيح بالماء وغيره، وسيأتينا إن شاء الله في هذا الدرس ضابط الأشياء النجسة، فالنجاسة تطهر بأي مطهر، سواء طهرت بالريح، طهرت بالشمس, طهرت بالدلك مثل الأشياء الصقيلة كالمرآة وكالسيف وكالرخام وكالبلاط .. إلخ، فهذه إذا مسحتها وذهبت عين النجاسة فإن المحل يطهر، وليس ذلك خاصاً بالماء، وذكرنا الأدلة على ذلك, ومن الأدلة على ذلك سائر أدلة الاستجمار، أدلة الاستجمار تدل على أن النجاسة لا يشترط في إزالتها الماء، فإن الاستجمار إنما يكون بالحجارة أو التراب والأوراق ونحوها, وعلى هذا إذا أصاب الثوب شيء من البول ثم بعد ذلك نزل عليه الماء، أو المطر، أو أصابته الريح أو الشمس، فزال أثر هذا البول فنقول بأنه طهر؛ لأن النجاسة عين مستقذرة شرعاً إذا وجدت وجد الحكم، وإذا انتفت انتفى الحكم بأي مزيل وبأي سبب, فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً, هذا هو الصواب في هذه المسائل.

    وسبق لنا أيضاً أن العلماء رحمهم الله يقسمون الماء إلى قسمين: ماء كثير وماء قليل، وأن الماء الكثير ما بلغ قلتين، وذكرنا أيضاً في الدرس السابق كيف نحدد القلتين بالغرامات وبالكيلوات .. إلخ. فيقولون: الماء الكثير لا ينجس إلا بالتغير إذا حدثت فيه النجاسة، وأما الماء القليل فإنه بمجرد ملاقاة النجاسة له ينجس.

    وذكرنا أن الصواب أنه لا فرق بين القليل والكثير, وإن العبرة إنما يكون بالتغير، فإذا تغير هذا الماء سواء كان قليلاً أو كثيراً بالنجاسة فإنه نجس، وإذا لم يتغير فإنه طهور.

    ويدل لذلك ما سبق أن ذكرناه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الماء طهور لا ينجسه شي ), فلا يخلو الماء إما طهور وإما نجس، فإن تغير بالنجاسة فهو نجس بالإجماع، لم يتغير بالنجاسة فهو طهور، إلا إن تغير بطاهر سلبه اسم الماء المطلق فإنه في هذه الحالة لا يرفع الحدث ويزيل الخبث كما سبق لنا أن إزالة الخبث تكون بأي مزيل.

    وذكرنا أيضاً أن هناك فرقاً بين رفع الحدث وزوال الخبث، وذكرنا هذه الفروق, وقلنا: إن رفع الحدث يشترط له النية, لا بد لرفع الحدث من النية، فلو أن الإنسان غسل الأعضاء ولم ينو رفع الحدث فإن ذلك لا يجزئ، أما زوال الخبث فإنه لا تشترط له النية، فلو وقع على الأرض بول ثم بعد ذلك صب عليه ماء أو نزلت عليه أمطار، ولم ينوَ إزالة وتطهير هذا البول فإن المكان يطهر, ومثل ذلك أيضاً لو وقع على الثوب ونحو ذلك.

    والفرق الثاني: أن رفع الحدث لا يعذر فيه بالجهل والنسيان, وأما زوال الخبث فيعذر فيه بالجهل والنسيان, فلو أن الإنسان صلى وقد نسي أن يتوضأ فإنه لا يعذر لكن لو كان على ثوبه نجاسة وصلى, أو جهل هذه النجاسة وصلى فإنه يعذر، فإذا نسي هذه النجاسة التي على ثوبه أو على بدنه أو على بقعته التي يصلي عليها وصلى, فنقول بأن صلاته صحيحة.

    الفرق الثالث: أن رفع الحدث هذا لا بد له من الماء, وأما زوال الخبث فسبق أن ذكرنا أنه لا يشترط له الماء.

    الفرق الرابع: أن رفع الحدث من باب الأوامر, وأما زوال الخبث فهو من باب النواهي.

    1.   

    الشك في طهارة الماء

    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا شك في طهارة الماء أو غيره ونجاسته بنى على اليقين].

    إذا شك هل هذا الماء نجس أو ليس نجساً؟ يعني: وجد ماءً, وهذا الماء قد تغير، شك هل هذا المغير نجس أو أنه ليس نجساً.

    فنقول: الأصل في ذلك الطهارة، فيجوز للإنسان أن يتوضأ به ما دام أن اسم الماء باق عليه، ما دام أن هذا المغير لم يسلبه اسم الماء المطلق، فإذا شك هل هذا المغير نجس أو ليس نجساً؟ مثلاً وجد فيه روثة، وهذه الروثة قد غيرته، لا يدري هل هي روثة ما يؤكل لحمه كالإبل والبقر والغنم فيكون هذا الماء طهوراً، أو أن هذه الروثة روثة ما لا يؤكل لحمه -كالحمار مثلاً- فيكون نجساً؟

    شك في ذلك فنقول: الأصل في ذلك أن هذا الماء طهور، وعندنا قاعدة يذكرها العلماء رحمهم الله وهي إحدى القواعد الخمس الكلية التي يدور عليها الفقه؛ وهي: أن اليقين لا يزول بالشك.

    ودليل ذلك حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم شكي إليه الرجل في الصلاة يخيل إليه أنه قد خرج منه شيء ولم يخرج منه شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً )، فهذا الحديث دليل لهذه القاعدة وهي أن اليقين لا يزول بالشك، فإذا تيقن الإنسان أنه طاهر وشك هل أحدث أو لم يحدث؟ فنقول: الأصل أنه طاهر، إذا شك في هذا الماء هل هو نجس أو ليس نجساً؟ نقول: الأصل أنه طاهر, وليس نجساً.

    كذلك أيضاً: لو كان هذا الماء نجساً، ثم بعد ذلك شك هل تطهر أو لم يتطهر؟ فنقول: الأصل بقاء النجاسة للقاعدة السابقة؛ وهي: أن اليقين لا يزول بالشك.

    قال: (في طهارة الماء أو غيره).

    مثل الثوب، إذا كان عنده ثوب وشك في نجاسته، وجد على هذا الثوب أثراً، لا يدري هل هذا الأثر نجس أو طاهر؟ فنقول: الأصل في ذلك الطهارة.

    وكذلك أيضاً: لو كان في هذا الثوب نجاسة، ثم بعد ذلك شك هل زالت النجاسة أو لم تزل؟ فنقول: الأصل بقاء النجاسة؛ للقاعدة التي أشرنا إليها؛ وهي: أن اليقين لا يزول بالشك.

    1.   

    خفاء موضع النجاسة من الثوب وغيره

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن خفي موضع النجاسة من الثوب أو غيره غسل ما يتيقن به غسلها].

    إذا خفي موضع النجاسة: بمعنى أن هذا الثوب أصابه نجاسة ولم يعلم هل هذه النجاسة في هذا الكم، أو في هذا الكم .. إلخ؟ أو أنها في هذا الطرف أو في هذا الطرف .. إلخ؟ فيقول المؤلف رحمه الله: يغسل حتى يتيقن زوال النجاسة.

    والصواب في ذلك: أنه لا حاجة إلى اليقين، بل يكفي الظن؛ فإذا غلب على ظنه أن النجاسة قد زالت فإن هذا كاف، فإذا كان يغلب على ظنه أن هذه النجاسة في هذا الطرف الأيمن، فإنه يغسل الطرف الأيمن، وإن غلب على ظنه أن النجاسة في الطرف الأيسر فإنه يغسل الطرف الأيسر.

    فنقول: الصواب في هذه المسألة: أن غلبة الظن معتبرة شرعاً في مثل هذه المسائل, ولهذا ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ( حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض الماء على سائر بدنه ).

    فنقول: غلبة الظن معتبرة في مثل هذه المسائل, فإذا غلب على ظنه أن المحل قد طهر فإن ذلك كاف.

    1.   

    أحكام الاشتباه في الطهارة

    اشتباه الماء الطاهر بالنجس

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن اشتبه ماء طاهر بنجس ولم يجد غيرهما تيمم وتركهما].

    إذا كان عنده ماء طاهر وعنده ماء نجس، وشك في أيهما الطاهر وأيهما النجس؟ فيقول المؤلف رحمه الله: بأنه يترك هذين المائين ويتيمم.

    والرأي الثاني: قول الشافعي رحمه الله أنه يتحرى وينظر في أي المائين الماء الطاهر, وهذا القول هو الصواب، فإذا تحرى وظن أن هذا الماء هو الطاهر فإنه يتوضأ به.

    ويدل لذلك حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في صحيح البخاري في الشك في الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فليتحر الصواب ثم ليبن عليه ).

    فنقول: الصواب في هذه المسألة أنه إذا أمكنه أن يتحرى بحيث إنه يشم الرائحة, قد يكون الظن أن هذا الماء هو الماء النجس لقبح رائحته ونتنها .. إلخ.

    المهم: أنه إذا أمكنه أن يتحرى فليتحر، فإذا غلب على ظنه أن هذا الماء هو الطهور, وأن هذا هو النجس, فإنه يتوضأ بالماء الطهور؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما: ( فليتحر الصواب ثم ليبن عليه ).

    اشتباه الماء الطاهر بالطهور

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ من كل واحد منهما].

    عندنا ماء طهور، وعندنا ماء طاهر، وسبق لنا في الدرس السابق أن الصواب أنه لا وجود للماء الطاهر، وأن الماء ينقسم إلى قسمين: إما طهور وإما نجس. وأما الطاهر فإنه لا وجود له.

    على كل حال المؤلف رحمه الله يرى أن الماء الطاهر له وجود، وأنهم يقسمون الماء إلى ثلاثة أقسام: طاهر, وطهور, ونجس.

    على كلام المؤلف رحمه الله إذا اشتبه ماء طهور بماء طاهر، إذا اجتمع طهور بطاهر، الماء الطاهر مثاله: ما غُمست فيه يد قائم من نوم الليل، فإذا كان عندنا شخص قام من نوم الليل وهذا النوم ينقض الوضوء, وغمس يده قبل أن يغسلها ثلاثاً، وهذا الماء قليل، يعني أقل من قلتين، فإن هذا الماء بمجرد غمس يده به يكون طاهراً لا يرفع الحدث، فإذا كان هذا الإناء قد غمست فيه يد هذا النائم القائم من نوم الليل, ونومه ينقض الوضوء, وعندنا ماء طهور اشتبها.

    فيقول المؤلف رحمه الله: يتوضأ من هذا, ويتوضأ من هذا؛ لكي يحصل له اليقين أنه توضأ بماء طهور، أما إذا قلنا بأن هذا الماء الذي غمست فيه يد النائم المستيقظ من نوم الليل لا تنسلب طهوريته, وإنما هو على طهوريته، فإن هذه المسألة لا توجد عندنا.

    وكذلك أيضاً من الأمثلة التي سبق أن ذكروها في الماء الطاهر: المستعمل برفع الحدث، يعني لو أن إنساناً عنده ماء, واستعمله في رفع الحدث، يعني: الغسلة الأولى من رفع الحدث، هذا المتساقط إذا جمعه في إناء، غسل وجهه وجمع هذا المتساقط، وغسل يديه وجمع هذا المتساقط، وغسل رجليه وتمضمض وجمع هذا المتساقط، واشتبه هذا المتساقط بماء طهور لم يرفع به حدث, فيقول المؤلف رحمه الله: يتوضأ من هذا, ويتوضأ من هذا .. إلخ.

    أو مثلاً: عندنا ماء قليل وإنسان أصابته جنابة عليه احتلم في منامه, وانغمس في الماء ناوياً رفع الحدث ثم خرج منه، فإن هذا الماء يكون مستعملاً في رفع الحدث فهو طاهر، فإذا اشتبه هذا الماء الطاهر بالماء الطهور, فإن المؤلف رحمه الله يقول: يتوضأ من هذا, ويتوضأ من هذا, لكن إذا قلنا بأن الماء الطاهر أصلاً لا وجود له فلا ترد عندنا هذه المسألة.

    اشتباه الثياب الطاهرة بالنجسة

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس, وزاد صلاة].

    لو أن رجلاً عنده عشرة أثواب نجسة وعشرة أثواب طاهرة، واشتبهت هذه الأثواب عنده, الآن عشرون ثوباً، عشرة طاهرة وعشرة نجسة، اشتبهت الآن الثياب الطاهرة بالنجسة.

    فيقول المؤلف رحمه الله: يصلي بعدد الأثواب النجسة ويزيد صلاة؛ لأنه إذا صلى بعدد الأثواب النجسة وزاد صلاة يتيقن قطعاً أنه صلى صلاة بثوب طاهر؛ لأنه إذا صلى عشر صلوات نفرض أن هذه الصلوات العشر كلها وقعت في الثياب النجسة، فإذا زاد صلاة تيقنا يقيناً أنه صلى صلاة في ثوب طاهر.

    والصواب في هذه المسألة: أن الإنسان يتحرى ثوباً من هذه الأثواب ويصلي فيه، ولا يكلف أن يصلي بعدد النجس؛ لأن النجسة قد تكون كثيرة، قد يكون عدد الأثواب النجسة عشرة قد يكون عشرين، قد يكون ثلاثين.. إلخ. فإذا قلنا: يلزمك أن تصلي بعدد النجس, وتزيد صلاة هذا فيه مشقة, ومن القواعد المقررة في الشريعة: أن المشقة تجلب التيسير.

    1.   

    تطهير النجاسة

    كيفية تطهير نجاسة الكلب

    قال المؤلف رحمه الله: [وتغسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً إحداهن بالتراب].

    المؤلف رحمه الله لما ذكر أقسام المياه شرع رحمه الله في بيان النجاسات, وكيف تطهر النجاسة؟

    فنقول: النجاسات من حيث التطهير تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: نجاسة مغلظة. والقسم الثاني: نجاسة مخففة. والقسم الثالث: نجاسة متوسطة. وهذه سترد علينا إن شاء الله.

    فنقول: القسم الأول: نجاسة مغلظة؛ وهي نجاسة الكلب. وبدأ بها المؤلف رحمه الله قال: (وتغسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً إحداهن بالتراب).

    هذا القسم الأول من أقسام النجاسات, وهي النجاسة المغلظة: نجاسة الكلب, الكلب إذا ولغ في الإناء فإنه يجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب.

    ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن ) وفي رواية: ( أولاهن بالتراب ), وهذا الحديث في الصحيحين.

    فنجاسة الكلب هذه نجاسة مغلظة، ومعنى الولوغ: أنه يخرج لسانه في الإناء ويشرب من الإناء، فهذا يجب أن نغسله سبع مرات إحداهن بالتراب, والأولى أن تكون الغسلة الأولى بالتراب؛ وهذا هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الشافعي.

    وعند أبي حنيفة أن نجاسة الكلب لا يجب غسلها سبعاً، وإنما يكفي أن تغسل ثلاثاً؛ لأن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه راوي الحديث سئل عن الإناء إذا ولغ فيه الكلب، فأفتى أبو هريرة بغسله ثلاثاً، وهذا ثابت عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه, ويجاب عنه بجوابين:

    أما الجواب الأول: فنقول: أيضاً ورد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه أفتى بالغسل سبعاً، هذا الجواب الأول.

    والجواب الثاني: أن العبرة بما روى أبو هريرة لا بما رأى، فعندنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه النص على أن الكلب إذا ولغ في الإناء أنه يجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب.

    قوله: ( إحداهن بالتراب ) مسألة التترييب، هل تكون في الأولى أو تكون في إحدى الغسلات؟

    يجوز أن يكون الترتيب في الأولى وفي الثانية وفي الثالثة .. إلخ، لكن العلماء رحمهم الله قالوا: الأولى أن تكون في الأولى، وعلى هذا يأتي بالإناء ويضع فيه التراب ويمزجه بالماء، وهذه تكون غسلاً، ثم بعد ذلك يغسله الغسلة الثانية بالماء والثالثة وهكذا .. إلخ.

    عندنا مسألة أخرى، هل يقوم غير التراب مقام التراب؟ مثلاً المنظفات الآن الموجودة هل تقوم مقام التراب، أو لا تقوم مقام التراب؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.

    فأكثر العلماء قالوا: بأن غير التراب كالصابون وما يوجد الآن من منظفات تقوم مقام التراب؛ لأن القصد من ذلك هو التنظيف.

    والرأي الثاني: رأي الظاهرية قالوا: بأن غير التراب لا يقوم مقام التراب، وأنه لا بد من الغسل بالتراب كما نص على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

    والصواب في ذلك: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله, وأن غير التراب مما يحصل به التنظيف يقوم مقام التراب, إلا إذا كان أثر ولوغ الكلب لا يزول إلا بالتراب، فإذا كان أثره لا يزول إلا بالتراب فنقتصر على ما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم, أما إذا كان أثره يزول بالتراب ويزول بغيره فإن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً, والمقصود من النص على التراب هو التنظيف، والنبي عليه الصلاة والسلام نص على التراب؛ لأن التراب أحد الطهورين، فعندنا الماء يتطهر به، أيضاً التراب يتطهر به, كما سيأتينا إن شاء الله في التيمم.

    إلحاق الخنزير بالكلب في كيفية التطهير

    المسألة الأخرى أيضاً: هل يلحق الخنزير بالكلب، أو نقول: بأن الخنزير لا يلحق بالكلب؟

    هذه أيضاً موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، والذي مشى عليه المؤلف: أن الخنزير يلحق بالكلب، وعلى هذا فنجاسة الخنزير نجاسة مغلظة تغسل سبع مرات إحداهن بالتراب.

    والصواب في ذلك: أن نجاسة الخنزير ليست نجاسة مغلظة، وإنما هي من النجاسات المتوسطة, هذا هو الصواب؛ لأن التسبيع إنما ورد فقط في نجاسة الكلب.

    كيفية تطهير بقية نجاسات الكلب غير اللعاب

    أيضاً مسألة أخرى: هل يلحق غير الولوغ بالولوغ من بقية نجاسات الكلب؟ يعني: مثلاً لو أن الكلب بال على ثوب، أو بال في أرض، أو بال في الإناء, أو حصل منه روث في الإناء ونحو ذلك، هل نقول بأن هذه النجاسات تلحق بالولوغ، وأنه يجب غسلها سبعاً، أو نقول بأنها لا تلحق؟

    هذا موضع خلاف، والذي مشى المؤلف رحمه الله أنها تلحق؛ لأنه عمم، فلو بال في إناء فإنه يجب غسلها سبعاً إحداهن بالتراب، وكذلك أيضاً لو تغوط في إناء يجب غسله سبعاً إحداهن بالتراب.

    والصواب في ذلك: أن التسبيع خاص فقط بولوغ الكلب، فلو بال هذا الكلب على ثوب، أو بال في أرض أو نحو ذلك فإنه لا يسبع، ويكون هذا من النجاسات المتوسطة, وسيأتينا إن شاء الله ضابط النجاسة المتوسطة أنها تغسل حتى يغلب على الظن زوال النجاسة، ولا يجب التسبيع إلا في ولوغ الكلب.

    فأصبح عندنا الآن التسبيع خاصاً بولوغ الكلب في الإناء كما ورد في الحديث، ما عدا ذلك فإنه لا يجب فيه التسبيع، وإنما تكون نجاسته من النجاسات المتوسطة.

    كيفية تطهير سائر النجاسات غير الكلب

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجزئ في سائر النجاسات ثلاث منقية].

    لما تكلم المؤلف رحمه الله عن القسم الأول وهي النجاسة المغلظة، وفهمنا أن النجاسة المغلظة هي ولوغ الكلب في الإناء فقط، هذا الذي يجب أن يغسل سبعاً إحداهن بالتراب، وقلنا: الأولى أن تكون الأولى هي التراب, شرع المؤلف رحمه الله بالقسم الثاني، وهي النجاسات المتوسطة، وقال: النجاسات المتوسطة تغسل ثلاث مرات، مثل على الصحيح نجاسة بول الكلب، نجاسة الخنزير بول الخنزير, إذا ولغ الخنزير هذه من النجاسات المتوسطة، مثل الغائط، مثل بول الإنسان، مثل دم الحيض.. إلخ, فهذه نجاسات متوسطة.

    النجاسات المتوسطة يقول المؤلف رحمه الله: بأنها تغسل ثلاث مرات, واستدل المؤلف رحمه الله على ذلك بدليلين:

    الدليل الأول: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً, فإنه لا يدري أين باتت يده ), فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يغسل يده ثلاث مرات قبل أن يغمسها في الإناء, ما هي العلة من غسلها ثلاث مرات؟

    على كلام المؤلف أن العلة هي توهم النجاسة، وقد ذكر الشافعي رحمه الله أنهم في بلاد الحجاز كثيراً ما يستعملون الحجارة، يعني: إذا انتهى الإنسان من حاجته يستجمر بالحجارة أو بالتراب أو بالمناديل ونحو ذلك، وإذا استجمر الإنسان فإنه سيبقى شيء من أثر النجاسة، فالاستجمار ليس كالاستنجاء، الاستنجاء يقطع النجاسة، أما الاستجمار فإنه يبقى معه شيء من أثر النجاسة، وإذا كان الإنسان نائماً ربما أن يده تصيب هذه النجاسة التي في دبره، فقال: تغسل ثلاث مرات. العلة في ذلك قالوا: هو توهم النجاسة.

    وخالف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ذلك وقال: ليست تلك هي العلة، العلة هي أن الشيطان قد يعبث بيد النائم، ونظير هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً في الحديث الآخر من حديث أبي هريرة: ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثاً, فإن الشيطان يبيت على خيشومه )، فأمرك النبي صلى الله عليه وسلم إذا استيقظت من نومك أن تستنشق الماء وتخرجه ثلاث مرات؛ لأن الشيطان يبيت على الخيشوم.

    فكذلك أيضاً: إذا استيقظت من نوم الليل فإنك تغسل يديك ثلاث مرات؛ لأن الشيطان ربما لامس يدك، كما أنه يبيت على خيشوم النائم، فهذا هو, وليست العلة توهم النجاسة، فأصبح الاستدلال بهذا الدليل فيه نظر.

    أما الدليل الثاني: فقالوا بأنه يقاس على الاستجمار، فالإنسان إذا استجمر لا بد أن يستجمر بثلاث مسحات؛ كما في حديث سلمان رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم : ( وأن لا يستنجي بأقل من ثلاث أحجار )، فإذا كان الاستجمار يشترط فيه ثلاث مسحات، كذلك أيضاً إزالة هذه النجاسات المتوسطة يشترط فيها ثلاث مرات, هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أشد من هذا، وأن النجاسات المتوسطة لا بد فيها من سبع غسلات؛ واستدلوا على ذلك بما يروى من حديث ابن عمر قال: ( أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً )، وهذا الحديث لا يثبت.

    الرأي الثالث: ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله, أنه لا عدد في غسل النجاسات المتوسطة، بل يغسل الإنسان حتى يغلب على ظنه أن المحل قد طهر، فإذا أصاب ثوبك بول أو غائط أو دم مسفوح، أو المرأة أصاب ثوبها شيء من دم الحيض .. إلخ فإنها تغسل حتى يغلب على الظن زوال النجاسة, فإذا غلب على الظن زوال النجاسة فنقول: بأن المحل طهر، ولا يقيد بعدد، وهذا القول هو الصواب, أن لا يقيد بعدد؛ كما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله.

    ويدل على هذا -أولاً- ما ذكرناه من القاعدة, أن النجاسة عين مستقذرة شرعاً، فإذا وجدت وجد الحكم، وإذا انتفت انتفى الحكم، فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا انتفت النجاسة انتفى الحكم.

    وأيضاً الأدلة على ذلك كثيرة، من الأدلة على ذلك النعلان, إذا أصاب نعليك شيء من النجاسة فإن طهورهما التراب، تدليكهما بالتراب أو بالأرض هذا طهورهما. ذيل المرأة يطهره ما بعده.

    أيضاً: أسماء رضي الله تعالى عنه ( سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: تحته, ثم تقرصه بالماء, ثم تنضحه ).

    فالصواب في ذلك أن غسل الأثواب وغير ذلك أن الإنسان يغسل حتى يغلب على الظن زوال النجاسة.

    كيفية تطهير الأرض المتنجسة

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن كانت النجاسة على الأرض فصبة واحدة تذهب بعينها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء )].

    إذا كانت النجاسة على الأرض يكفي صبة واحدة، فعلى هذا إذا كان مثلاً في الحمامات أو في الأراضي أو غير ذلك أو في الرمل أو التراب يكفي أن تصب صبة واحدة تذهب بعين النجاسة.

    ودليل ذلك ما أورده المؤلف رحمه الله من حديث أبي هريرة وحديث أنس في بول الأعرابي في المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( صبوا على بوله ذنوباً من ماء ).

    كيفية تطهير النجاسة المخففة

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح].

    هذا هو القسم الثالث من أقسام النجاسات؛ وهي النجاسة المخففة، والنجاسة المخففة تشمل شيئين:

    الشيء الأول: بول الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة؛ هذا يكفي في بوله فقط أن تغمره بالماء، هذا الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة، وإنما يكون طعامه اللبن, وأيضاً قال بعض العلماء: لا يمنع من ذلك العسل والدواء.

    أما إذا كان يأكله لشهوة، ويريده, وتجده يتتبعه، فهذا بوله ينتقل من النجاسة المخففة إلى النجاسة المتوسطة، أما إذا كان طعامه فقط الحليب, وأما الطعام فلا يأكله لشهوة، فهذا نجاسته نجاسة مخففة، يكفي في ذلك أن ترشه بالماء فقط، تغمره بالماء، إذا وضعت عليه ماء كفى ذلك ولا حاجة إلى فرك أو دلك أو نحو ذلك.

    ويدل لذلك حديث أم قيس بنت محصن رضي الله تعالى عنها: ( أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم بابن لها صغير لم يأكل الطعام فأجلسه في حجره، فبال هذا الصبي في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فنضحه ولم يغسله ). وهذا الحديث في الصحيحين.

    أيضاً يدل لذلك حديث عائشة نحو هذا الحديث، هذا الأمر الأول, بول الصبي الذي لم يأكل الطعام لشهوة، وبينا معنى كونه لم يأكل الطعام لشهوة، يعني: أنك لا تجده يريد الطعام ويتتبعه، أما إذا كان يريد الطعام ويطلبه ويتتبعه، فهذا ينتقل بوله من البول المخفف إلى البول المتوسط.

    وقول المؤلف رحمه الله: (بول الصبي) هذا يخرج غائط الصبي، غائط الصبي نجاسته نجاسة متوسطة؛ لأن النص إنما ورد فقط في البول، أما بالنسبة لريقه وقيئه فإن هذا كله طاهر، وغسل هذا من باب النظافة فقط.

    الشيء الثاني: المذي, أيضاً المذي نجاسته نجاسة مخففة، فيكفي إذا أصاب المذي البول أن تأتي بماء وترشه عليه، تغمره بالماء وهذا كاف.

    ودليل ذلك حديث سهل بن حنيف : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام أرشده أن يأخذ ماء, وأن ينضح هذا المذي ) أخرجه الترمذي وغيره وإسناده صحيح.

    فأصبح عندنا أن النجاسة المخففة تشمل هذين الأمرين.

    الخلاصة في ذلك: أن النجاسات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    الأول: نجاسة مغلظة، وهي نجاسة ولوغ الكلب إذا ولغ في الإناء، هذا الذي يغسل سبع مرات إحداها بالتراب.

    القسم الثاني: نجاسة متوسطة؛ وهي سائر النجاسات، إلا ما نستثنيه في النجاسة المخففة.

    القسم الثالث: النجاسة المخففة؛ وهي تشمل الأمرين:

    الأول: بول الصبي الذي لم يأكل الطعام لشهوة؛ وهذا دليله حديث أم قيس بنت محصن رضي الله تعالى عنها وحديث عائشة .

    والأمر الثاني: المذي؛ وهذا دليله حديث سهل بن حنيف في الترمذي وغيره.

    ما يعفى من النجاسات

    قال المؤلف رحمه الله: [ويعفى عن يسيره ويسير الدم وما تولد منه من القيح والصديد ونحوه].

    الآن ذكر المؤلف رحمه الله العفو عن النجاسة، المؤلف رحمه الله ذكر أنه يعفى عن ثلاثة أشياء من النجاسة:

    الأول: يسير المذي؛ يعني: إذا أصاب ثوبك أو أصاب السروال شيء يسير من المذي فلا بأس، لو تركته لم تنضحه بالماء فهذا لا بأس به.

    الثاني: يسير الدم، يسير الدم يعفى عنه.

    الثالث: ما تولد من الدم من القيح والصديد.

    فذكر المؤلف رحمه الله أنه يعفى عن يسير النجاسة في ثلاثة مواضع:

    الأول: يسير المذي. والثاني: يسير الدم. والثالث: يسير القيح والصديد.

    وقوله: يسير الدم يظهر من كلامه أن الدم نجس، لكن يأتينا إن شاء الله أن الدم له سبعة أقسام أو ثمانية أقسام, نبين إن شاء الله ما هو الدم الطاهر, وما هو الدم النجس, هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    والصواب في هذه المسألة: أن نذكر قاعدة في ذلك اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأيضاً قول أبي حنيفة أنه يعفى عن يسير سائر النجاسات، ولا نقيد ذلك بالمذي أو بالدم أو بالقيح والصديد ونحو ذلك.

    شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله استدل على ذلك بسائر أحاديث الاستجمار، سائر أحاديث الاستجمار تدل على أن يسير النجاسة يعفى عنها؛ لأن الإنسان إذا استجمر يبقى شيء من النجاسة في المحل، إذا استجمر الإنسان مهما كان الإنسان أيضاً مسح بالمناديل أو بالحجارة أو بالأتربة أو نحو ذلك فإنه سيبقى شيء من أثر النجاسة.

    هذا الأثر عفا عنه الشارع؛ حتى ابن القيم رحمه الله يقول: يسير النجاسة يعفى عنه حتى لو تجاوز محله، يعني: لو أن الإنسان استجمر، ثم بعد ذلك أصابه ماء، أو أصابه العرق، وعرق المحل، وسال العرق على فخذيه، فإنه يعفى عن ذلك.

    فنقول: القاعدة في ذلك أنه يعفى عن يسير سائر النجاسات؛ والدليل على ذلك سائر أحاديث الاستجمار، كلها تدل على أن يسير النجاسات يعفى عنها.

    ضابط اليسير:

    قال المؤلف رحمه الله: [وحد اليسير هو ما لا يفحش في النفس].

    يقول المؤلف رحمه الله: (حد اليسير ما لا يفحش في النفس) كأن المؤلف رحمه الله أرجع الكثرة والقلة إلى نفس الشخص، فيقول: إذا كان فاحشاً في نفس كل أحد بحسبه فإنه كثير، وإذا كان غير فاحش فإنه قليل.

    والصواب في ذلك: أنه لا يرجع إلى نفس الشخص؛ لأن بعض الناس يكون عنده شيء من الوسواس، فيعتبر النقطة اليسيرة كثيراً، وبعض الناس يكون عنده شيء من التفريط، فتجد أنه تلحقه كثير من النجاسة ويعتبرها يسيرة، فنقول الصواب في ذلك: أنه يرجع إلى العرف. والقاعدة عندنا أن كل شيء لم يرد له تحديد في الشرع فإنه يرجع في تحديده إلى العرف.

    حكم مني الآدمي

    قال المؤلف رحمه الله: [ومني الآدمي طاهر]

    مني الآدمي هل هو طاهر أو هو نجس؟

    هذا اختلف فيه العلماء رحمهم الله, فمذهب المؤلف رحمه الله وهو مذهب الإمام أحمد والشافعي أن مني الآدمي طاهر؛ واستدلوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها في الصحيحين: ( أنها كانت تفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ), ولو كان نجساً لما اكتفى فيه بالفرك، بل في صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان والبيهقي : ( أنها كانت تفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة )، فدل ذلك على أنه طاهر.

    وكذلك أيضاً: حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما هو بمنزلة البصاق والمخاط، إنما يكفيك أن تزيل عنك بأظفارك )، وهذا الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي, لكن الصواب: أنه موقوف، ليس مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو موقوف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    وأيضاً: هذا الماء هو أصل الأنبياء والشهداء والرسل والصديقين، فيبعد أن يكون أصل هؤلاء نجساً, فهذا هو ما ذهب إليه الإمام أحمد والشافعي.

    والرأي الثاني: رأي مالك وأبي حنيفة قالوا بأنه نجس؛ واستدلوا أيضاً بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها في الصحيحين قالت: ( كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه ), وهذا الحديث في الصحيحين فقالوا: كون عائشة رضي الله تعالى عنها غسلت هذا يدل على النجاسة.

    وقالوا أيضاً: هذا الغسل وارد أيضاً عن عمر رضي الله تعالى عنه, وعن ابن عمر , وكذلك أيضاً وارد عن ابن مسعود وعن أبي هريرة ، فهذا وارد عن جمع من الصحابة عمر وابنه وابن مسعود وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم.

    والصواب في ذلك: ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله وأيضاً الشافعي أن المني طاهر؛ والدليل على ذلك ما تقدم، ولكن يستحب أن يغسل إذا كان رطباً كما فعلت عائشة ، فنقول: فعل عائشة غسلها الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل على الاستحباب، إذا كان رطباً يستحب لك أن تغسله، وإن كان يابساً يستحب لك أن تفركه.

    حكم بول ما يؤكل لحمه

    قال المؤلف رحمه الله: [وبول ما يؤكل لحمه طاهر].

    ما يؤكل لحمه بوله وروثه طاهر، كل شيء يؤكل لحمه، خلافاً للشافعي رحمه الله، فمثل الإبل والبقر والغنم والدجاج .. إلخ هذه روثها وما يخرج منها من بول طاهر.

    والدليل على ذلك ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها ).

    وأيضاً يدل لذلك حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم : ( أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. قال: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت ).

    1.   

    الآنية

    قال المؤلف رحمه الله: [باب الآنية].

    الآنية: جمع إناء، والإناء هو الوعاء، فالآنية هي الأوعية، وأحكام الآنية لها مناسبتان:

    المناسبة الأولى في باب الطهارة. والمناسبة الثانية في كتاب الأطعمة.

    ومناسبتها في باب الطهارة أن الماء جوهر سيال يحتاج إلى شيء يحفظ به وهو الإناء؛ كما سلف أن يذكر المؤلف رحمه الله أحكام الآنية في كتاب الطهارة، وإلا كما سلف أن الآنية لها مناسبتان مناسبة في كتاب الطهارة، ومناسبة في كتاب الأطعمة.

    والأصل في الآنية الحل، سواء كانت هذه الآنية من جلد أو من حديد أو من الرصاص أو من النحاس أو من أحجار أو غيره ذلك، نقول: الأصل في ذلك الحل؛ إلا ما استثناه الشارع, كما سيأتينا إن شاء الله.

    ودليل ذلك قول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، أيضاً قول الله عز وجل: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن:10]، فهذا يدل على أن أصل الآنية الحل.

    وعلى هذا فلا نحرم شيئاً إلا شيئاً جاء تحريمه في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ادعى تحريم شيء فعليه أن يقيم الدليل؛ لأنه يدعي خلاف الأصل، فإن الأصل في الآنية الطهارة.

    استعمال آنية الذهب والفضة في الطهارة وغيرها

    قال المؤلف رحمه الله: [لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في طهارة ولا غيرها].

    الآن شرع المؤلف رحمه الله في الكلام على آنية الذهب والفضة, أما ما عدا آنية الذهب والفضة يجوز استعمالها، يعني: إذا كانت من حديد أو نحاس أو رصاص أو ألماز، حتى لو كانت أثمانها غالية، من أحجار كريمة، من زجاج يجوز أن تستعملها للأكل, للشرب, للطهارة, في الاقتناء, في الادخار، في الاستعمال في أي شيء من أنواع الاستعمالات ما لم يتعلق بذلك محظور شرعي؛ كالإسراف أو فخر أو خيلاء ونحو ذلك، فالأصل فيما عدا الذهب والفضة الحل.

    أيضاً: الذهب والفضة فيه تفصيل وكلام لأهل العلم رحمهم الله، وعلى هذا نقول: عندنا استعمال وعندنا اتخاذ، والأقسام عندنا ثلاثة:

    القسم الأول: استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب. فنقول: بأن هذا محرم ولا يجوز؛ والدليل من السنة ظاهر وواضح في التحريم، وقد حكي الإجماع على ذلك.

    ويدل لذلك حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة )، هذا الحديث في الصحيحين.

    القسم الأول: استعماله في الأكل والشرب، فنقول: استعماله في الأكل والشرب محرم ولا يجوز. وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن ذلك محرم مطلقاً يعني سواء كان الإناء خالصاً كله من الذهب أو كله من الفضة هذا محرم، أو فيه شيء من الذهب والفضة، مثل المموه. يعني المموه. يؤتى بالذهب ويماه ثم يغمس فيه الإناء، ويكتسب من لونه.

    أو (مصفح)، يعني: عندك إناء من النحاس فيؤتى بصفائح من ذهب وفضة وتجعل عليه.

    أو (مطعم) تحفر حفر ويوضع فيها شيء من الذهب والفضة. أو مكفن يجعل مثل المجاري والسواقي، فيجعل فيها خيوط من الذهب والفضة, المهم أن هذا كله محرم, أو مضبب إلا ما يستثنى.

    إذاً: القسم الأول: استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب، وهذا محرم ولا يجوز باتفاق الأئمة, قد حكي الإجماع على ذلك، قد روي عن معاوية بن قرة أنه خالف في ذلك، لكن الصواب في ذلك ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله.

    ودليل ذلك كما أسلفنا حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه، وأيضاً ذكرنا أن هذا سواء كان في إناء خالص، أو في إناء فيه شيء من الذهب والفضة, إلا ما يستثنى من الضبة كما سيأتينا إن شاء الله, هذا هو القسم الأول.

    القسم الثاني: الاستعمال في غير الأكل والشرب. فما مشى عليه المؤلف رحمه الله أن هذا لا يجوز.

    فمثلاً: الإنسان يكون عنده إناء من الذهب يستعمله للطبخ، أو عنده مثلاً إناء من الذهب ومن الفضة يستعمله للطهارة، يتوضأ منه، أو عنده إناء من الذهب أو من الفضة يستعمله لحفظ الأشياء، أو مثلاً عنده آنية صغيرة يستعملها مكحلة يحفظ فيها الكحل، أو يحفظ فيها شيء من الأدوية أو غير ذلك, المهم يستعملها في غير الأكل والشرب، فهل هذا جائز، أو هذا ليس بجائز؟

    جمهور أهل العلم أن هذا لا يجوز, يعني: استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب قالوا: بأن هذا محرم ولا يجوز.

    واستدلوا بحديث حذيفة السابق: ( لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة )، وقالوا: إن المقصود من ذلك هو سائر الاستعمال, لكن نص النبي صلى الله عليه وسلم على الأكل والشرب لأن هذا هو الغالب, وما كان قيداً أغلبياً فإنه لا مفهوم له, فقالوا: المقصود هو سائر الاستعمالات, وإنما نص النبي عليه الصلاة والسلام على الذهب والفضة لأن هذا هو الغالب.

    الرأي الثاني: وهذا الرأي قال به داود الظاهري ، وكذلك أيضاً نسب للشافعي رحمه الله، وأيضاً من المتأخرين يأخذ به الشوكاني والصنعاني أن سائر الاستعمالات في غير الأكل والشرب جائزة ولا بأس بذلك, ويقتصر على مورد النص؛ لأن الأصل في الآنية الحل, نحرم ما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأكل والشرب، فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الأكل والشرب فقط، أما بقية الاستعمالات فلم يرد فيها نص عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وأيضاً يعضد ذلك أن أم سلمة كما في صحيح البخاري رضي الله تعالى عنها: ( كان عندها جلجل من فضة، وكانت تحتفظ فيه بشيء من شعرات النبي صلى الله عليه وسلم )، يعني: كون أم سلمة استعملت هذا الجلجل من فضة إناء، واستعملته لحفظ هذا الشعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن هذا جائز ولا بأس به, هذا القسم الثاني.

    القسم الثالث: الاتخاذ؛ لأن الاستعمال هو: مباشرة الإناء بالانتفاع, أما الاتخاذ فهو: اتخاذه من غير مباشرة، يعني: اتخاذه مثلاً للزينة للتجمل مثلاً، يتخذ إناءً من ذهب أو من فضة للزينة للتجمل بغرض غير الأكل والشرب، مجرد أنه يتخذه، فهل هذا جائز أو ليس جائزاً؟

    أيضاً جمهور أهل العلم رحمهم الله قالوا: بأن هذا غير جائز، يعني: كونك تتخذ إناء مجرد اتخاذه وإن كنت لم تباشره بالاستعمال محرم، ولا يجوز، مثلاً تتخذ إبريقاً من فضة، إبريقاً من ذهب، مثلاً صحن من ذهب من فضة .. إلخ.

    جمهور أهل العلم قالوا: بأن هذا محرم ولا يجوز.

    والعلة في ذلك قالوا: بأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه، ولأن هذا أيضاً ذريعة لاستعماله للأكل والشرب، والشريعة جاءت بسد الذرائع.

    والقول الثاني: للشافعي ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله: أن الاتخاذ جائز ولا بأس به؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إنما حرم الأكل والشرب.

    قال: لما روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ).

    تضبيب الإناء بالذهب والفضة

    قال المؤلف رحمه الله: [وحكم المضبب فيهما حكمهما إلا أن تكون ضبة يسيرة من الفضة].

    المضبب أيضاً لا يجوز, إذا كان عندنا إناء مضبب بالذهب أو الفضة لا يجوز للإنسان أن يأكل أو أن يشرب فيه، وما معنى التضبيب؟

    التضبيب: هو أن ينكسر الإناء، فيؤتى بخيط من الذهب أو خيط من الفضة، يربط بهذا الخيط طرفي الإناء المنكسر، أو مثلاً ينثقب الإناء يصير فيه ثقب، فيؤتى بقطعة من الذهب أو قطعة من فضة وتوضع على هذا الثقب، أو مثلاً ينكسر أو ينثمل، فيؤتى بقطع من الذهب أو قطع من الفضة يسد بها هذه الثلمة.

    كونك تأكل أو تشرب في هذا الإناء المضبب محرم ولا يجوز، كما قلنا: الخالص أو المكفت أو المطعم أو المموه هذه كلها ما يجوز، أيضاً المضبب لا يجوز إلا أنه يستثنى من ذلك الضبة اليسيرة، يعني: لا بأس أن تأكل في إناء ضبب بأربعة شروط:

    الشرط الأول: أن تكون الضبة من فضة ليست من ذهب.

    الشرط الثاني: أن تكون يسيرة.

    الشرط الثالث: أن يكون ذلك لحاجة، يعني: ليس للزينة وإنما للحاجة.

    الشرط الرابع: أن تكون ضبة، يكون تضبيباً، ليس تكفيتاً أو تطعيماً .. إلخ.

    فإذا توافرت هذه الشروط الأربعة جاز: من فضة, وأن تكون ضبة، وأن تكون يسيرة، وأن يكون ذلك لحاجة. ودليل ذلك حديث أنس : ( أن إناء النبي صلى الله عليه وسلم انكسر، فاتخذ مكان الشرخ سلسلة من فضة ). وهذا الحديث ثابت في صحيح البخاري .

    حديث أنس في تضبيب النبي عليه الصلاة والسلام لإنائه, يدل على أن هذا جائز, والعلماء رحمهم الله اشترطوا هذه الشروط؛ لأن الأصل هو تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة.