إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الطهارة [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المسلم مطالب أن يتطهر ويستعمل الماء في الوضوء والغسل, والطهارة لابد لها من فقه وعلم, ليميز المسلم بين أنواع المياه, وليعرف الماء الذي يصلح للطهارة من غيره.

    1.   

    فضل طلب العلم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن من علامة الخير للإنسان أن يتفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يتزود من ميراث النبوة؛ فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )، وثبت أيضاً عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ).

    ولا شك أن من تعلم القرآن أن يتفقه في أحكام دينه مما جاء به كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من الحلال والحرام.

    والعلم جاءت الأدلة والآثار على فضله وعلو منزلته, وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى مفاضلة بين طالب المال وطالب العلم، فذكر رحمه الله تفضيل طالب العلم على طالب المال بما يقرب من سبعين وجهاً؛ لأن المستقرئ لحال كثير من الناس اليوم يجد أنه فرق بين إنسان يطلب المال, ويكد بدنه، ويمضي عمره في ذلك، وبين إنسان يطلب العلم، ويكد بدنه, ويمضي حياته ويقضيها في ذلك, فذكر ابن القيم رحمه الله ما يقرب من سبعين وجهاً في تفضيل طالب العلم على طالب المال, وأشير إلى شيء من هذه الأوجه التي ذكرها رحمه الله, فمما ذكر أن طالب العلم يدعو الناس إلى الآخرة في طلبه، وأما طالب المال فإنه يدعو الناس إلى الدنيا بطلبه.

    وذكر أيضاً أن العلم هو ميراث الأنبياء؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ( وأن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ), وأما بالنسبة للدنيا فإنها ميراث الملوك، وفرق بين الميراثين، فرق بين أن ينهل الإنسان ويتزود من ميراث محمد صلى الله عليه وسلم, وبين أن يأخذ من ميراث بقية البشر من الملوك والحكام وغيرهم.

    وذكر من الأوجه أن العلم يحفظ صاحبه، فالعلم إذا كنت متزوداً به فإنه يحفظك من أمراض الشبهات وأمراض الشهوات، بخلاف المال, فإن الإنسان محتاج إلى أن يحفظ ماله، المال محتاج إلى أن تحفظه في الصناديق, ووراء الأقفال, وبالودائع ونحو ذلك.

    وأيضاً ذكر من الأوجه أن العلم يتبع صاحبه حتى بعد الموت، حتى بعد الموت يتبعك علمك إذ إنه من عملك؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث )، وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان، يرجع أهله وماله, ويبقى عمله ), فالعلم يتبعك حتى بعد موتك، وأما بالنسبة للاثنين, فإنهما لا يتبعانك بعد موتك، بل إن العلماء رحمهم الله يذكرون في باب الهبة والعطية أن الإنسان إذا مرض مرض الموت لا يملك من ماله إلا الثلث فقط، وهذا من صدقة الله عليه، وهو حي لا يملك أن يتبرع, لا يملك أن يهب، لا يملك أن يتصدق، لا يملك أن يوقف، لا يملك أن يوصي إلا بالثلث فقط, إذا مرض مرض الموت، وأما الثلثان فإنهما يكونان للورثة, ففرق بين الطالبين.

    فمن نعمة الله عز وجل ومن توفيقه أن يهيئ العبد للتصدي لطلب العلم والتفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    وصايا لطالب العلم

    في بدء الدروس هناك بعض الوصايا لا بد أن يأخذ بها طالب العلم الجاد الذي يلم بشيء من فنون العلم، فمن هذه الوصايا التي أوصيه بها:

    الإخلاص

    أولاً: عليه بالإخلاص؛ أن يخلص عمله لله عز وجل، فإن العلم من أفضل العبادات وأجل القربات؛ ولهذا ذكر أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن تعلم العلم وتعليمه أفضل العبادات البدنية؛ لما اختلف العلماء رحمهم الله في أي العبادات البدنية أفضل؟ قال الشافعي: أفضلها الصلاة, وقال الإمام أحمد رحمه الله: أفضلها الجهاد في سبيل الله, وقال أبو حنيفة رحمه الله: أفضلها العلم تعلمه وتعليمه.

    ولا شك أن تعلم العلم وتعليمه من الجهاد في سبيل الله؛ ولهذا في الترمذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع ) .

    والله عز وجل يقول: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122]. فالله عز وجل جعل المؤمنين طائفتين؛ طائفة تنفر للجهاد في سبيل الله، وطائفة تجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم تأخذ عنه سنته، فإذا رجعت الطائفة المجاهدة علمتهم الطائفة القاعدة.

    والنبي عليه الصلاة والسلام جاهد الناس بجهادين:

    الجهاد الأول: جهاد العلم والبيان؛ وهذا في المرحلة المكية، فمدة ثلاث عشرة سنة كان النبي صلى الله عليه وسلم يجاهد الناس بغرس التوحيد ونبذ الشرك وشوائبه.

    ثم بعد ذلك في المرحلة المدنية جاهد الناس بجهاد السيف والسنان، فعلينا أيها الأحبة أن نخلص في العلم لله عز وجل سواء كان علماً أو غيره؛ قال الإمام أحمد : العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته، قيل: وكيف تصح النية؟ قال: إذا أراد أن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره.

    فإذا أراد بتعلمه أن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره, وأن يعبد الله على بصيرة, وأن يدعو الناس إلى هذا العلم الذي تعلمه، فإن هذا لا يعدله شيء؛ كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    وإن هذا هو عمل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فالذي يقوم بتعلم العلم وتعليمه للناس يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم ومقام نوح وموسى وعيسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام، فإنهم يتعلمون من ربهم ثم بعد ذلك يعلمون الناس، ويوجهون الناس ويرشدونهم.

    فعلينا دائماً وأبداً أن نعلق قلوبنا بالله عز وجل محبة ورغبة ورهبة ورجاءً وتوكلاً واستعانة، وألا يلتفت قلب الإنسان إلى المخلوقين, أو إلى الدنيا, أو حظوظها الفانية.

    والله عز وجل في الحديث القدسي كما في حديث أبي هريرة المخرج في الصحيحين يقول: ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ).

    وذكر سفيان رحمه الله قال: كانوا يتعلمون النية كما يتعلمون العلم.

    وقال بعض السلف: رب عمل صغير كبرته النية، ورب عمل كبير صغرته النية, فقد يبذل الإنسان جهده ويعمل ويكثر من العمل .. إلخ لكن يصغره نيته، تكون نيته مشوبة بشوائب الشرك، مشوبة بالرياء، مشوبة بالسمعة، مشوبة بالتفاف القلب إلى المخلوقين .. إلخ.

    فعلى المسلم دائماً وأبداً أن يعلق قلبه بالله عز وجل وألا ينظر إلى الدنيا وحظوظها الفانية, وإنما يريد وجه الله عز وجل, والاستزادة من هذا العلم وتبصير الناس ودعوتهم .. إلخ.

    والآثار عن السلف في الإخلاص كثيرة جداً؛ فمن ذلك ما ذكر محمد بن واسع رحمه الله قال: كان الرجل يقوم في الصف فتسيل دموعه على لحيته لا يشعر به من بجنبه، وكان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة تسيل دموعه على خده لا تشعر به امرأته.

    وقال أبو التياح رحمه الله: كان الرجل يقرأ عشرين سنة لا يعلم به جيرانه.

    وقال محمد بن الحنفية رحمه الله تعالى: الإجابة والإخلاص مقرونان لا فرقة بينهما، يعني: أن إجابة الدعاء يكون مع الإخلاص، فكلما كان الإنسان أخلص في عمله كانت استجابة الله عز وجل له أكثر.

    العمل بالعلم

    أما الوصية الثانية: فعلى الإنسان أن يعمل بما علم؛ وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضاً هدي صحابته رضي الله تعالى عنهم.

    ثبت في صحيح مسلم من حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من صلى لله في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة بني له بهن بيتاً في الجنة ). قالت أم حبيبة رضي الله تعالى عنها: فما تركتهن منذ سمعتهن من النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال عنبسة الراوي عن أم حبيبة : فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة .

    قال النعمان بن سالم الراوي عن عنبسة : ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة .

    قال عمرو بن أوس الراوي عن النعمان بن سالم : ما تركتهن منذ سمعتهن من النعمان بن سالم .

    عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كما في صحيح البخاري : ( رأى رؤيا, رأى في منامه النار.. إلخ, فقص على حفصة ، فقصتها حفصة رضي الله تعالى عنها على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل ), قال سالم بن عبد الله : فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً.

    و معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: ( يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار ) - قال: عن عمل، دلني على عمل فذكر له النبي صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام ودعائمه ( تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتصلي الصلوات، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان, وتحج البيت )، ثم دله على أبواب الخير، ثم قال له: ( ألا أدلك على رأس الأمر, وعموده, وذروة سنامه )، ثم دله على ملاك ذلك كله، لأنه رضي الله تعالى عنه أراد العمل، لم يرد إلا العمل.

    وكان النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهما: ( كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه )، كل ذلك استجابة لقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:1-2].

    وكان مسروق رحمه الله يقوم الليل حتى انتفخت ساقاه، وكانت امرأته تقف من ورائه وتبكى وتقول: إنما أبكي رحمة له.

    فعلينا أيها الأحبة! إذا علمنا شيئاً أن نسارع إلى العمل به وامتثاله؛ هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي الصحابة.

    قال بعض السلف: إذا أراد الله بعبد خيراً فتح له باب العمل, وأغلق عنه باب الشر.

    فكلما رأيت الإنسان أكثر تطبيقاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم, وأكثر مبادرة إلى العلم والعمل فاعلم أن ذلك من علامة الخير به.

    الدعوة

    الوصية الثالثة: على الإنسان أن يدعو إلى ما تعلم، وهذا داخل فيما سبق، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يبايع الناس على ذلك.

    يقول جرير بن عبد الله كما ثبت في الصحيحين: ( بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة، وعلى إيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. ) .

    والله عز وجل يقول: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]. فسبيل النبي صلى الله عليه وسلم وطريقه وهديه, وطريقة من اتبعه, وهدي من اتبعه هي الدعوة إلى الله عز وجل.

    الصبر والمصابرة

    الوصية الرابعة: الإنسان عليه أن يصبر وأن يصابر؛ فالعلم لا بد له من مصابرة، ولا بد له مجاهدة، ولن يؤتيك بعضه حتى تؤتيه كلك.

    ومن يقرأ في حال السلف رحمهم الله وفي تراجمهم وكتب الطبقات وسير العلماء وأخبار الرجال يجد العجب العجاب من مصابرة العلماء رحمهم الله للعلم, فلا بد للإنسان أن يصابر.

    من أئمة العلماء ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يجمع سنة النبي عليه الصلاة والسلام من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فكان يأتي إلى بيت الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن يعلم أن عنده شيئاً من سنة النبي عليه الصلاة والسلام فيضع رداءه ويتوسده، فتأتي الريح وتسفي عليه التراب حتى يخرج ذاك الصحابي، ثم بعد ذلك يأخذ منه تلك السنة التي حفظها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكان أيضاً مالك يفعل نحواً من ذلك مع شيخه نافع مولى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما .. إلخ.

    وأخبارهم كثيرة جداً.

    الحفظ

    كذلك أيضاً مما أوصي به عليك بالحفظ، على الطالب أن يمرن نفسه وأن يربي نفسه على الحفظ، وإذا قرأت شيئاً في تراجم العلماء رحمهم الله تجد أنهم يذكرون في تراجمهم أنه حفظ القرآن وله عشر سنوات إلى آخره، فتجد في ترجمة ابن قدامة رحمه الله صاحب كتاب العمدة أنه حفظ القرآن وله عشر سنوات، ثم بعد ذلك شرع في حفظ بقية المتون كمختصر الخرقي وغيره من متون الحديث والعقيدة والأصول وغير ذلك.

    فلا بد للإنسان أن يحفظ، فالعلماء رحمهم الله جعلوا لكل فن شيئاً من المتون، فالحديث له شيء من المتون، والفقه والعقيدة وأصول الفقه, وكذلك أيضاً مصطلح الحديث وغير ذلك، وأساس العلوم وأمها ومصدرها هو كتاب الله عز وجل.

    فلا بد للطالب أن يربي نفسه على الحفظ، أن يربيها على حفظ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وشيء من هذه المتون التي كتبها العلماء رحمهم الله، فإن هذا المتون تعتبر زبدة لهذه الفنون التي يدرسها الطلاب.

    لكل فن من هذه الفنون هذه المختصرات التي هي تعتبر خلاصة وزبدة لذلك الفن؛ فلا بد للإنسان أن يجمع ذلك في قلبه, وأن يلم به؛ لكي يترقى في العلم.

    والرحبي رحمه الله يقول:

    فاحفظ فكل حافظ إمام

    وكما أسلفت: إذا قرأت في كتب الرجال وسيرهم وتراجم العلماء تجد أنهم يذكرون عنهم كيف كانوا يحفظون سنة النبي صلى الله عليه وسلم, ويحفظون أيضاً غير ذلك من فنون العلم.

    حفظ الوقت

    كذلك مما أوصي به أيضاً: حفظ الوقت؛ لا بد لطالب العلم أن يحفظ وقته، وأن يكون شحيحاً بوقته، فإن الوقت هو الحياة، وليس لك من حياتك ليس لك من عمرك إلا ما مضيته في طاعة الله عز وجل.

    فلا بد للطالب أن يحفظ بقاء وقته، وأن يتخلص من كثير من فضول الخلطة، ومن فضول النوم، ومن فضول اللهو .. إلخ, لا مانع أن الإنسان يجم قلبه بأشياء يستعين بها على طلب العلم وعلى طاعة الله عز وجل.

    لكن أن يكون الإنسان مبعثراً غير منتظم، كثير الخلطة، وكثير النوم، وكثير الذهاب والإياب والتنزهات.. إلخ, هذا يضيع عليه الوقت، ولا يستدرك شيئاً، ولا يتمكن الإنسان من الأخذ من ميراث النبوة والتزود بنور العلم إلا إذا كان حافظاً لوقته.

    ولو قرأت أيضاً في كتب الرجال وسير العلماء وكيف كانوا حافظين لأوقاتهم لوجدت العجب العجاب.

    ابن الجوزي رحمه الله كان من أشد الناس حفظاً لوقته، وكان عامة الناس يغشونه في بيته فلا يستطيع أن يردهم، يعني: يأتونه لزيارته والجلوس معه وسؤاله فلا يستطيع أن يردهم, فكان يعمد رحمه الله إذا جاءه العامة أن يشغلهم ببري الأقلام، فإذا خرجوا استفاد من هذه الأقلام التي قاموا ببريها في الكتابة والتأليف.. إلخ.

    وكان ابن عقيل رحمه الله يقول: لا يحل لي أن أضيع شيئاً من وقتي، فكان يمضي وقته إما في القراءة والكتابة أو في الذكر والاستغفار.

    المنهجية في طلب العلم

    كذلك مما أوصي به: أن يكون الطالب منظماً لا يكون مبعثراً، فإذا كان مبعثراً فإنه لا يستفيد، لا بد أن يكون منظماً، بمعنى أن يكون له أصول وقواعد يسير عليها، في كل فن من فنون العلم يكون له متن يسير عليه، وهذا المتن كما أسلفت يقوم بحفظه, وأيضاً بتعلم مسائله, ويعرف راجحه ومرجوحه, ودليل ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فهذه لا بد لطالب العلم منها، يعني: من حيث المنهج لا بد للطالب أن يسير على هذه القواعد والأصول التي كتبها العلماء من قبله، فإنه إذا لم يكن سائراً على شيء من ذلك، فإنه يكون مبعثراً، ويكون غير منتظم، تجد أنه تارة يقرأ في هذا الباب، وتارة في الباب الآخر، وتارة يقرأ في هذا الكتاب، وتارة يقرأ في هذه الفتوى .. إلخ, لا يكون منظماً.

    وإذا نظرت إلى هدي العلماء السابقين نجد أنهم يسيرون على هذه المتون، فعندنا عمل وعندنا منهج، العمل الإنسان يعمل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما المنهج والتربية والتعلم فإنه يكون على قواعد وأصول حتى يسير الإنسان إلى مبتغاه ومراده.

    تقييد العلم بالكتابة

    كذلك أيضاً مما أوصي به: أن يقيد الفوائد, أن يعتني بالكتابة وتقييد العلم، وأن لا يعتمد على الحفظ؛ لأن الإنسان إذا كان معتمداً على حفظه فحسب فإن الحفظ وخصوصاً في وقتنا هذا سرعان ما يخونه.

    لا بد للإنسان أن يعتمد الكتابة وأن يقيد، يكون له متن يقيد في حواشيه أو يجعل فيه أوراقاً يقيد في هذه الأوراق ما يسمعه وما يقرؤه وما يتعلمه لكي يكون هذا المتن مرجعاً له، ويعتمد عليه في الاستذكار والتعليم . إلخ.

    كذلك أيضاً: على الطالب أن يكون له ثلة تعنى بالعلم، فإن الإنسان إذا كان له ثلة تعنى بالعلم وأصحاب يعينونه على ذلك فإن هذا أيضاً من أهم الوسائل في طلب العلم.

    من أهم الوسائل في طلب العلم أن يكون للإنسان أصحاب وزملاء يعنون بالعلم. والإنسان على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل، والطيور على أشكالها تقع.

    فإذا كان الإنسان مزاملاً لأهل العلم تشبه بهم وأخذ منهم وأعانوه وصار منهم، وإذا كان مزاملاً لأهل التجارة ونحو ذلك صار متأثراً بهم، وعلى هذا فقس.

    فعلى الإنسان أن يكون له أصحاب يعنون بالعلم، يستذكر معهم ويتحفظ معهم شيئاً من المحفوظات أو شيئاً مما قرءوا.. إلخ.

    فأسأل الله عز وجل أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح, وأن يجعلنا هداة مهتدين, وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبساً علينا.

    اللهم صل على محمد.

    1.   

    ترجمة مؤلف عمدة الفقه

    الطريقة التي سنسير عليها بإذن الله أن نقرأ عبارة المؤلف رحمه الله, ونبين إن احتاجت إلى تحليل، ونذكر ما يستحضر من دليله والقول الراجح. يعني: نختصر بقدر الإمكان بحيث نتمكن أن نأخذ أكبر قدر خلال الدرس بإذن الله.

    هذا الكتاب كتاب (عمدة الفقه) مؤلفه أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي ، وجماعيل بلدة في بلاد فلسطين، ولد رحمه الله في شهر شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة للهجرة، وتوفي رحمه الله سنة عشرين وستمائة للهجرة.

    ولد في بلدة جماعيل في فلسطين قريبة من مدينة نابلس، بعد أن ولد وكبر شرع في قراءة القرآن وحفظه، فحفظ القرآن الكريم وله عشر سنوات، ثم بعد ذلك شرع في حفظ بقية المتون، فحفظ مختصر الخرقي في الفقه وغيره من المتون، ثم بعد ذلك قدم به أهله إلى دمشق، فقرأ على علمائها وأخذ عنهم، ثم بعد ذلك رحل في طلب العلم كما هي عادة العلماء في ذلك الزمن وفي كل زمن, أنهم يرحلون في طلب العلم.

    فرحل رحمه الله إلى بغداد وطلب العلم وأخذ الحديث والفقه من علمائها، ثم بعد ذلك رجع إلى دمشق، وتصدر رحمه الله في جامع دمشق للتعليم والإفتاء.

    وكان رحمه الله متبحراً في الفقه والفرائض وأصول الفقه، وكذلك أيضاً العقيدة وغير ذلك، ويدل على تبحره كثرة مؤلفاته، كما سنذكر إن شاء الله شيئاً من مؤلفاته.

    تزوج ابنة عمه مريم ، وأنجب منها ثلاثة من الذكور، كلهم ماتوا في حياته, وأنجب منها بنتين، يعني: أنجب منها خمسة أولاد, ثلاثة من الذكور كلهم ماتوا في حياته, وأنجب منها أيضاً بنتين.

    وقد ذكروا من صفاته الخلقية أنه كان طويل القامة, صغير الرأس, طويل اللحية, أبيض البشرة, مقرون الحاجبين، وكان ذكياً ورعاً رحمه الله، وكان كثير العبادة والصلاة.

    له مؤلفات كثيرة، أي أنه كتب كثيراً من المؤلفات, ومن أعظم مؤلفاته: المغني شرح مختصر الخرقي ، هذا مؤلف كبير في الفقه، جمع فيه رحمه الله خلاف الأئمة وخلاف السلف مع ذكر أدلتهم وآثار الصحابة في هذه المسألة, وذكر أيضاً كثيراً من التفريعات التي لا تكاد توجد إلا في هذا الكتاب.

    وأيضاً من مؤلفاته في الفقه: هذا الكتاب كتاب العمدة, وقد ألفه للمبتدئين، وألف أيضاً كتاب المقنع ألفه للمتوسطين، ثم بعد ذلك أيضاً ألف كتاب الكافي، وجعله على روايتين، واستدل لكل رواية، والكافي جعله لما فوق المتوسطين.

    وكذلك أيضاً له مختصر الهداية لـأبي الخطاب .

    وأيضاً من مؤلفاته في الأصول: روضة الناظر، وأيضاً من مؤلفاته في العقيدة: لمعة الاعتقاد وهي مطبوعة الآن.

    وكذلك أيضاً من مؤلفاته كتاب التوابين, وله كتاب فضائل الصحابة، وله أيضاً التبيين في بيان نسب القرشيين، وله الاستبصار في بيان نسب الأنصار، وله مؤلف في الفرائض, وله مؤلف في القدر، له مؤلفات كثيرة رحمه الله.

    وتوفي كما أسلفنا سنة عشرين وستمائة للهجرة يوم السبت, ودفن بدمشق رحمه الله تعالى.

    1.   

    مميزات كتاب عمدة الفقه وأهم شروحه

    وهذا الكتاب العمدة وقع الاختيار عليه؛ لأنه تميز بميز:

    الميزة الأولى: سهولة العبارة.

    والميزة الثانية: أن مؤلفه جعله على قول واحد فقط.

    والميزة الثالثة: أن مؤلفه ضمنه كثيراً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتينا إن شاء الله.

    فهذه ثلاث ميز.

    أيضاً ميزة رابعة: أن مؤلفه جرده من كثير من التفريعات، قد يكون هناك تفريعات لا دليل عليها مؤلفه جرده من ذلك, فتميز بهذه الميز.

    الميزة الأولى: سهولة العبارة. والميزة الثانية: أنه جعله على قول واحد. والميزة الثالثة: أن مؤلفه رحمه الله ضمنه كثيراً من الأدلة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. والميزة الرابعة أيضاً: أنه جرده من كثير من التفريعات.

    وله شروح؛ من شروحه: شرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، شرع في شرحه، وشرح في جزء من العبادات، شرحه شرحاً نفيساً، تجد في هذا الشرح الذي كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من الاستنباطات والأدلة ورواية الإمام أحمد رحمه الله ما لا تكاد تجده في غيره.

    وقد طبع من كتاب العمدة لشيخ الإسلام كتاب الطهارة، وطبع أيضاً جزءاً من كتاب الصلاة، وطبع من كتاب الصيام، وطبع من كتاب المناسك, فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله شرح من هذا الكتاب العبادات فقط.

    أيضاً من شروحه المطبوعة المتداولة الآن: العدة لـبهاء الدين المقدسي .

    وهناك شروح أخرى، لكن هذه أهم الشروح وأشهرها.

    1.   

    الطهارة

    تعريف الطهارة

    قال المؤلف رحمه الله: [كتاب الطهارة].

    الطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار.

    وأما في الاصطلاح: فالطهارة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: طهارة معنوية. والقسم الثاني: طهارة حسية.

    أما الطهارة المعنوية: فهي تطهير القلب من الشرك وأدرانه وشوائبه، وسوء الأخلاق، وتحليته بالتوحيد والعقيدة الصحيحة ومحاسن الأخلاق, وهذه الطهارة المعنوية لا يبحثها العلماء رحمهم الله، وإنما يبحثون القسم الثاني وهي الطهارة الحسية.

    والطهارة الحسية: يقسمها العلماء رحمهم الله إلى قسمين:

    القسم الأول: ما يتعلق برفع الحدث.

    والقسم الثاني: ما يتعلق بزوال الخبث.

    وعلى هذا نقول: تعريف الطهارة في الاصطلاح: هي رفع الحدث وما في معناه وزوال الخبث.

    نقول: رفع الحدث، وهذا قول العلماء رحمهم الله يشمل: الحدث الأصغر والحدث الأكبر.

    والحدث: وصف يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة.

    والمراد بالخبث النجاسة: وهي كل عين مستقذرة شرعاً.

    فالطهارة رفع الحدث يعني: رفع هذا الوصف القائم الذي يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة، وكذلك أيضاً زوال الخبث إزالة النجاسة -هذا القذر- شرعاً.

    ورفع الحدث وما في معناه: هناك أشياء تسمى طهارة لكن ليست عن حدث، هي في معنى رفع الحدث, وهذا يمثل له العلماء رحمهم الله: غسل القائم من نوم الليل يديه ثلاث مرات، هذا الغسل يسمى طهارة، ومع ذلك هو ليس عن حدث, كذلك أيضاً غسل الجمعة؛ يغتسل الإنسان سواء قلنا: غسله مستحب, أو قلنا بوجوبه، وهذا الغسل يسمى طهارة, وهو مع ذلك ليس عن حدث, كذلك أيضاً غسل العيدين؛ يستحب للإنسان أن يغتسل من العيدين, ومع ذلك هذا ليس عن حدث ويسمى طهارة.

    سبب البدء بكتاب الطهارة في كتب الفقه

    وابتدأ المؤلف رحمه الله بالطهارة لأن أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين بعد التوحيد الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور، لحديث علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم ) ، وهذا حديث إسناده حسن، وفي حديث ابن عمر : ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ).

    وثالثاً: أن التخلية قبل التحلية؛ فالإنسان يتخلى من الحدث قبل أن يتحلى بالوقوف أمام الله عز وجل.

    فنقول: ابتدأ المؤلف رحمه الله أحكام الطهارة: لأن الطهارة هي مفتاح الصلاة.

    وثانياً: أن الله عز وجل لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ.

    وثالثاً: أن التخلية قبل التحلية.

    والعلماء رحمهم الله يبدءون بأحكام العبادات، ثم بعد ذلك بأحكام المعاملات، ثم بعد ذلك بأحكام التبرعات، ثم بعد ذلك بأحكام الأنكحة، ثم بعد ذلك بأحكام الحدود والقصاص .. إلخ.

    فيبدءون بأحكام العبادات, ويبدءون من أحكام العبادات بالصلاة تبعاً لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في ترتيب أحكام الإسلام: ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, وصوم رمضان, وحج البيت ) ؛ ولأن الصلاة هي آكد أركان الإسلام، وما أجمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على شيء تركه كفر إلا الصلاة، ثم بعد الصلاة الزكاة لأنها قرينتها، الزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله بما يقرب من ثلاثة وسبعين موضعاً في كتاب الله عز وجل, ثم الصيام لأنه حولي، ثم الحج لأنه عمري.

    الأصل في المياه الطهارة

    قال المؤلف رحمه الله: [خلق الماء طهوراً].

    بدأ المؤلف رحمه الله أحكام المياه بهذه القاعدة: أن الأصل في المياه الطهارة، وعلى هذا إذا شككت في طهارة ماء أو نجاسته، أو أن هذا الماء يرفع الحدث أو لا يرفع الحدث، فنقول: الأصل أن الماء طهور يرفع الحدث ويزيل الخبث.

    ويدل لهذا الأصل قول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48], أيضاً قول الله عز وجل: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11].

    فنقول: الأصل في المياه الطهارة، وعلى هذا إذا شك إنسان في نجاسة ماء أو طهارته, أو هذا الماء رافع أو ليس رافعاً، فنقول: عندنا أصل؛ وهو أن الأصل في الماء هو الطهارة.

    حكم رفع الحدث وإزالة النجس بغير الماء

    قال المؤلف رحمه الله: [يطهر من الأحداث والنجاسات، فلا تحصل الطهارة بمائع غيره].

    أفاد المؤلف رحمه الله أن الماء يطهر من الأحداث؛ وهذا قول جمهور أهل العلم أن الحدث سواء كان حدثاً أصغر أو كان حدثاً أكبر لا يرتفع إلا بالماء، خلافاً لـأبي حنيفة رحمه الله تعالى.

    ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]، فقال الله عز وجل: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً [النساء:43] دل على أن الذي يرفع الحدث هو الماء، ما وجدنا الماء لم يحل الله عز وجل على مائع آخر غير الماء، وإنما أحال على التراب، أحال على الصعيد الطيب، سواء كان تراباً أو غيره كما سيأتينا إن شاء الله في التيمم, عندنا ماء لم نجد الماء ننتقل إلى الصعيد الطيب لا ننتقل إلى مائع غيره، خلافاً لما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى.

    فالصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم, وأنه يشترط في رفع الأحداث سواء كان أصغر أو أكبر هو الماء, وأنه لا يرتفع بمائع غير الماء.

    قال: (فلا تحصل الطهارة بمائع غيره) هذا بالنسبة لرفع الحدث مسلم، أما بالنسبة لزوال الخبث فهل يشترط الماء لإزالة الخبث، لإزالة النجاسة؟

    يعني: لو أن الإنسان أصاب ثوبه بول، أو أصابه شيء من الغائط, أو أصابه دم مسفوح أو مذي أو نحو ذلك من النجاسات، هل نشترط الماء لإزالة الخبث؟

    نقول: هذا يشترط الماء لإزالة الخبث, واستدلوا على ذلك بأدلة؛ من أدلتهم حديث أنس كما في الصحيح: ( لما بال الإعرابي في طائفة من المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعوه حتى يقضي بوله، فلما قضى بوله دعا النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فصبه على بوله ) .

    لو كان غير الماء يزيل الخبث كالشمس وكالريح .. إلخ لتركه النبي عليه الصلاة والسلام حتى تأتيه الشمس أو يأتيه الريح ويزيل هذا البول وأثره.

    وكذلك أيضاً استدلوا على ذلك بحديث أسماء في الصحيحين: ( في دم الحيض يصيب الثوب، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن تحته ثم تقرصه ثم تنضحه بالماء ) ، فكون النبي عليه الصلاة والسلام يأمر بنضحه بالماء يدل على أنه لا بد لإزالة الخبث من الماء.

    الرأي الثاني: مذهب أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم أنه لا يشترط الماء، يعني في إزالة الخبث لا نشترط الماء؛ لأن الخبث عين مستقذرة شرعاً، النجاسة عين مستقذرة شرعاً فإذا زالت زال ما ترتب عليها من حكم، إذ الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا زال هذا الخبث بأي مزيل فإنه يكفي.

    واستدلوا على ذلك بأدلة, وأنه لا يشترط الماء، فمن الأدلة أن الشارع اكتفى بتطهير النعلين إذا أصابهما أذى أن يدلكهما الإنسان بالأرض، يعني: يكفي أن تدلك نعليك بالأرض إذا أصابهما أذى فإن طهورهما التراب.

    كذلك أيضاً ذيل المرأة يكفي في طهارته إذا مر على موضع نجس أن يمر على الموضع الطاهر وهذا يكفي في طهارته.

    وكذلك أيضاً استدلوا على أن النجاسة تطهر بالاستحالة، فلو كان عندنا عذرة، ثم بعد ذلك استحالت من عين إلى عين أخرى فإنها تطهر بالاستحالة، يعني إذا انتقلت من عين إلى عين أخرى, يعني: مثلاً: عندنا عذرة انتقلت إلى رماد، فإنها تطهر بالاستحالة.

    كذلك أيضاً الخمر نجسة عند كثير من أهل العلم، بل عند جمهور أهل العلم أنها نجسة، والإجماع منعقد على أن الخمرة إذا انقلبت بنفسها خلاً دون تخليل فإنها تطهر، وهنا الآن طهرت الخمرة لما انقلبت بنفسها خلاً، وهذا القول هو الصواب، وعلى هذا نقول: لا بد من الماء لرفع الحدث، وأما زوال الخبث فإننا لا نشترط الماء، فإذا زال الخبث بأي مزيل كان، فلو أن الإنسان أصاب ثوبه بول، ثم غسله ببنزين، أو غسله بالجاز، أو عرضه للشمس فترة حتى زال أثر هذا البول، أو الرياح أصابت هذه الأرض أو نحو ذلك حتى زال أثر هذا البول فإننا نقول: بأنها تطهر.

    أو مثلاً: إذا كان صقيلاً ثم مسحته مثلاً كالرخام مثلاً، أو مثلاً المرآة ونحو ذلك إذا قمت بمسحها وزالت النجاسة فإن المحل يطهر.

    فنقول: فرق بين رفع الحدث وزوال الخبث، والعلماء رحمهم الله يفرقون بين رفع الحدث وزوال الخبث من أوجه:

    الوجه الأول كما سلف: أن رفع الحدث يشترط له الماء، أما زوال الخبث فلا يشترط له الماء، فالنجاسة تطهر بأي مطهر، سواء كان هذا المطهر ريحاً أو شمساً أو ماءً أو سائلاً آخر غير الماء, هذا هو الفرق الأول.

    الفرق الثاني: أن رفع الحدث يشترط له النية, فإذا أراد الإنسان أن يتوضأ أو أراد أن يغتسل لا بد أن ينوي, لا بد أن يفرق بين ما هو عبادة وما ليس عبادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث عمر : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى )، أما زوال الخبث فهذا لا تشترط له النية.

    وعلى هذا لو أن الإنسان أصاب ثوبه بول، ثم بعد ذلك جاءت الأمطار وهطلت على هذا الثوب حتى نظفته من هذا البول، وهو لم ينو أن يطهره ولم ينو أن يعرضه للمطر فنقول: بأنه يطهر.

    الوجه الثالث: أن رفع الحدث لا يعذر فيه بالجهل والنسيان؛ لأنه من باب الأوامر، وأما زوال الخبث فإنه يعذر فيه بالجهل والنسيان؛ لأنه من باب التروك والنواهي.

    وعلى هذا لو أن الإنسان نسي أنه محدث أو جهل أن هذا اللحم لحم جزور، حصل منه بول ونسي ذلك ثم صلى، فنقول: أعد صلاتك, لا بد أن تتوضأ وأن تعيد صلاتك، أو يجهل أن هذا اللحم لحم جزور، فأكل لحم الجزور، ثم بعد ذلك صلى فنقول: يجب عليك أن تعيد صلاتك.

    وأما بالنسبة لزوال الخبث فهذا يعذر فيه بالجهل والنسيان؛ وعلى هذا لو أن الإنسان صلى وعلى ثوبه نجاسة، وهو ناس لهذه النجاسة، نسي أن على ثوبه نجاسة, أو جهل أن على ثوبه نجاسه، فنقول: بأن صلاته صحيحة, ولا بأس عليه, ففرق بين رفع الحدث وزوال الخبث كما أسلفنا من هذه الأوجه الثلاثة.

    حكم الماء إذا وقعت فيه نجاسة

    قال المؤلف رحمه الله: [فإذا بلغ الماء قلتين أو كان جارياً لم ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه، وما عدا ذلك ينجس بمخالطة النجاسة].

    العلماء رحمهم الله يقسمون الماء إلى قسمين:

    القسم الأول: ماء كثير. والقسم الثاني: ماء قليل. فإذا رأيت في عباراتهم الماء الكثير فاعلم أن مرادهم بالماء الكثير هو ما بلغ قلتين فأكثر, والماء القليل هو ما كان دون القلتين, فإذا كان الماء بالغاً قلتين فهو ماء كثير, وإذا كان دون ذلك فهو ماء قليل.

    إذا وقع بالماء نجاسة، يقول المؤلف رحمه الله: إن كان الماء قلتين هذا لا ينجس إلا بالتغير، إذا كان عندنا ماء كثير ووقعت فيه نجاسة، وقع فيه بول أو غائط أو دم مسفوح أو نحو ذلك، المناط على التغير، إن تغير بالنجاسة تغير طعمه، تغير لونه، تغيرت رائحته بالنجاسة فهو نجس، لم يتغير بالنجاسة فليس بنجس.

    ودليلهم على ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم (سئل عن الماء يكون بالفلاة, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ), وفي لفظ: ( لم ينجسه شيء )، وهذا في السنن.

    فقالوا: هذا دليل على أنه إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس إلا بالتغير, أما إن كان دون قلتين فإنه ينجس بمجرد الملاقاة، فلو كان عندك ماء أقل من قلتين، وقعت فيه نقطة بول، فهذا ينجس بمجرد الملاقاة، سواء تغير أو لم يتغير, يعني: غيرته النجاسة أو لم تغيره النجاسة ينجس بمجرد الملاقاة.

    واستدلوا على ذلك بمفهوم حديث ابن عمر السابق؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث )، وفي لفظ: ( لم ينجسه شيء ).

    فقوله عليه الصلاة والسلام: ( لم يحمل الخبث ) يفهم منه أنه إذا كان دون القلتين أنه يحمل الخبث، وأنه ينجس.

    فالمؤلف رحمه الله ذكر أن الماء بالنسبة لوقوع النجاسة فيه ينقسم إلى هذين القسمين: إن كان كثيراً وضابط الكثير كما أسلفت ما بلغ القلتين فأكثر, فهذا لا ينجس إلا بالتغير، وإن كان قليلاً وضابط القليل ما كان دون قلتين، فهذا ينجس بمجرد الملاقاة, وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني في المسألة: أن الماء لا ينجس إلا بتغير النجاسة، وعلى هذا إذا تغير بالنجاسة فإنه ينجس بالإجماع، إذا غيرته النجاسة غيرت طعمه أو لونه أو ريحه ينجس بالإجماع، أما إذا لم يتغير فالصواب أن الماء طهور كما تقدم.

    وقد ذكر المؤلف رحمه الله في أول كلامه قاعدة: الأصل في المياه الطهارة؛ ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، وقول الله عز وجل: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11].

    ويدل لذلك أيضاً حديث أبي سعيد : في بئر بضاعة وما يلقى فيها من الحيض والنتن ولحوم الكلاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(إن الماء طهور لا ينجسه شيء ).

    فالأصل في الماء أنه طهور إلا إذا غيرت النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه فهنا ننتقل إلى كونه نجساً؛ لأن الإجماع قائم على ذلك.

    وأما حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في القلتين فهذا أهل العلم رحمهم الله أجابوا عنه, ابن القيم رحمه الله ذكر في تهذيب السنن ما يقرب من ستة عشر وجهاً في الجواب عليه، أعله العلماء رحمهم الله من جهة الإسناد وأعلوه من جهة المتن.

    وأيضاً على فرض ثبوته فهو دل على نجاسة ما دون القلتين بمجرد الملاقاة بالمفهوم، وعندنا هذا المفهوم يعارض منطوق قول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48], وأيضاً قول الله عز وجل: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11], وأيضاً حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه في مسند الإمام أحمد وأبي داود وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الماء طهور لا ينجسه شي ).

    فالصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الماء طهور إلا إذا وقعت فيه نجاسة غيرت طعمه أو ريحه أو لونه فنقول: بأنه ينجس؛ لأن الإجماع منعقد على ذلك.

    والمشهور في المذهب أنهم يفرقون بين الماء وبين بقية المائعات، يعني يجعلون القليل والكثير بالنسبة للماء، أما بقية المائعات فهي تنجس بمجرد الملاقاة.

    فالصواب في ذلك: ما ذهب إليه شيخ الإسلام أيضاً أنه لا يفرق بين الماء وبقية المائعات كالدهن والعسل ونحو ذلك، إذا وقعت فيها نجاسة إن غيرت هذا المائع فهو نجس، وإن لم تغير هذا المائع فهو طهور.

    مقدار القلتين

    قال المؤلف رحمه الله: [والقلتان ما قارب مائة وثمانية أرطال بالدمشقي].

    كيف نقدر القلتين بالكيلوات؟

    العلماء رحمهم الله يقدرونها بالأرطال، تقدر بالرطل الدمشقي والرطل العراقي .. إلخ. وهذه الأشياء الآن ليست موجودة عندنا، هذه المكاييل ليس موجودة عندنا، فقد روها تقريباً بخمسمائة رطل عراقي, الرطل العراقي كم يساوي من المثاقيل؟ قالوا: يساوي الرطل الواحد من المثاقيل تسعين مثقالاً، عندنا خمسمائة رطل كل واحد من هذه الأرطال يساوي تسعين مثقالاً، فإذا أردت أن تخرج القلتان بالمثاقيل ماذا تعمل؟ نضرب خمسمائة بتسعين تخرج القلتين بالمثاقيل، المثقال الواحد كانوا يحددونه -أولاً- بحب الشعير، يقولون: يساوي ثنتين وسبعين حبة من الشعير مما طال وعليه قشره .. إلخ. ذكروا الأوصاف لكن الآن لا نحتاج إلى ذلك، المثقال الواحد الآن يقدر بأربعة غرامات وربع، وقال بعض العلماء: ثلاث غرامات ونصف, الآن نريد أن نخرج المثاقيل التي خرجت عندنا، نخرجها بالغرامات، ماذا نفعل؟ نضرب، الآن ضربنا خمسمائة بتسعين خرجت القلتين بالمثاقيل، أخرج الغرامات، المثقال الواحد يساوي أربعة غرامات وربع، فاضرب الناتج بأربعة وربع، أخرجها بالكيلوات، تقسم على ألف, فيخرج عندك تقريباً مائة وتسعون كيلو، يعني: يخرج عندك مائة واثنان وتسعون أو مائة وثلاثة وتسعون بالكيلوات.

    القاعدة في ذلك: القلتان تساويان خمسمائة رطل عراقي، الرطل الواحد من الأرطال العراقية يساوي تسعين مثقالاً، المثقال الواحد يساوي أربعة غرامات وربع، تضرب الأرطال بالمثاقيل، المثاقيل بالغرامات، ناتج الغرامات تقسمه على ألف، الناتج يساوي القلتين بالكيلوات.

    1.   

    أقسام الماء

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن طبخ في الماء ما ليس بطهور].

    هنا يشير المؤلف رحمه الله إلى أن الماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: ماء طهور. والقسم الثاني: ماء نجس. والقسم الثالث: ماء طاهر.

    والطاهر ذكر شيئاً من صوره، قال: ما استعمل في رفع حدث .. إلخ. وأيضاً يذكرون من صوره ما غمست فيه يد القائم من نوم الليل الذي نومه ينقض الوضوء، يقول: هذا ماء طاهر.

    ومثل ذلك أيضاً: ما تغير بطاهر، أيضاً يقولون بأنه ماء طاهر، فالماء الطاهر يقولون بأنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث، هو طاهر في نفسه لا يطهر غيره، لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث, بخلاف الماء الطهور, الماء الطهور طاهر في نفسه يرفع الحدث ويزيل الخبث، أما الطاهر فهو طاهر في نفسه ليس نجساً لكنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث.

    وهذه المسألة موضع خلاف، يعني: هل هناك قسم للماء يسمى بالطاهر، أو ليس هناك قسماً للماء يسمى بهذا الاسم.

    موضع خلاف, فالمشهور من مذهب الإمام أحمد كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله وهو إثبات قسم من الماء يسمى بالطاهر.

    والرأي الثاني: يروى عن الإمام أحمد رحمه الله واختيار شيخ الإسلام أنه ليس هناك ما يسمى بالطاهر, وأن الماء ينقسم إلى قسمين: إما طهور وإما نجس, فالماء المطلق إما أن نقول: بأنه طهور؛ وهذا هو الأصل، أو نقول: بأنه نجس، وهو الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة, ما عدا ذلك فليس هناك ماء يسمى بالطاهر.

    وهذا القول هو الصواب.

    استدلوا على إثبات الطاهر بحديث ابن عمر : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن ماء البحر، أنتوضأ به؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هو الطهور ماؤه الحل ميتته )، فكون الصحابة رضي الله تعالى عنهم يسألون عن ماء البحر هذا يدل على أنه استقر في أذهانهم أن هناك ماء لا يتطهر به.

    والصواب كما أسلفنا: أنه ليس هناك ماء طاهر، وأن الماء إما طهور أو نجس؛ لأن حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه دليل في ذلك: ( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ) ، فلا يخلو الماء من أمرين: إما طهور, وإما نجس.

    وأيضاً قول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، فدل على أن الماء طهور، هذا هو الأصل لا ننتقل عن هذا الأصل إلا إلى الماء النجس؛ لأن الإجماع قائم على أن الماء إذا تغير بالنجاسة أنه نجس, ويدل ذلك أيضاً أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يحملون الماء في قربهم، ومع ذلك يتغير الماء في هذه القرب، ويتوضئون به.

    وكذلك أيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس في الصحيحين للذي وقصته ناقته: (اغسلوه بماء وسدر )، يوضع فيه السدر وهذا السدر يتغير به الماء.

    وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم قال للاتي غسلن ابنته: ( اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك، واجعلن في الغسلة الأخيرة كافوراً ) وهنا سيتغير الماء قطعاً، ومع ذلك كان هذا الماء مطهراً، فالصواب في ذلك أنه ليس هناك ماء طهور.

    حكم الماء إذا خالطه شيء طاهر

    قال المؤلف رحمه الله: [وكذا ما خالطه فغلب على اسمه].

    يعني: إذا خالط الماء شيء طاهر، مثل الحبر أو الصبغة أو الشاهي .. إلخ.

    نقول: هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يغلب على اسمه بحيث ينقله عن اسم الماء المطلق، فهذا لا يسمى ماءً إلا مضافاً، فلا يرفع الحدث، يعني: لو أنه خالطه حبر أو خالطه سدر أو خالطه زعفران بحيث إنه لا يطلق عليه اسم الماء المطلق، بل لا نطلق عليه اسم الماء إلا مضافاً، فهذا نقول بأنه لا يرفع الحدث.

    وإن كانت هذه المخالطة لم تغلب عليه لم تنقله عن اسم الماء المطلق، فنقول: بأنه يرفع الحدث ويزيل الخبث، أما كونه يزيل الخبث فهذا يزيل الخبث مطلقاً حتى لو نقله عن اسم الماء المطلق؛ لأنه تقدم لنا أن الخبث يزول بأي مزيل، لكن بالنسبة لرفع الحدث إذا وقع فيه شيء طاهر فنقول: إن نقله عن اسم الماء المطلق بحيث لا يسمى ماء إلا مضافاً، نقول: لا يرفع الحدث، أما إذا لم ينقله عن اسم الماء المطلق فنقول: بأنه يرفع الحدث.

    الماء المستعمل

    قال المؤلف رحمه الله: [أو استعمل في رفع حدث سلب طهوريته].

    استعمل في رفع حدث, ما هو المستعمل في رفع الحدث؟ المستعمل في رفع الحدث هو المنفصل عن أجزاء البدن، يعني: إنسان يريد أن يتوضأ، فغسل وجهه تساقط هذا الماء في إناء، وغسل تمضمض واستشق تساقط هذا الماء، غسل يده تساقط، مسح رأسه وغسل رجليه تساقط، هذا المتساقط مستعمل في رفع الحدث، ما دام أنه يصير دون القلتين، هذا يقول المؤلف رحمه الله: مستعمل في رفع الحدث.

    ما حكمه؟ يقولون: بأنه طاهر وليس طهوراً، بمعنى: أنه لا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث، فإذا كان مستعملاً في رفع الحدث قالوا: بأنه طاهر.

    عندنا إناء فيه ماء دون القلتين، جاء شخص ونوى أن يرفع الجنابة عن نفسه، وانغمس فيه ثم بعد ذلك خرج، الآن هذا الماء يكون مستعملاً في رفع الحدث، يقولون: بأن هذا الاستعمال يسلبه الطهورية, فيكون طاهراً لا يرفع الحدث, ولا يزيل الخبث على المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    وتقدم لنا أن القاعدة في الماء أنه طهور؛ لقول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48].

    فالصواب: أن هذا يرفع الحدث ويزيل الخبث، النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يغتسل الإنسان في الماء الراكد الذي لا يجري وهو جنب، ونهى أن يبول فيه، لكن لم يتطرق النبي صلى الله عليه وسلم إلى حكم الماء، لم يقل بأن هذا الماء أصبح طاهراً، لا يرفع الحدث .. إلخ.

    فالصواب في ذلك أن الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا إذا وقعت فيه النجاسة, وغلبت على طعمه أو لونه أو ريحه فنقول: بأنه في هذه الحالة يكون نجساً.