إسلام ويب

شرح نواقض الإسلام [8]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من نواقض الإسلام السحر، ولا يتعلمه أحد إلا بالكفر، وهو أنواع ومنه ما هو حقيقة وله تأثير، ومنه ما هو تخييل، ولا يجوز إتيان السحرة، ولا سؤالهم ولا تصديقهم، ومن فعل فقد ظلم نفسه وضل عن سواء السبيل، إلا من أتاهم وهو غير مصدق لهم وإنما ليبين دجلهم وزيفهم للناس

    1.   

    تابع الناقض السابع: السحر

    الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله: [الناقض السابع من نواقض الإسلام: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله، أو رضي به كفر، الدليل قوله تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102]].

    تلخيص لما سبق

    تقدم أن ذكرنا تعريف السحر، وهو في اللغة: ما خفي ولطُف مأخذه ودق.

    وأما في الاصطلاح فذكرنا أنه: طلاسم ورُقى وقراءات يتوصل بها الساحر إلى التأثير في بدن المسحور وعقله وإرادته.

    وذكرنا أيضاً من المسائل المتعلقة بالسحر: هل له حقيقة، أو ليس له حقيقة؟.. إلخ.

    ذكرنا أنه ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: سحر حقيقي، وهذا قال به أهل السنة والجماعة، وذكرنا دليل ذلك: أن الله سبحانه وتعالى قال: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق:4]، ولا تكون الاستعاذة إلا من شيء له حقيقة، وأيضاً قول الله عز وجل: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة:102]، ولا يمكن أن يُتعلم إلا ما له حقيقة.

    القسم الثاني: تخييلي لقول الله عز وجل: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [طه:66]، وهذا القسم قال به أهل السنة والجماعة؛ لكن بالنسبة للمعتزلة حصروا السحر في هذا القسم، وأنه ليس للسحر حقيقة، وهذا خطأ، والصواب أن السحر ينقسم إلى هذين القسمين:

    سحر حقيقي، وسحر تخييلي.

    وذكرنا أيضاً فيما سبق: هل الساحر يستطيع أن يقلب الأعيان، أو لا يستطيع أن يقلب الأعيان يعني: يقلب الشيء من عين إلى عين أخرى؟

    قلنا: الصواب في ذلك: أنه لا يستطيع، وإلا لو استطاع الساحر أن يقلب من عين إلى عين أخرى لكان من أغنى الناس، وكانوا أيضاً ملوك الناس، فالصواب: أنه لا يستطيع.

    وتقدم أيضاً هل يكفر الساحر، أو لا يكفر، وأن أهل العلم اختلفوا في ذلك، فالجمهور: على أنه يكفر، ذهب الإمام أحمد ومالك وأبو حنيفة أنه كافر؛ لقول الله عز وجل: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102] .

    والرأي الثاني: رأي الشافعي رحمه الله، الشافعي يُفصل في هذه المسألة فيقول: يقال له: صف لنا سحرك؟ فإن وصف ما يستوجب الكفر مثل سحر أهل بابل من التقرب للكواكب، وأنها تفعل ما يُطلب منها، فهو كافر، وإن كان لا يصل إلى حد الكفر، فإنه لا يكفر إلا إذا اعتقد إباحته، فهو كافر لاستحلاله المحرم.

    يعني: الشافعي رحمه الله يقول: يقال للساحر: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يستوجب الكفر مثل سحر أهل بابل حيث إنهم يتقربون إلى الكواكب ويعتقدون أنها تفعل ما يُطلب منها، فهذا كافر، وكذلك لو اعتقد أن السحر مُباح، فهذا كافر، وإلا فلا.

    وقلنا فيما سبق: إن السحر ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ما هو كفر، وهو ما يكون بواسطة الشياطين، فهذا كفر؛ لأن الساحر يتقرب إلى الشيطان بما يريد، فيعطيه ما يسأل، فإذا كان بواسطة الشياطين، أو كما قال الشافعي رحمه الله ما يكون فيه تعظيم للكواكب، وأنها تفعل ما يُطلب منها.. إلخ، فهذا كفر.

    القسم الثاني: ما يكون عن طريق الأدوية والعقاقير، فهذا نقول بأنه ليس كفراً، وإنما هو من كبائر الذنوب.

    أيضاً قتل الساحر: هل يُقتل الساحر أو لا يُقتل الساحر؟

    للعلماء في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: رأي الجمهور: أن الساحر يُقتل.

    الرأي الثاني: رأي الشافعي رحمه الله: أن الساحر لا يُقتل إلا إذا فعل ما يبلغ الكفر بسحره فإنه يُقتل، هذا ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله.

    والصواب في هذه المسألة: أنه يُقتل سواء قلنا بأن سحره كفر، أو قلنا بأنه من كبائر الذنوب، يعني: سواء فعل السحر الذي يكون كفراً، أو ردة، أو فعل السحر الذي يكون كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقد ورد في حديث جندب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حد الساحر ضربه بالسيف ) أخرجه الترمذي لكنه ضعيف.

    وأيضاً هو الوارد عن الصحابة، ففي حديث بجالة قال: أتانا كتاب عمر قبل موته بسنة: أن اقتلوا كل ساحر، فقتلوا ثلاث سواحر، وهذا في صحيح البخاري ، وأيضاً رواه الإمام أحمد ؛ لكن في مسند الإمام أحمد : أن اقتلوا كل ساحر، هذه اللفظة ليست في البخاري هي في مسند الإمام أحمد رحمه الله فقط، وكذلك حفصة أمرت بجارية لها سحرتها أن تُقتل، والصواب في هذه المسألة: أن الساحر يُقتل.

    حكم إتيان السحر

    أيضاً من المسائل المتعلقة بمسألة السحر: حكم إتيان السحرة والكهنة.

    نقول بأن إتيان السحر ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يأتيهم ويصدقهم في أمرٍ غيبي مطلق، أو نسبي مع اعتقاد أن الشياطين لا تخبره، فإذا صدقهم في الغيب المطلق ما الحكم؟ كفر أكبر؛ لماذا؟ لأنه صرف شيئاً من خصائص الربوبية لغير الله عز وجل، فإن الغيب المطلق هذا لا يعلمه إلا الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [الأنعام:59].

    فالقسم الأول: إذا جاء السحرة وصدقهم في المطلق، أو صدقهم في الغيب النسبي مع اعتقاد أن الشياطين لا تخبرهم، فنقول بأن هذا شرك أكبر مخرج من الملة.

    أما الغيب المطلق، فهذا ظاهر أنه من خصائص الله عز وجل.

    أيضاً: الغيب النسبي يعني: ليس الغيب المطلق، وإنما هو غيب بالنسبة لمكان أو غيب بالنسبة لزمان، فنقول: إذا أخبره هذا الساحر عن أمر حدث، أو أمر سيحدث في بلد كذا، أو في زمن كذا ويعتقد أن الشياطين تخبرهم بذلك، فهذا ليس كفراً أكبر، وإنما هو كفر أصغر، وإن اعتقد أن الشياطين لا تخبرهم ففي هذا صرف شيء من خصائص الله عز وجل، هذا القسم الأول.

    القسم الثاني: أن يصدقهم في غيبٍ نسبي مع اعتقاد أن الشياطين تخبرهم، يعني: أخبره الساحر أنه سيحدث كذا في زمان كذا، أو في مكان كذا وهو يعتقد أن الشياطين تخبرهم بذلك، فهنا نقول بأنه كفر أصغر، وعقوبته عقوبتان:

    العقوبة الأولى: أنه كفر أصغر.

    والعقوبة الثانية: أنه لا تقبل له صلاة مدة أربعين يوماً.

    ويدل لذلك: حديث بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من أتى عرافاً فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوماً )، أخرجه الإمام أحمد في مسنده وإسناده صحيح.

    وأيضاً حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أتى عرافاً كفر بما أنزل على محمد ) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وإسناده صحيح بمجموع طرقه.

    القسم الثالث: أن يأتي السحرة والكهنة إتياناً مجرداً بدون سؤال، فهذا نقول بأنه محرم؛ لكنه ليس بكفر، محرم من باب سد الذرائع؛ ولهذا في حديث معاوية بن الحكم في صحيح مسلم أنه قال: ( قلت: يا رسول الله! إن منا رجالاً يأتون الكهان؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلا تأتهم )، فإذا أتاهم مجرد إتيان ولم يسألهم ولم يصدقهم، فنقول بأن هذا محرم ولا يجوز؛ لحديث معاوية بن الحكم رضي الله تعالى عنه، ولأن هذا أيضاً من باب سد الذرائع.

    القسم الرابع: أن يأتي هؤلاء الكهنة والسحرة لأجل سؤالهم، وامتحانهم، وتبيين كذبهم، وزيفهم، ودجلهم.. إلخ، فهذا لا بأس به، وقد يكون مشروعاً، وقد يكون واجباً؛ لأن هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أتى ابن صياد وسأله مع أن ابن صياد دجال من الدجاجلة، أتاه وسأله، وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ( اخسأ فلن تعدو قدرك )، فإتيانهم لأجل بيان عجزهم وكذبهم وزيفهم، نقول بأن هذا مشروع، وقد يكون واجباً.

    تلخص عندنا أن إتيان السحرة والكهنة ينقسم إلى هذه الأقسام الأربعة:

    القسم الأول: ما هو كفر أكبر مخرج من الملة، وذلك أن يصدقهم في الغيب المطلق، أو أن يصدقهم في الغيب النسبي مع اعتقاد أن الشياطين لا تخبرهم.

    القسم الثاني: كفر أصغر، وذلك أن يصدقهم في الغيب النسبي مع اعتقاد أن الشياطين تخبرهم، فهذا دلت السنة على أن عقوبته عقوبتان:

    العقوبة الأولى: أنه كفر أصغر.

    والعقوبة الثانية: لا تقبل له صلاة أربعين يوماً.

    القسم الثالث: أن يأتيهم فقط مجرد إتيان دون أن يصدقهم، أو أن يسألهم.. إلخ، فنقول بأن مجرد إتيانهم محرم ولا يجوز، ودليله حديث معاوية بن الحكم السلمي في صحيح مسلم فإنه قال: ( يا رسول الله إن منا رجالاً يأتون الكهان؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: فلا تأتهم ).

    والقسم الرابع والأخير: أن يأتيهم ويسألهم لكي يبين كذبهم وعجزهم ودجلهم.. إلخ، فنقول بأن هذا مشروع، ودليل ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى ابن صياد وسأله، وكذبه النبي عليه الصلاة والسلام.