إسلام ويب

شرح الأصول الثلاثة [14]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أرسل الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم وأكمل به الدين، وختم به المرسلين، ولم يتوفه حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وقد مات كما يموت البشر. وجميع الأنبياء من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم دعوتهم واحدة، وهي إثبات العبودية لله عز وجل وحده ونفيه

    1.   

    الدليل على إكمال الدين برسالة النبي صلى الله عليه وسلم

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: قال المؤلف رحمه الله: [وكمل الله به الدين، والدليل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    والدليل على موته صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30].

    والناس إذا ماتوا يبعثون، والدليل قوله تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]، وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا [نوح:17-18].

    وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم، والدليل قوله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31] ].

    قال المؤلف رحمه الله: (وأكمل الله به الدين، والدليل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]).

    أكمل الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام الدين، فلم يمت النبي صلى الله عليه وسلم إلا ودينه قد اكتمل، ودليل ذلك ما استدل به المؤلف رحمه الله: أن الله عز وجل قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    وأيضاً قال أبو ذر : (ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم طائراً يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً).

    وأيضاً حديث سلمان أنه قال: (علمكم نبيكم حتى الخراءة؟ قال: نعم، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي برجيع أو عظم).

    ويترتب على هذا أنه لا يشرع غير ما شرعه الله في كتابه وما شرعه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في سنته من العبادات؛ لأن الأصل في العبادات المنع والحظر؛ لأن الدين قد اكتمل، ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: من ابتدع بدعةً فقد زعم أن محمداً خان الرسالة. والله عز وجل يقول: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21].

    1.   

    الدليل على موته صلى الله عليه وسلم

    قال: (والدليل على موته صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر:30-31]).

    يبين الشيخ في هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم ميت، وأنه كغيره من البشر، إلا أن الفرق بيننا وبينه أنه يوحى إليه، كما قال سبحانه وتعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف:110] ، فليس له شيء من خصائص الألوهية؛ ولأن الله عز وجل قال له: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128].

    وفي هذا رد على أهل الخرافة والقبوريين والصوفية الذين يتمسكون بدعاء الأموات والأولياء، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم -وهو أعظم الناس جاهاً وأشرفهم نسباً وأكرمهم عند الله عز وجل- ميت ومات كما يموت سائر البشر، فإنه لا يصرف لأحد شيء من خصائص الألوهية.

    1.   

    الدليل على البعث والنشور

    قال رحمه الله: (والناس إذا ماتوا يبعثون، والدليل قوله تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]).

    الناس إذا ماتوا يبعثون، وهذا يثبته أهل الإسلام، ولا ينكره إلا الملاحدة، حتى النصارى وحتى اليهود يثبتون البعث، لكن الذي ينكر البعث هم الملاحدة الزنادقة.

    والإيمان بالبعث داخل في الإيمان باليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر من أركان الإيمان، وتقدم الدليل على ذلك.

    والبعث: هو إخراج الناس من قبورهم لمجازاتهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

    قال رحمه الله: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا [نوح:17-18].

    والأدلة على البعث كثيرة جداً، من الأدلة على ذلك أن الرسل جاءت به، وأرسلت به إلى قومها؛ ولهذا كما قلنا: إنكم تؤمنون به أهل الإسلام، وحتى الأديان الأخرى كالنصرانية واليهودية اليوم يؤمنون بالبعث، وأنه سيبعث الإنسان... إلى آخره.

    وذكر المؤلف رحمه الله شيئاً من الأدلة، منها قوله سبحانه وتعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا [نوح:17-18].

    وقوله سبحانه وتعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55].

    أيضاً الدليل الثاني: أن الله عز وجل خلق السموات والأرض، فمن قدر على خلق السموات والأرض قادر على إعادة الإنسان مرةً أخرى، كما قال سبحانه وتعالى: لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر:57].

    كذلك من الأدلة: أن الذي خلق الإنسان أول مرة قادر على أن يخلقه مرةً أخرى، كما قال سبحانه وتعالى في سورة يس: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79].

    وكذلك من الأدلة: أن الله عز وجل يشبه البعث بإحياء الأرض الميت، وهذا كثير في القرآن، ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى [فصلت:39] .

    ومن الأدلة على ذلك: حصول إحياء الأموات في الدنيا، وقد ذكره الله عز وجل في سورة البقرة في خمسة مواضع:

    الموضع الأول: في قتيل بني إسرائيل، فإن الله عز وجل أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة وأن يأخذوا جزءاً منها وأن يضربوا به هذا الميت ويحيا بإذن الله عز وجل.

    والموضع الثاني: في الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ [البقرة:243].

    والموضع الثالث: في قصة الرجل الذي مر على القرية وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ [البقرة:259].

    والموضع الرابع: في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا [البقرة:260].

    1.   

    الدليل على إثبات الحساب ومعناه

    قال المؤلف رحمه الله: [وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم، والدليل قوله تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31] ].

    بعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم، والحساب في اللغة: العد. وأما في الاصطلاح فهو بالنسبة للمؤمن: توقيفه على أعماله، وبالنسبة للكافر: مناقشته عليها.

    والإيمان بالحساب داخل في الإيمان باليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] .

    ومن السنة: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.

    وإجماع أهل السنة والجماعة على ذلك.

    قال: (والدليل قوله تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31]).

    قال: [ومن كذب بالبعث كفر، والدليل قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7] ].

    فالذي يكذب بالبعث هذا كافر كما ذكر الشيخ؛ لأنه مكذب لله ولرسوله، والله عز وجل أخبر عن البعث، والرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عنه.

    1.   

    الحكمة من إرسال الرسل

    قال رحمه الله: [وأرسل جميع الرسل مبشرين ومنذرين].

    قوله: (مبشرين) البشارة: الإخبار بما يسر، وقد تستعمل في الإخبار بما يضر على وجه التهكم، والإنذار: هو الإعلام المقرون بالتخويف، فهم يبشرون بمن أطاعهم، وينذرون من عصاهم.

    قال: [والدليل قوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] ]. وفي هذا بيان حكمة من حكم إرسال الرسل، وإرسال الرسل له حكمتان:

    الحكمة الأولى: إقامة الحجة على الناس، كما قال سبحانه وتعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165].

    والحكمة الثانية: رحمة الخلق، كما قال سبحانه وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].

    1.   

    أول الرسل وآخرهم وذكر دعوتهم جميعاً

    قال رحمه الله: [وأولهم نوح عليه السلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم].

    والدليل على أن أولهم نوح قول الله عز وجل: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163] ].

    وأيضاً في حديث الشفاعة الطويل، فإن الناس يأتون إلى آدم، ثم يأتون إلى نوح ويقولون: أنت أول رسول ...، فهذا دليل على أن نوح عليه الصلاة والسلام هو أول رسول لأهل الأرض؛ لقولهم: (أنت أول رسول أرسله إلى أهل الأرض).

    وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقول الله عز وجل: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40] .

    وأيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا نبي بعدي).

    قال: [وكل أمة]. المراد بالأمة هنا: الطائفة من الناس [بعث الله إليها رسولاً من نوح إلى محمد يأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن عبادة الطاغوت].

    والدليل على أن كل أمة بعث فيها رسول: قول الله عز وجل: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24].

    وأيضاً قول الله عز وجل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

    قال: [وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله].

    يعني: كلمة لا إله إلا الله، الكفر بالطاغوت والإيمان بالله.

    فمن يؤمن بالله ويكفر بالطاغوت فقد استمسك بالعروة الوثقى، فلا بد من إفراد الله عز وجل بالعبادة، ولا بد أيضاً من الكفر بكل ما سوى الله عز وجل، يعني: من كل ما يعبد من دون الله عز وجل هذا لا بد من الكفر به، ولا يكفي أن يقول: أؤمن بالله وأفرده ولا أكفر بالطاغوت، نقول: لا يتم الإيمان، ولا يتحقق كلمة: لا إله إلا الله إلا بالكفر بالطاغوت.

    والله أعلم.