إسلام ويب

شرح الأصول الثلاثة [13]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأصل الثالث الذي يجب على الإنسان علمه: معرفة النبي صلى الله عليه وسلم، فيعرف نسبه، وحياته، وأنه أرسل إلى الثقلين وفرض عليهما طاعته، كيف لا وهو قد حث على كل خير وحذر من كل شر، والهجرة باقية إلى يوم القيامة، وقد تكون واجبة في حق من لم يقدر على إظهار شعائر

    1.   

    تابع الأصل الثالث: معرفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المصنف رحمنا الله وإياه: [أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر عرج به إلى السماء، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وصلى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أمر بالهجرة].

    قال الشيخ رحمه الله: (أخذ على هذا عشر سنين) الإشارة في قوله: (على هذا) ما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام من الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأذان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين.

    قوله: (أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد).

    أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، فالنبي عليه الصلاة والسلام من بعثته إلى أن توفاه الله عز وجل وهو يدعو إلى التوحيد، كما قال سبحانه وتعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف:110] ، فالذي يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل إله واحد -يعني: يفرد بالعبادة دون ما سواه-.

    قال: (وبعد العشر عرج به إلى السماء) يعني: بعد عشر سنوات عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء، أولاً أسري به من مكة إلى بيت المقدس، وهناك صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك عرج به إلى السماء بدابة يقال لها: البراق -فوق الحمار ودون البغل- يضع خطوه عند منتهى بصره.

    وقصة المعراج معروفة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرج به إلى السماء، ثم أتى السماء الأولى واستفتح ووجد فيها آدم عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك رحب به آدم وقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح... إلى آخره، ثم عرج به إلى السماء الثانية، ووجد فيها ابني الخالة -عيسى عليه الصلاة والسلام ويحيى- ورحبا به، ثم عرج به إلى السماء الثالثة ووجد فيها يوسف عليه الصلاة والسلام، ورحب به يوسف عليه الصلاة والسلام، ثم عرج إلى السماء الرابعة فوجد بها إدريس عليه الصلاة والسلام ورحب به، ثم عرج به إلى السماء الخامسة فوجد هارون عليه الصلاة والسلام، ثم عرج به إلى السماء السادسة فوجد موسى عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك عرج به إلى السماء السابعة فوجد إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

    (وصلى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة).

    وفرضت عليه الصلوات الخمس، وأول ما فرض عليه -عليه الصلاة والسلام- خمسون صلاة، ولم يزل النبي عليه الصلاة والسلام بين موسى وبين ربه حتى جعلهن الله عز وجل خمساً في الفعل وخمسين في الميزان، فهذا من رحمة الله عز وجل.

    1.   

    تعريف الهجرة وحكمها

    قال المؤلف رحمه الله: [وصلى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أمر بالهجرة: إلى المدينة، والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام].

    الهجرة في اللغة: الانتقال.

    وأما في الاصطلاح: فهي الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.

    والهجرة تنقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: الهجرة الواجبة، والهجرة الواجبة هذه في حق من لم يتمكن من إظهار الدين مع قدرته على الهجرة فإذا توفر هذان الأمران: لا يتمكن من إظهار دينه، وهو قادر على الهجرة فنقول: الهجرة في حقه واجبة.

    وهذه دليلها القرآن والسنة والإجماع.

    أما القرآن: فقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:97].

    وأيضاً ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قال -وإسناده حسن-: (إن الله لا يقبل من مشرك أسلم عملاً حتى يفارق المشركين).

    والإجماع قائم على ذلك كما ذكر ابن كثير وغيره، هذا القسم الأول: الهجرة الواجبة، يتوفر فيها أمران: القدرة على الهجرة، والثاني: لا يتمكن من إظهار الدين.

    القسم الثاني: من يتمكن من إظهار الدين، ويقدر على الهجرة، فهل يجب عليه أن يهاجر أو لا يجب عليه أن يهاجر؟ يتمكن من إظهار الدين، ويقدر على الهجرة، هذا موضع خلاف، فيه رأيان:

    الرأي الأول: أنه لا يجب عليه أن يهاجر، هذا قال به جمع من أهل العلم، منهم الشيخ عبد الرحمن بن حسن ، والشيخ عبد الرحمن السعدي وغيرهما؛ لأنه ما دام أنه متمكن من إظهار دينه فليظهر دينه.

    والقول الثاني: أنه يجب عليه أن يهاجر، وهذا رأي الشوكاني .

    والأقرب والله أعلم هو الرأي الأول -أنه لا يجب عليه أن يهاجر ما دام أنه متمكن من إظهار دينه، ولو كان قادراً على الهجرة، لكن بشرط، أيضاً نضيف شرطاً آخر في وقتنا اليوم؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم هاجروا وبقي أناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في المدينة، فنضيف إلى ذلك أن يأمن على نفسه من الشبهات والشهوات، فلا بد أن يأمن خصوصاً في وقتنا اليوم من الشبهات والشهوات.

    القسم الثالث: أن لا يتمكن من إظهار الدين ولا يستطيع الهجرة.

    إذا كان لا يتمكن من إظهار الدين ولا يستطيع الهجرة فهذا غير واجب عليه أن يهاجر؛ لأن الله عز وجل قال: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء:98].

    1.   

    حكم الإقامة في بلاد الكفر

    يقول: [والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام].

    وبهذا نعرف حكم الإقامة في بلد الكفر، نقول: يشترط في الإقامة في بلد الكفر أن يكون قادراً على إظهار دينه، قال بعض العلماء: المراد بإظهار الدين أن يظهر كل الدين من الأعمال والعقائد، فيظهر الصلاة -الجماعة والجمعة- والصيام، والزكاة، كل الدين يظهره.

    قال بعض العلماء: إن المراد بإظهار الدين: هو أن يظهر الشعائر الظاهرة من الصلاة ونحوها، وهذا أقرب، إذا أظهر الشعائر الظاهرة نقول: هذا لا بأس.

    فنقول: الإقامة في بلد الكفر يشترط لها أولاً: القدرة على إظهار الدين، هذا الشرط الأول.

    الشرط الثاني: أن يأمن على دينه من الشبهات والشهوات، وإلا فإنه يجب عليه أن يفارق إذا قدر على ذلك.

    قال رحمه الله: [والدليل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ... [النساء:97].

    وقوله تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56].

    قال البغوي رحمه الله: سبب نزول هذه الآية: في المسلمين الذين بمكة ولم يهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان.

    والدليل على الهجرة من السنة: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)].

    ذكرنا أن الهجرة إلى بلاد الكفر تنقسم لثلاثة أقسام:

    القسم الأول: هجرة واجبة، وهي لمن كان متمكناً من الهجرة ولا يستطيع أن يظهر دينه.

    والقسم الثاني: هجرة مستحبة، وهي لمن كان متمكناً من إظهار دينه، وأيضاً يقدر على الهجرة، نقول: يستحب له أن يهاجر.

    القسم الثالث: الذي لا يستطيع أن يظهر دينه، ولا يتمكن من الهجرة، نقول: هذا لا شيء عليه.

    1.   

    الأدلة على وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه

    قال رحمه الله: [فلما استقر في المدينة أمر ببقية شرائع الإسلام، مثل: الزكاة، والصوم، والحج، والأذان، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين، وتوفي صلوات الله وسلامه عليه ودينه باق، وهذا دينه].

    يكون قوله في ما تقدم: (أخذ على هذا عشر سنين). في ما يتعلق بالدعوة إلى التوحيد، وقوله هنا: (أخذ على هذا عشر سنين). في ما يتعلق بالأمر ببقية شرائع الإسلام، من الزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والأذان، والأمر بالمعروف وغير ذلك.

    قال رحمه الله: [ودينه باق، وهذا دينه، لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه، والخير الذي دلها عليه التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذرها منه الشرك وجميع ما يكره الله ويأباه، بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض طاعته على جميع الثقلين: الجن والإنس، والدليل قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] ].

    النبي عليه الصلاة والسلام مرسل إلى الثقلين: الجن والإنس، وهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إنه بعث إلى الناس عامة، والنبي فيمن كان قبله يبعث إلى قومه خاصة، والجن ليس منهم رسل، وإنما منهم نذر.

    وقوله: (وافترض طاعته على جميع الثقلين).

    يدل لذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59].

    وأيضاً قول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7].

    وأيضاً قول الله عز وجل: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [النور:54].

    وأيضاً يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)، والأدلة على ذلك كثيرة.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.