إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الفضائل [6]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحياء خلق حميد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وهذا من حسن خلقه، بل ما ضرب صبياً ولا امرأة ولا عبداً، وإنما كان ينتقم ويغضب إذا انتهكت حرمات الله عز وجل، أو يجاهد في سبيل الله. ومن رفقه بالمسلمين أنه كان له حاد حسن الصوت،

    1.   

    حياء النبي صلى الله عليه وسلم

    قوله: [ باب: كثرة حيائه صلى الله عليه وسلم ].

    هذا التبويب ليس من مسلم ، بل من الإمام النووي رحمه الله.

    قال مسلم رحمه الله تعالى: [ حدثني عبيد الله بن معاذ ، قال: حدثنا شعبة ، عن قتادة ، سمع عبد الله بن أبي عتبة يحدث عن أبي سعيد الخدري ، ح، وحدثنا زهير بن حرب ، ومحمد بن المثنى ، وأحمد بن سنان ، قال زهير : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن شعبة ، عن قتادة ، قال: سمعت عبد الله بن أبي عتبة يقول: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه ).

    حدثنا زهير بن حرب ، وعثمان بن أبي شيبة ، قالا: حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن مسروق ، قال: دخلنا على عبد الله بن عمرو حين قدم معاوية إلى الكوفة، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً. وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من خياركم أحاسنكم أخلاقاً )، قال عثمان : حين قدم مع معاوية إلى الكوفة.

    وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة ، قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع ، ح، وحدثنا ابن نمير ، حدثنا أبي، ح، وحدثنا أبو سعيد الأشج ، قال: حدثنا أبو خالد يعني الأحمر ، كلهم عن الأعمش بهذا الإسناد مثله.

    حدثنا يحيى بن يحيى ، أخبرنا أبو خيثمة ، عن سماك بن حرب ، قال: قلت لـجابر بن سمرة : (أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، كثيراً كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون، ويتبسم صلى الله عليه وسلم ).

    حدثنا أبو الربيع العتكي ، وحامد بن عمر ، وقتيبة بن سعيد ، وأبو كامل ، جميعاً عن حماد بن زيد ، قال أبو الربيع : حدثنا حماد ، قال: حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وغلام أسود يقال له: أنجشة يحدو، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا أنجشة ! رويدك سوقاً بالقوارير ).

    وحدثنا أبو الربيع العتكي ، وحامد بن عمر ، وأبو كامل ، قالوا: حدثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس بنحوه.

    وحدثني عمرو الناقد ، وزهير بن حرب ، كلاهما عن ابن علية ، قال زهير : حدثنا إسماعيل ، حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على أزواجه وسواق يسوق بهن يقال له: أنجشة ، فقال: ( ويحك يا أنجشة ! رويداً سوقك بالقوارير )، قال: قال أبو قلابة : تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه.

    وحدثنا يحيى بن يحيى ، أخبرنا يزيد بن زريع ، عن سليمان التيمي ، عن أنس بن مالك ، ح، وحدثنا أبو كامل ، حدثنا يزيد ، حدثنا التيمي ، عن أنس بن مالك ، قال: كانت أم سليم مع نساء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوق بهن سواق، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ( أي أنجشة ! رويداً سوقك بالقوارير ).

    وحدثنا ابن المثنى ، حدثنا عبد الصمد ، قال: حدثنا همام ، قال: حدثني همام ، قال: حدثنا قتادة ، عن أنس قال: (كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاد حسن الصوت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: رويداً يا أنجشة ! لا تكسر القوارير )، يعني: ضعفة النساء.

    وحدثناه ابن بشار ، قال: حدثنا أبو داود ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر: حاد حسن الصوت ].

    شدة حيائه صلى الله عليه وسلم

    قال مسلم رحمه الله تعالى: [ حدثني عبيد الله بن معاذ ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة ، عن قتادة ، سمع عبد الله بن أبي عتبة يحدث عن أبي سعيد الخدري ، ح، وحدثنا زهير بن حرب ، ومحمد بن المثنى ، وأحمد بن سنان، قال زهير : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن شعبة ، عن قتادة ، قال: سمعت عبد الله بن أبي عتبة يقول: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها ) ].

    الحياء خلق فاضل، وهو من أخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومن أخلاق المؤمنين، وهو شعبة من شعب الإيمان، والحياء خلق يبعث على فعل الجميل وترك القبيح، والنبي صلى الله عليه وسلم اتصف بهذا الوصف، بل الله سبحانه وتعالى من صفاته صفة الحياء، وهذا يدل على فضيلة هذا الخلق وهذه الصفة.

    وقوله: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء)، العذراء هي البكر، وسميت البكر عذراء لأن عذرتها لا تزال باقية، يعني: بكارتها لا تزال باقية.

    (وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه)، وهذا من شدة حيائه عليه الصلاة والسلام؛ لأن الحياء كما تقدم لنا أنه خلق يبعث على فعل الجميل وترك القبيح.

    وفي هذا الحديث فضيلة هذا الخلق، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يتصف بهذا الخلق، وفيه أيضاً أن الأصل في الجارية أنها تكون على هذا الوصف؛ لقوله: (أشد حياء من العذراء في خدرها)، بل الأصل أن الجارية تكون شديدة الحياء، وعلى هذا إذا خالفت الحياء نقول: بأنها خرجت عن الأصل الذي يجب أن تكون عليه، وأن تكون فطرت عليه، ومع هذا تجد مع الأسف الشديد اليوم بسبب ضعف الإيمان، والبعد عن نور السنة، وغزو هؤلاء الكفار لنساء المسلمين، تجد اليوم أن كثيراً من نساء المسلمين خرجت عن هذا الأصل وهو الحياء، والله عز وجل قال عن ابنة شعيب : فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25] ، فالأصل في أمر المرأة الحشمة والحياء والعفاف، وكونها تخالف هذا الأصل نقول: بأنها صادمت ما فطرت عليه.

    وفيه أيضاً أن من شدة حياء النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا كره شيئاً عرف في وجهه، وكراهة النبي صلى الله عليه وسلم هي الكراهة الشرعية، يعني: إذا كره شيئاً كراهة شرعية، إما لفعل محرم، أو لترك واجب ونحو ذلك، فإنه يعرف في وجهه عليه الصلاة والسلام.

    ويحتمل أيضاً أن تدخل الكراهة الشخصية، يعني: الكراهة إما أن تكون كراهة شرعية، وإما أن تكون كراهة شخصية، وسيأتينا أيضاً في صفات النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما انتقم لنفسه قط، فقد يؤذى عليه الصلاة والسلام ويكره هذا الشيء، ويعرف ذلك في وجهه عليه الصلاة والسلام، فالكراهة إما أن تكون كراهة شرعية، وإما أن تكون كراهة شخصية.

    وقوله: (في خدرها)، يؤخذ منه أن الأصل في أمر المرأة أن تكون في خدرها، والأصل هو القرار في البيت.

    اتصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم الفحش والتفحش

    قال: [ وحدثنا زهير بن حرب ، وعثمان بن أبي شيبة ، قال: حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن مسروق ، قال: دخلنا على عبد الله بن عمرو حين قدم معاوية إلى الكوفة، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ) ].

    (لم يكن فاحشاً)، الفحش قيل بأنه: البذاء، وقيل: بأن الفحش: هو الخروج أو الزيادة في الذنب والمعصية، يعني: الخروج عن الحد، والزيادة في الذنب والمعصية.

    (لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً). يعني: متعمداً للفحش لحصول الذنب والمعصية.

    قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من خياركم أحسانكم أخلاقاً)، حسن الخلق كما تقدم لنا أنه بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه.

    وحسن الخلق ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: فطري، فبعض الناس يفطر على حسن الخلق، من الكرم والحياء والعفاف والصدق ونحو ذلك، ومنه ما هو مكتسب، فالحلم بالتحلم، والعلم بالتعلم، فيستطيع المسلم أن يربي نفسه على الحلم والعفاف والكرم والصدق، وغير ذلك من محاسن الأخلاق، وترك رديء الأخلاق.

    وفي هذا الحديث التذكير من العالم، ونقل سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه ما اتصف به النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً.

    وفيه أن الفحش ليس من صفات المؤمنين، وكذلك أيضاً التفحش ليس من صفات المؤمنين، بل من صفات المؤمنين حسن الخلق.

    وفي ذلك حسن الخلق، وفيه أن مرتبة الخيرة تنال بحسن الخلق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن من خياركم أحاسنكم أخلاقاً )، فهذه الخيرية تنال بعدة أسباب، ومن هذه الأسباب كون الإنسان حسن الخلق، فإذا كان الإنسان حسن الخلق، فإنه ينال مرتبة الخيرية، كما أن من أسباب نيل هذه المرتبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران:110]، ومن أسباب نيل هذه المرتبة تعلم القرآن وتعليمه، ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ).. إلى آخره.

    وفي ذلك فضيلة حسن الخلق.

    1.   

    تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكم الكلام في المسجد

    قال: [وحدثنا يحيى بن يحيى ، قال: أخبرنا أبو خيثمة ، عن سماك بن حرب ، قال: قلت لـجابر بن سمرة : (أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم كثيراً، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم)].

    في هذا مشروعية الجلوس في المصلى بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس، وهذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه إثبات صلاة الجماعة، وفيه أيضاً أنه إذا طلعت الشمس فإن الإنسان يقوم، يعني: يجلس إلى أن تطلع الشمس.

    وفي هذا أيضاً الحديث في الأمور المباحة في المسجد، وأن هذا جائز ولا بأس به، وسبق أن قسمنا ما يتعلق بالحديث في المسجد، وأنه ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: الحديث في الأمور المحرمة أو المكروهة، هذا أمره ظاهر، فالمحرم محرم، والمكروه مكروه.

    والقسم الثاني: ما يتعلق بالعقود، من بيع وشراء وإجارة وشركة، والعقود التي يقصد منها الكسب والتجارة، هذه لا تجوز في المسجد.

    القسم الثالث: ما يتعلق بالعقود التي لا يقصد منها الكسب والتجارة، كعقد النكاح، فهذا العلماء رحمهم الله يقولون: يسن أن يكون في المسجد؛ لكن السنية هذه لا دليل عليها؛ لكن أقل شيء أن نقول: بأنه مباح في المسجد.

    القسم الرابع: الكلام بأمر الدنيا، كأن يسأله عن أحوال الزراعات، والصناعات، والتجارات، والبيع، والشراء، دون أن يكون هناك عقد، فهذا كرهه العلماء، قال العلماء: ويكره الخوض في أمور الدنيا.

    القسم الخامس: الحديث في الأمور المباحة، كحديث الصحابة، كانوا يتحدثون في أخبار الجاهلية ونحو ذلك، دون أن يكون هناك إيذاء لأحد من غيبة ونميمة ونحو ذلك، فهذا جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على ذلك.

    القسم السادس: الحديث في الأمور المشروعة، من الدعوة، وتعليم العلم، والسؤال عن العلم ونحو ذلك، فهذا نقول: بأنه مشروع.

    وفي هذا أيضاً الحديث في أخبار الأمم، وأمور التاريخ والسير ونحو ذلك، وأن هذا جائز ولا بأس به.

    وفي هذا أيضاً الضحك في المسجد إذا وجد سببه، وأن هذا جائز ولا بأس به.

    وفيه تبسم النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو ضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان ضحكه تبسماً.

    1.   

    رفق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنساء وحسن عشرته

    قال: [ وحدثنا أبو الربيع العتكي ، وحامد بن عمر ، وقتيبة بن سعيد ، وأبو كامل ، جميعاً عن حماد بن زيد ، قال أبو الربيع : حدثنا حماد ، قال: حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وغلام أسود يقال له: أنجشة يحدو، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا أنجشة ! رويدك سوقاً بالقوارير ) ].

    قول النبي صلى الله عليه وسلم: (رويدك)، أي: رفقاً، يعني: الأمر بالرفق، وقوله: (سوقاً بالقوارير)، المراد بالقوارير: النساء.

    معنى: (سوقاً بالقوارير)

    واختلف العلماء رحمهم الله في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (رويدك سوقاً بالقوارير)، فقيل بأن معنى ذلك: أن أنجشة رضي الله تعالى عنه كان حسن الصوت، وكان إذا حدا، يعني: أنشد، تسرع الإبل، لأن الإبل يحركها هذا الحداء فتسرع، فإذا أسرعت الإبل حصل شيء من إيذاء الراكب؛ لأن الإبل ستسرع، وربما حصل مشقة، أو أذية للراكب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( رويدك يا أنجشة ! رفقاً بالقوارير، أو سوقاً بالقوارير ).

    وقال بعض العلماء: إن معنى الحديث: أن المرأة إذا سمعت حسن الصوت ربما حصل لها شيء من الميل إلى هذا الصوت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا أنجشة ! رويدك سوقاً بالقوارير )، فيحتمل هذا ويحتمل هذا.

    والذي يظهر والله أعلم هو المعنى الأول، أن الإبل إذا حصل هذا الحداء أسرعت فحصل شيء من الأذية لمن ركبها.

    القيود التي يجوز معها النشيد

    ويؤخذ من هذا الحديث جواز الحداء وخصوصاً في السفر، وهو ما يتعلق بالنشيد، لكن هذا يقيد بقيود:

    القيد الأول: ألا يكثر منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يفعله دائماً، وإنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في السفر، والسفر يرخص فيه ما لا يرخص بالحضر، ولهذا ثبتت رخص السفر من الجمع والقصر والمسح ثلاثة أيام على الخف.. إلى آخره.

    فنقول: الأول: ألا يكثر منه.. ولأن الإنسان كما ذكر ابن القيم : أنه إذا أكثر من المباح صده ذلك عن النافع، من سماع القرآن والسنة وغير ذلك.

    ثانياً: ألا يتضمن ذلك محظوراً شرعياً، كالتشبه بأهل الفسق أهل الغناء، وهذا ما يحصل اليوم، يعني: كثير من أمور النشيد اليوم فيها تشبه بأهل الفسق، وأهل الغناء، فإذا كان شيء من ذلك فإنه يدخل في النهي.

    وفي هذا أيضاً حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (رويدك يا أنجشة )، يعني: الأمر بالرفق.

    وفي هذا ما بنيت عليه المرأة من الضعف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شبهها بالقوارير، والقارورة مبنية على الضعف؛ لأنها معرضة للكسر، فالانكسار يتسارع إليها، وهذا يقتضي الرفق بالمرأة والعطف عليها، وأيضاً مصابرة المرأة إذا حصل عندها شيءٌ من الخلل ونحو ذلك.

    وفي هذا أيضاً أنه يرخص في السفر ما لا يرخص في الحضر.

    وفيه أيضاً أن سماع المرأة لنشيد الرجل جائز ولا بأس به إذا لم يترتب على ذلك فتنة.

    وفي هذا أيضاً السوق بالنساء، واستخدام الخدم ونحو ذلك.

    قال: [ وحدثنا أبو الربيع العتكي ، وحامد بن عمر ، وأبو كامل ، قالوا: حدثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس بنحوه.

    قال: وحدثني عمرو الناقد ، وزهير بن حرب ، كلاهما عن ابن علية ، قال زهير : حدثنا إسماعيل ، قال: حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على أزواجه وسواق يسوق بهن يقال له: أنجشة ، فقال: ويحك يا أنجشة ! رويداً سوقك بالقوارير ) ].

    قوله عليه الصلاة والسلام: (ويحك)، قيل: بأن ويح هذه لمن وقع في الهلكة، وقيل: لمن أشرف في الوقوع في الهلكة، وتقدم الكلام على هذه اللفظة.

    قال: [ قال أبو قلابة : تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه.

    وحدثنا يحيى بن يحيى ، قال: أخبرنا يزيد بن زريع ، عن سليمان التيمي، عن أنس بن مالك ، ح، وحدثنا أبو كامل ، قال: حدثنا يزيد ، قال: حدثنا التيمي ، عن أنس بن مالك ، قال: كانت أم سليم مع نساء النبي صلى الله عليه وسلم وهن يسوق بهن سواق، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ( أي أنجشة ! رويداً سوقك بالقوارير ) ].

    وفي هذه حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله، حيث أمر أنجشة بأن يرفق في الحداء؛ لأن مواصلة الحداء يؤدي كما تقدم لنا إلى أذية الراكب إذا قلنا بأن الإبل يبعثها الحداء على الإسراع.

    1.   

    التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم

    قال: [حدثنا مجاهد بن موسى ، وأبو بكر بن النضر بن أبي النضر ، وهارون بن عبد الله ، جميعاً عن أبي النضر ، قال أبو بكر : حدثنا أبو النضر يعني: هشام بن القاسم ، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك ، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها، وربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها)].

    في هذا إثبات الخدم، والمقصود بالخدم: هم الأرقاء، يعني: كان الرق موجوداً في ذلك الزمن، كان رب العائلة يشتري الرقيق لكي يساعده في خدمة البيت.

    وفي هذا الحديث إثبات بركة النبي صلى الله عليه وسلم البركة الحسية.

    البركة تنقسم إلى قسمين:

    بركة معنوية؛ وهذه ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فصاحب العلم يتبرك بعلمه، وبتعليمه وإرشاده وتوجيهه، وصاحب الدعوة يتبرك بدعوته، وصحاب الخلق يتبرك بحسن خلقه ويقتدي الناس بذلك.. إلى آخره، هذه بركة معنوية.

    القسم الثاني: بركة حسية، وهذه خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتبركون به بركة حسية، يتبركون بعرقه وبجلده وبشعره وبريقه ومخاطه، هذه بركة حسية خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يشركه فيها أحد.

    وما يذكره بعض شراح الحديث من إثبات البركة للصالحين غير صحيح، كذلك أيضاً ما يفعله أهل الخرافة من الصوفية والقبوريين أنهم يتبركون بمتبوعيهم وعلمائهم، فهذه كلها من البدع، لأن البركة الحسية هذه خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعهد أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يتبركون بـأبي بكر ، ولا عمر ، ولا عثمان ، ولا علي ، وهم أفضل الأمة بعد نبيها محمد صلى الله عليه وسلم.

    وفي هذا أيضاً حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يرد هؤلاء الخدم، فيغمس يده في الغداة الباردة، يعني في اليوم، وقد يكون فيه شيء من المشقة لبرودة الماء.

    قال: [ وحدثنا محمد بن رافع ، قال: حدثنا أبو النضر ، قال: حدثنا سليمان ، عن ثابت ، عن أنس ، قال: (لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه، وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل)].

    وفي هذا كما تقدم تبرك الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بركة حسية.

    1.   

    حسن خلق رسول الله ومراعاته للضعفة

    قال: [ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال: حدثنا يزيد بن هارون ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، ( أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله! إن لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان! انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها )].

    في هذا حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ومراعاته للضعفة، يعني: حتى هذه المرأة التي في عقلها شيء، ويبدو أن عندها نقصاً في عقلها، فهي من المعتوهين، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لبى حاجتها، وهذا من حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفيه أيضاً التواضع لهؤلاء الذين يكون في عقلهم شيء من النقص؛ لأنه ينبغي للإنسان أن يتواضع لهم، وأن يتواضع للضعفة من النساء والصغار والمجانين والمعتوهين، وأن يقوم بحوائجهم، وألا يزدري هؤلاء أو يحتقرهم.

    وفي هذا أيضاً العمل على قضاء حوائج الناس، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، وفي هذا أيضاً خلوة النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة، وهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم له خصائص، فله أن يخلو بالمرأة الأجنبية، وله أن يمسك يدها، وأن يمسها، وله أن يدخل عليها في بيتها ونحو ذلك، هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم له خصائص لا يشركه فيها أحد، وفي قراءة في سورة الأحزاب: (وهو أبٌ لهم)، فكما أن زوجاته أمهات المؤمنين أيضاً هو أب للمؤمنين، فهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا خلا بها في بعض الطرق حتى عرف حاجتها.

    وفيه أيضاً السماع إلى حاجات الناس، وفيه أيضاً المحافظة على أسرار الناس، وستر الناس.. إلى آخره، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة.

    1.   

    رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأمته

    قال: [ وحدثنا قتيبة بن سعيد ، عن مالك بن أنس فيما قرئ عليه، ح، وحدثنا يحيى بن يحيى ، قال: قرأت على مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: ( ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله عز وجل ) ].

    في هذا أيضاً رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما.

    والمقصود بقوله: (ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً). قال بعض العلماء: إن المقصود بذلك: هو تخيير الله عز وجل له، فيخيره بين قتال الكفار مثلاً أو أخذ الجزية، فالأيسر أن يأخذ الجزية، أو مثلاً في عقوبة الكفار؛ بين أن يقتل أو يأخذ منهم الجزية إلى آخره.

    والذي يظهر والله أعلم أن المقصود: أنه إذا عرض له أمران من أمور الدنيا، أو عرض له أمران من أمور الدين، فإنه يختار أيسرهما ما لم يكن ذلك إثماً، مثلاً من أمور الدنيا عرض له أمران: إما السفر على هذه الراحلة، أو السفر على هذه الراحلة، والسفر على هذه الراحلة أيسر، أو السفر في هذا الوقت أو في هذا الوقت، والسفر في هذا الوقت أيسر، فيختار الأيسر، ومن أمور الدين إذا عرض له إما الجمع أو عدم الجمع، فهنا يختار النبي صلى الله عليه وسلم الأيسر والأرفق ما لم يكن إثماً.

    وفي هذا استحباب الأخذ بالأيسر والأرفق، وفي هذا مجانبة النبي صلى الله عليه وسلم للإثم.

    واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أنه إذا اختلف العلماء على قولين، فبأي القولين يأخذ العامي؟ نقول: يأخذ العامي بقول أوثق العالمين علماً وورعاً، فإن استويا في العلم والورع فهذا موضع خلاف، فقال بعض العلماء: يأخذ بالأرفق والأسهل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وقال بعض العلماء: يأخذ بالأحوط؛ لأن هذا هو الورع.

    الأخذ بالأحوط من أقوال العلماء

    وفي أجوبة الإمام أحمد رحمه الله كثيراً ما يأخذ بالأحوط؛ لأن هذا هو الورع، وفي الحديث: ( دع ما يريبك إلى مالا يريبك )، وحديث النعمان : ( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن وقع في الشبهات وقع في الحرام )، فقالوا: بأنه يأخذ بالأحوط؛ لأن هذا هو الورع، وفي هذا ترك الشبهات، والاحتياط للدين، وهذا لا شك أنه هو الأحوط، فهذا إذا أخذ به احتاط الإنسان لدينه، فهذا هو الأولى؛ لكن لو أخذ بالأرفق والأسهل له وجه، لكن يشترط ألا يكون قد عرف عن هذا العالم الأخذ بالرخص، أو أنه يغلب عليه منهج الأخذ بالأسهل أو الأخذ بالرخص؛ لأن تتبع الرخص ذمه السلف، ولهذا الأوزاعي رحمه الله يقول: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام.

    وقال الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: لا يكون إماماً من أخذ بالشاذ من الحديث.

    و إسماعيل بن إسحاق دخل على المعتضد وعنده كتاب جمع فيه مؤلفه رخص العلماء، فقال: مؤلف هذا الكتاب زنديق، قال: كيف؟ ألا تصحح هذه الأحاديث؟ قال: نعم، من قال بالمتعة لم يقل بالغناء، ومن قال بالغناء لم يقل بحل شرب النبيذ، يعني: المسكر، كونه يجمع هذه ما أحد قال بهذا من أهل العلم.

    المهم أنه لو أخذنا بهذا المنهج يشترط أن يكون من أهل العلم المعتبرين، وألا يكون ممن عرف بتتبع الرخص، وأن يكون أهلاً للفتيا.

    عفو النبي صلى الله عليه وسلم

    وفي هذا الحديث أن من حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم العفو والصفح، وأنه لا ينتقم لنفسه أبداً عليه الصلاة والسلام، وإنما ينتقم لله عز وجل، وهذه لا شك أنها مرتبة عظيمة، ومنقبة كبيرة، يعني: من الذي لا ينتقم لنفسه؟ تجد أن الإنسان إذا أراد أن يضرب ولده، هو يريد أن ينتقم لنفسه، أو أراد أن يؤدب زوجته، هو يريد أن ينتقم لنفسه، لا يريد أن يؤدبه استجابة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.

    تأديب صاحب المنكر

    وفي هذا أيضاً إنكار المنكر، وأن صاحب المنكر يؤدب، ولهذا قال: إلا أن تنتهك حرمة الله عز وجل. وحرمة الله لا تنتهك إلا بفعل المعاصي، وتعدي حدود الله عز وجل، وترك الواجبات، وحينئذ النبي صلى الله عليه وسلم ينتصر للدين وينكر المنكر.

    ضرب التأديب وشروطه

    قال: [ وحدثنا زهير بن حرب ، وإسحاق بن إبراهيم ، جميعاً عن جرير ، ح: وحدثنا أحمد بن عبدة ، قال: حدثنا فضيل بن عياض ، كلاهما عن منصور ، عن محمد في رواية فضيل بن شهاب ، وفي رواية جرير : محمد الزهري ، عن عروة ، عن عائشة .

    وحدثني حرملة بن يحيى ، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: أخبرني يونس ، عن ابن شهاب بهذا الإسناد نحو حديث مالك .

    وحدثنا أبو كريب ، قال: حدثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه، عن عائشة قالت: ( ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه ).

    أبو كريب ، وابن نمير ، جميعاً عن عبد الله بن نمير ، عن هشام بهذا الإسناد، إلى قوله: أيسرهما، ولم يذكر ما بعده.

    وحدثنا أبو كريب ، قال: حدثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه، عن عائشة قالت: ( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله ) ].

    هذا أيضاً من حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، وعظيم حلمه عليه الصلاة والسلام، أنه ما ضرب صبياً ولا خادماً ولا أحداً إلا أن يجاهد في سبيل الله.

    تقدم لنا ما يتعلق بالتأديب، وأن الإنسان له أن يؤدب، لأن الله عز وجل شرع ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم شرعه في سنته، يعني ضرب التأديب مشروع، وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم على ذلك وهم أبناء عشر )، فالضرب مشروع، وحديث أبي بردة في الصحيحين: ( لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله )، لكن ضرب التأديب يشترط له شروط:

    الشرط الأول: أن ينوي الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يضرب انتقاماً لنفسه، وإنما استجابة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه يريد تقويمه؛ لأنه إذا ضرب لنفسه لا يثاب على ذلك، لكن إذا ضرب المعلم، أو الوالد، أو الزوج، أو السيد، يقصد امتثال أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه يكون عبادة يؤجر على ذلك.

    والشرط الثاني: ألا يزيد على عشر جلدات.

    والشرط الثالث: أن يتجنب المقاتل.

    الشرط الرابع: أن يتجنب الوجه.

    والشرط الخامس: ألا يكون مبرحاً، يعني: شديداً؛ لأن المقصود هو التأديب وليس الإتلاف.

    وفي هذا رفق بالضعفة من النساء، والخدم، والصغار، وفي هذا مشروعية الجهاد في سبيل الله، ومشروعية الضرب فيه.

    قال: [ ( وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبة إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل ).

    وحدثني أبو بكر بن أبي شيبة ، وابن نمير ، قالا: حدثنا عبدة ، ووكيع ، ح وحدثنا أبو كريب ، قال: حدثنا أبو معاوية ، كلهم عن هشام بهذا الإسناد يزيد بعضهم على بعض ].

    والله أعلم، هذا الدرس آخر درس من بداية الفصل إن شاء الله، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.