إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الفضائل [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً وأفضلهم تواضعاً، ومن حسن خلقه صلى الله عليه وسلم أنه كان يعامل الصبيان والخدم بلطف ورحمة، وكان يعذرهم على تقصيرهم، فقد خدمه أنس بن مالك رضي الله عنه عشر سنين فما وبخه ولا تأفف منه قط. ومن حسن خلقه رحمته با

    1.   

    حسن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الخدم والصبيان

    قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: [ باب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً:

    حدثنا سعيد بن منصور ، وأبو الربيع ، قالا: حدثنا حماد بن زيد ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك ، قال: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي: أفاً قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا)؟ زاد أبو الربيع : ليس مما يصنعه الخادم، ولم يذكر قوله: والله.

    وحدثناه شيبان بن فروخ ، قال: حدثنا سلام بن مسكين ، قال: حدثنا ثابت البناني ، عن أنس بمثله.

    وحدثناه أحمد بن حنبل ، وزهير بن حرب جميعاً عن إسماعيل -واللفظ لـأحمد - قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا عبد العزيز عن أنس ، قال: (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إن أنساً غلام كيس فليخدمك. قال: فخدمته في السفر والحضر، والله ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه: لمَ لم تصنع هذا هكذا

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وابن نمير ، قالا: حدثنا محمد بن بشر ، حدثنا زكريا ، وحدثنا سعيد وهو ابن أبي بردة ، عن أنس ، قال: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين، فما أعلمه قال لي قط: لمَ فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب علي شيئاً قط).

    حدثني أبو معن الرقاشي زيد بن يزيد ، حدثنا عمر بن يونس ، قال: حدثنا عكرمة وهو ابن عمار ، قال: قال إسحاق : قال أنس : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً، فأرسلني يوماً لحاجة فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت حتى أمر على الصبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس أذهبت حيث أمرتك؟ قال: قلت: نعم. أنا أذهب يا رسول الله! قال أنس : والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته: لم فعلت كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا

    وحدثنا شيبان بن فروخ ، وأبو الربيع ، قالا: حدثنا عبد الوارث ، عن أبي التياح ، عن أنس بن مالك ، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً)].

    خدمة أنس بن مالك لرسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين وحسن خلقه

    حديث أنس بن مالك ، قال: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي: أفاً قط، ولا قال لي شيء: لم فعلت كذا)، وهلا فعلت كذا؟ زاد أبو الربيع : ليس مما يصنعه الخادم، ولم يذكر قوله: والله.

    هذا الحديث اشتمل على مسائل:

    أولاً: خدمة أنس للنبي صلى الله عليه وسلم كانت في السنة الأولى من الهجرة، وفي هذا الحديث أنه خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وسيأتينا في بعض الروايات: أنه خدمه تسع سنوات، ويجمع بين الروايتين أن أنساً رضي الله تعالى عنه خدم النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنوات وأشهراً؛ لأن إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنوات، وهو خدمه في بعض السنة الأولى إلى أن مات عليه الصلاة والسلام.

    وفي هذا فضيلة أنس حيث شرف بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم، وشاهد كثيراً من أحواله، وسمع الكثير من أقواله، ونقل كثيراً من سنته، فملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم هيأت أنساً لكي ينقل كثيراً من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفيه أيضاً حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم مع الصبيان والخدم .. إلى آخره، حيث قال أنس : (والله ما قال لي: أفاً)، يعني: تأفف، بمعنى التضجر، وقيل: بأن معناها الاحتقار، وأصلها الوسخ الذي يكون في الأظافر، فهي تقال عند التضجر، فلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23], قيل: أو الاحتقار، فأف هذه لغة من لغات عشر فيها.

    الاستدراك على الخادم

    قال: (ولا قال لشيء: لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا)؟ وهذا يدل على كبير حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، مجرد كلمة: (أف) لم يقلها للخادم، وأيضاً إذا أخطأ الخادم لم يستدرك عليه، وهذا يدل على حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، وهل يؤخذ من هذا أنه لا يستدرك على الخادم؟

    الذي يظهر والله أعلم أن يقال: بأن هذا ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الاستدراك على الخدم بغرض التوجيه والإرشاد، فإن هذا جائز ولا بأس به، ولا يخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا من باب النصيحة، ومن باب التعاون على الخير والبر، لأن هذا هو عمل الخادم.

    القسم الثاني: الاستدراك عليه بغرض التضجر منه والعتاب والعقاب ونحو ذلك، فيظهر أن هذا هو الوارد في حديث أنس رضي الله تعالى عنه.

    اتخاذ الخدم واستخدام الصغار برضا أهليهم

    حديث أنس ، قال: (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إن أنساً غلام كيس فليخدمك. قال: فخدمته في السفر والحضر، والله ما قال لي لشيء صنعته: لم صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه: لمَ لم تصنع هذا هكذا)؟

    وفي هذا اتخاذ الخدم، وفي هذا أيضاً خدمة الكبار والمتبوعين، وفي هذا أيضاً محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، ورغبتهم في خدمته.

    وفي هذا أيضاً استعمال الصغار واستخدامهم إذا رضي أهلوهم، فإن هذا جائز ولا بأس به، لأن أنساً كما في هذا الحديث أتى به أبو طلحة -وهو زوج أمه- إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكي يخدمه.

    وفي هذا أيضاً السفر بالصغار للخدمة، وفي هذا أيضاً شدة ملازمة أنس للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث خدمه في السفر وفي الحضر.

    قوله: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وابن نمير ، قال: حدثنا محمد بن بشر ، قال: حدثنا زكريا ، قال: حدثني سعيد وهو ابن أبي بردة ، عن أنس ، قال: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين فما أعلمه قال لي قط: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب علي شيئاً قط)].

    هنا قال: (تسع)، وما سبق قال: (عشر)، والجمع بينهما أنه خدمه تسع سنوات وأشهراً؛ لأن أنساً لم يبدأ خدمته مع النبي صلى الله عليه وسلم من حين قدومه، بل بعد أن مضى بعض أشهر من قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، جاء أبو طلحة بـأنس للنبي صلى الله عليه وسلم.

    وفيه عدم العيب على الخادم، وتقدم أن هذا ينقسم إلى قسمين.

    أقسام حسن الخُلق

    قوله: [وحدثني أبو معن الرقاشي زيد بن يزيد، قال: أخبرنا عمر بن يونس ، قال: حدثنا عكرمة وهو ابن عمار ، قالا: قال إسحاق عن أنس : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس أذهبت حيث أمرتك؟ قال: قلت: نعم. أنا أذهب يا رسول الله! قال أنس : والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال شيء صنعته لم فعلت كذا وكذا؟ أو لشيء تركته هلا فعلت كذا وكذا)؟].

    قوله: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً)، المقصود بالخلق: هو الصورة الباطنة، والخلق هو الصورة الظاهرة، والنبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً وخلقاً، وحسن الخلق عرف بتعاريف كثيرة، ومن أحسن هذه التعاريف أنه: كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه.

    وحسن الخلق ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: فطري، فبعض الناس يفطر على حسن الخلق؛ من العفو، والتسامح، والحلم، والكرم، والشجاعة ونحو ذلك.

    ومنه ما هو مكتسب فيستطيع الإنسان أن يكتسب بعض صفات حسن الخلق، يستطيع أن يربي نفسه على الكرم، وعلى الشجاعة، وعلى الصبر، وعلى الحلم ونحو ذلك، والحلم بالتحلم، والعلم بالتعلم، ومن يصبر يصبره الله، فإذا ربى نفسه على حسن الخلق فإنه يتمكن بإذن الله عز وجل من حسن الخلق.

    قال: (فقلت: والله لا أذهب)، يظهر والله أعلم أن أنساً لم يرد معصية النبي صلى الله عليه وسلم، كيف وقد جاء لكي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولهذا قال: (وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم)، لكن يظهر والله أعلم أنه أراد ممازحة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا، لأنه أضمر في باطنه أنه سيذهب.

    قوله: (فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق)، فيه لعب الصبيان في السوق، وأن هذا لا ينكر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر مثل هذه الأشياء.

    وفيه أيضاً اللعب بالنسبة للصبيان، وأن الصبيان يوسع لهم في اللعب ما لا يوسع لغيرهم، ولهذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (اقدروا الجارية حديثة السن قدرها)، يعني: أن ما يتعلق بالألعاب ونحو ذلك، هذه يوسع بالنسبة للصبيان ما لا يوسع للكبار.

    وفي هذا القبض على قفا الصبي من باب الملاعبة ونحو ذلك، وفي هذا ضحك النبي صلى الله عليه وسلم، والمقصود هو تبسمه، وفيه الضحك إلى الصبيان.

    وفيه أيضاً التصغير بغرض التمليح، يعني: تصغير الاسم، وتصغير الأسماء لها أغراض، من أغراضها: التمليح، فقوله: (يا أنيس إلى ..آخره)، النبي صلى الله عليه وسلم صغر اسمه بغرض التمليح والممازحة، وليس بغرض التقبيح.

    1.   

    عطاء النبي صلى الله عليه وسلم

    قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد ، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن المنكدر ، سمع جابر بن عبد الله ، قال: (ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا)].

    وهذا يدل على عظم كرم النبي صلى الله عليه وسلم، وكثرة عطائه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما سئل شيئاً قط فقال: لا، فهذا فيه كرمه عليه الصلاة والسلام، وكثرة عطائه، وعظيم سخائه، وغزارة جوده.

    وقوله: (ما سئل شيئاً قط)، يعني ما سئل من متاع الدنيا وأمور الدنيا.. إلى آخره.

    جود رسول الله للتأليف على الإسلام

    قال: [وحدثنا أبو كريب ، قال: حدثنا الأشجعي ، ح، وحدثني محمد بن المثنى ، قال: حدثنا عبد الرحمن يعني ابن مهدي ، كلاهما عن سفيان ، عن محمد بن المنكدر ، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول مثله سواء.

    وحدثنا عاصم بن النضر التيمي ، قال: حدثنا خالد ، يعني ابن الحارث ، قال: حدثنا حميد ، عن موسى بن أنس ، عن أبيه، قال: (ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء لا يخشى الفاقة)].

    قوله في الحديث: (ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام)، يعني ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً يراد به الترغيب في الإسلام، ودخول الإسلام، ويدخل في هذا سائر ما يتعلق بالدعوة إلى الله عز وجل، فإنه ينبغي أن يقتدي المسلم بالنبي عليه الصلاة والسلام في البذل والجود والسخاء.

    ويدل لهذا ما جاء بعده، قال: (فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين)، يعني: أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم غنماً كثيراً يرغبه في الإسلام والدخول في الإسلام، ومن ذلك سهم المؤلفة قلوبهم، حيث يعطون من الزكاة ترغيباً الإسلام.

    (فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء لا يخشى الفاقة)، يعني الفقر، وهذا يدل على عظيم توكل النبي صلى الله عليه وسلم على الله عز وجل، وقوة إيمانه، وشديد دعوته ورغبته لدخول الناس في دين الله أفواجاً.

    قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال: حدثنا يزيد بن هارون ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم غنماً بين جبلين فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا، فوالله إن محمداً ليعطي عطاء ما يخاف الفقر). فقال أنس : إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها]، يعني: يدخل في الإسلام وهو يريد شيئاً من عرض الدنيا، ثم بعد ذلك يستقر الإسلام في قلبه حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.

    وفي هذا ما يتعلق بتصحيح النية، وأن الإنسان إذا دخل في العبادة بنية مخلوطة، فإنه يتمكن من تصحيحها بتخليص العمل لله عز وجل، وقد يدخل في العبادة بنية فيها خلط، ثم بعد ذلك يستقر في قلبه حب هذه العبادة والرغبة إليها، فإنه يتمكن من تصحيح النية، فقد يطلب العلم في أول الأمر وفي نيته شيء من عدم إخلاص الطلب، أو يدعو إلى الله عز وجل وفي نيته شيء من عدم الإخلاص .. إلى آخره، فإنه يتمكن من تصحيح العمل بإخلاص النية وأن هذا لا يضره، ولهذا هذا الرجل يسلم، ومع ذلك إسلامه صحيح، مع أنه ما يريد إلا الدنيا.

    إعطاء رسول الله صفوان بن أمية مائة من النعم ثم مائة ثم مائة

    قال: [وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح ، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال: أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، قال: (غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، فتح مكة، ثم خرج الرسول صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم ثم مائة ثم مائة).

    في هذا كرم وجوده عليه الصلاة والسلام كما سلف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى صفوان مائة من الإبل، ثم أعطاه مائة ثم أعطاه مائة .. إلى آخره، وذلك أن صفوان بن أمية سيد من سادة قريش وهو متبوع، فإذا أسلم ودخل في الإسلام فإن ورائه أمة تدخل الإسلام بعده، ولهذا أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم مائة، ثم أعطاه مائة، ثم أعطاه مائة.

    وفي هذا أيضاً تقصد الرؤساء واستمالة الأكابر، وهذا مسلك من مسالك الدعوة إلى الله عز وجل، فكون الإنسان يعنى بالكبار والرؤساء والمتبوعين ويتألفهم ويستميل قلوبهم، ويكسبهم، هذا مكسب من مكاسب الدعوة، وبهذا نعرف خطأ ما يسلكه بعض الناس من الإعراض عن الكبار، وتهميش الكبار، وعدم مداراتهم، واكتساب قلوبهم .. إلى آخره، فهذا خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم أعطى الصناديد، وكما جاء هنا أعطى صفوان بن أمية رضي الله عنه مائة ثم مائة ثم مائة .. إلى آخره.

    [قال ابن شهاب : حدثني سعيد بن المسيب ، أن صفوان قال: (والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي)].

    وفي هذا أن من فوائد الهدية أنها تسل سخائم القلوب، وتؤلف بين القلوب، وتورث المحبة والمودة، ولهذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل الهدية ويثيب عليها، وقال عليه الصلاة والسلام: (لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت)، فالهدية هذه تسل سخائم القلوب، وتولد المودة والمحبة، والألفة بين الناس، وهذا صفوان رضي الله تعالى عنه كان يبغض النبي صلى الله عليه وسلم بغضاً شديداً، وهو في أول الأمر، وإنما كان يبغض النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن والده أمية بن خلف قتل في معركة بدر، لكن ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يعطيه حتى كان أحب الناس إليه.

    وعد رسول الله لجابر بعطية من مال البحرين ووفاء أبي بكر بها

    قال: [وحدثنا عمرو الناقد ، قال: وحدثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله ، ح، وحدثنا إسحاق ، قال: أخبرنا سفيان عن ابن المنكدر ، عن جابر ، وعن عمرو ، عن محمد بن علي عن جابر، وزاد أحدهما يزيد على الآخر.

    ح، وحدثنا ابن أبي عمر واللفظ له، قال سفيان : سمعت محمد بن المنكدر يقول: سمعت جابر بن عبد الله ، قال: سفيان : وسمعت أيضاً عمرو بن دينار يحدث عن محمد بن علي ، قال: سمعت جابر بن عبد الله ، وزاد أحدهما على الآخر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، وقال بيديه جميعاً، فقبض النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يجيء مال البحرين، فقدم على أبي بكر بعده، فأمر منادياً فنادى: من كان له على النبي صلى الله عليه وسلم عدة أو دين فليأت. فقمت فقلت: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا. فحثا أبو بكر مرة، ثم قال لي: عدها فعددتها، فإذا هي خمسمائة، قال: خذ مثليها)].

    في هذا كرم النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: (جاء مال البحرين)، البحرين: هي ما يسمى الآن بالأحساء، (وجاء مال البحرين). يعني: صدقة البحرين، قال: (أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا). هذا فيه كرم النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقوله: (هكذا وهكذا وهكذا). يعني: ثلاث حثيات من المال.

    قوله: (فقبض النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يجيء مال البحرين، فقدم على أبي بكر بعده، فأمر منادياً فنادى: من كانت له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أو دين فليأت)، أي: من وعده النبي صلى الله عليه وسلم بعطاء، أو كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم دين فليأت، (فقمت فقلت: إن النبي صلى الله عليه وسلم.. إلى آخره).

    وفي هذا فضيلة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، حيث إنه وفى بوعد النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك إذا كان لأحد على النبي صلى الله عليه وسلم دين فإن أبا بكر تكفل بقضائه.

    وقوله: (فحثا أبو بكر مرة، ثم قال: عدها، فعددتها فإذا هي خمسمائة، قال: خذ مثليها)، وفي هذا قبول المدعي، هنا شهد رضي الله تعالى عنه لنفسه، فقبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه شهادته.

    وفيه قبول خبر الواحد، وكما تقدم لنا في باب الشهادات أنه يفرق بين التحمل والأداء، وأن التحمل يحتاط فيه، وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282].

    وأما الأداء فالذي ورد في الأداء أمران، يعني: العدد بالنسبة للشهود ورد أمران:

    الأول: الزنا أربعة.

    والثاني: من ادعى فقراً وقد عرف بغنى، فهذا لا بد من ثلاثة، وما عدا ذلك فالأداء الأمر فيه واسع.

    وفي هذا أيضاً تصرف الإمام في مال بيت المال بما يراه مصلحة، وفي هذا أيضاً قضاء ديون الإمام من بيت المال، فإذا مات الإمام وعليه شيء من الديون فإنها تقضى من بيت المال.

    قال: [وحدثنا محمد بن حاتم بن ميمون ، قال: حدثنا محمد بن بكر ، قال: أخبرنا ابن جريج ، قال: أخبرني عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي ، عن جابر بن عبد الله ، قال: وأخبرني محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، قال: (لما مات النبي صلى الله عليه وسلم جاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي ، فقال أبو بكر : من كان له على النبي صلى الله عليه وسلم دين أو كانت له قبله عدة فليأتنا) بنحو حديث ابن عيينة .

    1.   

    موت إبراهيم ابن رسول الله وما يستفاد منه

    [حدثنا هداب بن خالد ، وشيبان بن فروخ ، كلاهما عن سليمان واللفظ لـشيبان ، قال حدثنا سليمان بن المغيرة ، قال: حدثنا ثابت البناني ، عن أنس بن مالك ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم، ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين).

    القين: هو الحداد، وأبو سيف هذا كان حداداً، وإنما دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سيف لكي ترضعه، وإبراهيم هذا من جاريته مارية القبطية .

    (فانطلق يأتيه)، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم انطلق إلى ابنه إبراهيم ، أي: ذهب إليه ينظر في حاله.

    (واتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره)؛ لأن أبا سيف كان حداداً فكان ينفخ بالكير، يعني: يوقد النار.

    قال: (قد امتلئ البيت دخاناً، فأسرعت المشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم)، يعني: أمامه. (فقلت: يا أبا سيف! أمسك) يعني: عن النفخ، (جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالصبي فضمه إليه وقال ما شاء الله أن يقول، فقال أنس : لقد رأيته يكيد بنفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم)، يعني: يجود بنفسه؛ لأنه توفي إبراهيم عليه السلام وهو يرضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، (فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم! إنا بك لمحزونون).

    في هذا الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولد لي الليلة غلام سميته باسم أبي إبراهيم)، في هذا إخبار من يحب الإنسان من أقاربه وأصدقائه بما يولد له، وفي هذا تسمية الغلام مباشرة عند الولادة من يومه، وكيف يجمع بينه وبين حديث سمرة : (يسمى يوم سابعه).

    نقول: إن هذا فيه تفصيل، إن أعد له اسماً قبل الولادة فإنه يسميه مباشرة، وإن لم يعد له اسماً فإنه ينتظر حتى يأتي اليوم السابع فيسميه، هذا جمع.

    وجمع بعض العلماء فقال بأن الأفضل أن يسميه في اليوم السابع، ويجوز أن يسميه مباشرة، والله أعلم.

    قوله: (سميته باسم أبي إبراهيم)، في هذا التسمية بأسماء الصالحين، وأنه ينبغي للمسلم أن يسمي بأسماء الصالحين والصالحات، وهذا خلاف ما يفعله اليوم كثير من الناس، فاليوم كثير من الناس أعرضوا عن هذه السنة، يعني: التسمي بأسماء الصالحين، وتسمية الإناث بأسماء الصحابيات وأمهات المؤمنين، وتسمية الذكور أيضاً، واخترع الناس اليوم أسماء قد تكون فيها عجمة، وقد يكون فيها رخاوة، وقد يكون فيها تشبه بالكفار، وقد تكون فيها شهوانية.. إلى آخره، وهذا خلاف ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    تقدم أن ذكرنا مراتب تسمية المواليد، وأنها على مراتب:

    المرتبة الأولى: التسمي باسم عبد الله، وعبد الرحمن، هذه المرتبة هي أعلى المراتب كما جاء في الحديث.

    المرتبة الثانية: كل ما عبد لله عز وجل بغير هذين الاسمين الشريفين، مثل: عبد الرحيم، عبد الملك .. إلى آخره.

    المرتبة الثالثة: التسمي بأسماء الصالحين، ومن ذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

    والمرتبة الرابعة: ما جمع وصفين: الوصف الأول: أن يكون عربياً.

    والوصف الثاني: أن يكون له معنى صحيحاً.

    وفي هذا خدمة أنس رضي الله تعالى عنه للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الاسترضاع للولد، حيث النبي صلى الله عليه وسلم دفعه إلى امرأة الحداد لكي ترضعه، وفيه التقدم بين يدي الكبير، وتهيئة المكان له.

    وفي هذا أيضاً الإسراع في المشي عند الحاجة.

    وفي هذا أيضاً رحمته عليه الصلاة والسلام بالصبي إبراهيم وضمه، ويظهر والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون أوحي إليه أنه سيقبض، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إليه وضمه وقال ما شاء الله أن يقول.

    وفيه البكاء عند الموت، وتقدم أن البكاء ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: البكاء الذي تحمل عليه الطبيعة دون أن يكون هناك تكلف ونحو ذلك، فهذه رحمة يجعلها الله عز وجل في قلب من شاء من عباده.

    والقسم الثاني: البكاء الذي يكون مصدره التكلف والتصنع، وقد يلحقه شيء من النياحة والجزع، وعدم الرضاء بقضاء الله وقدره، فهذا بكاء مذموم.

    وفيه الحزن، وفيه عند المصيبة أن المسلم لا يقول إلا ما يرضي الرب عز وجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها.

    رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعيال والصبيان

    قال: [حدثنا زهير بن حرب ومحمد بن عبد الله بن نمير واللفظ لـزهير ، قال: حدثنا إسماعيل هو ابن علية ، عن أيوب ، عن عمرو بن سعيد ، عن أنس بن مالك ، قال: (ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إبراهيم مسترضعاً، يعني: طلب له في عوالي المدينة، فكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت وإنه ليدخن، وكان ظئره قيناً فيأخذه فيقبله ثم يرجع )].

    يعني: يدخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت وفيه دخان، وفيه تواضع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن المرضع له قين حداد.

    [قال عمرو : فلما توفي إبراهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة).

    وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو كريب ، قالا: حدثنا أبو أسامة وابن نمير ، عن هشام ، عن أبيه، عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقالوا: نعم، فقالوا: لكنا والله ما نقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة)؟ قال: وقال ابن نمير : (من قلبك الرحمة)].

    وفي هذا ما عليه بعض الأعراب من الجفاوة وقسوة القلوب حيث لا يقبلون الصبيان، بل أنكروا تقبيل الصبيان، وفيه أن عدم التقبيل ينافي الرحمة، وفيه أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو تقبيل الصبيان، وأن هذا مقتضى الرحمة.

    وقوله: (وأملك)، يعني: لا أملك لك شيئاً إن كان الله نزع منك الرحمة.

    قال: [وحدثني عمرو الناقد ، وابن أبي عمر جميعاً عن سفيان ، قال عمرو : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن الأقرع بن حابس أبصر النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن ، فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنه من لا يرحم لا يرحم )].

    وهذا عام، من لا يرحم الأطفال لا يرحمه الله عز وجل، ومن لا يرحم البهائم لا يرحم، ومن لا يرحم الضعفة لا يرحم .. إلى آخره.

    وقال: [حدثنا عبد بن حميد ، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا معمر ، عن الزهري ، قال: حدثني أبو سلمة ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

    حدثنا زهير بن حرب ، وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن جرير ، ح، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ، وعلي بن خشرم ، قال: أخبرنا عيسى بن يونس ، ح، وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، قال: حدثنا أبو معاوية ، قال: حدثنا أبو سعيد الأشج ، قال: حدثنا حفص يعني ابن غياث ، كلهم عن الأعمش ، عن سعيد بن وهب ، وأبي ظبيان ، عن جرير بن عبد الله ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل).

    وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال: حدثنا وكيع وعبد الله بن نمير ، عن إسماعيل، عن قيس ، عن جرير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ح، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وابن أبي عمر ، وأحمد بن عبدة ، قالوا: حدثنا سفيان عن عمرو ، عن نافع بن جبير ، عن جرير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث الأعمش ].

    نقف على هذا، والله أعلم.