إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الطب والرقى [10]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ندب الشرع إلى قتل كل فاسق ومؤذ من الحيوان، ومن ذلك قتل الحيات غير حيات البيوت، وقتل الوزغ، لا النمل والنحل والصرد، كما جاء الأمر بالإحسان للحيوان، والنهي عن تعذيبه إذا لم يكن فاسقاً، ودخلت النار امرأة في هرة حبستها، ودخلت بغي الجنة في كلب سقته الماء؛ لأن

    1.   

    تابع قتل حيات البيوت

    قال مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه: [ وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح ، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال: أخبرني مالك بن أنس ، عن صيفي وهو عندنا مولى ابن أفلح ، قال: أخبرني أبو السائب مولى هشام بن زهرة ، أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته فوجده يصلي].

    في هذا الحديث من المسائل: فيه عمارة البيت بالطاعة، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ولهذا سائر النوافل تستحب أن تكون في البيت، إلا ما شرعت له الجماعة فإنه يكون في المسجد.

    ويدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، بل إن من التطوعات ما يتأكد أن يكون في البيت، مثل سنة الفجر، ولهذا يذكر العلماء رحمهم الله من سننها أنها تفعل في البيت، وكذلك قال بعض العلماء: سنة المغرب يستحب أو يتأكد أن تكون في البيت.

    على كل حال الأفضل أن تفعل النوافل في البيت؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، قال عليه الصلاة والسلام: (صلوا في بيوتكم)، وأيضاً هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي كان يفعل النوافل في بيته، يستثنى من ذلك النافلة التي تتعلق بالمسجد، مثل: تحية المسجد، أو تشرع لها الجماعة كصلاة الاستسقاء، وقبل ذلك الصلوات المفروضة، وكصلاة العيدين، وصلاة الكسوف ونحو ذلك، فهذه محلها المسجد.

    قال رحمه الله: [فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته]، وفي هذا انتظار صاحب الحاجة، وأن هذا سائغ، وهو مقتضى المروءة، وأن الإنسان إذا كان في حاجة فينبغي أن ينظر أو أن ينتظر حتى يقضي حاجته.

    قال: [فسمعت تحريكاً في عراجين في ناحية البيت]، العرجون هو عذق النخلة، [فالتفت فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إليّ أن اجلس فجلست].

    في هذا الإشارة في الصلاة، وأن هذا جائز ولا بأس به، والنبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك كما ثبت في الصحيح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما جحش في رجله وصلى جالساً، صلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم خلفه قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا، وفي هذا دليل لقاعدة يذكرها العلماء رحمهم الله تعالى وهي أن الإشارة المفهومة بمنزلة العبارة المنطوقة.

    [فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم، قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرسه، قال: فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق]، يعني إلى غزوة الخندق، وهي غزوة الأحزاب، وسببها تآلب كفار قريش واليهود على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، فأشار سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه على النبي صلى الله عليه وسلم أن يحفر خندقاً دون هؤلاء الأحزاب، والغزوة معروفة، وقد نصر الله عز وجل نبيه والمؤمنين فيها على أعدائهم.

    قال: [فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله]، يعني: إذا انتصف النهار يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فيرجع إلى أهله؛ لأنه كان حديث عهد بعرس.

    وفي هذا مراعاة الأهل، وفيه أيضاً مراعاة من كان حديث عهد بعرس؛ لأن الإنسان إذا كان حديث عهد بعرس فإنه يكون مشتاقاً إلى أهله، وكذلك أهله يكونون مشتاقين إليه، وفي هذا حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، حيث راعى هذه الحالة النفسية عند هذا الفتى، وعند أهله.

    قال: [فاستأذنه]، وفي هذا استئذان النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا أمر الله عز وجل باستئذان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في أمر جامع، فإنه لا يفتات على النبي صلى الله عيه وسلم، وكذلك من يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم في الولايات العامة، إذا كان في أمر جامع فإنه لا يفتات عليه، بل لا يتصرف الإنسان بالذهاب والمجيء إلا بالإذن.

    قال: [فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خذ عليك سلاحك)]. في هذا النصيحة من النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا أيضاً حمل السلاح عند حصول خوف من عدو، سواء كان هذا العدو إنساناً، أو كان حيواناً، فإنه يستحب للمسلم أن يحمل معه ما يحفظه من سلاح ونحو ذلك، أو أن يكون بصحبة غيره مما يحفظ عليه دمه.

    وفي هذا أيضاً الأخذ بالأسباب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ عليه سلاحه.

    قال: [(فإني أخشى عليك قريظة)]. وفي هذا ما عليه قريظة، وقريظة هم الذين ألبوا الأحزاب، وخرجوا إلى بني النضير، وخرجوا إلى بقية كفار العرب وإلى قريش وحزبوا الأحزاب على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نقضوا العهد.

    قال: [(فإني أخشى عليك قريظة)، فأخذ الرجل السلاح، ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة]، يظهر والله أعلم أن هذا الباب له درفتان، فهي قائمة بين البابين، أو أن هذا الباب له درفة واحدة وهي قائمة بين الخشبتين، أي: قائمة بين طرفي الباب، يعني: بين الخشبتين اللتين تكونان بالباب يعلق عليهما الباب في خشبة، وفي الخشبة الأخرى يقفل الباب من جهتها.

    قال: [فأهوى إليها الرمح ليطعنها به وأصابته غيرة]. في هذا ما عليه السلف رحمه الله من الغيرة الشديدة، حيث إنه رأى زوجته خارجة قائمة على الباب، فأهوى بالرمح لكي يضربها، والذي يظهر والله أعلم أنه لا يريد أن يقتلها؛ لأنها لم تفعل ما تستوجب القتل، وإنما لكي يطعنها في الرمح في رجلها ونحو ذلك.

    وأيضاً يظهر والله أعلم أنه لا يريد أن يطعنها بالرمح المحدد، وإنما يريد أن يطعنها بالجانب غير المحدد، أو بعرض الرمح ونحو ذلك، هذا هو المظنون؛ لأن هذا الصحابي رضي الله تعالى عنه لم يظهر أنه يريد أن يسيء إلى زوجته؛ لأنها لم تفعل ما يستوجب الإساءة.

    قال: [وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف عليك رمحك]، وأيضاً يحتمل احتمال آخر أنه إنما سارع إلى رمحه لكي يطعنها به لشدة الغيرة، وفيه أن مثل هذه الحالات النفسية أنه يخفف فيها على الإنسان، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقض القاضي حين يقضي وهو غضبان). تقدم لنا في الطلاق أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول بأن الغضبان الذي لا يستطيع أن يملك نفسه، وإن كان يتصور ما يقول، أنه لا يقع عليه طلاق، فإذا لحقت الإنسان غيرة أو غضب فإنه يخفف عنه ما لا يخفف عن شخص في حالته العادية، ولهذا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم لما حصلت الغيرة بأمهات المؤمنين، وحصل بينهن من التقاول بالكلام، النبي صلى الله عليه وسلم عذرهن في ذلك.

    فيؤخذ من هذا أن الإنسان إذا لحقته غيرة أو نحو ذلك من هذه الأمور النفسية، فإنه يخفف عنه في الحكم، ولا يكون كشخص حالته عادية.

    قال: [فقالت له: اكفف عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني؟! فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به]، يعني: قلتها، [ثم خرج فوكزه في الدار، فاضطربت عليه، فما يدرى أيهما كان أسرع موتاً الحية أم الفتى؟

    قال: فجئنا للرسول صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له وقلنا: ادع الله يحييه لنا، فقال: (استغفروا لصاحبكم)]، الصحابة رضي الله تعالى عنهم من باب الشفقة والرحمة بأهل هذا الفتى، وكذلك من باب المحبة له والشوق إلى لقائه، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله أن يحييه، وهذا السؤال في غير مكانه؛ لأن من آيات الله الكونية القدرية أن الإنسان إذا مات لا يعود مرة أخرى إلى الحياة، وإلا لكان أحق الناس بذلك هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباع الأنبياء ونحو ذلك.

    فالصحابة رضي الله تعالى عنهم خفي عليهم ذلك فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يحييه، ولا حياة بعد الممات إلا عند البعث، وهذا لجميع الناس، وليس خاصاً بأحد دون أحد.

    وفي هذا أيضاً حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى ما هو أنفع لميتهم، وأنفع لهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (استغفروا لأخيكم)، يعني: كونه يحيا أو لا يحيا، الله سبحانه وتعالى أدرى بالمصلحة، سواء كانت هذه المصلحة للفتى أو لأهله أو لكم، ولهذا أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه وهو الاستغفار، والدعاء للميت، وهكذا ينبغي للمربي إذا حصل سؤال أو استفسار أو نحو ذلك مما لا ينبغي أن يكون، فينبغي أن يرشد لما هو أحسن وأفضل.

    وكذلك يؤخذ من هذا أيضاً الدعاء للميت، وأنه ينبغي الاستغفار للميت، وهذا هو السنة، والله عز وجل يقول: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    في حديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث)، قال: (أو ولد صالح يدعو له)، هذا هو الأفضل، أما بقية الصور غير الدعاء فهذه مباحة، ويصل أجرها إن شاء الله، لكن لا يكثر منها الإنسان، والأفضل أن يأتي بالدعاء، وهذا ما أرشده النبي عليه الصلاة والسلام، قال: (استغفروا لصاحبكم).

    ثم قال: [(إن بالمدينة جناً قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام)]. في هذا كما تقدم لنا أن حيات البيوت لا تقتل إلا بعد أن يحرج عليها ثلاثة أيام، فإذا ظهرت بعد اليوم الثالث فإنها تكون معتدية وليست مسلمة، بل كافرة تقتل، ويستثنى من حيات البيوت ذو الطفيتين الأبتر، هاتان الحيتان تقتلان في كل مكان، في البيوت وفي خارج البيوت؛ لأنهما نجسان، يعني: نجاستهما مؤكدة، فهما يسقطان الحبل، ويخطفان البصر كما تقدم.

    وفي هذا أن هذه الحيات التي توجد في البيوت لا تقتل، وإنما يحرج عليها ثلاثة أيام، فإن عادت بعد اليوم الثالث فإنها تقتل.

    قال: [(فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان)].

    1.   

    إيذان حيات البيوت ثلاثاً

    قال: [وحدثني محمد بن رافع ، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم ، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت أسماء بن عبيد يحدث عن رجل يقال له: السائب ، وهو عندنا أبو السائب ، قال: دخلنا على أبي سعيد ، فبينما نحن جلوس إذ سمعنا تحت سريره حركة، فنظرنا فإذا حية، وساق الحديث بقصته نحو حديث مالك عن صيفي ، وقال فيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم شيئاً منها فحرجوا عليه ثلاثاً، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر). وقال: (اذهبوا فادفنوا صاحبكم)].

    وفي هذا وجوب دفن الميت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، والميت يدفن، سواء كان مسلماً أو كافراً، أما المسلم فيدفن كرامة له، وأما الميت فإنه يدفن لئلا يتأذى الناس برائحته.

    وفي هذا أيضاً أن دفن الميت فرض كفاية؛ والنبي صلى الله عليه وسلم على ظاهر الحديث ما حضر الدفن، ولهذا قال: (اذهبوا فادفنوا صاحبكم)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مشغولاً بالجهاد وقتال اليهود والكفار، فهو من فروض الكفايات، سبق أن ذكرنا قاعدة وهي: أن الأمر إذا تعلق بالعمل فهو من فروض الكفايات، وإذا تعلق بالعامل فهو من فروض الأعيان.

    قال: [وحدثنا زهير بن حرب ، قال: حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن عجلان ، قال: حدثني صيفي ، عن أبي السائب ، عن أبي سعيد الخدري ، قال: سمعته قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بالمدينة نفراً من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئاً من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثاً، فإن بدا بعد فإنه يقتله فإنه شيطان)].

    1.   

    قتل الوزغ

    قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر ، قال إسحاق : أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أم شريك ، ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بقتل الأوزاغ )، وفي حديث ابن أبي شيبة : أمر].

    وفي هذا قتل الوزغ، والوزغ حشرة معروفة، وجاء تسميته في الحديث: فويسق، وفيه قتله، والسنة قتل كل مؤذ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم). فكل مؤذٍ يشرع قتله، والعلماء يقولون: ما آذى طبعاً قتل شرعاً. ومن ذلك هذا الوزغ، فإن السنة أن يقتل، وفيه أجر عظيم كما سيأتينا إن شاء الله.

    قال: [وحدثني أبو الطاهر ، قال: أخبرني ابن وهب ، قال: أخبرني ابن جريج ، ح، وحدثني محمد بن أحمد بن أبي خلف ، قال: حدثنا روح ، قال: حدثنا ابن جريج ، ح، وحدثنا عبد بن حميد ، قال: فأخبرنا محمد بن بكر ، قال: أخبرنا ابن جريج ، قال: أخبرني عبد الحميد بن جبير بن شيبة ، أن سعيد بن المسيب أخبره أن أم شريك أخبرته ( أنها استأمرت النبي صلى الله عليه وسلم في قتل الوزغان فأمر بقتلها )].

    (استأمرت) يعني: أخذت الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: شاورت النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذت أمره في قتل هذه الوزغان.

    قال: [و أم شريك إحدى نساء بني عامر بن لؤي، اتفق لفظ حديث ابن أبي خلف وعبد بن حميد ، وحديث ابن وهب قريب منه].

    قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ، وعبد بن حميد ، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال: أخبرني معمر ، عن الزهري ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه، (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقاً)].

    قال: [وحدثني أبو الطاهر ، وحرملة ، قالا: أخبرنا ابن وهب ، قال: أخبرني يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الوزغ الفويسق)، زاد حرملة : قالت: ( ولم أسمعه أمر بقتله )].

    قال: [وحدثنا يحيى بن يحيى ، قال: أخبرني خالد بن عبد الله ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة بدون الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة بدون الثالثة)].

    في هذا استحباب قتل الوزغ كما تقدم، وفيه أيضاً التأكيد على قتل الوزغ في الضربة الأولى، وأنه يستحب أن يحرص على أن يقتل في الضربة الأولى، وإنما أكد النبي صلى الله عليه وسلم على قتله في الضربة الأولى لكي يحتاط الضارب له، ويبذل جهده؛ لأنه إذا لم يضربه في الضربة فإنه سيهرب وينفلت، لما كان الأجر كثيراً فإنه سيجتهد ويحتاط في قتله في الضربة الأولى، فإذا كان كذلك فإنه لن يتمكن من الهرب.

    وقوله: (فله كذا وكذا حسنة)، فهذا جاء تفسيره، جاء أن له مائة في الضربة الأولى، وسيأتينا في رواية الحديث: أن له سبعين، فكيف الجمع بين ذلك؟

    العلماء رحمهم الله جمعوا بعدة مسالك:

    المسلك الأول: قالوا: إن الله سبحانه وتعالى جعل الفضل أولاً سبعين، ثم زاده إلى مائة.

    المسلك الثاني: أن هذا مفهوم عدد، ومفهوم العدد عند الأصوليين ليس حجة.

    المسلك الثالث: قالوا بأن هذا يختلف باختلاف الأشخاص، وما يكون في قلوبهم من النيات، والحرص في اتباع السنة ونحو ذلك، وهذا القول هو الصواب، وهذا كما تقدم لنا في باب صلاة الجماعة، أنها تفضل بسبع وعشرين، وورد أنها تفضل بخمس وعشرين.

    هذه المسالك تأتي هنا، والصواب في الجمع أن يقال بأن هذا يختلف باختلاف الأشخاص، وما يقوم في قلوبهم من المقاصد الحسنة، والاتباع للسنة.

    قال: [وحدثنا قتيبة بن سعيد ، قال: حدثنا أبو عوانة ، ح، وحدثني زهير بن حرب ، قال: حدثنا جرير ، ح، وحدثنا محمد بن الصباح ، قال: حدثنا إسماعيل يعني ابن زكريا ، ح، وحدثنا أبو كريب ، قال: حدثنا وكيع ، عن سفيان ، كلهم عن سهيل ، عن أبيه، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى حديث خالد ، عن سهيل ، إلا أن جريراً وحده قال: فإن في حديثه: (من قتل وزغاً في أول ضربة كتبت له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك)].

    قال: [وحدثني محمد بن الصباح ، قال: حدثنا إسماعيل يعني ابن زكريا ، عن سهيل ، قال: حدثتني أختي، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (في أول ضربة سبعين حسنة)]. تقدم الجمع بين هاتين الروايتين.

    1.   

    حديث إحراق نبي من الأنبياء قرية نمل

    قال: [وحدثنا أبو الطاهر وحرملة بن يحيى ، قالا: أخبرنا ابن وهب ، قال: أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (أن نملة قرصت نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح)].

    هذا الحديث في شرع من قبلنا، وإلا فإن في شرعنا قتل النمل محرم ولا يجوز، ويدل على ذلك ما ثبت في سنن أبي داود من حديث ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النملة والهدد والنحلة والصرد)، فالنملة سواء كانت من النمل الكبير أو الصغير، هذه لا يجوز قتلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، اللهم إلا إذا كانت مؤذية، فإذا كانت مؤذية فإنها تنقلب إلى كونها فاسقاً، ويكون قتلها من باب دفع الصائل، فحتى الآدمي إذا صال وأصبح مؤذياً فإنه يقتل.

    وفي هذا أيضاً أن الأنبياء بشر كسائر البشر، وأنهم يتألمون كما يتألم البشر، وأنهم يغضبون كما يغضب البشر.

    وفي هذا أيضاً أن الأنبياء ليسوا معصومين من صغائر الذنوب، لكنهم معصومون عما يخل بأصل الرسالة، وكذلك معصومون عن سفاسف الأخلاق والفواحش، والكبائر موضع خلاف، الحديث هنا يدل على أنهم ليسوا معصومين من الصغائر، لكنهم يتوبون إلى الله عز وجل، ولا يقرون على ذلك، ويتوبون إلى الله عز وجل.

    وفي هذا أيضاً أن الجزاء من جنس العمل، فما دام أن قرصتني نملة، الواجب أن لا يقتل إلا نملة واحدة.

    وفي هذا أيضاً أن هذا النمل يسبح الله عز وجل، وهكذا غير النمل من سائر الحشرات والهواء، أنها تسبح الله عز وجل، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44]، فهذه الحيوانات من الحشرات والهوام والطير ونحو ذلك، هذه تسبح الله عز وجل، تعبد الله سبحانه وتعالى، وفي هذا عظمته سبحانه وتعالى، حيث يسبح له كل من في السموات والأرض.

    قال: [وحدثنا قتيبة بن سعيد ، قال: حدثنا المغيرة يعني ابن عبد الرحمن الحزامي ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر بها فأحرقت، فأوحى الله إليه: فهلا نملة واحدة؟!)].

    والجهاز هو المتاع، وفي هذا اتخاذ المتاع في السفر، ويظهر والله أعلم أن هذا النبي كان مسافراً، أو كان خارج البلد ونحو ذلك.

    وفيه أن إحراق النمل كان جائزاً في شرعهم، أو أن التعذيب بالنار كان جائزاً في الأمم السابقة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: (فهلا نملة واحدة)؟! أما في شرع محمد صلى الله عليه وسلم فإنه محرم ولا يجوز.

    قال: [وحدثنا محمد بن رافع ، قال: حدثنا عبد الرزاق ، قال: أخبرني معمر ، عن هشام ، عن همام بن منبه ، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر بها فأحرقت في النار، فأوحى الله إليه: فهلا نملة واحدة؟!)].

    1.   

    حبس الهرة

    قال: [وحدثني عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي ، قال: حدثنا جويرية بن أسماء ، عن نافع ، عن عبد الله ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض)].

    خشاش الأرض يعني: هوام الأرض مما يأكله الهر.

    وفي هذا وجوب نفقة البهائم؛ لأن البهائم محبوسة لمصالح مالكيها فتجب نفقتها، وأنه لا يجوز حرمانها من الطعام حتى تهلك.

    وفي هذا أيضاً أن الإنسان إذا لم يستطع أن ينفق على البهائم فإنه يسيبها، وفي هذا أيضاً جواز تسييب البهائم.

    وفيه أيضاً وجوب نفقة الزوجة؛ لأن الزوجة محبوسة لمصلحة الزوج، فيجب عليه أن ينفق عليها.

    وفيه أيضاً تحريم تعذيب الحيوان؛ لأن منعه من النفقة تعذيب له، وفيه أن الإسلام سبق هذه الأنظمة الغربية الكافرة فيما يتعلق بالحيوان، وما يتعلق بحقوق الحيوان، فالحقوق في الإسلام ليست خاصة بالإنسان، فالكافر له حق، والمسلم له حقوق، والحيوان له حقوق، والجار له حق، والضيف له حق، والقريب له حق، والحقوق كثيرة في الإسلام.

    قال: [وحدثني نصر بن علي الجهضمي ، حدثنا عبد الأعلى ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل معناه، قال: وحدثنا هارون بن عبد الله وعبد الله بن جعفر ، عن معن بن عيسى ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

    وحدثنا أبو كريب ، قال: حدثنا عبدة ، عن هشام ، عن أبيه، عن أبي هريرة ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (عذبت امرأة في هرة لم تطعمها ولم تسقها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض).

    وحدثنا أبو كريب ، قال: وحدثنا أبو معاوية ، ح، وحدثنا محمد بن المثنى ، قال: حدثنا خالد بن الحارث ، قال: حدثنا هشام بهذا الإسناد، وفي حديثهما: ربطتها، وفي حديث أبي معاوية : حشرات الأرض.

    وحدثنا محمد بن رافع وعبد بن حميد ، قالا: أخبرنا، وقال ابن رافع : حدثنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا معمر ، قال: قال الزهري : وحدثني حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن الرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى حديث هشام بن عروة .

    وحدثنا محمد بن رافع ، قال: وحدثنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو حديثه].

    1.   

    فضل ساقي البهائم وإطعامها

    قال: [وحدثنا قتيبة بن سعيد ، عن مالك بن أنس فيما قرئ عليه عن سمي مولى أبو بكر ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى)]، الثرى هو التراب الرطب. [(من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه)].

    الخف معروف، أي: ما يلبس على الرجل من الجلد.

    [(ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله! وإنا لنا في هذه البهائم لأجراً؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر)].

    يعني: في كل حيوان حي فيه أجر، وإنما قال: (في كل كبد رطبة)؛ لأن الميت كبده ستكون يابسة، فالمقصود: في كل حيوان حي.

    هذا الحديث فيه مسائل، من مسائله ما سبق أن أشرنا إليه ما يتعلق بحق الحيوان، وأن الحيوان في الإسلام له حق، ودليله ما تقدم.

    وفي هذا أيضاً دليل لما ذهب إليه بعض العلماء من أنه يصح الوقف على الحيوانات، يصح أن تقف على خير الجهات على كذا وكذا... إلخ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (في كل كبد رطبة أجر).

    وفي هذا أيضاً إثبات صفة الشكر لله عز وجل، وأن الله سبحانه وتعالى يشكر من يشكره، ويشكر من يعمل له الصالحات، وهذا هو حسن الظن بالله سبحانه وتعالى.

    ومن آثار هذا الشكر المغفرة، ولهذا قال: (فغفر له).

    وفيه أيضاً إثبات صفة المغفرة لمن يعمل الصالحات، وفيه إثبات المغفرة من الله سبحانه وتعالى، والمغفرة هي محو الذنب والتجاوز عنه.

    وفيه أيضاً عموم رحمة الله وسعة فضله وعظيم أجره، حتى الحيوان فيه الأجر مع النية الصالحة، بل إن الإنسان يزرع الزرع، ويغرس الغرس، لا يريد الحيوان أن يأكل منه ويضع ما يبعد الحيوان، ويأتي الحيوان ويأكل ويكتب له الأجر عند الله سبحانه وتعالى، مع أنه ما نوى هذا، ومع النية الصالحة العادات تكون عبادات.

    قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن امرأة بغياً)]. وهي الزانية، [(رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر)]. أي: يطوف فيها، يدور حولها، [(قد أدلع لسانه من العطش)]، يعني أخرجه من شدة العطش، [(فنزعت له بموقها)]، يعني: نزعت الدلو، والموق: هو الخف، فسقت له بموقها، يعني: بخفها، [(فنزعت له بموقها فاستقت له به، فغفر لها به)].

    ويظهر والله أعلم أنها كانت مسلمة، أو أنها وفقت للإسلام إن كانت غير مسلمة، فغفر الله عز وجل لها؛ لأن صاحب الكبيرة تحت المشيئة، إن شاء الله عز وجل غفر له، وإن كانت ما تابت فيحتمل أن الله سبحانه وتعالى وفقها للتوبة، وتابت بسبب هذا الصنيع، وغفر الله عز وجل لها، ويحتمل أنها ماتت على ذنبها، وغفر الله عز وجل لها؛ لأن صاحب الكبيرة كما هو مذهب أهل السنة والجماعة تحت المشيئة، إن شاء الله عز وجل غفر له، وإن شاء عذبه.

    انتهى المجلد الرابع عشر، والله أعلم.