إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الطب والرقى [9]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من وسائل الشرع في المحافظة على النفس وصحتها النهي عن مخالطة المجذوم؛ لأن مرضه من الأمراض الخبيثة المعدية، ولهذا أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مجذوم أن قد بايعناك فارجع، وجاء في الشرع الأمر بقتل ذي الطفيتين والأبتر من الحيات، وقد جاءت في ذلك روايات متع

    1.   

    اجتناب مخالطة المجذوم

    قال مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه:

    [حدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا هشيم، ح، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال: حدثنا شريك بن عبد الله وهشيم بن بشير عن يعلى بن عطاء عن عمرو بن الشريد عن أبيه، قال: (كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم: إنا قد بايعناك فارجع)].

    الجذام سبق لنا تعريفه، وهو من الأمراض المُعدية، وفي هذا الحديث تجنب النبي صلى الله عليه وسلم مخالطة المجذوم، وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل مع المجذوم، فكيف الجمع بين هذين الحديثين؟ في حديث جابر النبي صلى الله عليه وسلم أكل مع المجذوم وقال: (كل ثقة بالله وتوكل عليه)، وكذلك في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهذا المجذوم: (إنا قد بايعناك فارجع).

    الجمع بين هذين الحديثين نقول بأن التباعد عن المجذوم هو الأصل؛ لما في ذلك من حفظ النفس، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، فالأصل أن المسلم يتباعد عن أسباب المرض.

    لكن هذا الحديث يدل على الجواز، وأن الإنسان إذا خالط هؤلاء الذين يُعدون توكلاً على الله عز وجل وثقة بما عنده سبحانه وتعالى؛ لأن هذا مجرد سبب، والأسباب لا يمكن أن تؤثر بذاتها، ولا تؤثر إلا بإذن الله عز وجل، فهذا الحديث يدل على الجواز، وإلا فإن الأصل هو التباعد وهو حفظ النفس والبعد عن أسباب المرض.

    أيضاً هذا الحديث يدل لمسألة موجودة اليوم، وهي ما يسمي بالحجر الصحي، أعني: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فر من المجذوم فرارك من الأسد ).

    وفيه أيضاً أن المجذوم يُمنع من مخالطة الناس لما في ذلك من الضرر عليهم؛ لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم (ارجع)، دليل على أنه يُمنع من مخالطة الناس.

    ويترتب على ذلك أنه لا تجب عليه الجمعة، ولا تجب عليه الجماعة.

    وفيه أيضاً أن المجذومين ونحوهم ممن يصابون بأمراض مُعدية تُعمل لهم أماكن خاصة، سواء كان للتعلم أو للأكل أو نحو ذلك؛ لئلا يؤدي ذلك إلى ضرر الناس.

    وفي هذا إثبات البيعة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس على الإسلام.

    1.   

    قتل الحيات وذي الطفيتين والأبتر

    قال رحمه الله تعالى: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال: حدثنا عبدة بن سليمان وابن نمير عن هشام ح، وحدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبدة، قال: حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت:( أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل ذي الطفيتين؛ فإنه يلتمس البصر ويصيب الحبل).

    في هذا قتل الحيات، وهو الأصل؛ لأنها مؤذية، ولحديث عائشة أن النبي قال: (خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم، وذكر منها الحية)، ويتأكد قتل ذي الطفيتين والأبتر كما سيأتينا.

    والطفيتان: خطان أبيضان يكونان على ظهره.

    والأبتر قيل بأنه مقطوع الذنب، وقيل بأنه قصير الذنب، وهو نوع من الحيات أزرق، وإنما يتأكد قتل هذين النوعين لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهما يلتمسان البصر ويسقطان الحبل.

    ما معنى يلتمس البصر؟ قال بعض العلماء: إنه يتقصد البصر باللسع، وهذا يدل على أنه فاسق، وأنه مؤذ، وقيل بأنه من شدة السمية التي فيه يؤدي ذلك إلى ذهاب البصر كما ذكر الزهري كما سيأتينا في صحيح مسلم .

    وقولها أيضاً (يسقط الحبل). أي: الحمل، ما معنى أنه يُسقط الحمل؟ قال بعض العلماء: إن المراد بذلك: أن المرأة إذا رأته ارتاعت وخافت فسقط حملها.

    وقيل أيضاً ما يتعلق بسميته: أنه من شدة السمية الموجودة فيه أن هذا يؤدي إلى إسقاط الحمل.

    وقال بعض العلماء في قوله: (يلتمسان البصر): إنه بمجرد النظر إلى هذه الحية يؤدي ذلك إلى خطف البصر بإذن الله عز وجل.

    إذاً: فأصبح قوله: (يلتمسان البصر) فيه ثلاثة تأويلات:

    التأويل الأول: المراد بذلك السم.

    والتأويل الثاني: أنه يتقصد لسع البصر.

    والتأويل الثالث: أنه بمجرد ما يحصل النظر إليه يخطف البصر بإذن الله عز وجل، والله أعلم.

    قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال: أخبرنا أبو معاوية ، قال: أخبرنا هشام بهذا الإسناد، وقال: الأبتر وذو الطفيتين.

    1.   

    قتل حيات البيوت

    قال: [وحدثني عمرو بن محمد الناقد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقتلوا الحيات وذا الطفيتين والأبتر، فإنهم يستسقطان الحبل ويلتمسان البصر، قال: فكان ابن عمر يقتل كل حية وجدها، فأبصره أبو لبابة بن عبد المنذر أو زيد بن الخطاب وهو يطارد حية فقال: إنه قد نُهي عن ذوات البيوت)].

    في هذا أنه تُقتل كل الحيات، ويتأكد قتل ذي الطفيتين والأبتر، إلا أنه استثني من ذلك حيات البيوت، وهل هذا خاص بالمدينة أو أنه شامل لكل البيوت؟

    للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    فالرأي الأول: أنه شامل لكل البيوت، وأنه ليس خاصاً بالمدينة.

    والرأي الثاني: أن هذا خاص بحيات المدينة، أما حيات البيوت التي توجد في غير المدينة فهذه لا بأس، لأنه جاء في الحديث: (إن جناً أسلموا في المدينة)، فيحتمل أن تكون هؤلاء الحيات منهم.

    والصواب الذي عليه أكثر العلماء: أن هذا ليس خاصاً بحيات المدينة، بل نقول بأن حيات البيوت يُترك قتلهن إلا ذا الطفيتين والأبتر يُقتلان بكل حال، في البيوت أو خارج البيوت وفي الصحاري، أما داخل البيوت فلا تُقتل الحيات، والصحيح: أنه ليس خاصاً ببيوت المدينة.

    قال: [وحدثنا حاجب بن الوليد قال: حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله عن ابن عمر قال: (سمعت رسول الله وسلم يأمر بقتل الكلاب، ويقول: اقتلوا الحيات والكلاب، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإنها يلتمسان البصر ويسقطان الحبالى)، قال الزهري : ونرى ذلك من سمهما، والله أعلم].

    هذا تفسير الزهري رحمه الله وسبق البيان، وفي هذا قتل الكلاب، وهذا كان في أول الأمر ثم بعد ذلك نُسخ فنُهي عن قتل الكلاب إلا الكلب الأسود، فإنه شيطان.

    وكذلك الكلب العقور الذي يؤذي، وفي هذا أيضاً أنه يؤمر بقتل كل مؤذ.

    [قال سالم: قال: عبد الله بن عمر: فلبثت لا أترك حية أراها إلا قتلتها، فبينا أنا أُطارد حية يوماً من ذوات البيوت مر بي زيد بن الخطاب أو أبو لبابة وأنا أُطاردها فقال: مهلاً يا عبد الله، فقلت: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بقتلهن. قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهى عن ذوات البيوت.

    وحدثني حرملة بن يحيى ، قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس ، ح، وحدثنا عبد بن حميد ، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا معمر ، ح وحدثنا حسن الحلواني ، قال: حدثنا يعقوب ، قال: حدثنا أبي عن صالح كلهم عن الزهري بهذا الإسناد، غير أن صالحاً قال: حتى رآني أبو لبابة بن عبد المنذر وزيد بن الخطاب فقالا: إنه قد نهي عن ذوات البيوت.

    وحدثني محمد بن رمح قال: أخبرنا الليث ، ح، وحدثنا قتيبة بن سعيد واللفظ له، قال: حدثنا ليث عن نافع أن أبا لبابة كلم ابن عمر ليفتح له باباً في داره يستقرب به إلى المسجد، فوجد الغلمة جاناً فقال عبد الله: التمسوه فاقتلوه، فقال أبو لبابة : ( لا تقتلوه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الجنان التي في البيوت )].

    نعم تقدم الكلام عن هذا، وفيه أن الحيات تُقتل إلا الحيات التي في البيوت؛ لكن كما سيأتينا تُحرج ثلاثا، فإن لم تنته فإنها تُقتل، إلا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يُقتلان بكل حال.

    فأصبحت عندنا الحيات تنقسم ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: الحيات التي خارج البيوت تُقتل بكل حال، قتلها سنة.

    القسم الثاني: الحيات التي داخل البيوت، هذه لا تُقتل إلا ذا الطفيتين والأبتر.

    والقسم الثالث: الحيات التي داخل البيوت بعد أن تُحرج ثلاثاً تُقتل.

    وفيه هنا استعارة الطريق، حيث قال: (أن أبا لبابة كلم ابن عمر ليفتح له باباً في داره يستقرب به إلى المسجد). ففيه استعارة الطريق لكي يكون أقرب إلى المسجد.

    قال: [وحدثنا شيبان بن فروخ ، قال: حدثنا جرير بن حازم ، قال: حدثنا نافع ، قال: ( كان ابن عمر يقتل الحيات كلهن حتى حدثنا أبو لبابة بن عبد المنذر البدري أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل جنان البيوت، فأمسك ).

    وحدثنا محمد بن المثنى ، قال: حدثنا يحيى وهو القطان عن عبيد الله ، قال: أخبرني نافع أنه سمع أبا لبابة يُخبر ابن عمر ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهي عن قتل الجنان ).

    وحدثنيه إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدثنا أنس -هكذا عندكم- أنس بن عياض ، قال: حدثنا عبيد الله عن نافع عن عبد الله بن عمر عن أبي لبابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ح، وحدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي ، قال: حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله أن أبا لبابة أخبره أن الرسول صلى الله عليه وسلم ( نهى عن قتل الجنان التي في البيوت ).

    وحدثنا محمد بن المثنى ، قال: حدثنا عبد الوهاب يعني الثقفي ، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني نافع ( أن أبا لبابة بن عبد المنذر الأنصاري وكان مسكنه بقباء، فانتقل إلى المدينة، فبينما عبد الله بن عمر جالساً معه يفتح خوخة له -يعني: فتحة في الجدار- إذ هم بحية من عوام البيوت فأرادوا قتلها، فقال أبو لبابة : فإنه قد نُهي عنهم، يعني: عوامر البيوت، وأمر بقتل الأبتر وذي الطفيتين وقال: هما اللذان يلتمعان البصر ويطرحان أولاد النساء ).

    وحدثنا إسحاق بن منصور ، قال: أخبرنا محمد بن جهضم ، قال: حدثنا إسماعيل وهو عندنا ابن جعفر عن عمر بن نافع عن أبيه، قال: كان عبد الله بن عمر يوماً عند هدم له فرأى وبيص جان، فقال: اتبعوا هذا الجان فاقتلوه، فقال: أبو لبابة الأنصاري: إنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم ( نهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت، إلا الأبتر وذي الطفيتين، فإنهما يخطفان البصر ويتتبعان ما في بطون النساء ).

    وحدثنا عروة بن سعيد الأيلي ، قال: حدثنا ابن وهب ، قال: حدثني أسامة أن نافع حدثنا أن أبا لبابة مر بـابن عمر وهو عند الأطن الذي عند دار عمر بن الخطاب يرصد حية بنحو حديث الليث بن سعد.

    وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لـيحيى وقال يحيى: وإسحاق : أخبرهم، قال الآخران: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله قال: ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار وقد أنزلت عليه: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا [المرسلات:1] فنحن نأخذها من فيه رطبة؛ إذ خرجت علينا حية فقال: اقتلوها، فابتدرناها لنقتلها فسبقتنا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: وقاها الله شركم كما وقاكم شرها ).

    في هذا قتل الحيات التي تكون خارج البيوت؛ لأن هذه الحية خارج البيت، وتقدم أن هذا مستحب.

    قال: [وحدثنا قتيبة بن سعيد وعثمان بن أبي شيبة ، قال: حدثنا جرير عن الأعمش في هذا الإسناد بمثله، قال: حدثنا أبو كريب ، قال: حدثنا حفص يعني ابن غياث ، قال: حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر محرماً بقتل حية بمنى )].

    في هذا كما سلف قتل الحيات، وأنه يستحب أن تُقتل الحية سواء كان القاتل لها محرماً أو حلالاً: (خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم)، حتى المحرم يجوز له أن يقتل مثل هذه الفواسق.

    قال: [وحدثنا عمر بن حفص بن غياث ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش ، قال: حدثني إبراهيم عن الأسود عن عبد الله، قال: بينما نحن مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غار بمثل حديث جرير وأبي معاوية .