إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الطب والرقى [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من طرق التداوي التي أباحها الشرع التداوي بالحجامة والعسل والكي، ولكن ذهب بعض العلماء إلى كراهة الحجامة، وأنها تنافي التوكل، وكذلك الكي، واختلفوا في أخذ الأجرة على الحجامة، ومما جاء في الشرع التداوي من الحمى، وذلك بإبرادها بالماء، لأنها من فيح جهنم، وقد جا

    1.   

    تابع التداوي بالحجامة

    قال: [حدثنا عبد الرحمن بن سليمان عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: جاءنا جابر بن عبد الله في أهلنا ورجل يشتكي خراجاً].

    الخراج: شيء من الورم يكون بين الجلد واللحم.

    [أو به جرحاً فقال: ما تشتكي؟ قال: خراج بي قد شق عليّ. فقال: يا غلام ائتني بحجام. فقال له: ما تصنع بالحجام يا أبا عبد الله ؟ قال: أريد أن أُعلق فيه محجماً].

    قوله: (أريد أن أعلق فيه محجماً)، المحجم المقصود به هنا: الآلة التي تحجم البدن وتمص الدم.

    قال: [قال: والله إن الذباب ليصيبني أو يصيبني الثوب فيؤذيني ويشق عليّ، فلما رأى تبرمه من ذلك قال: إني سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم)].

    المحجم المقصود به هنا: الآلة التي يُشق بها الجلد، والشرط: هو الشق.

    [(ففي شرطة محجم أو شربة، أو شربة من عسل، أو لذعة بنار، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: وما أحب أن أكتوي)، قال: فجاء الحجام فشرطه فذهب عنه ما يجد].

    هذا الحديث فيه مسائل، من مسائله: زيارة أهل العلم والأكابر للناس؛ لأن جابر بن عبد الله كما ذكر عاصم بن عمر بن قتادة أنه جاءه في أهله، وذلك كي يستفيدوا من علمه وتوجيهه، وكما حصل من جابر رضي الله عنه.

    وفي هذا أيضاً أن الشكوى جائزة، والشكوى هي الإخبار بالمرض, والشكوى تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: شكوى جائزة وهي التي لا يلحقها شكوى للمخلوق.

    الأصل أن تكون الشكوى إلى الله عز وجل، لكن الشكوى للمخلوق وإخبار المخلوق بالمرض، هذا ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: شكوى جائزة، وهي التي لا يصحبها شيء من التبرم والتأفف أو كراهة قضاء الله وقدره ونحو ذلك، فهذه جائزة، والنبي صلى الله عليه وسلم اشتكى, وعائشة رضي الله تعالى عنها اشتكت فقالت عائشة : (وا رأساه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أنا وا رأساه) إلى آخره.

    والقسم الثاني: شكوى مذمومة، وهي الشكوى التي يلحقها شيء من التبرم وإظهار التكلف أو كراهة قضاء الله وقدره إلى آخره، فنقول بأن هذه شكوى مذمومة.

    خلاف العلماء في حكم الحجامة

    قوله: (خراج بي قد شق عليّ قال: يا غلام! ائتني بحجام): وفي هذا دليل لمن قال بأن الحجامة مستحبة، والحجامة هي حجم الدم كيفية وكمية وإخراجه من البدن بما يناسب البدن.

    والعلماء رحمهم الله اختلفوا في الحجامة: هل هي مستحبة أو مباحة؟ على رأيين:

    فالرأي الأول قالوا: بأن الحجامة مستحبة، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فضلها قال: (إن كان في أدويتكم خير ففي شرطة محجم) إلى آخره، وحث عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وفعلها الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    وثانياً قال: لما يترتب عليها من المنافع والمصالح، ففيها إصلاح للبدن بإخراج هذا الدم الفاسد، فهي سبب لدفع كثير من الأمراض قبل وقوعها، وسبب أيضاً للشفاء من كثير من الأمراض بعد وقوعها كما في هذا الحديث، فقالوا بأنها مستحبة.

    والرأي الثاني: قالوا بأنها مباحة؛ لأنها من قبيل العادات، وإذا كان كذلك فالأصل في ذلك الإباحة.

    والذي يظهر -والله أعلم- أن الاستحباب أقرب؛ لما يترتب عليها من منافع وفوائد كثيرة جداً.

    والحجامة كانت موجودة ومعروفة قبل الإسلام، كانت موجودة عند قدماء المصريين من الفراعنة، كذلك كانت موجودة عند الصينيين، وكذلك عند العرب في الجاهلية كانت الحجامة موجودة، وجاء الإسلام وأقرها لما يترتب عليها من منافع ومصالح كثيرة.

    أفضل أوقات الحجامة

    وأفضل أوقات الحجامة عند الاحتياج إليها وعند هيجان الدم، وقد جاء في ذلك أحاديث فيها مقال، لكن أفضل شيء ما ذكر ابن القيم رحمه الله أنها من بعد النصف الأول، ثم بعد ذلك الربع الثالث.

    والعلماء يقولون: إن أفضلها في اليوم السابع عشر والتاسع عشر والحادي والعشرين إلى اليوم السابع والعشرين، هذه أفضل أيام الحجامة؛ لأن الدم يهيج وذلك عند إبدار القمر، وإذا كان كذلك فإن الحجامة هنا تكون أفضل.

    أيضاً قالوا: بأن أفضل أوقاتها ما كان في الصباح الباكر عند شروق الشمس على الريق قبل أن يأكل شيئاً؛ لأنها إذا كانت على الريق يكون ذلك سبباً لإخراج الدم الفاسد، بخلاف ما إذا كان على الشبع فإنه يكون سبباً لإخراج الدم النقي.

    مواضع الحجامة

    وأيضاً ينبغي لمن حجم أن يتحرى المواقع التي حجمها النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم حجم في وسط الرأس، وحجم على الكاهل، وفي الأخدعين، وفي الورك، ووسط القدم؛ هذه خمسة مواضع حجم فيها النبي صلى الله عليه وسلم.

    والكاهل: هو أعلى الظهر مما يلي الرقبة، نعم. أعلى الظهر مما يلي الرقبة، وأيضاً حجم على الأخدعين، والأخدعان: عرقان في جانبي العنق، وأيضاً حجم على الورك وعلى وسط القدم، فيتحرى هذه المحاجم التي حجمها النبي صلى الله عليه وسلم.

    قوله: (والله إن الذباب ليصيبني أو يصيبني الثوب فيؤذيني)، وهذا يدل على شدة ما وقع به من ألم.

    (فلما رأى تبرمه من ذلك قال: إني سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم).

    وفي هذا فضيلة هذه الأدوية الثلاثة شرطة المحجم، وكما سلف أن شرطة المحجم يعني في القديم وفي الحاضر حتى الآن، رجع إليه كثير من الأمم الكافرة ورجعوا إلى ما يتعلق بالحجامة، ووجد الآن في كثير من المصحات ما يتعلق بالحجامة.

    (أو شربة من عسل)، في هذا أيضاً فضيلة العسل.

    (أو لذعة بنار)، فيه أن الاكتواء جائز ولا بأس به، وهل التداوي بالكي جائز أو مكروه؟

    للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان، وهذا الحديث يدل على الجواز، والرأي الثاني: أنه مكروه لما سبق من النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وما أحب أن أكتوي)، وأيضاً يدل على الكراهة لأنه ينافي التوكل.

    ففي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم في السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قال: (لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)، فالاكتواء هذا سبب لنقص التوكل على الله عز وجل، فالصواب في ذلك: أنه مكروه, وأنه سبب لنقص التوكل؛ لكن الحديث يدل على أنه جائز؛ لكنه مكروه ليس محرماً.

    قال: (فشرطه فذهب عنه ما يجد)، وفي هذا أيضاً فضيلة جابر رضي الله عنه حيث بث هذه السنة وطبق أيضاً هذه السنة, وهذا من تعظيم سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    حديث احتجام أم سلمة وما يستفاد منه

    قال: [وحدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث ح وحدثنا محمد بن رمح قال: أخبرني الليث عن أبي الزبير عن جابر : ( أن أم سلمة استأذنت الرسول صلى الله عليه وسلم في الحجامة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا طيبة أن يحجمها )].

    في هذا أيضاً: أن الحجامة ليست خاصة بالذكور دون الإناث، بل المرأة لها أن تحتجم.

    وفي هذا الحديث والحديث السابق إباحة التداوي, وتقدم أن تكلمنا عن التداوي وذكرنا أقسام التداوي إلى آخره.

    وفي هذا أيضاً: استئذان المرأة زوجها عند التداوي إلى آخره.

    [قال: حسبت أنه قال: كان أخاها من الرضاعة أو غلاماً لم يحتلم]، يعني: حجمها لأنه كان أخاً لها من الرضاعة؛ لأنها ستكشف شيئاً من بدنها.

    في هذا أيضاً: أنه لا بأس أن المرأة تكشف شيئاً من بدنها للطبيب, وأن هذا جائز ولا بأس به، لأنه حتى ولو كان أخاها من الرضاعة قد تحتاج إلى أن تحتجم في الظهر وليس له أن يرى الظهر، فنقول: عند الحاجة هذا جائز ولا بأس به، لكن يشترط أن لا يكون هناك امرأة، فإذا لم يكن هناك امرأة فإن هذا جائز ولا بأس به.

    1.   

    التداوي بالكي

    قال: [وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قال يحيى ، واللفظ له: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: ( بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع منه عرقاً ثم كواه )].

    نعم. في هذا إباحة التداوي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث هذا الطبيب لـأبي رضي الله عنه، وفيه أيضاً جواز الاكتواء، وأنه من التداوي؛ لكنه مكروه.

    قال: [وحدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير ، ح، وحدثني إسحاق بن منصور قال: أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا سفيان كلاهما عن الأعمش في هذا الإسناد ولم يذكر (فقطعوا منه عرقاً).

    وحدثني بشر بن خالد قال: حدثنا محمد يعني ابن جعفر عن شعبة قال: سمعت سليمان قال: سمعت أبا سفيان قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: ( رُمي أبي يوم الأحزاب على أكحله، فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ].

    الأكحل: هو عرق يخرج من الصلب ويتصل بنياط القلب، وقيل بأنه إذا قُطع هذا الأكحل يؤدي إلى الوفاة، أي: نزف دمه يؤدي إلى الوفاة.

    وفي الحديث يقول: أبي بن كعب ، والصواب في ذلك: أنه سعد بن معاذ رضي الله عنه، فإن الذي ضُرب في أكحله هو سعد بن معاذ رضي الله عنه، وهذا وهم من بعض الرواة.

    قال: [وحدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا زهير قال: حدثنا أبو الزبير عن جابر ، ح، وحدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا أبو خيثمة عن أبي الزبير عن جابر قال: ( رُمي سعد بن معاذ في أكحله، قال: فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص ثم ورمت فحسمه الثانية )].

    هذه الرواية هي الصواب: أنه سعد بن معاذ رضي الله عنه، وهو المشهور.

    قوله (حسمه) يعني: قطعه بمشقص.

    أخذ الأجرة على الحجامة

    قال: [وحدثنا أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي قال: حدثنا حبان بن هلال قال: حدثنا وهيب قال: حدثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره واستعطى)].

    في هذا الحديث أخذ الأجرة على الحجامة، وهي موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله هل هي جائزة أو ليست جائزة؟ وهذا الحديث يدل على أنها جائزة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حجمه أبا طيبة وأعطاه أجرته.

    وذهب بعض العلماء إلى أن أخذ الأجرة لا يجوز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رافع بن خديج : (كسب الحجام خبيث، ومهر البغي خبيث)، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم خبيثاً.

    والذي يظهر والله أعلم ما عليه أكثر أهل العلم، على أن أخذ الأجرة على الحجامة جائز ولا بأس به، لكن امتهان مثل هذه المهنة يقال: بأنها مكروهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها خبيثة؛ لأنه يلابس مثل هذه القاذورات من الدماء ونحو ذلك.

    وهذا يظهر -والله أعلم- أنه كان في الزمن السابق؛ لأنه كان الحجام يقوم بمص الدم، والنبي صلى الله عليه وسلم لما مر على من يحتجم في نهار رمضان، ألا وهو أبو جعفر قال: (أفطر الحاجم والمحجوم).

    أما المحجوم فيُفطر لما يلحقه من الضعف؛ لكن بالنسبة للحاجم يُفطر لأنه يقوم بمص الدم، وإذا قام بمص الدم فإن شيئاً من نقط الدم ستتطاير إلى فمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم).

    فيظهر والله أعلم أنه في هذا الوقت الآن تغير الوضع، الآن لا يقوم الحاجم بمص الدم، وإنما تكون الحجامة عن طريق الآلات، فيظهر والله أعلم أنه الآن لا تُكره الحجامة؛ لأنه يكون عن طريق الآلات، ولا يلابس مثل هذه القاذورات أو يقوم بالمص ونحو ذلك.

    قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب ، قال أبو بكر : حدثنا وكيع ، وقال أبو كريب واللفظ له: أخبرنا وكيع عن مسعر عن عمرو بن عامر الأنصاري قال: سمعت أنس بن مالك يقول: (احتجم الرسول صلى الله عليه وسلم وكان لا يظلم أحداً أجره)].

    وفي هذا أيضاً إعطاء الأجير أجره كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، وكان لا يظلم الناس شيئاً.

    1.   

    التداوي من الحمى

    قال: [وحدثنا زهير بن حرب ومحمد بن المثنى قال: حدثنا يحيى وهو ابن سعيد عن عبيد الله قال: أخبرني نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء)].

    الحمى: مرض معروف، ومن أعراضها شدة الحرارة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من فيح جهنم). يعني: من شدة حرها، يعني: من شدة حر جهنم.

    وقوله: (فأبردوها بالماء)، يعني بلوا هذا المريض بشيء من الماء، وفي هذا أنه يُشرع لمن أُصيب بالحمى أن يُمسح بشيء من الماء، وهذا من الطب النبوي، وهو مما جاء الآن الطب الحديث به.

    نعم، الطب الحديث الآن مع ارتفاع الحرارة يُدلك المريض إذا ارتفعت حرارته وأصابته هذه الحمى بالقطن البارد المبلول بالماء.

    وفي هذا إثبات جهنم نسأل الله أن ينجينا منها، وجهنم هي الدار التي أعدها الله لأعدائه في الآخرة.

    وفيه دليل لمذهب أهل السنة والجماعة أنها مخلوقة الآن وأنها موجودة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من فيح جهنم)، فهي موجودة الآن ومخلوقة ومكانها في أسفل سافلين. والجنة موجودة ومخلوقة وفي أعلى عليين, وهذا مذهب أهل السنة والجماعة خلافاً لأهل البدعة.

    قال: [وحدثنا ابن نمير قال: حدثنا أبي ومحمد بن بشر ، ح، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن نمير ومحمد بن بشر قال: حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء).

    وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدثني مالك ، ح، وحدثنا محمد بن رافع قال: حدثنا ابن أبي فديك قال: أخبرنا الضحاك يعني ابن عثمان كلاهما عن نافع عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء).

    وحدثنا أحمد بن عبد الله بن الحكم قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة ح، وحدثني هارون بن عبد الله واللفظ له قال: حدثنا روح قال: حدثنا شعبة عن عمر بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء).

    وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قال: حدثنا ابن نمير عن هشام عن أبيه عن عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء).

    وحدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا خالد بن الحارث وعبدة بن سليمان جميعاً عن هشام بهذا الإسناد مثله.

    وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام عن فاطمة عن أسماء أنها كانت تؤتى بالمرأة الموعوكة فتدعو بالماء فتصب في جيبها وتقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أبردوها بالماء)، وقال: (إنها من فيح جهنم)].

    قوله: (الموعوكة). يعني: التي وعكت، أي: مرضت.

    وقوله (في جيبها). الجيب: هو فتحة القميص، وتقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أبردوها بالماء وإنها من فيح جهنم).

    وفي هذه الأحاديث أنه يُشرع لمن أُصيب بهذه الحمى أن يُبرد بالماء.

    وفيه أيضاً: كما تقدم أن جهنم موجودة وأنها مخلوقة.

    وفيه أيضاً: أن جهنم تُسعر وأنها في بعض الأحيان تشتد حرارتها.

    وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن أشد ما تجدون من الزمهرير من شدة الحر أنه من نفس جهنم، وأن جهنم استأذنت ربها عز وجل، وذكرت أنه أكل بعضها بعضاً، فأذن لها بنفسين فأشد ما يوجد من شدة البرد وشدة الحر من نفس جهنم.

    وفي هذا أيضاً: تطبيق الصحابة رضي الله تعالى عنهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم لها، وهذا ما لا يوجد عند المتأخرين من الخلف، السلف يُعظمون السنة مادام النبي صلى الله عليه وسلم قال شيئاً عظموه كما تقدم لنا قصة جابر رضي الله عنه في الحجامة، وهنا قصة أسماء رضي الله تعالى عنها في هذه المرأة الموعوكة، وأنها أخذت الماء وصبته في جيبها.

    قال: [وحدثناه أبو كريب قال: حدثنا ابن نمير وأبو أسامة عن هشام بهذا الإسناد، وفي حديث ابن نمير: (صبت الماء بينها وبين جيبها)، ولم يذكر في حديث أبي أسامة: أنها من فيح جهنم.

    قال أبو أحمد : قال إبراهيم: حدثنا الحسن بن بشر قال: حدثنا أبو أسامة بهذا الإسناد.

    وحدثنا هناد بن السري قال: حدثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج قال: سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الحمى فور من جهنم فأبردوها بالماء).

    وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى ومحمد بن حاتم وأبو بكر بن رافع قالوا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبيه عن عباية بن رفاعة قال: حدثني رافع بن خديج قال: سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (الحمى من فور جهنم فأبردوها عنكم بالماء)، ولم يذكر أبو بكر: (عنكم) وقال: قال: أخبرني رافع بن خديج .

    1.   

    التداوي باللدود

    قال: [وحدثنا محمد بن حاتم قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال: حدثني موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة قالت: ( لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه، فأشار ألا تلدوني، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: لا يبقي أحد منكم إلا لد؛ غير العباس فإنه لم يشهدكم )].

    اللدود: هو دواء يوضع في جانب الفم ويُحرك بالإصبع.

    في هذا الحديث مسائل، من هذه المسائل التداوي وسبق الكلام على هذه المسألة، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار, ويدل ذلك على اعتبار الإشارة, وأن الإشارة المفهومة بمنزلة العبارة المنطوقة.

    وفي هذا أيضاً: اجتهاد الصحابة رضي الله تعالى عنهم في وقت الوحي، في زمن النبي صلى الله عليه وسلم, وأن هذا جائز ولا بأس به.

    وفيه أيضاً: أنه ليس كل مجتهد مصيباً، وهذه مسألة أصولية كبيرة تكلم عليها العلماء رحمهم الله، هل كل مجتهد مصيب إلى آخره؟ في هذا الحديث دليل على أنه ليس كل مجتهد مصيباً.

    وفي هذا أيضاً التعزير بمثل الفعل، وهو دليل لما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله، وأنه إذا فعل بك شيئاً تفعل به مثل الشيء الذي فعل بك، أو قال لك سباً فلك أن تسبه بمثل ما سبك، فإذا ضربك لك أن تضربه، نكزك لك أن تنكزه، صفعك لك أن تصفعه، بصق عليك لك أن تبصق عليه، سبك بما دون القذف ككلب وحمار ونحو ذلك، لك أن تقول له: يا كلب! يا حمار!

    ويدل لهذا هذا الحديث، ويدل له أيضاً قول الله سبحانه وتعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40]، وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126]؛ لكن عند الفقهاء رحمهم الله أنه إذا سبك قال لك: يا حمار، لا تقول له: يا حمار، بل يُعزر بالجلد فيجلده القاضي وهكذا، لكن هذا الحديث يدل لما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله تعالى وهو الأقرب, والله أعلم.

    قوله: (فإنه لم يشهدكم)، فيه أن السكوت علامة الرضا، وأن من حضر ولم يُنكر أنه يأخذ حكم من فعله.

    وبهذا أيضاً نعرف أن الإنكار بالقلب لا يكون بمجرد كراهة القلب لهذا الشيء، وأنه لابد من المفارقة للمكان، وأنه لا يُكتفى بكراهة هذا الفعل، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لم يشهدكم) إلى آخره، هذا يدل على أنه لابد من كراهة هذا الفعل.

    والله أعلم.