إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب العتق [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العتق هو تحرير الرقبة وتخليصها من الرق، وقد دل على استحباب العتق ومشروعيته الكتاب والسنة والإجماع، وذلك لتشوف الشارع لتحرير العبيد وأن تفك رقابهم من الرق، ويأتي الرقيق عند حصول القتال بين المسلمين والكفار، فيغنم المسلمون الكفار، وطرق تحرير الأرقاء كثيرة؛

    1.   

    مقدمات في العتق

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كتاب العتق.

    عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أعتق شركاً له في عبد، فكان له ما يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة عدل فأعطي شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق ).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أعتق شقصاً له من مملوك فعليه خلاصه كله في ماله، فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل، ثم استسعي العبد غير مشقوق عليه )].

    الشرح: يقول المؤلف رحمه الله: (كتاب العتق).

    هذا الكتاب هو آخر كتاب في هذا المتن المبارك، والمؤلف رحمه الله تعالى ختم كتابه به تفاؤلاً أن يعتق الله رقبته ورقاب المسلمين من النار، وخصوصاً من انتفع بهذا الكتاب قراءة أو حفظاً أو دراسة.

    تعريف العتق والأصل فيه

    العتق في اللغة مأخوذ من قولهم: عتق الفرس إذا سبق ونجا، وعتق الفرخ إذا طار، والعتق هو الخلوص.

    وأما في الاصطلاح: فهو تحرير الرقبة وتخليصها من الرق.

    والعتق الأصل فيه القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن فقول الله عز وجل: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء:92].

    وأما السنة فسيأتينا إن شاء الله بعض الأحاديث التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى، والإجماع قائم على ذلك.

    والعتق فيه فضل عظيم وأجر كبير، ويكفي من ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار حتى فرجه بفرجه ).

    والرق في الشريعة الإسلامية طريقه طريق واحد، كما جاء في تعريف الرق: هو عجز الحكم سببه الكفر بالله عز وجل.

    طريق الرق وطرق العتق

    يأتي الرق عند حصول القتال بين المسلمين والكفار، ثم بعد ذلك تحصل الغنائم، والغنائم إن كانت من بني آدم فإن كانوا مقاتلين فالإمام مخير فيهم، إما أن يضرب عليهم الرق، وإما أن يقتل، وإما أن يفاديهم بمال، وإما أن يمن عليهم.. إلخ.

    وأما بالنسبة للنساء والأطفال فإنهم يكونون أرقاء بمجرد الاستيلاء عليهم.

    وأما طريق التحرير فطرقه كثيرة، ومن ذلك: التبرع بإعتاق الرقبة المسلمة، وهذا فيه فضل عظيم وأجر كبير.

    ومن ذلك أيضاً: عن طريق الزكاة: وَفِي الرِّقَابِ [التوبة:60] إلى آخره.

    ومن ذلك: عن طريق إيجاب المكاتبة لمن سأله رقيقه الكتابة وعلم فيه خيراً إلى آخره.

    ومن ذلك: عن طريق كفارة اليمين، وعن طريق كفارة القتل، وعن طريق كفارة الوطء في نهار رمضان، وعن طريق كفارة الظهار.. إلخ، فطرق التحرير كثيرة جداً.

    ومن الطرق أيضاً: طريق السراية والسعاية كما سيأتي إن شاء الله في الأحاديث.

    1.   

    شرح حديث: (من أعتق شركاً له في عبد ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أعتق شركاً له في عبد -الشرك هو النصيب- فكان له ما يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة عدل ) قيمة عدل يعني من غير زيادة ولا نقصان ( فأعطي شركاؤه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق ).

    هذا الحديث فيه جواز الاشتراك في ملك الرقيق.

    وفيه رغبة الشارع في العتق، وتخليص الأرقاء من الرق إلى الحرية، وذلك بأن من أعتق نصيبه من هذا الرقيق فإنه يسري عليه، إذا كان موسعاً له من الثمن ما يبلغ قيمة هذا الرقيق فإنه يعطي الشركاء حصصهم من قيمة هذا الرقيق، ثم بعد ذلك يعتق، وصورة المسألة: زيد وعمرو وبكر يملكان الرقيق، جاء زيد وأعتق نصيبه.. له الثلث، فنقول: هذا المعتق لا يخلو أمره من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون موسراً يملك بقية الرقيق، وقد بقي الآن في الرقيق الثلثان، وهو يملك قيمة هذين الثلثين، فالعتق هنا يسري إلى جميع الرقيق، ويلزم هذا المعتق بأن يعطي شركاءه قيمة حصصهم من هذا الرقيق، ويكون الرقيق حراً، وولاؤه يكون له، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فكان له ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل، فأعطي شركاؤه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق ).

    الأمر الثاني: أن يكون معسراً ليس عنده شيء، فهذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله:

    القول الأول: أنه إذا كان معسراً فإن الرقيق يكون مبعضاً، هذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، واستدلوا بما تقدم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وإلا فقد عتق منه ما عتق )، وهذا يدل على أنه عتق منه شيء، وأن شيئاً لم يعتق منه، بمعنى: أنه أصبح مبعضاً، هذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله.

    القول الثاني: أنه يستسعى. نقول للرقيق: اعمل، الآن بقي الثلثان، ولنفرض أن قيمة الثلثين تساوي عشرة آلاف، نقول للرقيق: اعمل حتى تسدد الشريكين الباقيين، فيستسعى العبد، يعني: يؤمر العبد بالاكتساب والعمل؛ حتى يسدد، ثم بعد ذلك يتخلص من الرق، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة : ( من أعتق شقصاً من مملوك فعليه خلاصه كله في ماله، فإن لم يكن له مال -يعني: كان المعتق معسراً- قوم المملوك قيمة عدل، ثم استسعي العبد غير مشقوق عليه ) نقول لهذا الرقيق: اعمل حتى تحصل ما تسدد به قيمة ما بقي للشريكين الباقيين، وقلنا: هذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    وجمهور العلماء قالوا بأن قوله في الحديث: (ثم استسعي العبد غير مشقوق عليه) قالوا: هذه مدرجة وليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي من كلام قتادة رحمه الله تعالى، وبهذا قال ابن المنذر والخطابي.

    والرأي الثاني: أنها ليست مدرجة، بدليل أن البخاري ومسلم اتفقا على أنها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن البخاري ومسلم في أعلى درجات الصحيح، وحينئذٍ يكون قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وإلا عتق عليه ما عتق ) إذا رفض العبد أن يستسعى، ويكتسب ويعمل، أو نقول: بأن قوله: (عتق عليه ما عتق) هذا بالنسبة للشريك الأول الذي أعتقه، ويبقى استسعاء الرقيق.

    وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ( غير مشقوق عليه ) أي: غير مشقوق على الرقيق إن أراد الرقيق أن يسعى وأن يحصل، وهذا يدل على أن الاستسعاء ليس واجباً على الرقيق، فإن أراد الرقيق أن يستسعى ويحصل فله ذلك، وإن أراد أن يبقى مبعضاً فله ذلك.

    كذلك أيضاً يفيد قوله: ( غير مشقوق عليه ) أن الرقيق لا يشق عليه، يعني: بالنسبة للشريكين الباقيين يخففان عنه فيما يتعلق بتحصيل المال، ويمهلانه إلى آخره.