إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب الجهاد [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كل ما تركه الكفار فزعاً من المسلمين أو صولحوا عليه فهو لمصالح المسلمين العامة، وللإمام أن يأخذ ما يكفيه ويكفي من يمون، ويتحرى الإمام في صرف الفيء ويبدأ بالأهم فالأهم، كما يشرع للمجاهد أن يتمرن على فنون آلات القتال استعداداً لمواجهة العدو، والمسابقة في كل

    1.   

    شرح حديث فيء الله على رسوله من أموال بني النظير

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصاً, فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزل نفقة أهله سنة, ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدةً في سبيل الله عز وجل).

    وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (أجرى النبي صلى الله عليه وسلم ما ضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع, وأجرى ما لم يضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق. قال ابن عمر : وكنت فيمن أجرى. قال سفيان : من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة, ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل).

    وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني في المقاتلة، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني)].

    الشرح:

    تقدم لنا حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما في بعث النبي صلى الله عليه وسلم سريةً إلى نجد، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نفلهم بعيراً بعيراً.

    وذكرنا أن النفل ينقسم إلى ثلاثة أقسام وبينا هذه الأقسام، وكذلك أيضاً تقدم لنا حديث عبد الله بن عمر أن امرأةً وجدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان.. إلى آخره، تكلمنا عليه.

    ثم قال المؤلف رحمه الله: [عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب)].

    التعريف ببني قريظة

    أولاً: بنو النضير هي إحدى طوائف اليهود التي سكنت قرب المدينة، وكان اليهود في وقت النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث طوائف: بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو قينقاع، وهؤلاء بنو النضير عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم وعاقدهم ألا يحاربوه وألا يعينوا عليه أحداً، وفي مدة هذا العهد خرج النبي صلى الله عليه وسلم لكي يستعين بهم على دية القتيل الذي قتله عمرو بن أمية الضمري ، وكان جالساً على جدار، فتمالئوا على قتله، وأن يلقوا عليه حجراً، فأتى الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم من السماء، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يريد أن يقضي حاجة، وذهب إلى المدينة، فلما تأخر على الصحابة رضي الله تعالى عنهم لحقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثم بعد ذلك حاربهم النبي عليه الصلاة والسلام وغنم أموالهم، قال عمر : (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب)، الخيل معروفة، والركاب هي الإبل، وقوله: (لم يوجف) الإيجاف هو الإسراع في السير، وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزل نفقة أهله سنةً، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح، والكراع هي الخيل، والسلاح عدةً في سبيل الله عز وجل.

    هذا الحديث تضمن مسائل.

    الفيء.. وحكمه

    من هذه المسائل: أن الفيء هو ما أخذه المسلمون من أموال الكفار بلا قتال، وحكم هذا الفيء، كما دل هذا الحديث على أنه يكون في مصالح المسلمين، بخلاف الغنيمة، فإنها تخمس، وأربعة أخماسها يكون للغانمين كما سيأتينا، أما بالنسبة للفيء فإنه يكون في مصالح المسلمين، ولهذا قال: (فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزل نفقة أهله سنة، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح)، فيكون في مصالح المسلمين، في الكراع، في السلاح، في تعمير الطرق، في حفر الآبار، في رزق الأئمة والقضاة والمؤذنين.. إلى آخره.

    تخميس الفيء

    وفي هذا أيضاً: دليل على أن الفيء لا يخمس، وهذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وقال به كثير من العلماء.

    والرأي الثاني رأي الشافعي : أنه يخمس. ودليل من قال بأنه لا يخمس هذا الحديث، وأما الذين قالوا: يخمس، فاستدلوا بقول الله عز وجل: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، لكن يجاب على هذه الآية بأن الله سبحانه وتعالى قال بعد ذلك: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحشر:8]، ثم قال: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ [الحشر:9] هؤلاء الأنصار، ثم قال: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10]، فالآية شملت جميع هؤلاء، فالصحيح أن الفيء لا يخمس، وكما ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه يكون في مصالح المسلمين.

    وفي هذا: أنه لا بأس للإمام أن يأخذ من بيت المال ما يكفيه ويكفي أهله، كما في حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعزل نفقة سنة. وكما ورد أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما تولى خرج إلى السوق، فضرب له في بيت المال. المهم أنه يأخذ ما يكفيه ويكفي أهله.

    وفي هذا أيضاً: أنه يجوز ادخار القوت، وأنه لا بأس به، وأنه لا ينافي التوكل على الله عز وجل، وأنه ليس محظوراً.

    والادخار ينقسم إلى قسمين: ادخار محرم لا يجوز: وهو الذي يقصد به الإضرار بالناس كرفع الأسعار ونحو ذلك.

    وادخار جائز: وهو الذي لا يقصد به الإضرار كما لو ادخر قوت أهله ونحو ذلك، أو ادخر لكي يزيد السعر حين يبيعه في وقت الحاجة، بحيث لا يكون في ذلك احتكار وظلم للناس؛ فهذا جائز ولا بأس به إن شاء الله.

    وفيه: أن مصرف الفيء يكون في مصالح المسلمين.

    1.   

    شرح حديث: (أجرى النبي ما ضمر من الخيل..)

    نقل [عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (أجرى النبي صلى الله عليه وسلم ما ضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع)].

    الشرح:

    قوله: (ما ضمر من الخيل) الخيل المضمرة: هي التي تعطى من العلف والطعام حتى تسمن، ثم بعد ذلك يقلل لها هذا الطعام تدريجياً حتى تخف، ويكون ذلك أعون لها في الحركة والسرعة.

    قال: (ما ضمر من الخيل من الحفياء) الحفياء: مكان خارج المدينة.

    (إلى ثنية الوداع)، الثنية هي: الطريق في الجبل، وسميت هذه الثنية بثنية الوداع؛ لأن المسافر كان يلحقه أهله إلى أن يتعدى هذه الثنية ثم يودعونه، فسميت بثنية الوداع.

    قال: (وأجرى ما لم يضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق). بنو زريق: بطن من بطون الأنصار.

    (قال ابن عمر : وكنت فيمن أجرى. قال سفيان : من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة, ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل).

    هذا الحديث اشتمل على مسائل:

    من هذه المسائل: مشروعية المسابقات على الخيل، والخف، والنصل: السهام، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر)، يعني: لا عوض إلا في هذه الأشياء الثلاثة، ويقاس على هذه الأشياء الثلاثة ما كان في معناها من آلات الجهاد، فالمسابقة على آلات الجهاد من المسابقة المشروعة، ويجوز أخذ العوض في أقسامه الأربعة:

    إذا كان العوض من الإمام.

    إذا كان العوض من أحد المتسابقين.

    إذا كان العوض من أجنبي.

    إذا كان العوض من كل من المتسابقين.

    فهذه يجوز فيها الميسر والرهان؛ لأن هذه يقصد منها المصلحة ويترتب عليها المصلحة، وهي التمرن على آلات الجهاد وقتال العدو.

    وأما القسم الثاني: فهي المسابقات المحرمة، وهي كل ما يترتب عليه ضرر في الدين أو الدنيا، وهذه لا يجوز أخذ العوض عليها مطلقاً.

    وأما القسم الثالث فهي المسابقات المباحة، وهي ما يترتب عليه مصلحة في الدين أو الدنيا كالسباحة، ومسابقة الجري على الأقدام، والمصارعة ونحو ذلك، فما يترتب عليه مصلحة دينية أو دنيوية فهذه يجوز أخذ العوض عليها إذا كان من الإمام أو كان من أجنبي، أما إن كان من كل منهما فهذا محرم؛ لأنه ميسر، وإن كان من أحدهما فهذا موضع خلاف والأحوط تركه.

    وقوله: (إلى مسجد بني زريق) فيه أنه لا بأس أن يسمى المسجد باسم شخص من الأشخاص، نقول: مسجد فلان فهذا جائز ولا بأس به إن شاء الله.

    وفي هذا أيضاً: تحديد المسافة في المسابقات؛ لأنه قال: خمسة أميال وستة، وقال: ميل.. إلى آخره.

    وفيه أيضاً: أن تكون المسافة على حسب آلة السباق، ولهذا أجريت التي ضمرت خمسة أميال وستة، والتي لم تضمر ميلاً واحداً، فالمسافة تكون حسب الآلة، ومثله أيضاً أن يتسابقوا على الرمي، لا بد أن تكون الآلة تبلغ الإصابة، وإلا أصبح من الميسر.

    1.   

    شرح حديث ابن عمر: (عرضت على رسول الله يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة..)

    قال المؤلف رحمه الله: [عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني في المقاتلة، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني)].

    الشرح:

    في هذا أنه يشترط لمن أراد أن يجاهد أن يكون بالغاً.

    وفيه: أن بلوغ خمس عشرة سنة من علامات البلوغ.

    وفي هذا أيضاً: تفقد الإمام للمقاتلين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عرضهم، والعرض يدل على أنه تفقد، فأخرج من لا يصلح للقتال وأبقى من يصلح للقتال.

    وفي هذا أيضاً: قوة إيمان الصحابة رضي الله تعالى عنهم وشجاعتهم، انظر إلى صبيانهم ابن عمر رضي الله تعالى عنه جاء يقاتل وهو ابن أربع عشرة سنة، وهذا يدل على قوة إيمان الصحابة ورغبتهم في الخير ومحبتهم لنصر الدين.

    1.   

    شرح حديث: (أن رسول الله قسم في النفل للفرس سهمين..)

    قال: [وعنه يعني ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم في النفل للفرس سهمين, وللرجل سهماً)].

    الشرح:

    المقصود بالنفل هنا الغنيمة، والغنيمة إذا أراد الإمام أن يقسمها فإنه يقسمها خمسة أقسام أولاً، كما قال الله عز وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41]، فتقسم الغنيمة خمسة أقسام، والقسم الأول نقسمه خمسة أقسام كما جاء في الآية: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى [الأنفال:41] فالخمس الأول نقسمه خمسة أقسام: خمس لله ولرسوله، وخمس لليتامى والمساكين وابن السبيل كما جاء في الآية، وتبقى أربعة أخماس نقسمها على الغانمين، للفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه، وللراجل الذي يقاتل على رجله سهم، سبحانك اللهم وبحمدك.