إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب القضاء [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شهادة الزور من كبائر الذنوب وذلك لما يترتب عليها من ظلم للآخرين ومصادرة وسلب حقوقهم، كما أنه لو يجاب كل أحد إلى ما ادعاه لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه والبينة على المدعي.

    1.   

    شرح حديث: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ -ثلاثاً- قلنا: بلى يا رسول الله, قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، وقال: ألا وقول الزور, وشهادة الزور, فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت ).

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم, ولكن اليمين على المدعى عليه )].

    الشرح:

    قوله في الحديث: (ألا أنبئكم), يعني: ألا أخبركم, وهذا العرض للتنبيه, ألا أخبركم بأكبر الكبائر, والكبائر: جمع كبيرة, وقد اختلف العلماء رحمهم الله في الكبيرة: هل هي معدودة أو محدودة؟

    والعلماء رحمهم الله لهم في ذلك مسلكان:

    المسلك الأول: أنها معدودة, فجعلوا يعددون الكبائر, الكبيرة الأولى، الكبيرة الثانية، الكبيرة الثالثة .. إلخ.

    المسلك الثاني: أنها مضبوطة بضابط, وهذا القول هو الصواب؛ لأنه لم يرد فيها عد.

    لكن ما هو هذا الضابط؟ الضابط أنها كل ما فيه حد في الدنيا, أو وعيد في الآخرة, أو ختم بلعنة, أو غضب, أو نفي إيمان, أو نفي دخول الجنة.

    والخلاصة في ذلك أن نقول: الكبيرة: هي كل ما رتب عليه عقوبة خاصة, سواء كانت هذه العقوبة في الدنيا أو كانت في الآخرة.

    وقوله: (بأكبر الكبائر ثلاثاً) يعني: ثلاث مرات, والنبي صلى الله عليه وسلم يعرض ذلك عليهم ثلاث مرات, قال: (الإشراك بالله), الشرك: هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله, والشرك شركان: الشرك الأكبر: وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله, قال الله عز وجل: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97-98]، وقال: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1]، فهذا يدل على أن الشرك الأكبر هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله, والشرك الأصغر: هو كل ما كان وسيلةً إلى الشرك الأكبر من الأعمال, والأقوال, والعقائد.

    قال: (وعقوق الوالدين), الوالدان جمع والد والمقصود الأبوان, الأب والأم, وعقوقهما قطعهما, والعق في اللغة: القطع, والمقصود قطع حقوقهما, وعدم القيام بحقوقهما.

    قال: (وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور)، الزور الكذب، والكذب الإخبار بخلاف الواقع.

    وهذا الحديث اشتمل على مسائل:

    من هذه المسائل: فيه أساليب من أساليب تربية وتعليم النبي صلى الله عليه وسلم, فمن أساليب تربية النبي صلى الله عليه وسلم وتعليمه: أسلوب العرض, وأسلوب الاستفهام، وأسلوب التكرير ثلاثاً, ثلاث مرات يقولها النبي صلى الله عليه وسلم, وأيضاً أسلوب تغيير الهيأة (كان متكئاً فجلس), وكذلك أسلوب الترغيب والترهيب, (ألا وقول الزور وشهادة الزور), وأيضاً أسلوب الحصر, وإلا فإن هناك ذنوباً من أكبر الكبائر ما ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هنا, وحصر هنا النبي عليه الصلاة والسلام لأجل التعليم؛ ولأنه أقرب إلى أن يحفظ وأن يستوعب المخاطب.

    وفي ذلك أن الكبائر أيضاً تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: كبائر كبيرة.

    القسم الثاني: ما هو أقل منها.

    وفي هذا أيضاً: الإشراك بالله وأنه من أكبر الكبائر, ولا شك أن أعظم ذنب عصي الله عز وجل به هو الشرك به سبحانه.

    وكذلك أيضاً فيه عظم حق الوالدين، وأن قطيعة الوالدين من أكبر الكبائر.

    وفيه أيضاً عظم شهادة الزور، وأن شهادة الزور من أكبر الكبائر, لما يترتب عليها من ضرر عظيم, وخطر جسيم, بشهادة الزور تسفك الدماء, وتنتهك الأعراض, وتضيع الحقوق .. إلخ.

    وفيه أيضاً: اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة الزور, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر الشرك وذكر العقوق كان متكئاً، لكن لما جاء ما يتعلق بشأن شهادة الزور اعتدل النبي صلى الله عليه وسلم, وجعل يكرر ذلك.

    وفيه أيضاً: حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم, واستعماله لأساليب التعليم المتنوعة.

    1.   

    شرح حديث: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس...)

    قال المؤلف رحمه الله: [ عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه )].

    هذا الحديث يعتبر قاعدة في القضاء وفصل الخصومات, قال: (لو يعطى الناس بدعواهم), يعني: لو يجاب كل أحد إلى ما ادعى وتُحقق دعواه لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه.

    هذا الحديث قاعدة في القضاء: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه, ومن هو المدعي ومن هو المدعى عليه؟

    المدعِي: قال بعض العلماء: هو الذي يبدأ بالكلام, والمدعى عليه: هو الذي يتأخر في الكلام, وقيل: المدعي هو الذي إذا سكت ترك, والمدعى عليه إذا سكت لم يترك.

    وقيل: المدعي هو الذي قوله يخالف الظاهر, والمدعى عليه هو الذي قوله يوافق الظاهر.

    وقيل: غير ذلك مما تقدم, وأنه يرجع في ذلك للقرائن, وهذا الذي يميل إليه ابن قدامة رحمه الله.

    وأيضاً ما ذكره الفقهاء رحمهم الله من هذه التعاريف, وأيضاً نرجع في ذلك إلى القرائن, والعلماء رحمهم الله يقولون: القاضي إذا ميز بين المدعِي والمدعى عليه فقد حكم في نصف القضية؛ لأنه تبين له المدعي من المدعى عليه؟

    والقاعدة الثانية: البينة على المدعي واليمين, أنهى نصف القضية إذا ميز بين المدعي والمدعى عليه, فنقول: البينة على المدعي بحيث نطلب من المدعي بينة، فإن أحضر البينة حكم له بها, وإن كان ما عنده بينة نقول له: لك يمين خصمك المدعى عليه، فيحلف المدعى عليه أو ينكل, فإن حلف فقد برئ، وإن نكل عن اليمين قضي عليه بالنكول.

    وإذا لم يكن هناك بينة ونكل المدعى عليه عن اليمين قال: أنا لا أحلف, فهنا أكثر العلماء على أنه يقضى عليه بالنكول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حصر البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه.

    وقال بعض العلماء: اليمين في حالة نكول المدعى عليه ترد إلى المدعي, ما دام أنه ليس عنده بينة نطالبه باليمين.

    والصواب في مثل هذه المسائل أنه يرجع فيها إلى اجتهاد القاضي.