إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ خالد بن علي المشيقح
  3. شرح عمدة الأحكام - كتاب الأيمان والنذور [3]

شرح عمدة الأحكام - كتاب الأيمان والنذور [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القاعدة الإسلامية المقررة في باب الدعاوى هي أن البينة على المدعي، فإن لم يكن عند المدعي بينة فعلى المدعى عليه اليمين، ومن حلف يميناً فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حق فهو معرض لغضب الله ووعيده وأليم عقابه، ولا كفارة على من حلف كاذباً؛ لأن يمينه أعظم و

    1.   

    شرح حديث: (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وعن الأشعث بن قيس رضي الله عنه قال: ( كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شاهداك أو يمينه. قلت: إذاً يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان)].

    الشرح:

    قوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم) والصبر هو الحبس، ومعنى هذه الجملة أن الحالف يحبس، يعني: يوقف حتى يحلف، يلزم باليمين، (يمين صبر)، يعني: يمين صبر عليها، حبس حتى حلف، وأنه لا يستحق هذا المال حتى يحلف، فألزم بهذه اليمين ثم حلف، والصبر هو الحبس، ومعنى ذلك أن الحالف حبس عن المال، أوقف حتى حلف، فألزم بهذه اليمين، فحلف عند القاضي، فاستحق المال، فهي يمين ألزم بها لكي يأخذ المال، فاستحق المال بسبب هذه اليمين، وهو كاذب.

    قال: (يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر)، يعني: كاذب، وقوله: (مسلم)، هذا القيد أغلبي، والقاعدة: أن القيد الأغلبي لا مفهوم له، وعلى هذا نقول: مال امرئ معصوم.

    إثبات صفة الغضب لله تعالى

    قال: (هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان)، في هذا إثبات صفة الغضب لله عز وجل، وهو من الصفات الفعلية، وصفات الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية لا يزال الله سبحانه وتعالى متصفاً بها، والصفات الذاتية يقسمها العلماء رحمهم الله إلى قسمين: صفات معنوية، وصفات خبرية. الصفات المعنوية: مثل صفة العلم، والصفة الخبرية: مثل صفة اليد والوجه التي هي بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء.

    أما القسم الثاني: الصفات الفعلية، فهي الصفات التي يفعلها الله سبحانه وتعالى حسب مشيئته وإرادته، يعني: الصفات المتوقفة على مشيئة الله وإرادته تبعاً لحكمته سبحانه.

    ونزلت: ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [آل عمران:77] .. إلى آخر الآية).

    وفي هذا الحديث: تحريم أخذ أموال المعصومين بالدعاوى الباطلة، والحجج الكاذبة، وأن هذا محرم ولا يجوز.

    وفيه: أن الحلف على ذلك من كبائر الذنوب؛ لأن الشارع رتب عليه عقوبة خاصة.

    وفيه: إثبات صفة الغضب لله سبحانه وتعالى.

    وفيه: أن التقييد بالمسلم قيد أغلبي لا مفهوم له، فيشمل كل من ماله معصوم: الذمي والمعاهد والمستأمن والمسلم.

    كل هؤلاء أموالهم معصومة.

    وقوله: (هو فيها فاجر)، يعني: كاذب، وعلى هذا إذا كان ليس كاذباً ويظن أنه صادق فهذا لا شيء عليه، أو كان ناسياً أو مخطئاً.. إلى آخره، المهم لم يتعمد الكذب، فهذا لا شيء عليه.

    وفيه: تفسير هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [آل عمران:77].

    وفيه: الرجوع إلى القاضي عند الخصومات.

    وفيه: أن القضاء من خصائص ووظائف الإمام الأعظم أنه يقضي بين الناس، أو ينيب غيره من القضاة الذين يقضون بين الناس.

    وفيه: أنه لا بد من القاضي، لكي يفصل بين خصومات الناس.

    القضاء بالنكول على المدعى عليه

    وفيه أيضاً: المدعي والمدعى عليه، وأن المدعي يطالب بالبينة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (شاهداك أو يمينه)، (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)، فالمدعي نطالبه بالبينة، إذا كان له بينة حكمنا له، وإن كان المدعي ما عنده بينة، نقول: لك يمين المدعى عليه، فإن حلف المدعى عليه برئ، وإذا نكل فقال: أنا لا أحلف قضي عليه بالنكول، وهل يقضي عليه القاضي بالنكول أو نقول بأنه يرد اليمين إلى المدعي؟ هو قال: أنا لا أحلف، هل يقضي عليه القاضي أو نقول أيضاً: احلف أنت أيها المدعي؟ هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، فالعلماء رحمهم الله لهم رأيان في هذه المسألة، والأقرب في مثل هذه المسألة أن نقول: هذا يرجع إلى اجتهاد القاضي، فإن رأى القاضي أن يرد اليمين على المدعي ردها، وإن رأى أنه لا يردها ويقضي على المدعى عليه بالنكول فله ذلك.

    خلاف العلماء في تفسير البينة

    وقوله: (شاهداك أو يمينه)، هذا دليل لجمهور العلماء رحمهم الله في تفسير البينة، والبينة موضع خلاف كثير بين العلماء، وابن القيم رحمه الله أطال في هذه المسألة في كتابه الطرق الحكمية، وكتاب الطرق الحكمية جيد في باب القضاء، ما يقضي به القاضي.. إلى آخره.

    جمهور العلماء رحمهم الله تعالى يرون أن البينة هي الشهادة، ويستدلون بمثل هذا الحديث: (شاهداك أو يمينه).

    والرأي الثاني اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم : أن البينة هي كل ما يبين الحق ويظهره، وليس هذا خاصاً بالشهادة، بل كل ما يبين الحق ويظهره فهو داخل في البينة، والأدلة على هذا كثيرة، ومن الأدلة على هذا ما تقدم لنا في القسامة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعمل القسامة، مع أنه لا بينة فيها، لكن فيها اللوث، واللوث هو كل ما يغلب على الظن صدق المدعي.

    ومن الأدلة على ذلك: قول عمر رضي الله تعالى عنه: إذا كانت البينة أو الحمل أو الاعتراف. والحمل هذا مما يستدل به على الزنا، مع أنه لا توجد بينة ولا شهود، ومثل ذلك أيضاً: جلد الشارب إذا تقيأ الخمر كما ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.. إلى آخره. وأما بقية الحديث فتقدم لنا.

    1.   

    شرح حديث: (من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً..)

    قال: [عن ثابت بن الضحاك الأنصاري : (أنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة, وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال, ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة, وليس على رجل نذر فيما لا يملك)، وفي رواية: (ولعن المؤمن كقتله)، وفي رواية: (من ادعى دعوى كاذبةً ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلةً)].

    الشرح:

    هذا الحديث اشتمل على مسائل:

    تحريم الحلف بالكفر

    قوله: (من حلف على يمين بملة غير الإسلام)، في هذا تحريم الحلف بالكفر، كأن يقول: هو يهودي أنه ما فعل كذا وكذا، أو هو نصراني أنه ما فعل كذا وكذا، والحلف بالكفر محرم ولا يجوز، كأن يقول: هو يهودي هو نصراني أنه ما فعل كذا وكذا.. إلى آخره.

    الكفارة على من حلف بالكفر

    ظاهر هذا الحديث أنها لا تجب عليه الكفارة إذا حلف بالكفر بالله عز وجل، وهذا قال به بعض العلماء رحمهم الله تعالى، وهو مذهب الإمام مالك والشافعي ، أنه لا كفارة فيه استدلالاً بهذا الحديث.

    والرأي الثاني: أنه تجب فيه الكفارة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة ومذهب الحنفية.

    ومذهب أبي حنيفة وأحمد ، هو الأقرب؛ لأن هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ لأن الصحابة أفتوا في قول ليلى بنت العجماء حين قالت لمولاها: هي يهودية ونصرانية، وكل مالها نذر لتطلقن امرأتك، فحلفت بالكفر بالله عز وجل، باليهودية وبالنصرانية وبالنذر لتطلقن امرأتك. فأفتاها الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأن عليها كفارة يمين، فنقول: ما دام أنه وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ ولأن هذا التزام كالالتزام بالله سبحانه وتعالى، مع أن هذه اليمين محرمة ولا تجوز كما سلف لنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، اليمين المشروعة هي أن تحلف بالله عز وجل، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته، أما الحلف بالكفر، أو بالنذر، أو بالظهار، أو بالطلاق، أو بالعتاق، أو بالتحريم، فهذه كلها أيمان غير مشروعة، وكما أسلفنا أن الحنفية حتى في متونهم ينصون على أن الذي يحلف بالطلاق وبالتحريم يعزر، والإمام مالك رحمه الله يقول: يؤدب، وهذا هو الصواب، يعني: كثير من الناس اليوم يتبايعون في الحلف بالطلاق والتحريم، والأئمة يتفقون على أنه يقع عليه الطلاق، أما شيخ الإسلام فهو الذي خالف في هذه المسألة، وأن هذه المسألة ليست بالأمر الهين.

    وقوله: (فهو كما قال)، أيضاً هذا التغليظ على من حلف باليهودية والنصرانية، أو الكفر بالله عز وجل، أو بالردة.

    قال: (ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة)، فالذي يقتل نفسه بحديدة فهو بحديدته يتوجأ بها في نار جهنم، والذي يقتل نفسه بالسم فهو بسمه يتحساه في نار جهنم. وفي هذا تحريم قتل النفس، وأنه من كبائر الذنوب، والخوارج يتمسكون بمثل هذا، لكن مذهب أهل السنة والجماعة أن من قتل نفساً أو فعل كبيرةً من كبائر الذنوب فهو تحت المشيئة: إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه.

    سبحانك اللهم وبحمدك..