إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب الحدود [6]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كل ما خامر العقل وغطاه من أي نوع كان فهو خمر، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع، وقد ذهب عامة العلماء إلى ثبوت الحد في الخمر. والتعزير هو التأديب على ذنب لا حد فيه ولا كفارة، وحكمه ثابت بالكتاب والسنة، وقد اختلف العلماء في مقداره.

    1.   

    باب حد الخمر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب حد الخمر:

    عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر, فجلده بجريدة نحو أربعين).

    قال: وفعله أبو بكر ، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف : أخف الحدود ثمانون، فأمر بها عمر رضي الله عنه.

    باب التعزير:

    عن أبي بردة هانئ بن نيار البلوي رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله)].

    تعريف الخمر وأصول بعض المذاهب في الأطعمة والأشربة

    الشرح:

    يقول المؤلف رحمه الله: [باب حد الخمر].

    الخمر في اللغة يطلق على ثلاثة معان: الأول: الستر. والثاني: المخالطة. والثالث: الإدراك.

    وأما في الاصطلاح فاختلف الجمهور مع الحنفية، والحنفية هم أوسع الناس في باب الأشربة، كما أن المالكية رحمهم الله هم أوسع الناس في باب الأطعمة، فالإمام مالك رحمه الله لا يكاد يحرم شيئاً من الحيوانات، والحنفية يتوسعون في باب الأشربة، ويضيقون في المقابل في باب الأطعمة، ويرى أبو حنيفة أن كل ما في البحر حلال إلا ما طفا من السمك.

    ضابط الخمر وأدلة تحريمه

    والخمر للعلماء رحمهم الله فيه قولان:

    القول الأول: رأي جمهور العلماء رحمهم الله: أن الخمر كل مسكر، وهذا صريح كلام النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر خمر).

    القول الثاني: أن المراد بالخمر هو عصير العنب فقط، وهذا رأي أبي حنيفة رحمه الله، واستدلوا على ذلك بأدلة، ومن أدلتهم قول الله عز وجل: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف:36]، قال: وقد رآه يعصر عنباً، كونه يراه يعصر عنباً هذا يلزم منه أن يكون الخمر خاصاً بالعنب.

    وكون الخمر هو كل مسكر أو أنه خاص بعصير العنب، ماذا يترتب على ذلك؟ إقامة الحد. فلو أنه شرب كأساً من العنب وسكر، طيب لو أنه شرب من خمر الشعير وسكر، هل يقام عليه الحد عند أبي حنيفة ؟ بالإجماع أنه إذا سكر يقام عليه الحد، لكن الخلاف إذا ما سكر، الحنفية يقولون: إذا شرب من غير خمر العنب، كما لو شرب من الشعير أو الفواكه أو غير ذلك من الخمور، أنه لا حد عليه إلا إذا وصل حد الإسكار، لكن لو شرب من خمر العنب يحد، حتى لو شرب نقطة واحدة (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، فالجمهور يقولون: إذا شرب خمراً، سواء من خمر العنب أو من خمر الشعير أو من خمر الفواكه، نقطة واحدة وإن لم يسكر فإنه يقام عليه الحد.

    والدليل على تحريم الخمر القرآن والسنة والإجماع، وأدلتها ظاهرة.

    1.   

    شرح حديث أنس: (أتي برجل قد شرب الخمر فجلده أربعين..)

    قال: [عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدة نحو أربعين)، قال: وفعله أبو بكر ، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، فأمر بها عمر رضي الله عنه].

    الخمر فيه مسألتان:

    عقوبة الخمر

    المسألة الأولى: هل عقوبته الحد أو التعزير؟

    جمهور العلماء على أنها حد.

    والرأي الثاني رأي الظاهرية: أنها تعزير.

    والذين قالوا: بأنها حد استدلوا بقول عبد الرحمن ، فقال عبد الرحمن بن عوف : أخف الحدود ثمانون. فأمر بها عمر رضي الله عنه.

    وأيضاً قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم جلد، وأبو بكر جلد ، وعمر جلد، فهم يستدلون بإجماع الصحابة رضي الله تعالى على ذلك، وحكي الإجماع على ذلك.

    والذين قالوا بأنها تعزير استدلوا بهذا الحديث: (أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدة نحو أربعين)، وحديث السائب بن يزيد قال: (كان يؤتى بالشارب فنقوم إليه بأرديتنا وأيدينا ونعالنا)، فكونهم يقومون إليه يضربونه بأرديتهم وبنعالهم وبأيديهم، هذا يدل على أن عقوبته ليست حداً، وإنما هي التعزير.

    مقدار الحد في الخمر

    المسألة الثانية: إذا قلنا: بأنها حد، ما هو قدر الحد؟

    جمهور العلماء على أن قدره ثمانون؛ لأن هذه سنة عمر رضي الله تعالى عنه، ووافقه على ذلك معظم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإن كان الخلاف ورد في هذه المسألة عن عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما.

    الرأي الثاني رأي الشافعي : أن عقوبة الخمر أربعون، وما زاد على ذلك فهو إلى الإمام، فللإمام أن يزيد تعزيراً إلى ثمانين، ودليلهم على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث علي جلد أربعين، وأن أبا بكر جلد أربعين، ولما كان في عهد عمر رضي الله تعالى عنه ورأى الناس يشربون الخمر زاد إلى ثمانين، ولو كانت هذه الزيادة حداً ما زادها عمر رضي الله تعالى عنه.

    وفي هذا الحديث الاجتهاد في المسائل، ومشاورة العلماء عليها؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف : أخف الحدود ثمانون.

    1.   

    باب التعزير

    قال رحمه الله تعالى: [باب التعزير:

    عن أبي بردة هانئ بن نيار البلوي رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله)].

    الشرح:

    التعزير في اللغة: التأديب.

    وفي الاصطلاح: التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.

    والحديث يدل على شرط من شروط التعزير، وهو ألا يجلد فوق عشرة أسواط، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط.

    والرأي الثاني: أنه لا يبلغ في التعزير أقل الحدود، وهذا قول جمهور العلماء رحمهم الله.

    والرأي الثالث رأي الإمام مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن التعزير بالنسبة لحده في الكثرة راجع إلى اجتهاد الإمام، وهذا القول هو الأقرب، ويدل لذلك ما جاء في قتل الشارب في الرابعة، وكذلك أيضاً قتل الجاسوس، وهذا أعظم من مجرد الجلد عشر جلدات، أو أنه لا يبلغ به أدنى الحدود.. إلى آخره.

    وعلى هذا الحديث يحمل على تأديب الزوج لزوجته، أو تأديب الوالد لولده، أو المعلم لتلميذه، فإذا أراد أن يؤدبه فإنه لا يزيد في تأديبه على عشر جلدات، أما التعزير الذي يفعله الإمام في المعاصي التي ليس فيها تقدير من الشارع لا حد ولا كفارة، فالصواب في ذلك ما ذهب إليه الإمام مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه لا حد له، وأنه يرجع إلى اجتهاد الإمام. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد..