إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب القصاص [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حمل المرأة وجنينها في بطنها إذا أسقط فإن فيه غرة عبد أو أمة، ويقدر بخمس من الإبل، كما أن ما تسقطه المرأة على أقسام وتتفاوت الأحكام بحسب هذه الأقسام، كما أن القتل ينقسم إلى قتل عمد وقتل خطأ، واختلفوا في قتل شبه العمد وديته على أقوال.

    1.   

    شرح حديث دية إسقاط المرأة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه استشار الناس في إملاص المرأة، فقال المغيرة بن شعبة : (شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيها بغرة عبد أو أمة، فقال: لتأتين بمن يشهد معك، فشهد معه محمد بن مسلمة ).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم، فقام حمل بن النابغة الهذلي ، فقال: يا رسول الله! كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هو من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع )].

    الشرح:

    نقل المؤلف رحمه الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أنه استشار الناس في إملاص المرأة).

    إملاص المرأة: يعني: إسقاط المرأة الولد قبل وقت الولادة.

    فقال المغيرة بن شعبة : شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيها بغرة عبد أو أمة، فقال: ( لتأتين بمن يشهد معك، فشهد معه محمد بن مسلمة ).

    وقوله: (بغرة): الغرة هي البياض الذي يكون بالوجه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين )، فالغرة هي البياض الذي يكون في الوجه، والمقصود بالغرة هنا كما فسرها في الحديث: (عبد أو أمة).

    فقال: ( لتأتين بمن يشهد معك، فشهد معه محمد بن مسلمة ).

    هذا الحديث فيه دليل على أن حمل المرأة إذا أسقط فإن ديته غرة عبد أو أمة، وقدر العلماء رحمهم الله ذلك بخمس من الإبل، لكن ما هو الحمل الذي تجب فيه الغرة؟

    نقول: إذا جني على امرأة حامل فأسقطت ما في حملها، فإن هذا ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن تسقط نطفة أو علقة، فهذا لا شيء فيه.

    القسم الثاني: أن تسقط مضغة من اللحم، فإن كانت هذه المضغة ما خلقت، فهذه لا شيء فيها، وإن كانت خلقت هذه المضغة من اللحم، فهذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه تجب فيه الغرة إذا بدأ تخليقها.

    والرأي الثاني: أنه لا تجب فيها الغرة حتى تنفخ فيها الروح، فإذا نفخت فيها الروح وجبت فيها الغرة.

    القسم الثالث: أن تسقطه لوقت يعيش في مثله وهو ستة أشهر، الحمل هنا تم له ستة أشهر، فأسقطت الجنين، فنقول: إن سقط ميتاً فهذا فيه غرة، وإن سقط حياً حياة مستقرة فهذا فيه دية كاملة: مائة من الإبل.

    القسم الرابع: أن تسقطه لوقت لا يعيش في مثله وهو ما كان أقل من ستة أشهر ما دام نفخت فيه الروح، أربعة أشهر ينفخ فيه الروح فإلى أقل من ستة أشهر، هذا فيه غرة، وهذا ما فيه إشكال، لكن ستة أشهر فما فوق، نقول: ننظر، إن سقط ميتاً فهذا فيه غرة، أو حياً حياة غير مستقرة ففيه غرة، وإن سقط حياً حياة مستقرة ففيه دية كاملة.

    فالأقسام فيما تسقطه المرأة إذا جني عليها أربعة أقسام.

    وفي هذا الحديث: استشارة عمر رضي الله تعالى عنه، وأنه ينبغي لمن عرضت عليه قضية أن يستشير أهل العلم والرأي فيها.

    وفي هذا أيضاً: التثبت في المسائل وطلب الخبر الصحيح فيها؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه لم يشك في صدق المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه، لكن لما كان هذا سيكون حكماً عاماً وشرعاً مستقراً إلى يوم القيامة طلب من يشهد مع المغيرة بن شعبة ، فشهد معه محمد بن مسلمة .

    وفيه أيضاً: فضيلة المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه وضبطه، حيث ضبط هذا الحكم، وصدقه على ذلك محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه.

    وفي هذا أيضاً: أن العلم قد يخفى على الأكابر، فـعمر رضي الله تعالى عنه من كبار الصحابة ومع ذلك خفيت عليه هذه المسألة.

    وفيه أيضاً دليل لقاعدة فقهية، وهي أنه لا اجتهاد مع النص، فـعمر رضي الله تعالى عنه لما علم بالنص أخذ بالنص ولم يلتفت إلى غيره.

    وفيه أيضاً عظمة الشريعة الإسلامية، حتى الحمل في الشريعة الإسلامية جعلت فيه هذه الدية وهي الغرة.

    1.   

    شرح حديث: (اقتتلت امرأتان من هذيل...)

    قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( اقتتلت امرأتان من هذيل -يعني: تضاربتا فيما بينهما- فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة ) كما تقدم فيما يتعلق بما تسقطه المرأة، وأن هذا ينقسم إلى أربعة أقسام سبق بيانها.

    قال: ( وقضى بدية المرأة على عاقلتها ) يعني: على عصبتها، والعاقلة هم عصبة الشخص، وسموا بذلك لأنهم يعقلون القاتل، أي: يمنعونه.

    قال: ( وورثها ولدها ومن معهم، فقام حمل بن النابغة الهذلي فقال: يا رسول الله! كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل ).

    الاستهلال هو رفع الصوت بالبكاء، والمراد هنا أن حياته غير معلومة، لا تعلم حياته باستهلال أو بأكل أو شرب أو نطق ونحو ذلك.

    ( فمثل ذلك يطل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هو من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع ).

    هذا حمل بن النابغة رضي الله عنه لما أراد أن يرد هذا الحكم الشرعي شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالكهان، والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، فشبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالكهان؛ لأنه أتى بشيء منكر أراد به أكل مال الغير، مثله بالكاهن يخبر ويكذب ويفتري، كل ذلك أكلاً لأموال الغير بالباطل.

    هذا الحديث فيه مسائل، ومنها: ما يتعلق بدية الجنين، وذكرنا الأقسام في ذلك.

    ومن مسائله: إثبات قسم من أقسام القتل، أو شبه العمد، وهذه المسألة موضع خلاف، يعني: أقسام القتل اثنان يتفق عليها العلماء رحمهم الله: العمد والخطأ لكن يختلفون في شبه العمد، فالمشهور عند العلماء من الشافعية والحنفية أنهم يثبتون شبه العمد، وعند الظاهرية والمالكية أنهم لا يثبتون شبه العمد، ويقولون: القتل ينقسم إلى قسمين: خطأ وعمد؛ لأن هذا هو الذي ورد في القرآن، لكن الصواب أنه كما في حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمرو ووارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم إثبات قسم شبه العمد.

    فالصواب إذاً: أن الأقسام ثلاثة: خطأ، وعمد، وشبه العمد.

    فقتل العمد هو: أن يقصد من يعلمه آدمياً معصوماً فيقتله بما يغلب على الظن موته به.

    وقتل الخطأ: أن يفعل ما له فعله، فيقتل آدمياً معصوماً.

    وقتل شبه العمد: أن يقصد جناية لا تقتل غالباً مثل هذه القصة، ضربتها بالحجر والحجر لا يقتل غالباً، أو فسطاط كما في الحديث الآخر، يعني: العمود الدقيق، وهو لا يقتل في الغالب، لكنها قصدت الجناية، فهذا شبه العمد، والحنفية هم أوسع الناس فيما يتعلق بتقسيمات القتل، فهم يقولون: القتل خطأ، وعمد، وشبه عمد، وما جرى مجرى الخطأ، وفي قول لهم أيضاً يضيفون قسماً خامساً، خطأ وعمد، وشبه عمد، وما جرى مجرى الخطأ، والقتل بالتسبب.

    وفي الحديث أيضاً: إنكار المنكر، كما أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على حمل بن النابغة رضي الله تعالى عنه ما قاله؛ لأنه أراد أن يرد به حكماً شرعياً.

    والسجع هل هو مذموم أو ليس مذموماً؟

    السجع ورد في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فنقول: السجع ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يقصد به أمر منكر وباطل كما في هذا الحديث، فإذا قصد به الإعانة على الباطل، أو يكون متكلفاً، فهذا مذموم.

    القسم الثاني: ألا يكون متكلفاً، أو يقصد منه أمر محمود، أو لا يقصد منه أمر باطل، فنقول: هذا جائز؛ لأن هذا جاء في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ووجه المشابهة بين السجع المذموم والكهانة أن الكهان يروجون أقوالهم بالأكاذيب ليأكلوا أموال الناس بالباطل، وأيضاً الذين يسجعون سجعاً مذموماً يروجون كلامهم بهذا السجع المذموم، ويروجون باطلهم ويأكلون أموال الناس.

    وفي هذا الحديث أيضاً: أن الدية في قتل شبه العمد وفي الخطأ تحمله العاقلة، القاتل لا يتحمل الدية إلا في قتل العمد فقط، أما في قتل الخطأ وقتل شبه العمد فالذي يتحمل الدية هي عاقلة القاتل، وسيأتينا إن شاء الله الكلام حول العاقلة بإذن الله والله أعلم.