إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب القصاص [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد عظم الإسلام شأن الدماء والنفوس المعصومة، وأول ما يقضى بين العباد يوم القيامة في الدماء، وذلك لعظمها وخطورتها، والقسامة أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم، وهي ثابتة في السنة النبوية، ولها شروط وأحكام مخصوصة.

    1.   

    شرح حديث: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء )].

    الشرح:

    حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة بالدماء )، في هذا الحديث عظم شأن الدماء؛ لأن الدماء هي أول ما يقضى بين الناس فيما يتعلق بحقوق المخلوقين، وهذا الحديث لا يعارض ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن أول ما يقضى بين الناس في الصلاة، فنقول: الصلاة فيما يتعلق بحقوق الله عز وجل، وأما الدماء ففيما يتعلق بحقوق الآدميين.

    وفي هذا الحديث: إثبات القضاء والحساب والجزاء يوم القيامة.

    وفي هذا الحديث أيضاً: إثبات يوم القيامة.

    وفي هذا أيضاً: أن على القاضي إذا وردت إليه القضايا أن يبدأ بالأهم منها، ولهذا الله سبحانه وتعالى أول ما يقضي يوم القيامة بين الناس فيما يتعلق بالمهم أو بالأهم: الصلاة والدماء.

    وقوله: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) إذا تاب القاتل فهل يحاسب ويقضى عليه يوم القيامة، أو لا يقضى عليه؟

    قال ابن القيم رحمه الله: قتل العمد يتعلق به ثلاثة حقوق:

    الحق الأول: حق الله عز وجل، وهذا يسقط بالتوبة.

    الحق الثاني: حق الأولياء، وهذا يسقط بأن يسلم القاتل نفسه للأولياء، إما أن يقتلوا وإما أن يأخذوا الدية.

    الحق الثالث: حق المقتول، وهذا إذا تاب القاتل وصدق مع الله عز وجل في توبته وصلحت سريرته، فإن الله سبحانه وتعالى يتحمل عنه يوم القيامة، بحيث يعطي المقتول من الثواب حتى يرضى.

    1.   

    شرح حديث مقتل عبد الله بن سهل في خيبر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن سهل بن أبي حثمة قال: (انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر، وهي يومئذٍ صلح فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلاً فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ، ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال صلى الله عليه وسلم: كبر.. كبر، وهو أحدث القوم، فسكت فتكلم، فقال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نره؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يميناً، قالوا: وكيف بأيمان قوم كفار؟ فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده ).

    وفي حديث حماد بن زيد : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته، قالوا: أمر لم نشهد، كيف نحلف؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم، قالوا: يا رسول الله! قوم كفار ).

    وفي حديث سعد بن عبيد : ( فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة ) ].

    الشرح:

    عن سهل بن أبي حثمة قال: انطلق عبد الله بن سهل ، ومحيصة بن مسعود إلى خيبر، وهي يومئذٍ صلح -يعني: صلح بين المسلمين واليهود- فتفرقا فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلاً فدفنه، ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب عبد الرحمن يتكلم -تكلم عبد الرحمن ؛ لأن أخاه عبد الله هو الذي قتل- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كبر.. كبر، وهو أحدث القول، فسكت فتكلم، فقال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نره؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يميناً؟ قالوا: وكيف بأيمان قوم كفار؟ فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده ) يعني: وداه.

    وفي حديث حماد بن زيد فقال صلى الله عليه وسلم: ( يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته ). الرمة هي: الحبل الذي يوضع في عنق القاتل، ( قالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم، قالوا: يا رسول الله! قوم كفار )، وفي حديث سعد بن عبيد : ( فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة ).

    تعريف القسامة

    دل حديث سهل بن أبي حثمة رضي الله تعالى عنه على مسألة تعرف عند العلماء بمسألة القسامة، والقسامة في اللغة مأخوذة من القسام، وهو الجمال، يقال: وجه قسيم، يعني: جميل.

    وفي الاصطلاح: أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم.

    والقسامة كانت موجودة في الجاهلية، فبنو هاشم في الجاهلية قتل منهم قتيل، فقال أبو طالب لقوم القاتل ويقال: إن الذي قتله هو الوليد بن المغيرة : إما أن تدفعوا مائة من الإبل دية، وإما أن تحلفوا خمسين يميناً، فحلفوا خمسين يميناً، فما حال الحول وفيهم عين تطرف؛ لأنهم كذبوا، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية.

    صورة القسامة

    وصورة القسامة: أن يوجد قتيل ولا يعرف قاتله، وتقوم القرائن على أن الذي قتله هو فلان، أو أن الذين قتلوه هم فلان وفلان جماعة، لكن ليس هناك بينة على القاتل، ولا اعتراف من القاتل، لكن وجدت القرائن على أنه هو الذي قتله، فحينئذٍ يحلف أولياء الدم خمسين يميناً أن الذي قتله هو فلان، فيدفع إليهم برمته، يستحقون دمه، فإن ادعوا أنه قتل عمدٍ ثبت عليه القتل العمد، وإن ادعوا أنه خطأ كان خطأً، وإن ادعوا أنه شبه عمد كان شبه عمد، كما سيأتينا في أحكام القصاص.

    شروط القسامة

    والقسامة ذكر العلماء رحمهم الله لها شروطاً:

    الشرط الأول: أن تكون في دعوى القتل، فلا تقام القسامة في دعوى قطع الأطراف، أو إذهاب المنافع ونحو ذلك.

    الشرط الثاني: أن يكون المقتول آدمياً، وعلى هذا لو كان المقتول حيواناً فإنه لا قسامة.

    الشرط الثالث: أن يكون المقتول حراً مسلماً، وعلى هذا فلا قسامة في قتل الكافر، وكذلك أيضاً لا قسامة في قتل الرقيق، وهل الرقيق يقتل بحر؟ الصواب أن الحر يقتل بالرقيق، اللهم إلا إن كان سيداً، فالسيد أمره غير، وعلى هذا نقول: الصحيح أنه يشترط ألا يكون مسلماً، سواء كان المقتول حراً أو كان رقيقاً.

    الشرط الرابع: أن يتفق أولياء الدم على الدعوى، وأنه قتله زيد، فلو قال بعضهم: قتله زيد، وقال بعضهم: قتله عمرو، أو لم يتفقوا على الدعوى فإنه لا قسامة.

    الشرط الخامس: ألا يكون هناك بينة أو اعتراف، فإن كان هناك بينة أو اعتراف فلا حاجة.

    الشرط السادس: إمكان القتل من المدعى عليه.

    الشرط السابع: وجود اللوث، والمشهور من مذهب الإمام أحمد أن اللوث هي العداوة، يعني: قتل من هذه القبيلة عند هذه القبيلة وبينهم عداوة، هذه قرينة على أن الذي قتله هذه القبيلة، وعلى هذا إذا لم يكن هناك عداوة فاللوث يفسرونها بأنها العداوة الظاهرة كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد .

    والرأي الثاني رأي مالك واختاره شيخ الإسلام : أن اللوث هي كل ما يغلب على الظن صدق المدعي من القرائن، وعلى هذا من اللوث لو أن المقتول وجد وبجنبه رجل معه سلاح، هذا من القرائن، لكن لا توجد فيه بينة، فيحلفون خمسين يميناً أن هذا هو القاتل، ويستحقون دمه، أو شهد الصبيان، والصبيان لا يقال بشهادتهم، فيشهد الصبيان أن الذي قتل هو زيد من الناس، فيحلف الأولياء خمسين يميناً، أو تشهد النساء، والنساء عند جمهور العلماء لا مدخل لشهادتهن في القصاص، أو شهد واحد، والقصاص لا بد فيه من اثنين، لكن شهد واحد أن الذي قتل هو زيد، أو قتلته هذه الجماعة، فيحلف الأولياء مع هذا الشاهد خمسين يميناً، يعني: إذا وجد قرائن: كل ما يغلب على الظن صدق الدعوى فإنه يصار إلى القسامة.

    الشرط الثامن: أن يكون المتهم بالقتل معيناً، سواء كان واحداً أو كانوا جماعة.

    الشرط التاسع: وجود أثر القتل في المقتول؛ لأنه إذا لم يكن هناك أثر فيحتمل أنه مات حتف أنفه.

    الشرط العاشر: أن يكون المدعى عليه بالقتل مكلفاً، بأن يكون عاقلاً بالغاً، فإن كان غير مكلف فإنه لا حاجة للقصاص حينئذٍ وإنما الدية في عاقلته.

    الشرط الحادي عشر: أن يكون في المدعين ذكور مكلفون، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ لأن الأيمان لا تكون إلا من الذكور، ولا مدخل للنساء في الأيمان، والصحيح في ذلك ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله، أنه لا يشترط أن يكون في المدعين ذكور، فالنساء لهن مدخل في أن يحلفن في أيمان القسامة، فإذا توفرت هذه الشروط فإن أولياء الدم يحلفون خمسين يميناً، وتقسم الأيمان عليهم، يقسمها القاضي عليهم، فمثلاً: إذا كانوا ثلاثة فيقسمها خمسين يميناً، يأخذ كل واحد منهم سبعة عشر يميناً ويحلفون، ومن نكل منهم فإن البقية يحلفون الأيمان الباقية ويستحقون، وإذا لم يحلف جميع الأولياء فإن المدعى عليه يحلف يميناً واحدة ويبرأ.