إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب اللعان [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العزل جائز عند جمهور العلماء للأدلة الواردة في ذلك، وإن كانوا يشترطون إذن الزوجة الحرة في ذلك، والإجهاض إسقاط ما في رحم المرأة، وقد اختلف العلماء في حكمه بناء على فترة مكثه، ويحرم انتساب الشخص إلى غير أبيه؛ لما يترتب على ذلك من اختلاط الأرحام وضياع الأنسا

    1.   

    شرح حديث العزل

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ( ذكر العزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ولم يفعل ذلك أحدكم؟ ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم، فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها )].

    الشرح:

    العزل: هو أن يخرج الزوج ذكره من فرج زوجته قبل أن ينزل.

    خلاف العلماء في العزل

    والعزل اختلف العلماء رحمهم الله في حكمه, فجمهور العلماء قالوا: إنه جائز، لكن يشترط إذن الزوجة إذا كانت حرة؛ لأن العزل يمنعها من أمرين:

    الأمر الأول: كمال الاستمتاع.

    الأمر الثاني: الولد, فلها حق في الولد، ولها حق في الاستمتاع.

    فيقولون: يشترط إذن الزوجة إذا كانت حرة, وإن كانت أمة فيشترط إذن سيدها, أما إذا كانت ملك يمين فله أن يعزل وإن لم يستأذنها.

    إذاً: جمهور العلماء يقولون: إذا كانت الزوجة حرة فيشترط إذنها لأمرين: الأول: لأنه يمنعها من كمال الاستمتاع, والثاني: لأنه يمنعها من الولد ولها حق فيه, وإن كانت الزوجة أمة فلا بد من إذن سيدها؛ لأن السيد له حق في الولد, وإن كانت ملك يمين فله أن يعزل, وإن لم يكن هناك إذن.

    والرأي الثاني رأي الشافعي رحمه الله تعالى: أن العزل جائز مطلقاً وإن لم يكن هناك إذن, واستدل بمثل هذه الأحاديث, مثل: حديث أبي سعيد ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولم يفعل ذلك أحدكم؟ ولم يقل: لا يفعل ) قال: ولم يفعل! استفهام. وهذا الاستفهام بينه بعد ذلك في قوله: ( فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها ), يعني: لو أن الله سبحانه قدر الولد سواء عزلت أو لم تعزل سيحصل الولد, هذا هو وجه الاستفهام, الاستفهام أن النبي صلى الله عليه وسلم ما نهى عن ذلك, وإنما استفهم وبين وجه الاستفهام, أنه إذا قدر الله عز وجل حصول الولد فإنه سيحصل حتى لو فعلت مثل هذا السبب وهو العزل الذي يمنع من حصول الولد.

    وأيضاً العزل هو الوارد عن جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    الرأي الثالث: أن العزل محرم, وهذا ذهب إليه ابن حزم رحمه الله تعالى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه وأداً, قال: ( ذلك الوأد الخفي ) والوأد لا يجوز.

    والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم, وفرق بين الوأد المحرم والوأد الجائز, في الوأد المحرم النطفة الآن استقرت في الرحم, وأصبحت محترمة، أما هنا فالنطفة لم تستقر في الرحم, فالصواب في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم, وأن هذا العزل كما ورد عن الصحابة أنه جائز، لكن يشترط إذن المرأة إذا كانت حرةً لما تقدم, وإن كانت أمة فإنه يشترط إذن سيدها, أما إن كانت ملك يمين, فإن هذا جائز ولا بأس به.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ولم يفعل ذلك أحدكم ), فيه الأخذ بالأسباب وهذا من التوكل, وليس مناقضاً للتوكل، لكن الذي يكون مذموماً هو الاعتماد على السبب وينسى المسبب الذي هو الله عز وجل, وهذا نوع من الشرك, ولهذا العلماء رحمهم الله يقولون: التفات القلوب إلى الأسباب شرك في التوحيد, فالنبي صلى الله عليه وسلم أنكر ذلك وقال: (ولم يفعل ذلك أحدكم) لما فيه من الاعتماد على السبب ونسيان المسبب.

    وقوله: ( فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها ), في هذا الإيمان بالقضاء والقدر, فإن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن, حتى لو فعل الإنسان السبب, ما قضاه الله وقدره في هذا الكون لا بد أن يقع.

    حكم الإجهاض

    وفي هذا الحديث القول بالعزل وهذا استدل به بعض العلماء وهم الحنابلة على جواز الإجهاض, يعني: إجهاض النطفة ما دامت في الأربعين, كما أنك إذا عزلت تسقط هذه النطفة, فكذلك أيضاً إذا حملت المرأة فلك أن تخرج هذه النطفة.

    والرأي الثاني: ذهب إليه كثير من المحققين مثل الإمام مالك والليث بن سعد , وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن حزم والعز بن عبد السلام , هؤلاء يقولون: يحرم الإجهاض حتى لو كان في مرحلة النطفة؛ لأن الله عز وجل قال: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ [المرسلات:20-21]. فالله عز وجل جعل هذه النطفة في مكان مكين, يعني: حافظ لما يودع فيه، فكونك تعتدي على هذا المكان وتخرج هذه النطفة هذا مخالف لحكمة الله عز وجل العظيمة, ولهذا تجد المرأة تتعرض للسقوط وتتعرض لكثير من الحوادث.. ونحو ذلك, والغالب أن هذه النطفة تبقى في مكانها ولا تخرج؛ لأنها في مكان مكين حافظ لما يودع فيه.

    وأيضاً إذا حصل التلقيح بين ماء الرجل وماء المرأة بدء خلق الإنسان ولهذا الأطباء يقولون: أدق مراحل تكوين الجنين مرحلة النطفة, فيها يكتسب كل الصفات الخلقية والخلقية وسائر الموروثات، وإذا كان كذلك فكيف أن يتجرأ الإنسان وقد بدأ تخليقه -وإن كان خلق خفياً- يتجرأ ويخرج هذه النطفة؟

    لكن الاستدلال بمثل حديث العزل ليس دليلاً على جواز الإجهاض, وفرق بين نطفة أصبحت الآن محترمة ومحفوظة في مكان مكين, وبين نطفة حتى الآن لم تتصف بهذه الصفة، فالعزل حتى الآن النطفة ما استقرت في الرحم, وفرق بين نطفة استقرت ونطفة لم تستقر.

    1.   

    شرح حديث: (كنا نعزل والقرآن ينزل)

    قال رحمه الله تعالى: [عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( كنا نعزل والقرآن ينزل, ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن )].

    الشرح:

    هذا فيه دليل لما تقدم من مذهب الجمهور وأن العزل جائز لقوله: (كنا نعزل والقرآن ينزل), وهذا دليل على أن العزل جائز, ولو كان العزل محرماً كما ذهب إليه ابن حزم لنهى عنه القرآن.

    وفي هذا دليل لمسألة أصولية, وهي: إذا أقر الله عز وجل على فعل في عهد النبوة، فذهب جمع من الأصوليين إلى أنه حجة, كون الله عز وجل لم ينكر هذا القول مع أنه سميع بصير, سميع عليم, هذا يدل على أنه حجة.

    1.   

    شرح حديث: (ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه..)

    قال: [عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه, أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر )].

    الشرح:

    في هذا الحديث تحريم الانتساب إلى غير الأب, فإذا كان الشخص يعلم أباه ثم بعد ذلك انتسب إلى غير أبيه فإن هذا كفر, والمراد بالكفر هنا الكفر الأصغر, وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فرقاً بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر, وأن الكفر إذا حلي بالألف واللام فهو الكفر الأكبر المخرج من الملة, أما إذا لم يحلّ بالألف واللام فإنه كفر أصغر لا يخرج من الملة, وإنما يدل على أنه من كبائر الذنوب, فكون الإنسان ينتفي من نسبه المعروف وينتسب إلى غير أبيه سواء كان الأب القريب أو كان من أجداده لكي يخرج من قبيلته أو من الانتساب إلى أبيه, فنقول: هذا محرم ولا يجوز وهو من كبائر الذنوب, لما يترتب على ذلك من ضياع الأنساب, واختلاط المحارم، وتقطيع الأرحام.. إلخ, فهو من كبائر الذنوب, ولهذا جعله النبي صلى الله عليه وسلم كفراً.

    وقوله: ( ومن ادعى ما ليس له فليس منا ).

    يعني: ادعى ما ليس له من الحقوق والأعيان المالية, فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس منا), والأصل في المال المعصوم أنه يحرم على الشخص أن يدعيه بالدعاوى الباطلة والحجج الواهية, ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه, فمن ادعى ما ليس له سواء كان حقاً مالياً, أو كانت عيناً مالية فنقول: هذا محرم ولا يجوز, وهو من كبائر الذنوب.

    وقوله: (ليس منا), ظاهر هذا الحديث أنه يخرج من الإسلام, لكن الصواب أن قوله: ليس منا يعني: (ليس منا) في هذه الفعلة. بل هو خارج منا, وإن كان منا في بقائه على الإسلام وتمسكه بالإسلام, لكنه في هذه الفعلة ليس منا.

    وقوله: ( وليتبوأ مقعده من النار ) الذين يأكلون أموال الناس بالدعوى الباطلة والحجج الكاذبة.. إلخ, هؤلاء موعدهم النار, نسأل الله السلامة, و( من اقتطع مال امرئ مسلم ولو كان قضيباً من أراك لقي الله وهو عليه غضبان ), قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار ), وهذا يدل على أن هذا من كبائر الذنوب، وأن الأصل في مال المعصوم -سواء كان مسلماً أو غير مسلم- الحرمة, وأنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ مال الغير إلا بحقه, والشريعة جاءت بحفظ الضرورات الخمس: حفظ الدين والمال والعقل والعرض والنسب, هذه الضرورات التي اتفقت عليها الشرائع، ومنها حفظ المال.

    قال: ( ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال: يا عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه ) (دعا رجلاً), يعني: ناداه بالكفر قال له: يا كافر! أو قال: يا عدو الله! ومثل ذلك أيضاً لو قال له: يا فاسق! وليس كذلك إلا حار عليه, أي: رجع عليه, وفي هذا أنه يحرم أن تنادي أحداً أو تدعوه بالكفر، سواء كان عن طريق المزاح أو عن طريق السب والتنقص.. ونحو ذلك، فهذا من كبائر الذنوب.

    وقوله: (إلا حار عليه), يعني: رجع عليه, وهذا من أحاديث الزجر والردع التي تبقى على ما هي عليه, وقال بعض العلماء: (دعا رجلاً بالكفر) يعني: كفر النعمة (إلا حار عليه) يعني: يرجع عليه ما يتعلق بكفر النعمة, وقال بعض العلماء: هذا لمن استحل مثل هذا العمل أو نحو ذلك.

    لكن الصواب في ذلك أن يقال: هذا من أحاديث الردع والزجر التي تبقى على ما هي عليه دون تأويل؛ لأن هذا أبلغ في الردع والزجر.

    فقوله: (إلا حار عليه) أي: إلا رجع عليه، وهذا من باب الردع والزجر, ولا يلزم من ذلك أن يخرج من الإسلام.