إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب اللعان [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من قذف غيره بالزنا أو اللواط أو غيره فالبينة وإلا حد في ظهره، وخرج عن هذا الأصل قذف الزوجة فشرع فيه اللعان، واللعان لا يحصل إلا بين الزوجين، والزوج لا يقدم عليه إلا وهو متأكد؛ لأنه يدنس فراشه وعرضه، فجعل الشارع اللعان مخرجاً للزوجين ودارئاً للحد فيما لو و

    1.   

    شرح حديث: (أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ( أن فلان بن فلان قال: يا رسول الله, أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة,كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم, وإن سكت سكت على مثل ذلك؟ قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه، فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات في سورة النور: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ [النور:6] فتلاهن عليه ووعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال: لا, والذي بعثك بالحق نبياً ما كذبت عليها، ثم دعاها ووعظها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. فقالت: لا, والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله: إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين, والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما، ثم قال: الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ ثلاثاً )، وفي لفظ: ( لا سبيل لك عليها قال: يا رسول الله! مالي؟ قال: لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها )].

    الشرح:

    تقدم تعريف اللعان, وأنه شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين مقرونة بلعن أو غضب, وذكرنا أن اللعان إنما يكون بين الزوجين فقط, وذكرنا أن الأصل أن من قذف غيره بالزنا أو باللواط أن يأتي بالبينة أو حد في ظهره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـهلال بن أمية : ( البينة أو حد في ظهرك ), لكن خرج عن هذا الأصل في قذف الزوج زوجته, نقول له: البينة أو حد في ظهرك أو تلاعن, وهذا من تيسير الله عز وجل على الأزواج, لماذا شرع اللعان في حق الزوج؟ قلنا: الزوج إذا قذف زوجته لا نلزمه بالبينة: يأتي بأربعة شهود, فإنه صعب أن يؤتى بأربعة شهود على الزنا, ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن حد الزنا لم يثبت بالبينة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى وقته, إنما الذي حصل هو الرجم عن طريق الإقرار؛ لأنه لابد أن يشهد أربعة شهود أنهم رأوا ذكره في فرجها, وهذا بعيد, وعلى هذا كونه يأتي بالبينة صعب على الزوج.

    وقوله: (أو حد في ظهرك), وهذا أيضاً أصعب كونه يجلد, فجعل الله عز وجل له مخرجاً أن يلاعن؛ لأن الزوج لا يقدم على قذف زوجته إلا وهو متأكد؛ لأنه يدنس فراشه ويدنس عرضه, فهو لا يقدم على قذف زوجته إلا وهو متأكد أنها فعلت هذه الفعلة, فجعل له هذا المخرج.

    سبب نزول قوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم...)

    ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في قصة المتلاعنين, وقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [النور:6-7] .. إلى آخر الآيات, في أول سورة النور, وهذه الآيات اختلف فيها المفسرون: هل نزلت في هلال بن أمية رضي الله تعالى عنه مع زوجته, أو في عويمر العجلاني مع زوجته؟ فقال بعض المفسرين: إنها نزلت في هلال بن أمية . وقال بعضهم: إنها نزلت في عويمر العجلاني . ويميل ابن حجر رحمه الله تعالى إلى أن هلالاً أولاً سأل, ثم جاء عويمر فسأل, فنزلت الآيات.

    وعلى كل حال فهذا لا يترتب عليه أثر, بالنسبة للأحكام سواء نزلت في هلال أو نزلت في عويمر ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, والشريعة كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لا تنزل لآحاد الناس, فليس هناك في الشريعة ما يسمى بالخصوص العيني إلا للنبي عليه الصلاة والسلام, فهو الذي يختص ببعض الأحكام وما عداه من البشر فإنه لا يختص بشيء من الأحكام.

    قال المؤلف رحمه الله: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ( أن فلان بن فلان قال: يا رسول الله, أرأيت .. إلخ )، هذا هو هلال بن أمية رضي الله تعالى عنه, ( قال: يا رسول الله, أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة,كيف يصنع, إن تكلم تكلم بأمر عظيم, وإن سكت سكت على مثل ذلك؟ قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه ).

    وفي هذا: أنه يكره للإنسان أن يسأل عن مثل هذه المسائل التي لم تقع, ولهذا ابتلي هذا السائل بهذه المسألة التي سأل عنها, والعلماء رحمهم الله كرهوا للإنسان أن يسأل عن المسائل التي لم تقع؛ لأنه قد يبتلى بها.

    صورة اللعان

    قال: ( فلما كان بعد ذلك أتاه، فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به. فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات في سورة النور: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ [النور:6] فتلاهن عليه ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ).

    وفي هذا: أن الزوج إذا قذف زوجته بالزنا, فإن البينة أن يأتي بأربعة شهود أو حد في ظهره أو يسقط الحد باللعان, يعني: يلاعن ثم يسقط الحد باللعان, فيؤخذ من هذا أن اللعان لا يكون إلا بين زوجين، أما غير الزوج إذا قذف امرأة فعليه البينة أو حد في ظهره ما في لعان.

    ويؤخذ أيضاً من هذا: أنه يشرع للإمام إذا أراد الزوجان التلاعن أن يعظهما ويذكرهما أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.

    وأيضاً: يؤخذ من هذا: أنه يشترط أن يكون التلاعن عند الإمام أو نائبه من القضاة, ولا يكون عند آحاد الناس, وأيضاً: لا يشترط حضور الزوجة مكان اللعان, يعني: الزوج يشهد عليها, يقول: لاعن زوجتك لكي تسقط الحد, فيشهد عليها بالزنا أربع مرات، وفي الخامسة يقول: (وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين), فيقول أربع مرات: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه ويشير إليها إن كانت حاضرة, وإن كانت غير حاضرة فإنه يسميها باسمها, أو يصفها بصفتها, أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه, أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه, أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه, أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه, وفي الخامسة يقول: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه وأن لعنة الله عليّ إن كنت من الكاذبين, فإذا قال هذه الشهادات الخمس سقط عنه حد القذف, وحينئذ يترتب الحد على الزوجة؛ لأن هذه الشهادات تقوم مقام الشهود، فالزوجة الآن يجب جلدها إن كانت غير محصنة, يعني: إذا كان الزوج ما دخل بها, وإذا كانت غير محصنة فيجب أن تجلد مائة جلدة وأن تغرب سنة, وإن كانت محصنة فالزوج دخل بها, الآن ترتب عليها العذاب وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور:8-9]، فحينئذ تحتاج الزوجة أن تلاعن لكي تسقط عنها هذا الحد الذي ترتب عليها بلعان الزوج، فإن لاعنت وإلا وجب أن يقام عليها الحد, فتلاعن, فتقول: أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا أربع مرات, ثم تقول في الخامسة: أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا وأن غضب الله عليّ إن كان من الصادقين, فحينئذ يسقط الحد عنها, فيسقط حد القذف عن الزوج بلعانه, ويسقط عنها حد الزنا بلعانها.

    قال: ( فتلاهن عليه ووعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال: لا, والذي بعثك بالحق نبياً ما كذبت عليها )، وهو صحيح ما كذب عليها، ولهذا أتت به على النعت المذكور, قال النبي صلى الله عليه وسلم انظروها فإن أتت به كذا وكذا فهو لفلان, لمن رميت به, وإن أتت به كذا وكذا فهو لفلان لزوجها, فأتت به على النعت المذكور, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن )؛ لأن القرآن أسقط عنها الحد بهذه الأيمان.

    قال: ( ثم دعاها ووعظها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة )، فيؤخذ من هذا أنه يشرع الوعظ, يعني: أن القاضي عند تلاعن الزوجين يشرع أن يعظ ويذكر الزوج في بداية اللعان، وكذلك أيضاً يذكر الزوجة في بداية لعانها, وفي غير الصحيح ورد أنه يستحب أن يأمر القاضي أن يضع يده على فم الزوج عند الخامسة, ويضع يده على فم الزوجة عند الخامسة, ويقول: اتقي الله فإنها الموجبة.

    ( فقالت: والذي بعثك بالحق إنه لكاذب ), وفي غير الصحيح أنها عند الخامسة تلكأت, فظنوا أنها ترجع، فقالت: لا أفضح قومي سائر اليوم, فمضت وأكملت الخامسة, فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين, والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين, ثم ثنى بالمرأة.

    وفي هذا يشترط أن يبدأ بالرجل؛ لأن الرجل يحتاج أن يسقط الحد ويرتب الحد على المرأة, فلو أن المرأة بدأت ما صح اللعان؛ لأن المرأة تحتاج أن تلاعن لكي تسقط عنها الحد الذي ثبت عليها بلعان الزوج, فلو أن المرأة بدأت قبل الزوج, نقول: لا يصح هذا.

    قال: ( ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين, والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما ).

    في هذا أن الزوج يقول في الخامسة: إن لعنة الله علي, والزوجة تقول: إن غضب الله علي, وإنما كان بالنسبة للزوجة الغضب دون اللعن؛ لأن أمر الزوجة أعظم, والزوج لا يقدم على قذف زوجته إلا وهو متأكد, فكان الغضب في جانب الزوجة؛ لأن ترجح صدق الزوج أكثر من ترجح صدق المرأة؛ لأنه كما ذكرنا يلوث عرضه وفراشه.

    التفريق بين المتلاعنين

    ( ثم فرق بينهما ), هذا من الأحكام المترتبة على اللعان أنها تثبت الفرقة الأبدية إلى يوم القيامة, حتى لو أكذب نفسه, خلافاً لما ذهب إليه سعيد بن المسيب , أنه إذا أكذب نفسه فإنه خاطب من الخطاب, له أن يخطبها, لكن الصحيح أن الفرقة أبدية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا سبيل لك عليها ), وفي غير الصحيح: ( فقضى النبي صلى الله عليه وسلم ألا يجتمعان )، وهذا أيضاً يخالف الحكمة؛ لأنه الآن قذفها بالزنا ثم بعد ذلك يرجع إليها مرة أخرى.

    ثم قال: ( الله يعلم أن أحدكما كاذب, فهل منكما تائب ثلاثاً ) وفي لفظ: (لا سبيل لك عليها. قال: يا رسول الله! مالي. قال: لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها, وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها), يؤخذ من هذا أن الزوج لا يرجع على زوجته بشيء من الصداق, مع أنه هو الذي ترجح كلامه وصدقه, والفرقة جاءت بسببه, لكن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقاً في رميك لها, فهو بما استحللت من فرجها, وإن كنت كاذباً فهو أبعد لك منها. والله أعلم.