إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب الطلاق [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الطلاق للعدة هو ما اشتمل على صفات؛ منها: أن يطلق امرأته مرة واحدة، ويكون هذا الطلاق في طهر، ويكون هذا الطهر لم يحصل فيه جماع بينهما، وأن يتركها إذا طلقها حتى تنتهي العدة، وقد اختلف العلماء في طلاق الحائض مع اعتبارهم إياه طلاق بدعة، فقال بعضهم بوقوعه، وقال

    1.   

    تابع شرح حديث ابن عمر في طلاق امرأته حال الحيض

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كتاب الطلاق: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ( أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيظ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ليراجعها, ثم ليمسكها حتى تطهر, ثم تحيض فتطهر, فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله عز وجل ). وفي لفظ: ( حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها ). وفي لفظ: ( فحسبت من طلاقها, وراجعها عبد الله كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ].

    الشرح:

    الطلاق تقدم لنا أنه في اللغة: التخلية.

    وفي الاصطلاح: حل قيد النكاح أو بعضه.

    وذكرنا أن الطلاق الأصل فيه أنه مكروه، وذكرنا دليل ذلك، وأنه تندرج تحته الأحكام التكليفية الخمسة:

    فيجب الطلاق إذا تركت المرأة عفة، أو تركت صلاة، أو تتضرر في بقائها مع الزوج، فيجب على الزوج أن يطلقها، مثل الطلاق للإيلاء.

    ويحرم كما لو طلقها طلاق بدعة، ويكره الطلاق وهذا هو الأصل، ويباح عند الحاجة، ويستحب في حال تضررها، حال يخرجها ذلك إلى الخلع، والصواب: أنه هنا يجب، لكن بعض الفقهاء جعلوه من المستحب.

    وسبق أن بينا طلاق السنة، والطلاق للعدة الذي أمر الله عز وجل به في قوله تعالى: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، وأن الطلاق للعدة مشتمل على أربع صفات:

    الصفة الأولى: أن يطلقها طلقة واحدة.

    الصفة الثانية: أن يطلقها في طهر ليست حائضاً.

    الصفة الثالثة: أن يطلق في طهر لم يجامع فيه.

    الصفة الرابعة: أن لا يتبعها طلقة حتى تنتهي عدتها، يعني: أن يتركها إذا طلقها حتى تنتهي العدة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ( أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيظ منه ). يعني: غضب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أن طلاق الحائض محرم ولا يجوز، وكون النبي صلى الله عليه وسلم غضب هذا يدل على أنه محرم ولا يجوز.

    حكم طلاق الحائض

    قال المؤلف: ( فتغيظ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ليراجعها ). هذا مما استدل به الجمهور على أن طلاق الحائض يقع، وعندنا حكمان: حكم تكليفي وهو التحريم وهذا لا إشكال أنه محرم بالإجماع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غضب وتغير، وهذا يدل على أنه فعل معصية.

    بقينا في الحكم الوضعي، هل يقع الطلاق أو لا يقع؟

    جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة أن طلاق الحائض يقع، ومن أدلتهم هذا الحديث، فإن المسألة فيها مؤلفات مستقلة.

    قوله: (ليراجعها) أمره بالمراجعة، وهذا يدل على أن الطلاق واقع، وإلا لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالمراجعة.

    قال: وفي لفظ: ( فحسبت من طلاقها ) قوله: (فحسبت)، هذا يدل على وقوع الطلاق، وورد أيضاًعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.

    الرأي الثاني: أنه لا يقع، وهذه من المسائل التي خالف فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الأئمة الأربعة، وهو قول الخوارج والمعتزلة والظاهرية، ولهذا قال ابن عبد البر رحمه الله: لم يقل بهذا إلا أهل البدع.

    وهذا الرأي قال به كثير من المحققين في وقتنا؛ ويدل لهذا القاعدة الكبيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) أي: مردود عليه، فما دام أن هذا عمل ليس عليه أمر الله، ولا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو مردود.

    وأما قوله في الحديث: (ليراجعها)، فذكر ابن القيم رحمه الله أن المراجعة في لسان الشارع أعم منها في لسان الفقهاء، والفقهاء يحملون المراجعة على إعادة المطلقة لكن ابن القيم رحمه الله يقول: المراجعة في لسان الشارع أعم منها في لسان الفقهاء، فالمراجعة في لسان الشارع تطلق على إعادة المطلقة، وتطلق أيضاً على العود بحسن العشرة، وهذا الحديث من هذا الباب.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: لا يعقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها لكي يطلقها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فإن بدا له أن يطلق )، كيف يقول النبي صلى الله عليه وسلم: راجع لكي تطلق، فكلام شيخ الإسلام مفهوم.

    لو قلنا بأن المراجعة أنك تعيد المرأة التي طلقت لتوقع عليها طلقتين كان هذا أعظم، لكن لو قلنا: إنها ليست واقعة، وأوقع الآن طلقة جديدة, ما يمكن أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: راجع، ثم يقول: إن بدا أن يطلقها يراجع لكي تطلق مرة أخرى، هذا بعيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم يأمره أن يراجع ليطلق مرة أخرى، فالمقصود بالمراجعة هنا لإعادة إلى الحالة الأولى وهي حكم العشرة،كما قال ابن القيم رحمه الله.

    وأما قوله: (فحسبت من طلاقها)، هو يقول: لا يدرى من هو الحاسب، كما جاء في الحديث، فهو مجهول، هل هو النبي صلى الله عليه وسلم أو الراوي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، مع أنه أيضاً ورد عن ابن عمر؟

    فيفهم من هذا أن القول بعدم الوقوع أقوى، ولأن الإمام أحمد رحمه الله ذكر قاعدة، قال: كنت أقول بطلاق السكران حتى تبينته، فرأيت أنني إذا أوقعته أتيت أمرين، ما هما؟ قال: حرمتها على زوجها، وأبحتها لغيره، فإذا لم أوقعه أتيت أمراً واحداً أبحتها لزوجها.

    وهذا أقل وأسلم أنني أبحتها لزوجها على فرض التحريم، مع أن الأصل الإباحة.

    ومثل ذلك أيضاً: إذا أوقعت طلاق الحائض حرمتها على زوجها وأبحتها لغيره، وإذا لم توقع أبحتها لزوجها، والأصل عدم الوقوع.

    الطلاق في الطهر الثاني

    وقوله: (ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها) إلى آخره. هذا الإمساك إذا قلنا بأن الطلاق ليس واقعاً فأراد أن يطلق فالعلماء يقولون: هو على سبيل الاستحباب، يعني: إذا قلنا بأنه ليس واقعاً يمسكها حتى تطهر.

    طيب! إذا طلق في هذا الطهر يقع؛ لأنه طهر لم يجامع فيه، لكن العلماء يقولون: هو على سبيل الاستحباب: إنه ما يطلق حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فيطلق في الطهر الثاني.

    وقال بعض العلماء: بأنه على سبيل الوجوب من باب التعزير، يرجع المرأة ويمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن شاء أن يطلق وإن شاء أن يمسك، هذا على سبيل الوجوب تعزيراً له على إيقاعه للطلاق في حال الحيض، وهذا القول هو الأقرب.

    والذي يظهر والله أعلم أنه على سبيل الوجوب؛ لأن الأصل في الأمر أنه على سبيل الوجوب.

    قوله: (فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء). في هذا الحديث تفسير لقوله عز وجل: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1] وأن الطلاق للعدة هو طلاق السنة، وهو ما جمع أربع صفات.

    قال: وفي لفظ: ( حتى تحيض حيضة أخرى مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيه ). وفي لفظ: ( فحسبت من طلاقها، وراجعها عبد الله كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ).

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.