إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب البيع [31]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • علم الفرائض هو: العلم بقسمة المواريث بين مستحقيها فقهاً وحساباً، وللإرث أسباب كالنسب والنكاح الصحيح والولاء، وله موانع أيضاً كالقتل والرق واختلاف الدين، وقد أمر الله تعالى القائمين على قسمة التركة أن يعطوا أصحاب الفروض فروضهم المقدرة بالقسمة الشرعية، وما

    1.   

    شرح حديث: (الثلث والثلث كثير)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ( لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الثلث, والثلث كثير )].

    الشرح:

    قوله: (لو أن الناس غضوا) يعني: نقصوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الثلث, والثلث كثير ).

    هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما دليل على أنه يستحب للإنسان أن يوصي بربع ماله ولا يوصي بالثلث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الثلث, والثلث كثير )، وهذا ما ذهب إليه بعض العلماء رحمهم الله أخذاً بهذا الأثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    الرأي الثاني: ذهب إليه الإمام أحمد: أنه يستحب له أن يوصي بالخمس، يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: رضيت بما رضي الله به لنفسه، يشير إلى قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41].

    والرأي الثالث: أن كونه يوصي بالثلث، أو يوصي بالربع، أو يوصي بالخمس، أو ينقص أيضاً عن ذلك، كأن يوصي بالسدس، نقول: هذا يختلف باختلاف الورثة واختلاف المال، فإذا كان الورثة أغنياء ونحو ذلك فلو أوصى بالثلث، وإن كان الورثة فقراء، فإنه يغض.

    وربما نقول: الأفضل أنك تجعل المال للورثة ولا توصي بشيء.

    المهم أن هذا يختلف، فإذا كان المال كثيراً والورثة أغنياء فنقول: بأنه يزيد، لو أوصى بالثلث أو أوصى بالربع ونحو ذلك، لكن لو كان الورثة فقراء وكان ماله قليلاً فإنه ينقص لكي يوفر المال لهم.

    وربما كما قال بعض العلماء رحمهم الله أنه لا يستحب له أصلاً أن يوصي إذا كان ورثته فقراء والمال قليل، بل يوفره لهم.

    1.   

    باب الفرائض

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الفرائض].

    الشرح:

    الفرائض: جمع فريضة، بمعنى مفروضة، والمفروض هو المقدر، والفرض هو الحز والقطع والتقدير.

    وأما في الاصطلاح: فهو العلم بقسمة المواريث بين مستحقيها فقهاً وحساباً، وكما جاء في الحديث -وإن كان فيه ضعف- ( الفرائض نصف العلم ).

    وتكلم العلماء رحمهم الله تعالى على كيفية كون الفرائض نصف العلم، وذكروا أقوالاً كثيرة:

    من ذلك أن العلم إما أن يتعلق بأحوال الإنسان قبل موته، أو يتعلق بأحوال الإنسان بعد موته، والفرائض مما يتعلق بحال الإنسان بعد موته ... إلى آخره.

    وتعلم الفرائض حكمه أنه فرض كفاية، وأدلته من القرآن والسنة واضحة إلى آخره.

    وسيأتيكم ما يتعلق بأسباب الإرث، وأن أسباب الإرث ثلاثة: النسب، يعني: القرابة، والنكاح الصحيح، والولاء.

    وأما موانع الإرث فهي كما ذكر العلماء رحمهم الله:

    ويمنع الشخص من الميراث واحدة من علل ثلاث

    رق وقتل واختلاف دين فافهم فليس الشك كاليقين

    وهذا ما يتعلق بالأسباب، وشروط الميراث، وموانع الإرث.

    1.   

    شرح حديث: (ألحقوا الفرائض بأهلها...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر )].

    الشرح:

    أي: أعطوا أصحاب الفروض ما قدر لهم من الفروض في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: ( ألحقوا الفرائض بأهلها )، يعني: ابدءوا بأصحاب الفروض، وأعطوهم فروضهم.

    والفروض هي: الثلثان، والثلث، والسدس، والنصف، والربع، والثمن، وهناك أيضاً: الثلث الباقي ثبت بالاجتهاد في العمريتين.

    قوله: ( ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر )، وفي رواية: ( اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأولى )، يعني: أقرب ( رجل ذكر )، يعني: من العصبة، ونفهم أنه بعد أن يأخذ أصحاب الفروض ما قدر لهم فإن الباقي يعطى لأقرب العصبة، مثال ذلك: هلك هالك عن زوجة وأب وعم، الزوجة تأخذ الربع لعدم الفرع الوارث، وعندنا أب وعم أيهما أقرب إلى الميت: جهة الأبوة أو جهة العمومة؟ نقول: بأن جهة الأبوة أقرب: ( فلأولى رجل ذكر )، نقول: الأب هو الذي يحوز ما تبقى من الميراث.

    هلك هالك عن ابن وابن ابن وزوجة، الزوجة لها الثمن لوجود الفرع الوارث، والابن أقرب من ابن الابن، وإن كانا في جهة واحدة وهي جهة البنوة، لكن الابن أقرب درجة من ابن الابن، فيأخذ الباقي.

    1.   

    شرح حديث ميراث المسلم من الكافر والعكس

    قال المصنف رحمه الله تعالى: عن أسامة بن زيد قال: ( قلت: يا رسول الله! أتنزل غداً في دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور )، الرباع: هي محلات الإقامة، والمراد هنا الدور.

    ثم قال: ( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم )، في هذا الحديث دليل على أنه يجوز بيع بيوت مكة، وهذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، والصحيح في ذلك أن بيوت مكة يجوز بيعها ويجوز إجارتها، وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( رباع مكة حرام بيعها، حرام إجارتها )، فهذا ليس ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفي هذا الحديث: أن المسلم لا يرث الكافر، وأن الكافر لا يرث المسلم، ويؤخذ من هذا أن الإرث إذا وجد مانع من موانعه فإنه لا يتحقق، وأن الإرث لا يتحقق إلا إذا توفرت شروطه وانتفت موانعه، وذكرنا أن من موانع الإرث اختلاف الدين، وأن المسلم لا يرث الكافر، وأن الكافر لا يرث المسلم.

    أيضاً: هل يتوارث أهل ملتين أو لا يتوارثان؟ يعني: هل النصراني يرث المجوسي والمجوسي، هل يرث النصراني؟ واليهودي هل يرث الوثني؟ ... إلى آخره، هذا سيأتي إن شاء الله.

    ويؤخذ من حديث أسامة : أن اختلاف الدين مانع من موانع الإرث.

    1.   

    شرح حديث النهي عن بيع الولاء وهبته

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( نهى عن بيع الولاء وهبته )].

    الشرح:

    الولاء: عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق، وهي لحمة كلحمة النسب، يعني: الارتباط بين المعتق السيد وبين الرقيق المعتق كالارتباط بين القريب وقريبه، كالارتباط بين العم وابن أخيه إلى آخره، فهي عصوبة ارتباط بين السيد وبين رقيقه الذي أعتقه، كالارتباط الذي يكون بين الأقارب.

    ولهذا عصوبة الولاء تستفاد به الولايات، فلو كانت هذه المرأة ليس لها من يزوجها من عصبة النسب، فإننا نصير إلى عصبة الولاء، لو كان هناك أحد أنعم عليها بالعتق فيتولى تزويجها.

    ويستفاد به التوارث: لو كان هذا الرجل ليس له من يرثه ولكن وجدنا السيد الذي أعتقه، فإن هذا السيد يرثه.

    وهل يورث بالولاء من أسفل: بمعنى لو أن هذا المعتِق ليس له من يرثه إلا المعتَق هل يورث بالولاء من جهة الأسفل أو لا؟

    هذا موضع خلاف، واختيار شيخ الإسلام أنه يورث به، المهم نأخذ من هذا أن الولاء لحمة كلحمة النسب، وأن هذا الارتباط له أحكام يذكرها العلماء رحمهم الله، وضربنا شيئاً من الأمثلة على ذلك.

    ولهذا لا يجوز بيع الولاء ولا هبته؛ لأن هذه عصوبة، كما أنك لا تبيع عصوبة النسب، ولا تعاوض على عصوبة النسب، كذلك أيضاً هبة الولاء لا تجوز.

    ولو حصل عقد من ذلك فنقول: هذا العقد باطل ولا يصح.