إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب البيع [29]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوصية هي: التبرع بالمال، أو الأمر بالتصرف بعد الموت، وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، كما أنها من محاسن الشريعة إذ جعل لصاحب المال جزءاً من ماله يعود عليه ثوابه وأجره بعد موته، والوصية قد تكون واجبة وقد تكون مستحبة، والواجبة إذا كان على الإنسان حقوق ل

    1.   

    تابع شرح حديث: (اعرف وكاءها وعفاصها)

    تقدم لنا ما يتعلق باللقطة، وذكرنا أن اللقطة تنقسم إلى أقسام، وذكرنا أن منها ما يباح تعريفه، ومنها ما يجب تعريفه، ومنها ما يحرم التقاطه إلى آخره.

    قوله: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب أو الورق، فقال: ( اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة )، أخذنا من هذا أنه إذا التقط لقطة تتبعها همة أوساط الناس، فإنه يتعرف على صفاتها، والتعريف تحته أحكام.

    الحكم الأول: حكم التعريف، والتعريف هذا واجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به؛ ولأنه الطريق إلى رد المال إلى صاحبه.

    وأما مدة التعريف، فهذه بينها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها عام، وما جاء أنها ثلاثة أعوام فهذا لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأما بالنسبة لمكان التعريف، فذكرنا أن العلماء في الزمن السالف يقولون: تعرف في أبواب المساجد، والأسواق، وأماكن التجمعات.. إلخ، وقلنا بأن هذا يختلف باختلاف الزمان والمكان؛ لأن الشارع أطلق ( عرفها سنة )، وما ورد مطلقاً على لسان الشارع فإنه يرجع إلى العرف في تحديده، والعرف الآن في مثل هذه الأشياء أن الناس يعرفونها عن طريق وسائل الاتصال.

    قال: ( ثم عرفها سنة )، وكيفية التعريف ذكر العلماء رحمهم الله في الزمن السالف أنها تعرف في السنة كل شهر، وفي الشهر الأول كل أسبوع، وفي الأسبوع الأول كل يوم، لكن مثل هذا التحديد يحتاج إلى دليل، والشارع أطلق، فالصحيح أننا نقول: يعرفها تعريفاً يتمكن صاحبها من معرفتها، فيعرفها في وسائل الاتصال، مرة مرتين إلى آخره.

    وأجرة التعريف هل هي على الملتقط أو في مال اللقطة؟ هذا موضع خلاف، والصحيح أنها في مال اللقطة.

    وقوله: ( فاستنفقها ولتكن وديعة عندك ) تكلمنا على هذه المسألة، وقلنا: هل تدخل اللقطة في مال الملتقط قهراً عليه بعد مرور الحول، أو أنه بالخيار إن شاء أن يتملك كما يقول الشافعية؟ ذكرنا رأيين.

    وقوله: ( ولتكن وديعة عندك )، هذا فيه دليل على أن هذه اللقطة إذا جاء طالبها يوماً من الدهر فإنه يجب على الملتقط أن يدفعها إليه.

    واللقطة من حيث الاستنفاق تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: ما لا يحتاج إلى نفقة، ولا يخشى عليه الفساد، مثل: الريالات والذهب والفضة والأثواب والكتب إلى آخره، فهذا يكون وديعة عنده في مدة الحول، إلى أن يأتي صاحبه، فإذا مضى حول ولم يأت صاحبه فله أن يتصرف فيه.

    القسم الثاني: ما يحتاج إلى نفقة، كالحيوان، نقول: الملتقط مخير فيه بين أن يبيعه ويحتفظ بالثمن، وبين أن يأكله بقيمته، وبين أن يجعله عنده وينفق عليه مدة الحول، ويفعل الأصلح لصاحبه، إذا كان الأصلح أن ينفق عليه أنفقه، وإذا كان الأصلح أن يبيع باع، وإذا كان الأصلح أن يأكله أكله.

    القسم الثالث: أن تكون النفقة مما يخشى عليه الفساد، مثل: الأطعمة كالخضروات والفواكه ونحو ذلك، فنقول: هو مخير بين أن يبيعه ويحتفظ بثمنه، وبين أن يأكله بقيمته، وبين أن يحفظه إذا كان هذا أصلح، إذا كان ممكن أن يحفظ بأن يجفف ما يمكن تجفيفه، والآن وسائل التبريد ونحو ذلك، المهم أن يفعل الأصلح.

    وقوله: ( فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه )، يؤخذ من هذا أنه يؤديها إليه دون بينة، ولا شهادة، المهم هنا إذا أتى بشيء من صفاتها التي تدل على صدقه فإنه يدفعها إليه، وظاهر الحديث أنه لا بينة ولا يمين.

    قال: ( وسأله عن ضالة الإبل، فقال: ما لك ولها، دعها فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها )، في هذه الجملة دليل لما تقدم، من أنه يحرم التقاط ما يمتنع من صغار السباع من البهائم.

    وسأله عن الشاة، فقال: ( خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب )، وتكلمنا أيضاً عن الشاة ... إلى آخره، وهل يجب أن تعرف أو لا تعرف؟ وبعض العلماء استدل بهذه الجملة على أنها لا تعرف؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب ).

    والرأي الثاني: أنها تعرف؛ لأنه لا تتبعه همة أوساط الناس، فهي في قيمة الذهب والفضة، وذكرنا أن هذا هو الأحوط.

    1.   

    باب الوصايا

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوصايا].

    الشرح:

    الوصايا في اللغة: جمع وصية، وهي العهد بالأمر المهم.

    وفي الاصطلاح: هي التبرع بالمال والأمر بالتصرف به، فقد تكون الوصية تبرعاً بالمال، كما لو أوصى بثلثه أو ربعه في طرق الخير ونحو ذلك، وقد تكون أمراً بالتصرف، كما لو أوصى بأن يغسله فلان، فهذا ليس فيه تبرع، أو يصلي عليه فلان، أو يدفنه فلان، أو يقوم على ثلثه فلان، ونحو ذلك.

    والوصية من محاسن الدين الإسلامي؛ لأن المسلم بحاجة إلى الثواب بعد الممات، وكونه يوصي بشيء من ماله فهو يحتاط لنفسه، إن مات فيكون قد استدرك، وإن لم يمت فله أن يغير الوصية، كما ورد عن عمر وعائشة وغيرهم من الصحابة؛ لأن الوصية تبرع بالمال بعد الموت، فإذا أوصى مثلاً أن هذه العمارة تكون وقفاً على طلاب العلم، فهو الآن احتاط لنفسه، لو فاجأه الموت يكون قد احتاط لنفسه، وتصدق على نفسه، وإن لم يفاجئه الموت واحتاج إلى هذه الوصية فله أن يغير في وصيته ويبطلها، كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: يغير الرجل في وصيته ما شاء، فله أن يغير في وصيته، ولا يضر ذلك، ولأن الوصية تبرع بالمال بعد الموت.

    والأفضل من الوصية أن يتصدق المسلم في حال حياته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر )، فالأفضل أن يتصدق وهو في حال صحته، وأن يبادر بإخراج التبرع.

    1.   

    شرح حديث: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به )].

    الشرح:

    قوله: ( ما حق امرئ مسلم ) يعني: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن يفعل كذا وكذا، فالحزم والاحتياط للمسلم أن يبادر بالوصية.

    وقوله: ( يبيت ليلتين )، هذا لي على سبيل الحصر، ولا مفهوم للعدد هنا، إنما المقصود المثال فقط، يعني: حتى ولا ليلة واحدة، وليس المعنى أنك تبيت ليلتين أو أنك تبيت ليلة وأنت ما وصيت لا، إنما المراد فقط ضرب المثال، وإلا فالحديث يراد به الاستعجال بالوصية، وأن المسلم عليه أن يبادر.

    وفي هذا الحديث: دليل على أن الوصية قد تجب.

    والوصية تنقسم إلى قسمين: وصية واجبة، ووصية مستحبة، والوصية الواجبة: إذا كان الشخص له حقوق عند الناس، أو عليه حقوق للناس، وهذه الحقوق ليست موثقة، فهذه يجب عليه أن يبادر بالوصية بها.

    القسم الثاني: أن لا تكون له حقوق، أو عليه حقوق ... إلى آخره، فهذا يستحب له أن يتبرع، فإذا وصى بشيء كالتبرع من المال ... إلى آخره، نقول: يستحب له ذلك.

    قال رحمه الله: ( يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده )، وفيه استحباب كتابة الوصية، وأن يشهد عليها، لأنه إذا كتبها كان هذا أبعد عن الخلاف والنزاع فيما إذا كانت هذه الوصية لفظية وليست مكتوبة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [زاد مسلم قال ابن عمر: ما مرت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي].

    في هذا حب الصحابة رضي الله تعالى عنهم للخير، ومبادرتهم إلى فعله، وسرعة استجابتهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.