إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب البيع [19]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الرهن: توثقة دين أو عين بدين أو عين أو منفعة، وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع، والحاجة داعية إليه في كثير من المعاملات التي تجري بين الناس، وهو من الوثائق التي يحصل منها استيفاء الدين عند تعذره، كما يؤمن به من غدر المدين وتلاعبه، ويحصل به الاطمئنان للدائ

    1.   

    باب الرهن

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرهن].

    الشرح:

    يقول المؤلف رحمه الله: [باب الرهن]، الرهن في اللغة: التوثقة، وهو الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن يعني: راكد، ونعمة راهنة يعني: ثابتة.

    وفي الاصطلاح: هو توثقة دين، أو عين بدين، أو عين، أو منفعة، مثال توثقة العين: أن تستعير منه سيارته ويطلب منك رهناً، وتوثقة الدين مثاله: تقترض منه ألفاً ويطلب منك رهناً، أو تشتري منه سيارة بثمن مؤجل ويطلب منك رهناً، فالتوثقة إما أن تكون للديون وإما أن تكون للأعيان، وقلنا: توثقة دين أو عين بدين أو عين أو منفعة، يعني: ما يتوثق به قد يكون عيناً فتعطيه مثلاً أرضاً تكون توثقة، أو تعطيه سيارة أو نحو ذلك، وقد يكون ما يتوثق به ديناً، أيضاً دين تعطيه الوثيقة يتوثق بها، وقد يكون منفعة، كمنفعة هذه الدار، أو منفعة هذا الدكان، حيث تؤجر هذه المنفعة، والأجرة تكون توثقة، وعقد الرهن من عقود التوثقة.

    1.   

    شرح حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى طعاماً ورهن درعه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عائشة رضي الله عنها: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً, ورهنه درعاً من حديد )].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله عنها: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً ورهنه درعاً من حديد ) في هذا الحديث مشروعية الرهن، كما ذكرنا أن عقد الرهن من عقود التوثقة، وقد دل عليه قول الله عز وجل: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283].

    وقوله: (ورهنه درعاً من حديد) هل يشترط للزوم الرهن قبض العين المرهونة أو أن هذا ليس شرطاً؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله:

    الرأي الأول في هذه المسألة وذهب إليه أكثر أهل العلم: أن القبض شرط للزوم الرهن، يعني: أن الرهن يصح بالعقد، لكنه لا يكون لازماً إلا إذا قبض المرتهن العين المرهونة، وإذا لم يقبض المرتهن العين المرهونة فإن الرهن لا يكون لازماً، بمعنى: أن المرتهن يملك أن يتصرف في هذه العين المرهونة بما ينقل الملك، أن يبيع، أن يوقف، أن يهب.. إلى آخره، يملك أن يتصرف فيها، فيقولون: لابد من القبض لكي يكون الرهن لازماً.

    والرأي الثاني: ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى: وهو أنه لا حاجة إلى القبض، وأن الرهن يلزم بمجرد العقد، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، و( أدِ الأمانة لمن ائتمنك )، وعليه عمل الناس اليوم حيث تجد أن الواحد يقترض ويرهن بيته لمن أقرضه، وهو ساكن فيه، ويشتري بثمن مؤجل ويرهن سيارته لمن باع عليه وهو يركبها ويستعملها إلى آخره.

    والصواب في ذلك أن الرهن لازم بمجرد العقد، كما أنه صحيح بمجرد العقد، وأما قول الله عز وجل: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]، وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم أقبض هذا اليهودي درعه، فنقول في هذا زيادة توثقة.

    وفي هذا الحديث أيضاً: مشروعية الرهن ولو مع وجود الكاتب، وهذا فيه خلاف عن بعض السلف رحمهم الله أنه إذا وجد كاتب هل يشرع الرهن أو لا يشرع الرهن؟

    والصواب أن الرهن مشروع حتى ولو مع وجود الكاتب.

    كذلك أيضاً فيه: أن الرهن يشرع في الحضر وليس خاصاً في السفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رهن وهو في المدينة.

    وفي هذا الحديث: معاملة الكفار بالبيع والشراء وأنه جائز ولا بأس به.

    وفيه أيضاً: معاملة من في ماله كسب محرم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم عامل اليهود، والله سبحانه وتعالى ذكر عن اليهود أخذ الربا وأكل السحت وأخذ الرشوة ... إلى آخره.

    وفي هذا أيضاً: ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الزهد والتقلل من الدنيا رغبة فيما عند الله عز وجل، حيث توفي عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند هذا اليهودي.

    وفي هذا أيضاً: تسمية الشعير بالطعام.

    1.   

    باب الحوالة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الحوالة].

    الحوالة في اللغة: مأخوذة من التحول: وهو الانتقال.

    وأما في الاصطلاح: فهي نقل الحق من ذمة إلى ذمة، وعقد الحوالة من عقود المياسرة في قضاء الديون؛ لأن الشارع يتشوف إلى التخفيف من الديون، ولهذا جاء بطرق متعددة لإيفاء الدين، وحذر أيضاً من الدين وبين عظم أمره، فالحوالة طريق من طرق المياسرة في قضاء الدين.

    1.   

    شرح حديث: (مطل الغني ظلم...)

    [وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع )].

    الشرح:

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( مطل الغني ظلم ) والمطل في اللغة: المد، مطلت الحديد إذا مددتها، وأما المراد هنا فهو تأخير توفية المستحق حقه، والمراد بالغني هنا: القادر على الوفاء، وهذا يختلف، وليس المقصود أن يكون ذا مال كثير، إنما المقصود أن يقدر على أن يوفي هذا الدين، فإذا كان يقدر على هذا بأن يوفي الدين الذي عليه فإنه لا يجوز له أن يماطل.

    قال: ( مطل الغني ظلم، وإذا أتبع )، يعني: أحيل.

    ( أحدكم على مليء )، يعني: على غني يقدر على الوفاء.

    ( وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع )، يعني: يحتل أو يتحول.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( مليء )، المليء عند الفقهاء رحمهم الله هو القادر على الوفاء بماله وقوله وبدنه.

    (بماله) يقدر على السداد، أي: عنده ما يسدد به هذا المال الذي حول عليه.

    (بقوله): ليس مماطلاً.

    (ببدنه) يمكن إحضاره إلى مجلس الحكم، إلى المحكمة، وإذا كان لا يمكن أن تحضره إلى القاضي إما شرعاً أو عادةً فهذا ليس مليئاً وإن كان عنده أموال كثيرة.

    شرعاً: مثل الأب، ما يمكنك أن تحضر أباك وأن تطالبه بالدين الذي عليه.

    وعادةً مثل الأمير ونحو ذلك، هذا لا يمكن أن تحضره إلى مجلس القاضي.

    فنقول: المليء الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع )، المليء هو الذي يقدر على الوفاء بقوله وبدنه وماله.

    وفي هذا الحديث: تحريم مطل الغني وأنه محرم ولا يجوز، والمطل يحل العرض والعقوبة، ويجب على الإنسان أن يتخلص من حقوق الناس، وأن يبادر بوفائها؛ لأنه لا يدري ما يعرض له.

    وقوله: ( مطل الغني ظلم )، فيه أن مطل المدين ليس ظلماً من باب المفهوم، بل المدين يقول عنه العلماء رحمهم الله: لا يجوز طلبه ولا مطالبته، ومطل الغني ظلم وبالمفهوم أن مطل المعسر الذي لا يقدر على الوفاء ليس ظلماً، والعلماء رحمهم الله يقولون: المدين المعسر لا يجوز طلبه ولا مطالبته، فلا تقل له: أعطني حقي، وما عنده شيء، ولا مطالبته، يعني: بأن ترفع أمره إلى المحكمة أو القاضي؛ لا يجوز لك مطالبته ولا طلبه.

    وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن المدين ينقسم إلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: المدين المليء، وهو الذي يقدر على الوفاء وهذا يجب عليه أن يوفي.

    القسم الثاني: المدين المعسر، الذي لا يقدر على الوفاء، وهذا لا يجوز طلبه ولا مطالبته، ويستحب إبراؤه، ولا يجوز الحجر عليه أو حبسه ... إلى آخره.

    القسم الثالث: من عنده مال لكنه لا يقدر على أن يوفي كل الدين، عنده مال، لكن ليس كالقسم الأول الغني الذي يستطيع أن يوفي كل الدين، هذا يجب عليه أن يوفي، ولا يحجر عليه، بل يجب ويحرم عليه أن يماطل، والمعسر لا يجوز طلبه ولا مطالبته ولا يحجر عليه ويسن إبراؤه كما تقدم.

    والقسم الرابع: المدين بين الطرفين، عنده مال لكنه لا يساوي كل الدين، فهذا يحجر عليه بطلب الغرماء كلهم أو بعضهم.