إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب البيع [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نهى الشارع عن المبيعات المجهولة التي تفضي إلى المنازعات ويكثر ضررها، ومن ذلك النهي عن بيع حبل الحبلة؛ لما فيه من الجهالة والغرر المفضي إلى أكل أموال الناس بالباطل ووقوع العداوة والبغضاء، كما نهى الشارع عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها؛ لأنها معرضة للآفات والت

    1.   

    شرح حديث النهي عن بيع حبل الحبلة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نهى عن بيع حبل الحبلة، وكان يتبايعه أهل الجاهلية، وكان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها، قيل: إنه كان يبيع الشارف -وهي الكبيرة المسنة- بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته ).

    وعنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري ).

    وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل: وما تزهي؟ قال: حتى تحمر. قال: أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ )].

    الشرح:

    تقدم لنا جملة من البيوع المنهي عنها، فمن ذلك ما يتعلق بتلقي الركبان، والنجش، وأن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يشتري على شرائه، وأن يسوم على سومه، وأن يبيع حاضر لباد.

    وذكرنا ما يتعلق بالحديثين السابقين من مسائل، وبقي لنا مسألة واحدة وهي نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان، وأن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا إلى آخره، هل هذا النهي يقتضي الفساد أو لا يقتضي الفساد؟ للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: أن النهي يقتضي الفساد، قالوا: النهي هنا يعود إلى ذات المنهي عنه، فهو يقتضي الفساد.

    الرأي الثاني: أن النهي لا يقتضي الفساد، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت له الخيار، قال: ( فإذا جاء سيده السوق فهو بالخيار )، وأثبت الخيار في المصرات، وأثبت الخيار في تلقي الركبان إلى آخره، فإثبات الخيار هذا يدل على الصحة وأن العقد صحيح لكن يبقى الخيار، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة.

    والنهي لا يعود إلى ذات المنهي عنه، ولا إلى شرطه، وإنما يعود إلى أمر خارج وهو ما يتعلق بالظلم والغرر ونحو ذلك، وهذا لا يختص في البيع، فهو لا يعود إلى ذات المنهي عنه، ولا إلى شرطه المختص في المعاملة، فيبقى ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله هو الأقرب.

    الخلاف في بيع حبل الحبلة

    قال المؤلف رحمه الله: [عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل الحبلة، وكان بيعاً يبتاعه أهل الجاهلية، وكان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها، قيل: إنه كان يبيع الشارف -وهي الكبيرة المسنة- بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته )].

    أيضاً من البيوع المنهي عنها، وهو بيع حبل الحبلة، وحبل الحبلة اختلف في تفسيره على رأيين:

    الرأي الأول: أن المراد بذلك جهالة الأجل، بمعنى: أن يبيعه السلعة إلى أن تلد الناقة، ثم تلد التي في بطنها، وهذا أجل مجهول، وهذا التفسير ذهب إليه الإمام مالك والشافعي رحمهما الله تعالى.

    الرأي الثاني: أن المراد بذلك هو الجهالة والغرر، وكذلك أيضاً بيع المعدوم، وهذا ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وذلك بأن يبيعه نتاج الحمل الذي في بطن الناقة المسنة، وهذا مجهول لا يدري هل هو واحد أو متعدد؟ هل هو حي أو ميت؟ هل هو ذكر أو أنثى؟ وأيضاً معدوم ومجهول، فينبني عليه الغرر لما فيه من الجهالة، وكذلك أيضاً هو معدوم.

    قال: ( نهى عن بيع حبل الحبلة، وكان بيعاً يبتاعه أهل الجاهلية )، والمراد بأهل الجاهلية ما كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وسموا بذلك لأنهم على جهل كبير، وهذه البيوع التي توجد عندهم هي من جهلهم؛ لما يترتب عليها من الغرر والمخاطرة ونحو ذلك.

    ( وكان الرجل يبتاع الجزور )، الجزور: هو البعير ذكراً كان أو أنثى.

    ( إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها )، هذا فيه تفسيران: التفسير الأول: أن المراد بذلك جهالة الأجل، والتفسير الثاني: أن المراد بذلك أن المبيع معدوم مجهول.

    النهي عن الغرر

    وهذا الحديث اشتمل على قاعدة في المعاملات، وهي: النهي عن الغرر، فالمعاملة إذا كان يترتب عليها غرر فنقول: ينهى عنها، ومن صور الغرر هنا: أن يكون الثمن مجهولاً، أو أن تكون السلعة مجهولة.

    وسبق أن أشرنا أن الحنفية يقولون: إذا باع شيئاً لم يره ولم يوصف له صح وكان له خيار الرؤية، وأيضاً يقولون: لو باع شيئاً ولم يذكر الثمن صح ذلك ويكون بثمن المثل، ودليل ذلك: أن الله سبحانه وتعالى قال: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة:236]، فيصح أن يتزوج الرجل المرأة دون أن يذكر المهر، مع أن هذا شرط فاسد فلو قال: أتزوج لكن بشرط أن لا يكون مهر، فهذا شرط فاسد مفسد كما قال شيخ الإسلام ، لكنه هنا لم يذكر المهر، وليس المعنى أنه يشرط، ولو شرط لكان فاسداً مفسداً، لكن المعنى أن المهر لم يذكر، وهذا يسمى عند العلماء بالمفوضة، ويقسمون التفويض إلى تفويض بضع، وتفويض مهر، يعني: يعقد لهذا الرجل دون أن يذكر المهر، ويصح العقد، ويكون لها مهر المثل.

    كذلك أيضاً: لو باع السلعة دون أن يذكر الثمن صح، ويكون بثمن المثل، والفرق بين هذا وبين أن يكون الثمن مجهولاً، أن يقال: بعتك بما في جيبي، فهذا ثمن مجهول، ولكن لو قال: بعتك ثم بعد ذلك تراضيا، صح ذلك ويكون بثمن المثل، هذا ذكره الحنفية.

    ومن فوائد هذا الحديث بناءً على التفسير الأول: أنه لابد أن يكون الأجل معلوماً في البيع، وأيضاً لا يصح بيع المعدوم إلا ما استثني، ونفهم أن الشارع كما ذكر ابن القيم رحمه الله ما حرم بيع المعدوم، لكن حرم بيع المعدوم الذي يترتب عليه غرر، وإلا فإن الشارع جاء بباب كبير وهو باب السلم، والسلم السلع فيه لا تكون موجودة بل تكون معدومة، فالشارع لم يحرم بيع المعدوم، وإنما حرم بيع المعدوم الذي يترتب عليه غرر، وفيه أيضاً ما عليه أهل الجاهلية من المعاملات المحرمة إلى آخره.

    1.   

    شرح حديث النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها

    ثم قال المؤلف رحمه الله: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري ).

    وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهى، قيل: وما تزهى؟ قال: حتى تحمر أو تصفر. قال: أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ ).

    أقسام الثمار

    أيضاً هذه من البيوع المنهي عنها: ( بيع الثمار حتى يبدو صلاحها )، لا يجوز بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وبم يكون صلاح الثمرة؟ نقول: الثمار تنقسم إلى قسمين:

    أن تكون ثمار نخيل، فعلامة الصلاح في ثمار النخيل أن تحمر أو تصفر ولو بسرة واحدة، فلو كان عندك ألف نخلة تريد أن تبيع ثمرتها، والتمر الذي لا يزال أخضر، فلا يجوز لك أن تبيعه، لكن لو احمرت بسرة واحدة جاز أن تبيع النخلة.

    وهذا ينبني على قاعدة أن التابع تابع، وأنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، فنقول: بدو الصلاح في النخيل أن تحمر أو تصفر.

    وبدو الصلاح في الثمار غير النخيل أن تطيب وأن تتهيأ للأكل.

    فعندنا بيع الثمرة قبل بدو صلاحها محرم لا يجوز، لكن بدو الصلاح إن كان في ثمر النخيل أن تحمر أو تصفر، وأما في غيرها أن تنضج وتطيب، وأن تتهيأ للأكل.

    الحكمة من النهي عن بيع الثمار

    والحكمة من النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها أنها قبل بدو الصلاح لا يؤمن عليها من الفساد والتلف، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه؟)، وفي هذا دليل على أن صلاح ثمار النخيل أن تحمر أو تصفر.

    وفي هذا أيضاً دليل على أنه يحرم على المسلم أن يأكل مال أخيه، وإذا بيعت الثمار بعد بدو صلاحها ثم بعد ذلك حصل لها عاهة أو أصابتها جائحة من الجوائح فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه؟)، فنقول: إذا حصلت جائحة للثمار بعد أن بيعت بعد بدو صلاحها، فإن المشتري يرجع على البائع بالثمن، اللهم إلا إذا كانت هذه الجائحة شيئاً يسيراً، فإن هذا لا يضر، لأن هذا مما جرى به العادة، لكن لو حصل التلف بسبب المطر، أو بسبب جراد، أو بسبب غبار، أو بغير ذلك من الجوائح التي تصيب الثمار، فمقدار هذا التلف يرجع به المشتري على البائع، ولا يجوز له أن يأخذه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ ).

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( حتى تزهى )، أي: حتى تحمر أو تصفر.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ )، فيه دليل لوضع الجوائح كما سلف، يعني إذا أصابت الثمار جائحة فإن المشتري يرجع على البائع بالثمن، يأخذ منه ثمن الثمرة، اللهم إلا إذا كان ذلك شيئاً يسيراً.

    وفيه: أنه لا فرق في الجائحة بين أن تكون الثلث أو أقل من الثلث خلافاً للمالكية، فإنهم يقيدون وضع الجوائح بالثلث.

    والصواب أنه سواء كان ثلثاً أو أقل فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح، لكن يستثنى من ذلك كما سلف ما إذا كان الفساد شيئاً يسيراً فإنه لا ينظر إليه.