إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب البيع [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خيار المجلس ثابت لأحد المتبايعين وهو قول جماهير العلماء خلافاً لمالك وأبي حنيفة، ولا يجوز التحيل لإسقاط خيار المجلس، كما لا يجوز بيع الغرر بجميع صوره سواء كان عن طريق المنابذة أو الملامسة أو الحصاة، لأن أحد العاقدين بين الغنم والغرم، وهذا ميسر منهي عنه.

    1.   

    شرح حديث: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا..)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو قال: حتى يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما )].

    الشرح:

    قال المؤلف رحمه الله: (كتاب البيع) سبق أن عرفنا البيع في اللغة والاصطلاح، وقلنا بأن البيع في اللغة مطلق المبادلة، وأما في الاصطلاح: فهو مبادلة مال بمال بقصد التملك بكل ما يدل عليه، وسمي البيع بيعاً لأن كل واحد من المتبايعين يمد باعه، فالبائع يمد باعه لإعطاء السلعة وأخذ الثمن، والمشتري يمد باعه لإعطاء الثمن وأخذ السلعة.

    وذكرنا فيما سلف أن الأصل في البيوع وفي الشروط في البيوع الصحة والحل، وهذا ما عليه الأئمة رحمهم الله تعالى خلافاً للظاهرية، وذكرنا دليل ذلك.

    ثم بعد ذلك ذكر المؤلف رحمه الله حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار )، وذكرنا أن هذا الحديث فيه إثبات لخيار المجلس، وهو المشهور من مذهب الشافعي والإمام أحمد رحمهما الله تعالى، خلافاً لما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك من عدم إثبات خيار المجلس.

    وذكرنا بأن هذا الحديث وكذلك حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه يدلان على إثبات خيار المجلس، وهو الوارد عن الصحابة، وهو الذي فهمه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأن المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما لم يتفرقا )، ليس المراد التفرق بالأقوال كما يقول الحنفية والمالكية، وإنما المراد التفرق بالأبدان كما فهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    وذكرنا أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا أراد أن يلزم بالبيع مشى خطوات، كذلك أيضاً هذا الفهم هو الوارد عن أبي برزة رضي الله تعالى عنه.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا تبايع الرجلان )، يؤخذ منه أن خيار المجلس يثبت في البيع وما في معنى البيع، والضابط في ذلك أن نقول: إن خيار المجلس يثبت في البيع وما في معنى البيع: ( إذا تبايع الرجلان )، فكل ما فيه مبادلة مال بمال فهو كبيع، فيثبت في البيع، ويثبت في الإجارة؛ لأن الإجارة بيع للمنافع، ويثبت في الصرف؛ لأن الصرف بيع نقد بنقد، ويثبت في السلم، وكذلك أيضاً قلنا: الصحيح أنه يثبت في المساقاة والمزارعة؛ لأن عقدي المساقاة والمزارعة من العقود اللازمة ... إلى آخره، وما في معنى البيع كالصلح الذي يكون في معنى البيع والإقرار الذي يكون في معنى البيع، فهذه يثبت فيها خيار المجلس، وما عدا ذلك فإنه لا يثبت فيه خيار المجلس.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما لم يتفرقا )، هذا فيه الضابط للزوم البيع، فإن خيار المجلس ينتفي إذا تفرق المتبايعان بأبدانهما، ومرجع ذلك إلى العرف؛ لأن ما ورد مطلقاً على لسان الشارع ولم يحده فإنه يرجع في تحديده إلى العرف، فما دل العرف على أنه تفرق بالأبدان فإنه يكون تفرقاً يلزم به البيع، وما لم يدل العرف على أنه تفرق فإنه لا يكون تفرقاً إلى آخره.

    إسقاط خيار المجلس

    ( أو يخير أحدهما الآخر )، يعني يقول له: اختر إمضاء البيع، ( فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع )، يعني: إذا اختار أحدهما إمضاء البيع وإسقاط خيار المجلس فإنه يسقط؛ لأن الحق للمتبايعين، إن اختارا إسقاط خيار المجلس فإنه يسقط، وإن اختارا أن يسقط خيار المجلس عن أحدهما دون الآخر فإنه يسقط عن أحدهما دون الآخر، وإن اختارا بقاء خيار المجلس فإنه باق، المهم أن خيار المجلس حق لهما، وهذا ليس من حقوق الله عز وجل بل هو من حقوق الآدميين التي جعلت للعاقد لمصلحته؛ لأن الإنسان قبل أن يعقد هو متشوف لهذه السلعة، فالمشتري متشوف للسلعة، والبائع قد يكون متشوفاً للثمن والبيع ونحو ذلك، فإذا تم العقد قد يحصل له شيء من الندم، فشرع له خيار المجلس.

    التحيل لإسقاط خيار المجلس

    ويحرم التحيل لإسقاط خيار المجلس، لأن الحيل لا تسقط الواجبات ولا تبيح المحرمات، والتحيل لإسقاط الحقوق أو الواجبات أو فعل المحرمات هذا من سنن اليهود، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ).

    وفي السنن عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله ).

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حكيم بن حزام: ( فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما )، ويؤخذ من هذا أن الصدق في المعاملة وبيان ما في السلعة سبب للبركة في الدنيا والآخرة، كما أن الغش والكذب سبب لمحق البركة وزوالها: ( وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما )، يعني: إذا كتما العيب محقت، يعني: ذهبت وزالت زيادة كسبهما وربحهما.

    1.   

    شرح حديث نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المنابذة والملامسة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المنابذة، وهي: طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة، وهي: لمس الرجل الثوب ولا ينظر إليه )].

    الشرح:

    هذا الحديث فيه بيان شرط من شروط صحة البيع، وهو العلم بالسلعة، العلم بالمعوض، فالعلم بالمبيع شرط من شروط صحة البيع، وقد دل له هذا الحديث، وكذلك أيضاً دل له قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90]، والميسر في المعاملة أن يدخل فيها وهو إنما غانم أو غارم، إذا كانت السلعة مجهولة فإن العاقد يدخل في هذه المعاملة وهو إما غانم أو غارم، فمثلاً: إذا اشترى سيارة مجهولة بعشرة آلاف ريال، ربما أنها تساوي هذه العشرة، وربما تساوي أكثر، وربما تساوي أقل، فإن كانت تساوي أقل، بأن كانت ثمنها خمسة آلاف كان المشتري غارماً، وإن كان ثمنها أكثر كان غانماً، وهذا ضرب من الميسر، فلابد من معرفة السلعة المعقود عليها.

    ومن ذلك أيضاً: ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن هذين البيعين: بيع المنابذة، وبيع الملامسة، وهما بيعان من بيوع الجاهلية، كان أهل الجاهلية يتبايعان فيهما، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذين البيعين، والعلة في ذلك هي الجهالة، والعلماء رحمهم الله الذين شرحوا هذا الحديث ذكروا صوراً، والمهم الجامع لذلك هو الجهالة، فأن يطرح ثوباً أو يقول: أي ثوب طرحت إليك فهو عليك بكذا وكذا إلى آخره، والملامسة يقول: أي ثوب لمسته فهو عليك بكذا وكذا إلى آخره.

    ويستثنى من ذلك ما إذا كانت السلع متساوية، فإن الغرر منتف، إذا كانت الأثواب واحدة، فقال: أي ثوب طرحته إليك فهو عليك بكذا وكذا، أو أي ثوب لمسته فهو عليك بكذا وكذا إلى آخره، فإذا كانت السلع متساوية فإن هذا لا يضر؛ لأن الغرر هنا منتف.

    وفي هذا أيضاً أن هذين البيعين غير صحيحين؛ لأن النهي يقتضي الفساد.

    1.   

    النهي عن بيع الحصاة

    وفي هذا أيضاً النهي عن بيع الحصاة أيضاً، كأن يقول: أي ثوب وقعت عليه الحصاة فهو عليك بكذا وكذا إلى آخره، وهذا أيضاً من بيوع الجاهلية التي نهى الشارع عنها، ولما يترتب على ذلك من الغرر، ولما يترتب على ذلك من إيقاع الوحشة والبغضاء والتقاطع بين الناس إلى آخره.

    فالخلاصة في ذلك أن العوض في عقد البيع لابد أن يكون معلوماً، ودليله ما ذكره المؤلف رحمه الله وما ذكرناه من القرآن، وأيضاً حديث أبي هريرة في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر )، وقد ذكر ابن عبد البر رحمه الله تعالى أن الأصل في هذا الباب النهي عن القمار والمخاطرة، وأن ذلك من الميسر، وقد ذكرنا أن كون الإنسان يدخل في المعاملة إما غانم وإما غارم ذكرنا أنه ضرب من الميسر.

    1.   

    اشتراط العلم بالمبيع

    واشتراط العلم بالمبيع هذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله، أبو حنيفة رحمه الله قال: يجوز للإنسان أن يشتري شيئاً لم يره ولم يوصف له ويثبت له خيار الرؤية، يعني: إذا رآه ثبت له خيار الرؤية.

    كما أن العلم بالمبيع هذا راجع إلى العرف، وهذا يختلف باختلاف السلع، ويختلف أيضاً باختلاف الزمان والمكان إلى آخره، فمثلاً في وقتنا بسبب تقدم وسائل الاتصال، فالعلم بالمبيع أصبح أكثر مما سلف، والعلماء رحمهم الله يقولون: طريق العلم إما الرؤية أو الوصف، والصحيح أنه لا ينحصر بالرؤية أو بالوصف، بل بكل ما دل العرف على أنه طريق للعلم بالسلعة وانتفاء الجهالة والغرر.