إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ خالد بن علي المشيقح
  3. شرح تحفة أهل الطلب في تجريد قواعد ابن رجب [14]

شرح تحفة أهل الطلب في تجريد قواعد ابن رجب [14]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأصل في الأوامر والنواهي المتعلقة بالغير أنها تدل على العموم إلا ما دل الدليل على إخراجه. ويجوز الأكل من أموال الناس بغير إذن في ثمان صور ذكرها العلماء. واشتراط النفقة والكسوة والعقود يصح سواء كانت عقود معاوضة أو غير معاوضة، وأما اشتراط نفع أحد المتعاقدي

    1.   

    القاعدة السبعون: الأوامر والنواهي العامة هل يدخل فيها الفاعل الخاص؟

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة السبعون: الفعل المتعدي إلى مفعول أو المتعلق بظرفٍ أو مجرورٍ إذا كان مفعوله أو متعلقه عاماً، فهل يدخل الفاعل الخاص في عمومه].

    معنى هذه القاعدة: أنه إذا أمر الشارع بأمر عام، أو نهى نهياً عاماً، فهل يدخل الفاعل الخاص في ذلك الأمر أو النهي أو لا؟

    قال: فيه خلاف، (فهل يدخل الخاص في عمومه، أو يكون ذكر الفاعل قرينةً مخرجة له من العموم، أو يختلف ذلك بحسب اختلاف القرائن؟).

    يعني: الأوامر المتعدية للغير, والنواهي المتعلقة بالغير، الفاعل الخاص هل يكون داخلاً أو نقول بأن ذكره مخرجٌ له من هذا العموم من هذه الناحية؟ هذا معنى هذه القاعدة.

    وذكر المؤلف رحمه الله قولين، وقال: إن الأقرب في ذلك من هذه المسائل -التي سردها المؤلف رحمه الله- أن هذه تختلف باختلاف الأدلة والقرائن.

    وذكر المؤلف رحمه الله أمثلة على ذلك، من ذلك: نهي الشارع عن الكلام أثناء الخطبة، فالخطيب هو الفاعل الخاص, هل يكون داخلاً في النهي، أو نقول بأنه ليس داخلاً في النهي؟

    ومثل أيضاً: إجابة المؤذن؛ لما أمر الشارع بإجابة المؤذن، هل يدخل في ذلك المؤذن ونقول بأن المؤذن يجيب نفسه، أو نقول بأن المؤذن لا يجيب نفسه؟

    ومثل ذلك أيضاً: قال: [وهل يكون الرجل مصرفاً لكفارة نفسه أو زكاته إذا أخذها الساعي؟]، قد يكون فقيراً ويدفع الزكاة، لكن عنده نصاب، عنده مائة درهم وأخرج زكاة هذه الدراهم، فهل يجوز أن يدفعها الساعي إليه، أو نقول بأنه لا يجوز؟ هل يكون داخلاً في العموم أو نقول بأنه خارج منه؟

    ومثل ذلك أيضاً: لو حنث في يمين من الأيمان فإنه يطعم عشرة مساكين, فهل يجوز للجمعية إذا أخذت منه الكفارة أن تدفعها للفقير، أو نقول بأنه خارج من العموم؟

    ومثله أيضاً: [وهل يكون الواقف مصرفاً لوقفه؟] لو قال: هذا وقف على طلبة العلم, وهو من طلبة العلم، هل يأخذ منه أو لا يأخذ؟ أو قال: هذا وقف على الفقراء وهو فقير أو افتقر, هل يأخذ, أو نقول بأنه لا يأخذ؟

    ومثله أيضاً: [الوكيل في البيع والشراء، هل له البيع والشراء من نفسه؟] إذا وكل أن يبيع هذه السيارة هل له أن يشتريها لنفسه، أو أن يبيع هذه السيارة، أو نقول بأنه خارج من الأمر والنهي؟

    هذا هو مراد المؤلف رحمه الله الذي أراد أن يبينه، وإذا نظرت إلى أصول الشريعة تجد أن الأصل العموم -وأن القول الفصل في ذلك: العموم- وأن دخول شرع المكلفين يكون تحت الأوامر وتحت النواهي.

    فإذا قلنا بأن هذا القول الفصل هو العموم دخل عندنا كثير من المسائل، إلا ما دل الدليل على إخراجه، فنقول: الأصل هو الدخول، لكن إذا وجد دليل يخرج؟ فنقول: نصير إلى الدليل، وإلا نقول: الأصل في ذلك العموم.

    فمثلاً: الكلام والإمام يخطب، الأصل العموم وهو النهي، لكن وجد الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم في أثناء الخطبة.

    الأمر بإجابة المؤذن الأصل العموم، لكن نقول: وجد الدليل على أن المؤذن لا يجيب نفسه؛ لأن الأذان كاف عن إعادته مرة أخرى، كونه يتلفظ بهذه الأذكار هذه كافية عن إعادتها مرةً أخرى.

    هل يكون الرجل مصرفاً لكفارة نفسه، أو زكاته إذا أخذها الساعي؟ يعني إذا دفعها الساعي مرةً أخرى، نقول: الأصل في ذلك العموم، والوكيل في البيع والشراء هل يبيع ويشتري من نفسه؟ نقول: الأصل في ذلك العموم إلا إذا انتفت التهمة.

    ولهذا الإمام مالك رحمه الله تعالى يجوز أن الوكيل يشتري ويبيع من نفسه إذا عرضت في السوق واشترى بثمن السوق بحيث أن التهمة انتفت، فيقول بأن الأصل في ذلك العموم.

    أيضاً: [شراء الوصي لليتيم من ماله], لو أن الوصي احتاج مثلاً إلى طعام، إلى شراب، إلى لباس, هل يشتري من ماله أو لا يشتري؟ نقول: الأصل في ذلك العموم، لكن لا بد من انتفاء التهمة.

    قال: [والوكيل في نكاح امرأة لا يتزوجها] لكن الأصل الحل، وأن له أن يتزوج هذه المرأة؛ لأنه إذا وكل في نكاح هذه المرأة؟ فله أن يتزوجها.

    قال: [وإذا عمل أحد الشريكين في مال الشركة عملاً يملك الاستئجار عليه ودفع الأجرة، فهل له أن يأخذ الأجرة أم لا؟] يعني: إذا ملك الشريك أن يستأجر شخصاً لكي يعمل عملاً للشركة, فهل له أن يعمل هذا العمل ويأخذ الأجرة؟ نقول: الأصل في ذلك العموم إلا إذا دلت القرائن على أنه ليس له ذلك.

    قال: [والموصى إليه بإخراج مالٍ لمن يحج أو يغزو ليس له أن يأخذه ويحج به ويغزو]، لو أنه أوصي إلى شخصٍ أن يدفع مالاً لمن يحج عن هذا الميت، أو أن يدفعه لمن يجاهد, فهل له أن يأخذ هذا المال ويحج أو يغزو أو نقول: ليس له ذلك؟ نقول: الأصل في ذلك العموم إلا إذا وجد ما يدل على الإخراج من هذا العموم.

    قال: [والمأذون له يتصدق بمالٍ إذا كان من أهل الصدقة، وإذا وكل غريمه أن يبرئ غرماءه، والأموال التي تجب فيها الصدقة شرعاً للجهل بأربابها، المهم أن مثل هذه الأشياء الأصل فيها العموم إلا إذا وجد الدليل الدال على إخراج هذا الفاعل الخاص.

    ومن هذا: وصى لعبده بثلث ماله فدخلت الوصية ثلث العبد نفسه، فيعتق عليه -نص عليه- ويكمل عتقه بالباقي الوصي, ولو وصى لعبده بمشاع كالثلث أو الربع دخل في ذلك الرقيق, وعتق ربعه، ثم بعد ذلك سرى العتق إلى باقيه فيكمل من الوصية. مثلاً: وصى له بالثلث، الثلث يساوي عشرة آلاف, ومن ضمنها ثلث العبد، فيعتق ثلث العبد بألف، ويبقى له تسعة آلاف يسري العتق إلى بقية العبد, ونخصم قيمة الثلثين -وهي ألفان- فيعتق الرقيق ويبقى له سبعة آلاف.

    فهنا الرقيق دخل في الوصية، ووصى له بثلثه فدخل الرقيق في ثلث الوصية، فيملك من نفسه ثلثها فيعتق منه الثلث ثم يكمل الثلثان الباقيان من بقية الثلث الموصى به.

    1.   

    القاعدة الحادية والسبعون: الأموال التي يجوز الأكل منها بغير إذن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة الحادية والسبعون: فيما يجوز له الأكل منه من أموال الناس بغير إذن مستحقها, وهي نوعان: مملوكٌ تعلق به حق الغير، ومملوكٌ للغير].

    هذه القاعدة في الأكل من أموال الناس دون إذن، يعني: متى يجوز للشخص أن يأكل من مال الغير؟ ومتى لا يجوز له أن يأكل من مال الغير؟ وقسمها المؤلف رحمه الله إلى نوعين:

    الأول: مملوكٌ تعلق به حق الغير، مثل: الزكاة، يعني الزروع والثمار مملوكة لك، وتعلق بها حق الغير وهم الفقراء.

    والثاني: مملوك للغير، مثل: مال اليتيم، فمال اليتيم مملوك لليتيم: وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:6].

    فمتى يجوز للشخص أن يأكل من هذه الأموال، ومتى لا يجوز له أن يأكل من هذه الأموال؟ نقول: هذا ينقسم إلى عدة أقسام:

    القسم الأول: مال الزكاة

    القسم الأول: قال: [مال الزكاة، فيجوز الأكل مما تتوق إليه النفوس، ويشق الانكفاف عنه من الثمار بقدر ما يحتاج إليه من ذلك، ويطعم الأهل والضيفان ولا يحتسب زكاته، ولذلك يجب على الخارص أن يدع الثلث أو الربع بحسب ما يقتضيه الحال من كثرة الحاجة وقلتها كما دلت عليه السنة].

    قال: (مال الزكاة) -يعني الزروع والثمار- فالثمار: كالتمر، والزيتون، والتين والفستق، والبندق... إلى آخره, هذه أموال زكوية.

    والزروع، مثل: البر، والشعير، والدخن، والعدس ... إلى آخره, هذه أموال زكوية.

    فالمؤلف رحمه الله يقول: يجوز لك أن تأكل من هذه الزروع والثمار ما تتوق إليه نفسك ويشق الانكفاف عنه من الثمار بقدر ما تحتاج إليه، وتطعم الأهل والضيفان من الثمار، وإن كنت ما أخرجت الزكاة. وإن كنت تريد أن تأخذ شيئاً من الثمار فلا شك أنه إذا نقصت هذه الثمار ستنقص الزكاة، لكن هذا يكون مرخصاً لك، فتأكل ما تشتاق إليه ويشق عليك أن تنكف عنه ما تطعم أهلك وضيفانك وهذا جائز.

    قال: (ولذلك يجب على الخارص أن يدع الثلث أو الربع حسب ما يقتضيه الحال).

    بدليل حديث سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أخرجتم فدعوا الثلث أو الربع).

    وقوله: (الثلث أو الربع) هل هو على سبيل التخيير, وأن هذا راجع إلى الخارص إن شاء ترك الربع، وإن شاء ترك الثلث؟

    قال المؤلف رحمه الله: (بحسب ما يقتضيه الحال)، فإذا كان هذا الشخص عنده أولاد كثيرون، وعنده ضيفان وأصاب أمواله شيء من الآفات والجوائح فإنه يدع الثلث، وإذا كان على خلاف ذلك فإن الخارص يدع الربع يتركه لصاحب زكاة المال، فيدع الثلث أو الربع بحسب الحال.

    قال: [فإن استبقيت ولم تؤكل رطبة رجع عليهم بزكاتها] يعني: أنهم إذا ما أكلوا هذا الرطب وتركوه, فإنه يجب عليهم أن يخرجوا الزكاة.

    قال: [وأما الزروع: فيجوز الأكل منها بقدر ما جرت العادة بأكله فريكاً ونحوه، نص عليه أحمد، وليس له إلا هذا منها، وخرَّج القاضي في الأكل منها وجهين من الأكل من الزروع التي ليس لها حافظ].

    بالنسبة للثمار هو قال: يجوز أن تأكل من الثمار بقدر ما تحتاج إليه، ويشق عنك الانكفاف عنه، وتطعم أهلك، وتطعم ضيفانك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للخارص أن يدع الثلث أو الربع، فهذا بالنسبة للثمار.

    لكن بالنسبة للزروع -الحبوب- ما هو القدر الذي يجوز لك أن تأكل منه؟

    قال هذا فيه قولان:

    القول الأول: أنك تأكل بقدر ما جرت العادة بأكله فريكاً.

    والفريك هو: أن يؤخذ السنبل ثم بعد ذلك يفرك, ثم يؤكل هذا الحب، يعني: جرت العادة أنه إذا اشتد الحب أنهم يأكلونه فريكاً، فالعادة أنه يفرك هذا السنبل ويؤخذ الحب ويؤكل، فيقول: هذا الذي يرخص فيه؛ لجريان العادة بذلك.

    والقول الثاني: قال: (وخرج القاضي في الأكل منها وجهين من الأكل من الزروع التي ليس لها حافظ) يعني: الزروع التي ليس لها حافظ فيها وجهان:

    الوجه الأول: أنك لا تأكل إلا بقدر الحاجة.

    والوجه الثاني: أنك تأكل حتى وإن لم تكن هناك حاجة.

    فالزروع فيها رأيان:

    الرأي الأول: ما جرت العادة بأكله فريكاً، يعني يبادر الأكل منها فإن هذا جائز ولا بأس به قدر العادة.

    والرأي الثاني: أنك لا تأكل من الزروع إلا عند الحاجة فقط، وما عدا ذلك فإنه ليس لك أن تأكل.

    القسم الثاني: ما له مالك غير معين

    القسم الثاني: قال: [فأما ما له مالك غير معين كالهدي والأضاحي، فيجوز لمن هي في يده -وهو المهدي والمضحي- أن يأكل منها ويدَّخر ويهدي، وهل يجوز أكل أكثر من الثلث أم لا؟ على وجهين: أشهرهما الجواز].

    هذا القسم الثاني، وهو: ما قدر ما يجوز أكله من الهدي والأضاحي؟

    المشهور من مذهب أحمد أنك تأكل ثلثاً وتهدي ثلثاً، وتتصدق بثلث، وهذا على سبيل الاستحباب، وعلى سبيل الجواز لك أن تأكل الأضحية كلها، لكن تتصدق بقدر أوقية، والأوقية تساوي: أربعين درهماً، وإذا حولت أربعين درهماً من الفضة إلى مثاقيل، فكل عشرة دراهم تساوي سبعة مثاقيل، فالمجموع يساوي ثمانية وعشرين مثقالاً؛ لأن كل عشرة دراهم تساوي سبعة مثاقيل، والمثقال الواحد وزنه بالغرامات أربع وربع، فإذا ضربت ثمانية وعشرين بأربع وربع يصير عندك حوالي مائة وثلاثين غراماً، يعني تتصدق بمائة وثلاثين غراماً من اللحم إذا أكلتها كلها ويكون ذلك مجزئاً، فتتصدق بقدر أوقية، وهي مائة وثلاثون غراماً من اللحم تقريباً، أي ثمانية وعشرين مثقالاً ضرب أربع وربع، والناتج هو الذي يجب عليك أن تخرجه، قال بعض العلماء: تخرج ما يقع عليه اسم اللحم.

    إذاً الأكل من الهدي والأضاحي ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: المستحب أن تأكل ثلثاً، وتهدي ثلثاً, وتتصدق بثلث.

    والقسم الثاني: الجواز، فلك أن تأكلها كلها، لكن إذا أكلتها كلها المشهور من المذهب أنك تخرج قدر أوقية وهي ما يساوي أربعين درهماً، وهو ما يساوي ثمانية وعشرين مثقالاً، أو قال بعض العلماء: ما يقع عليه اسم اللحم.

    القسم الثالث: أن يكون له عليه ولاية

    القسم الثالث: قال: [أن يكون له عليه ولاية، فإن كانت الولاية لحظ نفسه كالرهن، فإنه يجوز له الأخذ مما بيده إذا كان درّاً، والانتفاع بظهره إذا كان مركوباً لكن بشرط أن يعاوض عنه بالنفقة].

    وهذا القسم دليله قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً).

    فالمرتهن -إذا كانت العين المرهونة حيواناً- له أن ينفق عليها وأن يشرب اللبن، فقد رخص الشارع للمرتهن إذا أخذ الحيوان وثيقة مقابل الحق أن ينتفع بلبنه مقابل النفقة عليه، وحينئذٍ يكون قدر الانتفاع بقدر النفقة، فإذا كان الحيوان مثلاً بقرة تحتاج يومياً بعشرين درهماً، فأنت اشرب من لبنها بقدر عشرين, فإن شربت أزيد من ذلك تحسبه لمالكها الراهن، وإن احتاجت نفقة أكثر من ذلك تحسبه على المالك، فالغنم بالغرم.

    هذا القسم الثالث: وهو الانتفاع بالعين المرهونة إذا كانت حيواناً من حيث اللبن، فيجوز لك حتى وإن لم يأذن الراهن؛ لأن الشارع أذن لك ويكون ذلك بقدر النفقة.

    القسم الرابع: ولي اليتيم

    القسم الرابع: ولي اليتيم، يأكل من مال اليتيم، ودليله قول الله عز وجل: وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:6] فليأكل بالمعروف.

    قال المؤلف: (يأكل مع الحاجة بقدر عمله) يعني إذا كان فقيراً، أما إن كان غنياً فإنه لا يجوز له أن يأكل؛ لقول الله عز وجل: وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ [النساء:6].

    وقوله: (بقدر عمله) هذا موضع خلاف بين أهل العلم: هل ولي اليتيم يأكل بقدر العمل أو يأكل بقدر كفايته؟ يعني: هل يأكل بقدر أجرته؟ ولنفرض أن أجرته في الشهر ألف ريال، فإذا تولى على هذا اليتيم، فهل يأكل بقدر ألف ريال, أو يأكل بقدر كفايته؟

    وظاهر كلام المؤلف أنه يأكل بقدر الأجرة؛ لأنه قال: (بقدر عمله)؛ لأنه قادر على العمل.

    والصواب في ذلك -وهو الأحوط لمال اليتيم- يأكل بقدر الأقل من كفايته أو من أجرته، فينظر الأقل، فأيهما كان الأقل فإنه يأكل بقدره.

    قال: [وهل يرد إذا أيسر؟ على روايتين] الصحيح أنه لا يرد، يعني: لو أن هذا الفقير أكل من مال اليتيم مدة عشر سنوات، ثم الله عز وجل رزقه وأيسر، فهل يكون ذلك قرضاً في ذمته, أو نقول بأنه لا يكون قرضاً في ذمته؟

    قلنا: لا يكون قرضاً في ذمته، والقاعدة: أن ما ترتب على المأذون غير مضمون، وهو قد أذن له في الأكل فلا يضمن.

    قال: [وأمين الحاكم أو الحاكمُ إذا نظر في مال اليتيم] أي أن القاضي إذا نظر في مال اليتيم، ومثله أمينه إذا نظر، فحكمه حكم ولي اليتيم.

    القسم الخامس: ناظر الوقف

    قال: [وناظر الوقف والصدقات].

    القسم الخامس: ناظر الوقف، ولنفرض أن الوقف أشياء تثمر، أو مثلاً: زروع, أو مثلاً: دراهم وأموال، فهل له أن يأكل أو نقول بأنه ليس له أن يأكل؟ فالمذهب أن ناظر الوقف يأكل بقدر نفقته.

    ومثله أيضاً: ناظر الصدقات له أن يأكل, وهذا هو المذهب، فناظر الصدقات والأوقاف له أن يأكل بالمعروف.

    القسم السادس: الوكيل والأجير

    قال: [والوكيل والأجير، والمعروف منعهما].

    القسم السادس: الوكيل والأجير, هل لهما أن يأكلا أو ليس لهما أن يأكلا؟

    مثلاً: إذا استأجر شخصاً على عمل من الأعمال فهل له أن يأكل من هذا المال، أو مثلاً: وكل على هذه الأموال في البيع والشراء، فهل له أن يأكل منها؟

    قال: (المعروف منعهما) يعني المعروف في المذهب منعهما؛ لأنهما بالإمكان أن يطلبا الأجرة على ذلك.

    ونستنتج من ذلك أن ناظر الوقف والصدقات يأكل بقدر نفقته، لكن بالنسبة للوكيل والأجير فليس لهما أن يأكلا.

    القسم السابع: الأكل من الأطعمة في دار الحرب

    قال: [الأكل من الأطعمة في دار الحرب، وإطعام الدواب المعدّة للركوب، فإن كانت للتجارة أو للتصيد بها ففيها وجهان].

    الأكل من الأطعمة في درا الحرب، يعني: إذا جاهد المسلمون الكفار ثم حصلت غنائم، فلهم أن يأكلوا من هذه الغنائم، ولهم أن يعلفوا دوابهم، كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فله أن يأكل وله أن يعلف دابته, ولا يعتبر هذا من الغلول من الغنيمة.

    لكن الدواب يشترط أن تكون معدة للركوب، يعني: لاستخدامها في الجهاد، فإن كانت للتجارة، أو للبيع، أو للتصيد بها ففيها وجهان -هل يجوز أو لا يجوز؟- للأصحاب رحمهم الله تعالى.

    القسم الثامن: إذا مر بثمرة غير محوط عليها ولا عليها ناظر

    قال: [ومنها إذا مر بثمرة غير محوط عليها ولا عليها ناظر فله أن يأكل منه مع الحاجة وعدمها، ولا يحمل على الصحيح من المذهب، ولا فرق بين المتساقط بالأرض والذي على الشجرة].

    هذا القسم الثامن، إذا مر بالثمر الذي على الشجر، وهذا من مفردات المذهب، وإلا فجمهور أهل العلم لا يرون أنك تأكل، لكن إذا مررت بالثمرة يشترط:

    1- أن لا تكون هذه الثمرة قد حوط عليها.

    2- ولا عليها ناظر.

    3- ولا يرمي الثمر.

    4- ولا يأكل من الثمر المجموع.

    ولا يحمل في يده.

    هذه خمسة شروط، إذا توفرت يجوز لك إذا مررت بهذه الثمار أن تأكل منها.

    ويدل لذلك وروده عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    فتلخص لنا أن الأكل من الأموال التي لم يؤذن فيها، أو لم يأذن فيها أربابها أنها تنقسم إلى هذه الأقسام الثمانية.

    أما الزروع مثلاً: البر إذا مررت به، أو الشعير ونحو ذلك، فهل لك أن تأكل أو ليس لك أن تأكل؟ فيه روايتان في المذهب:

    الرواية الأولى: أنك لا تأكل إلا مع الحاجة، كما هو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    والرواية الثانية: أن حكمها حكم الثمار، وأن لك أن تأكل منها.

    1.   

    القاعدة الثانية والسبعون: اشتراط النفقة والكسوة في العقود جائز

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة الثانية والسبعون: اشتراط النفقة والكسوة في العقود يقع على وجهين: معاوضة، وغير معاوضة.

    فأما المعاوضة فتقع في العقود اللازمة ويملك فيها الطعام والكسوة، كما يملك غيرهما من الأموال المعاوض بها، فإن وقع التفاسخ قبل انقضاء المدة رجع بما عجّل منها، إلا في نفقة الزوجة وكسوتها، فإن في الرجوع بهما ثلاثة أوجه, ثالثها: يرجع بالنفقة دون الكسوة].

    النفقة والكسوة في عقود المعاوضة

    اشتراط النفقة والكسوة في العقود، قال: (يقع على وجهين)، الأصل الصحة، يعني: يصح أن تشترط النفقة والكسوة في العقود سواء كانت عقود معاوضة أو كانت عقود غير معاوضة.

    ودليل ذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، فالأمر بإيفاء العقد يتضمن إيفاء أصله ووصفه، ومن وصفه ما جاء في حديث أبي هريرة في البخاري معلقاً بصيغة الجزم: (المسلمون على شروطهم).

    وهنا أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين حكم هذه النفقة، فقال: (يملك فيها الطعام والكسوة)، ففي عقود المعاوضة إذا اشترط النفقة أو الكسوة فإنه يملك هذه النفقة والكسوة.

    قال: [فمنها الإجارة]، يعني: لو استأجر امرأة على أن ترضع ولده، واشترطت النفقة مقابل هذا الرضاع، والمراد بالنفقة: الطعام والشراب والكساء، فإن هذا جائز ولا بأس بذلك، فلا بأس أن تستأجر امرأة بطعامها للرضاع وكسوتها, وتملك الطعام والكسوة بالعقد.

    قال: [والبيع بنفقة العبد]، يعني باعه سيارته على أن ينفق على عبده لمدة شهر، قال: أبيعك السيارة بشرط أن تنفق على عبدي أو رقيقي لمدة شهرٍ, فنقول بأن هذا جائز ولا بأس بهذا الشرط.

    قال: [والنكاح]، يعني إذا تزوج امرأة فإنه يجب عليه أن ينفق عليها طعاماً، وشراباً، وكسوةً, وهذا من مقتضى العقد؛ لأن عقد النكاح الفقهاء يرون أنه عقد معاوضة، الزوج يدفع العوض -وهي النفقة- والزوجة تبذل المعوض -وهو الاستمتاع بها- فهو عقد معاوضة.

    إذاً: في عقود المعاوضة تقع لازمة، ويملك فيها الطعام والكسوة كما يملك غيرهما من الأموال المعاوض بها، فإن وقع التفاسخ قبل انقضاء المدة رجع بما عجل منها.

    فمثلاً: في مسألة الإجارة لو اتفق هو والمرضع على أن ترضع الولد لمدة سنتين وأعطاها نفقة سنتين، ثم أرضعت لمدة سنة ثم فسخ العقد، فيرجع بالسنة الباقية التي لم ترضع فيها.

    ومثله أيضاً: البيع بنفقة العبد؛ لو باعه الكتاب على أن ينفق على عبده ثم فسخ العقد ورد الكتاب إلى البائع، وأخذ البائع نفقة العبد, فإنه يرجع فيها المشتري.

    كذلك أيضاً قال: [إلا في نفقة الزوجة وكسوتها فإن في الرجوع بهما ثلاثة أوجه، ثالثها يرجع بالنفقة دون الكسوة] يعني: لو أنه أعطى زوجته في أول الشهر نفقة الشهر ألف ريال مثلاً، ثم بعد أن مضت عشرة أيام طلقها، فإنها تستحق النفقة لمقدار عشرة أيام -الثلث- ويبقى الثلثان يرجع بهما.

    وقال: (يرجع بالنفقة دون الكسوة) هذا أحد الأوجه، يعني: ثلاثة أوجه: يرجع بالنفقة والكسوة فيما بقي، طلقها بعد عشرة أيام بقي عشرون يوماً لم يستلم المعوض وهو الاستمتاع، فيرجع بالعشرين يوماً، وقيل بأنه لا يرجع، وقيل بأنه يرجع بالنفقة دون الكسوة.

    وهذا كله مبني على مسألة، وهي: أن النفقة بالنسبة للزوجة معاوضة، وهذا الأصل الذي يؤصلونه ويركبون عليه كثيراً من المسائل.

    مثلاً: لو أن المرأة حبست، هل تجب نفقتها أو لا؟ يقولون: تسقط نفقتها؛ لأن النفقة معاوضة وهي ما بذلت المعوض وهو الاستمتاع، فلا تأخذ العوض وهو النفقة، كذلك لو سافرت يقولون: سقطت نفقتها.

    والصحيح كما يقول ابن القيم رحمه الله نفقة الزوجة ليست معاوضة، فالعوض حصل بالمهر, وعلى هذا لو أن المرأة حبست، أو أن المرأة سافرت، ونحو ذلك ما تسقط نفقتها، والصحيح أنها إذا نشزت تسقط نفقتها، وهذا ليس من قبيل العوض والمعوض, لكن من قبيل إساءة العشرة.

    فـابن القيم رحمه الله يرى أن النفقة ليست من قبيل المعاوضة بحيث أنه يرتب عليها هذه المسائل، بل هي من قبيل المواساة كالنفقة على سائر الأقارب.

    النفقة في عقود غير المعاوضة

    قال: [وأما غير المعاوضة: فهو إباحة النفقة للعامل ما دام متلبَّساً بالعمل، ويقع ذلك في العقود الجائزة إما بأصل الوضع أو لأنه لا تجوز المعاوضة عنه في الشرع].

    العقود الجائزة: هي التي لكل واحدٍ من المتعاقدين أن يفسخها، مثل: عقد الوكالة على المذهب، وعقد المساقاة والمزارعة، والمضاربة، والشركات، والجعالة, أو لأنه لا تجوز المعاوضة عنه في الشرع، ومنها: سائر القرب، فالمذهب أنه لا يجوز أخذ الأجرة على القرب والعبادات، ومن ذلك الحج.

    قال: [منها: المضاربة، والشركة، والوكالة، والمساقاة، والمزارعة].

    إذا شرط العامل في المضاربة، فقال: أنا سأعمل بهذا المال لكن لي أن آكل منه وأشرب، فهذا شرطٌ صحيح.

    مثال آخر: شريك بشركة العنان اشترك في محل تجاري وقال كل منهما: لي أن آكل منه وأشرب, فهذا شرط صحيح، وكذلك في الوكالة والمساقاة والمزارعة إذا قلنا بعدم لزومها، فهنا يأخذ مقابل العمل، فما دام أنه يعمل فإنه ينتفع فقط، أما الآخر -في عقود المعاوضة- فإنه يملك النفقة بحيث إن له أن ينتفع بها، له أن يبيعها، له أن يهبها ... إلى آخره, أما هنا فقط ينتفع ما دام أنه يعمل، فهذا الفرق بين القسمين.

    قال: (فهو إباحة النفقة للعامل مادام متلبساً بالعمل) يعني: هنا في العقود غير المعاوضة يباح لك أن تأكل فقط، أما أن تبيع فلا، لكن هناك تبيع النفقة؛ لأنك ملكت.

    كذلك الزوجة لها أن تبيع نفقتها، وللبائع أن يبيع نفقة العبد, أو العبد له أن يأذن له سيده أن يبيع هذه النفقة.

    ومثله أيضاً: التجارة، له أن يأكلها، له أن يبيع، أما هنا فقط ينتفع.

    قال: [وما بقي معهم من النفقة الموجودة والكسوة بعد فسخ هذه العقود، هل يستقر ملكهم عليه أم لا؟ يحتمل أن لا يستقر؛ لأن ما يتناوله إنما هو على وجه الإباحة لا الملك].

    فنفهم الفرق بين عقود المعاوضة وغير المعاوضة؛ فعقود المعاوضة تملك فيها النفقات والكسوة، وله أن ينتفع بنفسه، وله أن يبيع بعد انتهاء العقد ويكون ما بقي له لأنه ملك، أما في غير عقود المعاوضة فالمباح فقط لك أن تنتفع.

    فعامل المساقاة، عامل المزارعة، عامل الجعالة، العامل الوكيل, ينتفع ما دام أنه يعمل، وإذا انتهى من العمل فليس له أن ينتفع، وليس له أن يعاوض أيضاً، وما بقي مما معه من النفقة فإنه يرده؛ لأنه إنما أبيح له فقط ما يحتاج إليه.

    قال: [ومنها: إذا أخذ الحاج عن غيره نفقة ليحج عنه، وإذا أخذ من الزكاة ليحج به].

    هذا كما قال: إما بأصل الوضع كما تقدم في الوكالة، والمضاربة، والشركة، وإما لأنه ناتج من المعاوضة في الشرع كالحج.

    فمثلاً: إذا أنابه شخص على أن يحج بنفقته وأعطاه النفقة، ثم انتهى من الحج وبقي نفقة، فيردها على من أنابه.

    ومثله أيضاً: إذا أخذ من الزكاة ليحج به، المشهور من المذهب أنه يجوز للفقير أن يأخذ من الزكاة لكي يحج, ويرون أن هذا داخل في قول الله عز وجل: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:60]. فإذا أخذ من الزكاة لكي يحج، فمثلاً: أخذ ألف ريال لكي يحج من الزكاة، ثم بقي فضلة فإنه يردها؛ لأنه إباحة هنا، بخلاف القسم الأول فهو ملك، هنا في المعاوضات ملك، أما هنا فأبيح له فقط.

    1.   

    القاعدة الثالثة والسبعون: اشتراط نفع أحد المتعاقدين صحيح إذا كان له مقابل

    قال: [القاعدة الثالثة والسبعون: اشتراط نفع أحد المتعاقدين في العقد على ضربين...] إلى آخره.

    خلاصة هذه القاعدة: اشتراط نفع أحد المتعاقدين، نقول: يصح إن كان له مقابل، ولا يصح إذا كان ليس له مقابل، ولهذا قسمها المؤلف رحمه الله تعالى إلى قسمين:

    قال: [أن يكون استئجاراً له مقابلاً بعوض، فيصح على ظاهر المذهب، كاشتراط المشتري على البائع خياطة الثوب أو قصارته، أو حمل الحطب ونحوه, ولذلك يزاد به الثمن].

    فإذا كان له مقابل يؤخذ فيصح أن يشترط المشتري على البائع تخييط الثوب، أو قصارة الثوب، أو تبييضه -القصار هو الذي يبيض الثياب- أو أن يحمل الحطب، أو أن يكسره، هذه كلها جائزة؛ لأنها لها مقابل.

    القسم الثاني: إذا لم يكن له مقابل يقول: لا يصح، ولهذا قال: [أن يكون إلزاماً له لما لا يلزمه بالعقد بحيث يجعل له ذلك من مقتضى العقد ولوازمه مطلقاً, ولا يقابل بعوض فلا يصح، وله أمثلة].

    فكونك تشترط منفعة العاقد وليس له مقابل لا يصح.

    قال: [منها: اشتراط مشتري الزرع القائم في الأرض حصاده على البائع].

    إذا اشترى الزرع وقال: أشترط عليك أيها البائع أن تحصد الزرع، فلا يصح؛ لأنه ليس له مقابل.

    قال: [ومنها: اشتراط أحد المتعاقدين للمساقاة أو المزارعة على الآخر ما لا يلزمه بمقتضى العقد فلا يصح، وفي فساد العقد به خلاف].

    العلماء رحمهم الله يذكرون قاعدة في باب المساقاة والمزارعة يقولون: العامل يلزمه كل ما فيه صلاح الثمرة، ورب المال يلزمه كل ما فيه صلاح الأصل، فهذه قاعدة مهمة.

    فإذاً: ما في صلاح الثمر هذا يلزم العامل، مثل: التلقيح، والزبار والسقي, هذا يلزم العامل، وكل ما فيه صلاح الأصل فهذا يلزم المالك، مثل:

    بناء السور، الآلات التي تخرج الماء، حفر الآبار، ولو أن المالك اشترط على العامل ما لا يلزمه، أو العامل اشترط على المالك ما لا يلزمه لا يصح؛ لأنه ليس له مقابل.

    الخلاصة على كلام المؤلف رحمه الله تعالى: أن اشتراط نفع أحد المتعاقدين ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون له مقابل، فهذا يرى أنه جائز.

    والقسم الثاني: إذا لم يكن له مقابل فيرى أنه ليس جائزاً، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، لكن على المذهب يرون أنه يصح اشتراط المنفعة إذا كانت في البائع، أو في المبيع.

    وعلى كلام المؤلف فإن اشتراط مشتري الزرع بِأن حصاده على البائع لا يصح.

    والمذهب أنه يصح أن تشترط منفعة واحدة، منفعة البائع أو منفعة المبيع، مثلاً: لو اشتريت الثوب وشرطت على البائع أن يغسله صح ذلك، أو اشتريت السيارة وشرطت أن يصلح فيها كذا وكذا، أو أن يغسلها فإنهم يرون أن هذا صحيح.

    كذلك لو اشترط البائع أن ينتفع بالسيارة لمدة يومٍ أو يومين فهذا شرطٌ صحيح، وما دامت المنفعة في البائع أو في المبيع فإن هذا شرطٌ صحيح, وعلى هذا المذهب يجوزون مثل هذه المسألة التي ذكرها المؤلف رحمه الله.

    كذلك اشتراط أحد المتعاقدين في المساقاة أو المزارعة على الآخر ما لا يلزمه، كما ذكرنا أن الذي يلزم رب المال كل ما فيه صلاح الأصل من الآلات، حفر آبار، وإخراج المياه، وكذلك أيضاً بناء الأسوار، وكل ما فيه صلاح للثمرة من التلقيح، والزبار، وهو قطف الأغصان الرديئة ونحو ذلك، فهذا يلزم العامل، فإذا اشترط أحدهما على الآخر ما يلزمه نقول: بأن هذا الأصل فيه الصحة.

    قال: [ومنها شرط إيفاء المسلم في غير مكان العقد].

    مثاله: لو أنه أسلمه ألف ريال، فقال: تعطيني ألف كتاب صفتها كذا وكذا، أو ألف قلم صفتها كذا وكذا، فالمذهب أنه يجب أن يوفي في مكان العقد، لكن لو اشترط في غير مكان العقد، قال: [في صحته روايتان], والمذهب أنه صحيح.

    والخلاصة في هذه المسألة هو ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله أن اشتراط نفع أحد المتعاقدين يصح مطلقاً، وسواءٌ كانت المنفعة في العاقد أو في المعقود عليه، ودليل ذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]. وهذا يتضمن إيفاء أصل العقد ووصفه، ومن وصفه شرطه، والشافعية هم أضيق الناس في مسألة الشروط في العقود، فشرط المنافع لا يصححونها ولا يجوزونها, أما المذهب فكما سلف يشترطون منفعة واحدة في البائع أو في المبيع.

    1.   

    القاعدة الرابعة والسبعون: الأجرة غير المشروطة تستحق بدلالة الحال وعما فيه غنى للمسلمين

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الرابعة والسبعون: فيمن يستحق العوض عن عمله بغير شرط...] إلخ.

    هذه القاعدة في استحقاق العوض على العمل دون أن يكون هناك مشارطة، يعني: لو أن شخصاً عمل عملاً من الأعمال دون أن تكون هناك مشارطة ومؤاجرة، فهل يستحق على هذا العمل أجرة أو نقول بأنه لا يستحق أجرة؟

    إن كان هناك مشارطة فإنه يستحق الأجرة بمقتضى العقد، لكن إذا لم يكن هناك مشارطة هل يستحق الأجرة؟ كأن وجد السيارة في الخارج فقام وغسلها، هل يستحق أجرة أو لا يستحق أجرة؟

    إذا شارطه صاحب السيارة كان أمراً ظاهراً أنه يستحق الأجرة، لكن هو جاء الآن وغسل السيارة أو أصلح السيارة ولم يكن هنا مشارطة، فقال: هذا ينقسم إلى نوعين:

    النوع الأول: استحقاق الأجرة بدلالة الحال

    النوع الأول: [أن يعمل العمل ودلالة حاله تقتضي المطالبة بالعوض].

    يعني: أن تقوم القرائن ودلائل الأحوال على وجوب العوض، فهنا نقول بأنه يستحق العوض، فإذا دلت القرائن والأعراف ودلائل الأحوال على العوض فنقول: يجب العوض.

    ومثل المؤلف لذلك بالملاح -قائد السفينة- فإذا جعل السفينة عند شاطئ النهر أو البحر، وجاء الناس وركبوا فيها وساقهم إلى الشط الآخر، فالقرائن تدل على أنه يأخذ العوض من الناس.

    ومثله: صاحب الأجرة، صاحب السيارة إذا أوقفته وركبت معه وما شارطته، وأوصلك إلى المحل يجب أن تدفع له العوض؛ لأن القرائن ودلائل الأحوال تدل على وجوب العوض وإن لم يكن هناك مشارطة.

    ومثله قال: [المكاري] -وهو الذي يكري سيارة، ومثله أيضاً: [الحجام].

    ومثله الحلاق؛ فإذا دخلت على الحلاق وحلق رأسك، ما شارطته على شيء، ومثله القصاص، أو الخياط، أو الغسال دفعت له الثياب وغسلها ... إلى آخره.

    قال: [والدلال ونحوهم ممن يرصد نفسه ليكتسب بالعمل، فإذا عمل استحق أجرة المثل] كل من نصب نفسه للعمل وعمل يستحق أجرة المثل قال: [وإن لم يسم له شيء, نص عليه] أي: الإمام أحمد رحمه الله.

    إذاً: النوع الأول: أن تقتضي القرائن والأعراف ودلائل الأحوال على إيجاب العوض، فنقول هنا: يجب العوض.

    النوع الثاني: استحقاق الأجرة عما فيه غنى للمسلمين

    النوع الثاني: قال: [أن يعمل عملاً فيه غنىً للمسلمين، وقيام بمصالحهم العامة، أو فيه استنقاذ لمال معصوم من الهلكة].

    إذا عمل عملاً فيه غنىً للمسلمين، مثلاً: (من قتل مشركاً في حال الحرب له سلبه)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من قتل مشركاً في حال الحرب فله سلبه )، فهذا عمل فيه نصرة للمسلمين, فيستحق السلب، يعني: ما معه من السلاح والثياب.

    قال: [والعامل على الصدقات، فإنه يستحق أجرة عمله بالشرع]؛ لأنه عمل عملاً فيه غنىً للمسلمين، [ومن رد آبقاً على مولاه] هذا ورد في حديث ضعيف أن الذي يرد آبقاً على مولاه أن له اثني عشر درهماً، والصحيح في ذلك: أن من رد الآبق، أو من رد المال الضائع على صاحبه أنه لا يستحق شيئاً؛ لأن الحديث الوارد في ذلك ضعيف.

    قال: [ومتى كان العمل في مال الغير إنقاذاً له من التلف المشرف عليه كان جائزاً، كذبح الحيوان المشرف على الهلاك] يعني: لو أنقذ مال الغير من سرقة، أو من احتراق، أو من غرق، أو شاة للغير وهي مشرفة على الهلاك وقام وذبحها، هل يستحق في ذلك أجرها أو لا يستحق؟

    المؤلف رحمه الله يرى أنه يستحق، والصحيح أنه لا يستحق، لكن الذي دل عليه النص أنه يستحق الأجرة، أن يعمل عملاً فيه غنى للمسلمين وقيام بمصالحهم العامة، كالذي يعمل ما فيه نصرة للمسلمين، وما عدا ذلك مما ذكره المؤلف رحمه الله فيه نظر.