إسلام ويب

شرح تحفة أهل الطلب في تجريد قواعد ابن رجب [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا فعل الإنسان عبادة ثم تبين له بعد الفراغ منها أن الواجب غير ما فعل فإنه مجزئه، ومن تلبس بعبادة ثم بعد ذلك وجد الواجب عليه قبل الفراغ منها أو بعدها فله حالتان: فإن كانت العبادة شرعت تيسيراً فلا ينتقل إلى الأصل، وإن كانت شرعت للعجز عن الأصل فإنه ينتقل إل

    1.   

    القاعدة السادسة: فعل العبادة في وقت وجوبها مجزئ ولو تبين بآخره أن الواجب غيرها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ القاعدة السادسة: إذا فعل عبادة في وقت وجوبها يظن أنها الواجبة عليه ثم تبين بآخره أن الواجب كان غيرها فإنه يجزئه, ولذلك صور:

    منها: إذا أحج المعضوب عن نفسه ثم برئ فإنه يجزئه على المذهب؛ لأنه فعل الواجب عليه في وقته لا سيما إن قيل: إن ذلك عليه على الفور] إلى آخره.

    إذا كان الواجب غير ما فُعل بعد الشروع في العبادة

    والقاعدة السادسة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يتبين بعد الفراغ من العبادة أن الواجب غير ما فعل، فإنه يجزئه.

    ومن أمثلة ذلك: من عجز عن الحج.

    فالمكلف بالنسبة للحج لا يخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يكون قادراً بماله وبدنه، فهذا يجب عليه أن يحج فوراً.

    الحالة الثانية: أن يكون قادراً ببدنه لكنه عاجز بماله، فهذا لا يجب عليه الحج، إلا كما قال المالكية: إن استطاع أن يمشي ويحترف فإنه يجب عليه أن يحج.

    الحالة الثالثة: أن يكون قادراً بماله لكنه عاجز ببدنه، فهذا إن كان عجزه يرجى زواله فهذا ينتظر حتى يزول عجزه، وإن كان عجزه لا يرجى زواله، مثل: إنسان قادر بماله، لكنه عاجز ببدنه عجزاً لا يرجى زواله كما قال له الأطباء، فإذا أناب شخصاً يحج عنه، ثم بعد ذلك بعد أن انتهى النائب من الحج عافاه الله عز وجل، فهل يجزئه حج النائب أو نقول: يجب عليه أن يحج مرة أخرى؟

    في هذه الحالة تبين بعد الفراغ من العبادة أن الواجب غير ما فعل، فالواجب أن يحج بنفسه وهو حج الآن بنائبه، فالواجب غير ما فعل، فهل يجزئه أو نقول: لا يجزئه؟

    نقول: يجزئه في هذه الحالة. فإذا أناب شخصاً يحج عنه، فنقول: يجزئه سواء عوفي بعد الفراغ من العبادة، أو عوفي بعد شروع النائب، لكن لا يجزئه إذا عوفي قبل أن يشرع النائب، يعني: قبل أن يحرم.

    فهنا يقول العلماء رحمهم الله: لا يجزئه، لكن لو عوفي بعد الفراغ من العبادة، أو عوفي في أثناء العبادة، فإنه يجزئه، مع أنه تبين أن الذي فُعل غير الواجب؛ لأنه حج بنائبه والواجب الآن أن يحج بنفسه ولا يحج بنائبه.

    كذلك أيضاً من صور هذه القاعدة: من لزمته كفارة الظهار يجب عليه أن يعتق رقبة، فإذا كان لا يجد رقبة فيجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، فإذا كان لا يستطيع أن يصوم شهرين متتابعين فإنه ينتقل إلى الإطعام.

    فهنا الآن إذا انتقل إلى الإطعام، وبعد أن أطعم عافاه الله عز وجل، وأصبح يستطيع الصيام، فهل هذا الإطعام لا يجزئه أو أنه يجزئه؟ نقول: بأنه يجزئه مع أنه تبين أن الواجب غير ما فعل؛ لأن الصيام مقدم على الإطعام، ومع ذلك نقول: بأنه يجزئه.

    فتبين لنا القسم الأول: أنه إذا فعل عبادة ثم تبين في آخر العبادة أن الواجب غير ما فعل فإنه يجزئه.

    وقد ذكرنا الدليل فيما سبق أن ما ترتب على المأذون غير مضمون، وأن الله سبحانه وتعالى لا يوجب العبادة على عبده مرتين، فمادام أنه قد أذن له في ذلك، فليس عليه ضمان.

    أن يكون الواجب غير ما فعل لخلل في الشرط

    القسم الثاني: أن يكون ذلك لخلل في الشرط، لخفاء الاطلاع على ذلك الخلل، يعني: أن يفعل العبادة في وقت وجوبها يظن أنها هي الواجبة، ثم يتبين أن هذا ليس هو الواجب لخلل في الشرط لخفاء ذلك الخلل، فهل يجزئه أو لا يجزئه؟

    نقول: إن هذا فيه تفصيل: إن كان بعد الاجتهاد والتحري فإنه يجزئه، وإن كان بغير اجتهاد ولا تحرٍ فإنه لا يجزئه.

    فنقول في القسم الثاني: إذا تبين أن العبادة التي فُعلت غير الواجبة لخلل في الشرط فإن كان ذلك بعد الاجتهاد والتحري فإنه يجزئ، وإن كان بغير اجتهاد ولا تحرٍ فإنه لا يجزئ.

    مثال ذلك: إنسان مسافر اجتهد في طلب القبلة، فهو من أهل الاجتهاد يعرف علامات القبلة، وكيف يستدل بها فاجتهد، ثم بعد ذلك صلى، وبعد الانتهاء من الصلاة تبين أن القبلة على خلاف الجهة التي صلى عليها، فنقول: بأنه يجزئ، ما دام أنه اجتهد وتحرى.

    أيضاً من الأمثلة: رجل دفع زكاته إلى رجل يظنه فقيراً بعد الاجتهاد والتحري، ثم تبين أنه غني، فنقول: بأنه يجزئه, ولا يجب عليه أن يعيد الزكاة مرة أخرى. ويدل على ذلك قصة معن بن يزيد رضي الله تعالى عنه.

    أما بغير اجتهاد ولا تحرٍ فإنه لا يجزئه، فمثلاً: رجل دفع الزكاة إلى رجل دون أن يجتهد، فهل هو من أهل الزكاة أو ليس من أهل الزكاة؟ فنقول: بأنه لا يجزئه. أو إنسان صلى دون أن يجتهد وهو من أهل الاجتهاد، ثم أخطأ القبلة، فنقول: بأنه لا يجزئه.

    1.   

    القاعدة السابعة: من شرع في المرتبة الثانية من العبادة ثم وجد الأولى هل ينتقل إليها؟

    قال رحمه الله تعالى: [القاعدة السابعة: من تلبس بعبادة ثم وجد قبل فراغها ما لو كان واجداً له قبل الشروع لكان هو الواجب دون ما تلبس به، هل يلزمه الانتقال إليه أم يمضي ويجزئه؟

    هذا على ضربين:

    أحدهما: أن يكون المتلبس به رخصة عامة شرعت تيسيراً على المكلف وتسهيلاً عليه، مع إمكان إتيانه بالأصل على ضرب من المشقة والتكلف، فهذا لا يجب عليه الانتقال منه بوجود الأصل، كالمتمتع إذا عدم الهدي، فإنه رخص له في الصيام رخصة عامة، حتى لو قدر على الشراء بثمن في ذمته وهو موسر في بلده لم يلزمه.

    الضرب الثاني: أن يكون المتلبس به إنما شرع ضرورة للعجز عن الأصل وتعذره بالكلية، فهذا يلزمه الانتقال إلى الأصل عند القدرة عليه، ولو في أثناء التلبس بالبدل كالعدة بالأشهر فإنها لا تعتبر بحال مع القدرة على الاعتداد بالحيض.

    وها هنا مسائل كثيرة مترددة بين الضربين:

    منها: كالشارع بصيام كفارة ظهار أو يمين أو غيرهما ثم وجد الرقبة.

    ومنها: كالشارع بالصلاة ثم وجد الماء.

    ومنها: إذا نكح المعسر الخائف للعنت أمة ثم زال أحد الشرطين].

    هذه القاعدة تتحدث عن رجل تلبس بعبادة، وشرع فيها، وقبل أن ينتهي منها وجد ما لو كان واجداً له قبل الشروع لكان هو الواجب، يعني: أن هذه العبادة على مراتب، فهو انتقل إلى المرتبة الثانية دون المرتبة الأولى، لكونه عاجزاً عن المرتبة الأولى، أو كما ذكر المؤلف رحمه الله: لكون الثانية شرعت لأجل الضرورة، فالمهم أن هذه العبادة شرعت على مراتب فانتقل إلى المرتبة الثانية، ثم وجدت الأولى، فهل يجب عليه أن ينتقل إلى الأولى، أو لا يجب عليه أن ينتقل إليها؟

    هذه القاعدة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن تكون المرتبة الثانية شرعت تيسيراً ورخصة

    القسم الأول: قال المؤلف رحمه الله: (أن تكون العبادة التي شرع فيها شرعت تيسيراً ورخصة للمكلف).

    نقول: القسم الأول: أن تكون العبادة التي شرع فيها شرعت تيسيراً ورخصة للمكلف, مع أنه يمكن أن يأتي بالأصل.

    يعني: يمكن أن يأتي بالأولى، يعني: أن المرتبة الثانية شرعت على سبيل التيسير مع إمكان المرتبة الأولى، لكن الشارع خفف عنه، بأن ينتقل للمرتبة الثانية، فيقول المؤلف: لا يجب أن ينتقل.

    ومن أمثلة ذلك: رجل شرع في الصيام في كفارة الظهار، ثم بعد ذلك وجد الرقبة، فنقول هنا: لا يجب عليه أن ينتقل.

    وكذلك أيضاً ما مثل به المؤلف رحمه الله: (كالمتمتع)، فقد رخص له أن يصوم إذا لم يجد الهدي، كما قال تعالى: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196]، لكن إذا كان يقدر على الهدي بأن يقترض في ذمته، فهل يجب عليه أن يقترض، أو لا يجب عليه أن يقترض؟

    قال المؤلف رحمه الله: مع أنه كونه يقدر أن يقترض مع هذه المرتبة -المرتبة الأولى- ويشتري الهدي بالقرض، لكن لا يجب عليه أن يقترض.

    فالقسم الأول: أن يكون الانتقال رخصة من الشارع تيسيراً للمكلف، فنقول: لا يجب عليه أن ينتقل للمرتبة الأولى، ومثلنا بإنسان لم يجد رقبة، لكنه يستطيع أن يقترض ويشتري رقبة، فنقول: انتقل إلى الصيام، ولا يجب عليك أن تقترض، فإذا انتقل إلى الصيام ثم وجد دراهم، فهل يجب عليه أن يرجع إلى الرقبة، أو لا يجب عليه؟ نقول: لا يجب عليه أن يرجع إلى الرقبة.

    وكذلك أيضاً: لا يجب عليه أن يقترض، ما دام أنه لا يجد رقبة وليس عنده دراهم يشتري بها رقبة، فلا يجب عليه أن يقترض لكي يشتري الرقبة.

    ومثله أيضاً: المتمتع يجب عليه أن يذبح هدياً، فإن لم يجده انتقل للصيام، فإن كان يستطيع أن يقترض ويشتري، لم يجب عليه ذلك حتى لو كان في بلده موسراً، وحتى لو شرع في الصيام، ثم وجد المال الذي يشتري به هدياً لم يجب عليه أن يقترض، فلا يجب إذا وجد المال وقد شرع في الصيام أن ينتقل للمرتبة الأولى، وهي مرتبة الرقبة.

    هذا القسم الأول: وهو ما شرع تخفيفاً وتيسيراً على المكلف.

    ومن الأمثلة قول المؤلف رحمه الله: (وكالحر الخائف للعنت إذا نكح أمة ثم زال أحد الشرطين).

    هذا المثال داخل تحت القسم الأول: وهو أن يكون الانتقال شرع رخصة وتخفيفاً على المكلف، فلا يجب أن ينتقل إلى المرتبة الأولى، فهذا الحر لا يجوز له أن يتزوج أمة.

    يقول الإمام أحمد رحمه الله: الحر إذا تزوج أمة رق نصفه؛ لأن أولاده يكونون تبعاً لأمهم، فيكونون أرقاء، فالشارع منع الحر أن يتزوج أمة إلا بشرطين: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ [النساء:25]، أي: لا يجد مهر الحرة، ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ [النساء:25]، يعني: تلحقه مشقة في العزوبة، فإذا كان يحتاج إلى الزوجة إما للخدمة أو للمتعة فيحتاج إلى توفر الشرطين لأن يتزوج الأمة وهما: ألا يجد مهر الحرة، وكذلك أيضاً أن يخشى عنت -مشقة- العزوبة فإذا تزوج الأمة ثم وجد المهر للحرة فهل نقول: يجب أن ينتقل، أو لا يجب أن ينتقل؟

    نقول: لا يجب أن ينتقل، فإن كان يستطيع أنه يقترض ويتزوج حرة، فهل نقول: يجب أن تقترض، أو لا يجب أن تقترض؟ نقول: لا يجب عليك أن تقترض.

    هذا القسم الأول وهو: أن يكون المرتبة التي انتقل إليها شرعت رخصة وتخفيفاً على المكلف.

    القسم الثاني: أن تكون المرتبة الثانية شرعت للضرورة

    القسم الثاني: أن تكون المرتبة التي انتقل إليها شرعت لأجل الضرورة للعجز عن الأصل، ثم وجد الأصل، يعني: وجد المرتبة الأولى، فهل ينتقل للمرتبة الأولى أو نقول: لا ينتقل للمرتبة الأولى؟ فهو الآن عاجز عن المرتبة الأولى، فشرعنا له أن ينتقل إلى المرتبة الثانية لكونه عاجزاً عن المرتبة الأولى، ثم وجد المرتبة الأولى -الأصل- فهل يلزمه أن ينتقل، أو نقول: لا يلزمك أن تنتقل؟ نقول: عليك أن تنتقل.

    من الأمثلة على ذلك ما ذكره المؤلف رحمه الله حيث قال: (كالعدة بالأشهر، فإنها لا تعتبر بحال مع القدرة على الاعتداد بالحيض).

    كالعدة بالأشهر، فمثلاً: إذا كان عندنا فتاة صغيرة ولنفرض أن عمرها ثمان سنوات، وطلقها زوجها، لكنها ما حاضت، نقول: تعتد بالأشهر -ثلاثة أشهر- فإذا شرعت في الشهر الأول، وبعد أن مضى الشهر الأول جاءها دم الحيض، فنقول تنتقل للاعتداد بالحيض، فهنا الآن شرعت بالأشهر، لكنها انتقلت إلى المرتبة الثانية؛ لأنها تعجز عن المرتبة الأولى وهي الحيض، لكونها ليست من ذوات الأقراء.

    فنقول: إذا وجدت دم الحيض فإنها تنتقل إلى الحيض، لأن هذا هو الأصل.

    ومن المسائل أيضاً قوله: (كالشارع بالصلاة بالتيمم ثم وجد الماء).

    هذا رجل لم يجد الماء، ثم بعد ذلك تيمم وشرع في الصلاة، وبعد أن كبر تكبيرة الإحرام وجد الماء، فنقول هنا: يرجع إلى الأصل، لأن هذا القسم لم يشرع تخفيفاً للمكلف، بل لكونه عاجزاً عن الماء، فالآن وجد الماء، ولما وجد الماء نقول: بأنه يرجع إلى الماء، وحينئذٍ يتوضأ ويستأنف صلاته.

    فالخلاصة في هذا أنه إذا انتقل إلى المرتبة الثانية في العبادة ثم بعد ذلك وجدت المرتبة الأولى، فنقول بأن هذا ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون المتلبس به شرع رخصة، فهذا لا يلزمه أن ينتقل.

    القسم الثاني: أن يكون المتلبس به شرع للضرورة أي للعجز عن الأصل، فهنا نقول: يجب عليه أن ينتقل إلى المرتبة الأولى.

    1.   

    القاعدة الثامنة: من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة الثامنة: من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا؟ ] إلى آخره.

    معنى هذه القاعدة: أن من قدر على بعض العبادة وعجز عن بعضها، فهل يسقط ما يقدر عليه للعجز عن البعض، أو نقول: بأن ما تقدر عليه يجب عليك أن تأتي به؟ وقد ذكر المؤلف رحمه الله تحت هذه القاعدة خمسة أقسام:

    القسم الأول: أن يكون المقدور عليه وسيلة محضة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القسم الأول: أن يكون المقدور عليه وسيلة محضة].

    هنا نقول: لا يجب عليه أن يأتي به، ومثل له المؤلف بقوله: [كتحريك اللسان في القراءة، وإمرار الموسى على رأسه والختان، فهذا ليس بواجب].

    فمثلاً في الصلاة: المصلي يجب عليه أن يقرأ، لكن الأخرس هل نقول: تحرك لسانك وشفتيك في الصلاة، أو نقول: لا تحرك؟ نقول: لا يحرك؛ لأن هذا عبث، ولا فائدة منه.

    فأصلاً هو لا يستطيع أن يقرأ، فنقول: لا تحرك لسانك وشفتيك في الصلاة؛ لأن التحريك وسيلة للقراءة، ووسيلة للأذكار الواجبة، وهو الآن لا يتمكن من القراءة، ولا يتمكن من الأذكار الواجبة.

    ومثله إمرار الموسى، فالمحرم بحج وعمرة يجب عليه أن يحلق رأسه، فإذا كان أصلعاً ليس على رأسه شعر، فهل يجب أن يمر الموسى أو لا يجب؟ نقول: لا يجب.

    ومثله أيضاً: الختان، فالذكر يجب ختانه -ويجب على المشهور من المذهب ختان الأنثى- فإذا كان الرجل ولد وقد ختن، يعني: القلفة التي على رأس الذكر وجدنا أنها مقطوعة، هل نمر الموسى على حشفته أو نقول: لا حاجة لذلك؟

    نقول: ما دام أنه وسيلة محضة فهذا ليس مشروعاً.

    ومثله أيضاً: إنسان عاجز عن صلاة الجماعة، لكن نستطيع أن نوصله المسجد بالسيارة، لكنه لا يستطيع أن يصلي مع الناس؛ لأنه يتعب، فهل يجب أن نأتي به إلى المسجد؟ نقول: هذا وسيلة وهذا ليس بواجب، وليس مشروعاً أن نأتي به وأن نرجعه، ومثل ذلك الحج.. إلخ.

    فالقسم الأول: أن يكون المقدور عليه وسيلة محضة، فهذا ليس مشروعاً.

    القسم الثاني: أن يكون المقدور عليه واجباً تبعاً لغيره على سبيل الاحتياط

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القسم الثاني: ما وجب تبعاً لغيره وهو نوعان: أحدهما: ما كان وجوبه احتياطاً].

    نقول: القسم الثاني: أن يكون واجباً تبعاً لغيره، وليس واجباً على سبيل الاستقلال، إنما هو على سبيل التبع احتياطاً.

    ومثل له المؤلف رحمه الله تعالى فقال: [كغسل رأس المرفقين في الوضوء؛ فإذا قطعت اليد من المرفق هل يجب غسل رأس المرفق الآخر أم لا؟ على وجهين.. إلخ].

    هذا القسم الثاني ما وجب على وجه التبع للاحتياط، نقول: إن بقي شيء من هذه العبادة فإنها تفعل، وإن لم يبق فإن المحل قد سقط وحينئذٍ لا تفعل العبادة.

    فالقسم الثاني ما وجب على وجه التبع للاحتياط، هل يفعل أو لا يفعل؟

    المؤلف رحمه الله ذكر أنه على وجهين، والخلاصة في ذلك أن نقول: إن بقي شيء من محل العبادة فعل، وإن لم يبق شيء من محل العبادة لا يفعل.

    وهنا مثل المؤلف: كقطع اليد من عند المرفق، نقول: إن بقي شيء من المرفق وجب أن يغسل، وإن زال المرفق كله فلا يجب الغسل، فإذا وصل العضد فلا يجب أن تغسله، لكن إن بقي شيء من المرفق وجب، وإلا لم يجب.

    ومثله أيضاً إذا قطعت الرجل من عند الكعب، نقول: إن بقي شيء من محل العبادة وجب، وإذا لم يبق شيء من محل العبادة فإنه لا يجب.

    القسم الثالث: أن يكون المقدور عليه واجباً تبعاً لغيره على سبيل التكميل واللواحق

    القسم الثالث: قال المؤلف رحمه الله: [والثاني: ما وجب تبعاً لغيره على سبيل التكميل واللواحق].

    هذا القسم الثالث: أن تكون العبادة وجبت تبعاً لغيرها على سبيل اللواحق، فهنا لا تجب.

    ومثل المؤلف رحمه الله فقال: [مثل: رمي الجمار، ومثل المبيت بمنى لمن فاته الحج].

    فالحج يفوت إذا طلع فجر يوم النحر ولم يقف المحرم بالحج بعرفة بالإجماع، يعني: إذا طلع فجر يوم النحر وهو لم يقف بعرفة فاته الحج بالإجماع، فالآن إذا فاته الحج، فهل بقية أعمال الحج يجب عليه أن يفعلها، أو نقول: لا يجب عليه أن يفعلها؟

    فهذه الأعمال وجبت تبعاً لغيرها على سبيل اللواحق، فهذا موضع خلاف، لكن الصواب أنه لا يجب عليه، فلا نقول لمن فاته الحج: يجب عليك أن تقف مع الناس بمنى، وأن تبيت بمنى، وأن تبيت بمزدلفة، وأن ترمي الجمار في أيام التشريق، نقول: لا يجب عليه؛ لأن هذه الأشياء وجبت تبعاً لغيرها على سبيل اللواحق فتسقط عنه، وعليه التحلل بعمرة .. إلخ. وهل يجب عليه دم أو لا؟ خلاف ذكره العلماء رحمهم الله في أحكام الفوات.

    إذاً: القسم الثالث: ما وجب تبعاً لغيره على سبيل اللواحق فنقول: بأنه يسقط؛ لأن هذا من توابع الحج وقد فات الحج.

    القسم الرابع: أن يكون المقدور عليه جزءاً من العبادة

    قال رحمه الله: [والقسم الثالث -وهو الرابع- ما هو جزء من العبادة وليس عبادة في نفسه بانفراده، أو هو غير مأمورٍ به لضرره. فالأول: كصوم بعض اليوم لمن قدر عليه وعجز عن إتمامه، فلا يلزمه بغير خلاف].

    هذا القسم الرابع: ما كان جزءاً من العبادة لكنه بنفسه ليس عبادة مستقلة، فنقول: هذا لا يجب، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى قال: إما أن يكون (ليس عبادة في نفسه)، أو يكون (غير مأمورٍ به).

    فذكر المؤلف رحمه الله أنه نوعان: النوع الأول: (أنه ليس عبادة مستقلة بنفسه)، فهذا ليس بلازم، ومثل المؤلف رحمه الله لذلك بالمريض الذي يستطيع أن يصوم بعض اليوم، لكن لا يستطيع أن يكمله، هو يقول: أنا أستطيع أن أصوم إلى الظهر، لكن لا أستطيع أن أكمل إلى الغروب، فهل نقول: يجب عليك أن تصوم إلى الظهر، أو نقول: لا يجب؟ نقول: لا يجب عليه، لأن صيام نصف يوم ليس مأموراً به، وليس عبادة بنفسه، فما دام أنه ليس مأموراً به، فنقول: بأنه لا يلزم.

    النوع الثاني: (غير مأمورٍ به)، ومثله بقوله: [كعتق بعض الرقبة في الكفارة فلا يلزم القادر عليه إذا عجز عن التكميل].

    فالنوع الأول: ليس عبادة بنفسه وغير مأمور به، والثاني: يقول المؤلف رحمه الله: (غير مأمورٍ به، لكنه عبادة بنفسه).

    فكونك تعتق بعض الرقبة هذه عبادة، لكنك لست مأموراً به، فأنت مأمورٌ أن تعتق رقبة كاملة، فإذا كان الإنسان يقدر على بعض الرقبة ولا يقدر على جميع الرقبة في كفارة القتل أو كفارة الظهار أو الوطء في نهار رمضان .. إلخ، فهل نقول: يجب عليه أن يعتق ما يقدر عليه؟ نقول: لا يجب عليه أن يعتق ما يقدر عليه؛ لأن الشارع إنما أمره أن يعتق رقبة كاملة ولم يأمره أن يعتق بعض الرقبة.

    قال المؤلف رحمه الله: [لأن الشارع قصده تكميل العتق مهما أمكن، ولهذا شرع السراية والسعاية].

    السراية: إذا أعتق بعض رقيقه سرى عليه، وحينئذٍ يسري عليه ويعتق الكل، ولو كان الرقيق أيضاً مشتركاً فأعتق بعض الشريكين نصيبه، فإنه يسري عليه، ويسدد لشريكه.

    لكن هو لا يجد، يعني: مثلاً هذا زيد رقيق بين رجلين، جاء الأول وأعتق نصيبه، نقول: يسري العتق، ويجب عليك أنك تعطي شريكك القيمة الباقية، فإن هذا له النصف ولهذا النصف، فإذا لم يجد شيئاً فقال بعض العلماء: الرقيق يكون مبعضاً، وقال بعض العلماء: يستسعى الرقيق، ولهذا قال المؤلف: (السعاية)، كيف يستسعى؟ يقول للرقيق: اعمل، حتى تسدد للشريك النصف الباقي، هذا إن كان الشريك الذي أعتق معسراً، أما إذا كان موسراً فإنه يسري عليه العتق.

    فقول بعض العلماء: يستسعى الرقيق يعني: يؤمر الرقيق بأن يسعى ويحصل حتى يعتق كله، وقال بعض العلماء بأنه يبقى بضعهم, ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ولهذا شرع السراية والسعاية) في الرقيق لأن الشارع يتشوف إلى الحرية.

    قال المؤلف رحمه الله: [فلا يشرع عتق بعض الرقبة].

    القسم الخامس: أن يكون المقدور عليه جزءاً من العبادة وهو أيضاً عبادة مستقلة

    القسم الخامس والأخير قال المؤلف رحمه الله: [ما هو جزء من العبادة، وهو عبادة مشروعة في نفسه، فهذا يجب فعله عند تعذر فعل الجميع].

    القسم الخامس والأخير: ما هو جزء من العبادة وهو عبادة بنفسه، فنقول: يجب عليه أن يفعله؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).

    مثال ذلك: الواجب في الفطرة صاع، فإذا كان لا يجد صاعاً، ويجد نصف صاع، نقول: أخرج نصف الصاع؛ لأن إخراج نصف الصاع عبادة، فأنت تستطيع الصدقة بنصف صاعٍ.

    مثال آخر: إنسان وجد ماءً يكفي لغسل الوجه، لكنه لا يكفي لغسل الأعضاء الأربعة، نقول: اغسل وجهك والباقي تيمم عنه؛ لأن هذه عبادة.

    وكذلك أيضاً ما ذكره المؤلف: [العاجز عن القراءة يلزمه القيام].

    فإذا كان يعجز عن قراءة الفاتحة، نقول: يجب عليك أن تأتي بمحل القراءة، وهو القيام؛ لأن القيام عبادة، فهذا الركن يشتمل على القيام والقراءة، وإذا عجز عن القراءة نقول: يبقى عليك القيام.

    كذلك أيضاً: إذا كان يعجز عن قراءة بعض الفاتحة، فإنه يأتي بما يقدر عليه منها؛ لأنها عبادة وهي مأمور بها.

    وكذلك أيضاً إذا كان يعجز عن غسل جميع بدنه في الجنابة، فإنه يأتي بما قدر عليه، ويتيمم عن الذي لم يقدر عليه.