إسلام ويب

شرح كتاب التوحيد [17]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الاستعاذة والاستغاثة والدعاء من العبادات؛ ولهذا لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، وفعل ذلك شرك أكبر مخرج من الملة في العموم إلا أن فيها شيئاً من التفصيل، فمن دعا أو استغاث أو استعاذ بميت، أو حي غير قادر ولا شاهد، أو رغبة أو رهبة فهذا شرك أكبر؛ لأنه ما دعاه إ

    1.   

    الاستعاذة بغير الله تعالى

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب من الشرك الاستعاذة بغير الله، وقوله تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6].

    وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك ). رواه مسلم .

    باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره ].

    قال رحمه الله: [ باب من الشرك الاستعاذة بغير الله ].

    مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن فيه بيان نوع من أنواع الشرك، وهو الاستعاذة بغير الله عز وجل، إذ إن الاستعاذة عبادة من أجل العبادات؛ فيجب صرفها لله عز وجل.

    والاستعاذة في اللغة: الالتجاء والاعتصام، والمراد بها: الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه.

    والاستعاذة تنقسم إلى أقسام، سيأتينا إن شاء الله بيان أقسام دعاء غير الله عز وجل، وما يقال في أقسام دعاء غير الله عز وجل يقال في الاستعاذة بغير الله عز وجل.

    تفسير قوله تعالى: (وأنه كان رجال من الإنس...)

    قال رحمه الله: (وقوله تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ [الجن:6]). من الإنس: صفة لرجال؛ لأن ما بعد النكرة صفات.

    يَعُوذُونَ [الجن:6]. يعني: يلجؤون. بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ [الجن:6] الجن: عالم غيبي مستترون عنا، وهم مأمورون ومنهيون، مسلمهم يدخل الجنة وكافرهم يدخل النار، وهم مكلفون بتكاليف تليق بهم، وهم أجساد وليسوا صفات وأعراضاً.

    وقال: بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6]. يعني: خوفاً أو إثماً، رهقاً يعني: خوفاً أو إثماً.

    وجه الدلالة من هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى حكم عن مؤمني الجن أنهم لما تبين لهم دين الرسول صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ذكروا أشياء من الشرك، ومن هذا الشرك ما ذكروه: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ [الجن:6]. وهذا في الجاهلية. يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6]. خوفاً أو إثماً، فدل ذلك على أن الاستعاذة بغير الله عز وجل من الشرك.

    ويدل على أنهم ذكروا أشياء من الشرك أنهم قالوا: وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:2] لما ذكروا أن هؤلاء الرجال من الإنس في الجاهلية يعوذون بهؤلاء الجن قالوا: وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:2]، مما يدل على أن الاستعاذة بغير الله عز وجل شرك.

    شرح حديث: (من نزل منزلاً فقال ...)

    قال رحمه الله: (وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من نزل منزلاً) ).

    (من): هذه شرطية، و(نزل منزلاً) يعني: أي منزل في الحضر أو في السفر في داخل البنيان أو خارج البنيان.

    فقال: (أعوذ بكلمات الله التامات) كلمات الله المراد بها: القرآن.

    (التامات). يعني: التي لم يلحقها نقص بأي وجه من الوجوه. (من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله).

    ومناسبة هذا الحديث للباب: أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وجه إلى الاستعاذة المشروعة، وهي الاستعاذة بالله عز وجل؛ لأن القرآن صفة من صفات الله، فالاستعاذة به استعاذة بالله عز وجل، ويقابل ذلك: الاستعاذة الشركية، دل ذلك على أن الاستعاذة بغير الله عز وجل شرك.

    وأيضاً من وجه آخر يدل على أن الاستعاذة عبادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم شرعها وأمر بها، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.

    1.   

    الاستغاثة بغير الله

    قال رحمه الله: (باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره).

    مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن الدعاء عبادة، وأن الاستغاثة عبادة، وأن صرفها لغير الله عز وجل شرك مخرج من الملة.

    والاستغاثة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة. والفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا من مكروب، أما الدعاء فإنه يكون من مكروب وغيره، فالدعاء أعم من الاستغاثة.

    قال: [ أن يستغيث بغير الله أو أن يدعو غيره ].

    الدعاء ينقسم إلى أقسام؛ لأن هذه الأقسام تأتي في الاستعاذة، وتأتي كذلك في الاستغاثة، يعني: ما يقال في الدعاء يقال في الاستعاذة، وكذلك يقال في الاستغاثة.

    القسم الأول: أن يدعو الأموات في تفريج الكربات وإزالة الشدة، فنقول بأن هذا شرك مخرج من الملة، حتى لو دعا ميتاً في أمر يسير نقول: كان شركاً أكبر لأن الذي يقدر على فعل الشيء دون مباشرة السبب هو الله عز وجل، فإذا دعا هذا المخلوق ولو دعاه في أمر يسير اعتقد أنه يستطيع أن يفعل الشيء دون مباشرة السبب، فجعله مساوياً لله عز وجل في هذه الخصيصة، والذي يستطيع ويقدر على فعل الشيء دون مباشرة السبب هو الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى هو الذي يقول للشيء: كن فيكون، فإذا اعتقد أنه يجيب فقد أشرك؛ لأنه أصبح الآن جثة هامدة لا يستطيع أن يباشر، فكيف تدعوه وهو لا يستطيع أن يباشر؟ فإذا فعلت ذلك ساويته بالله عز وجل في ما هو من خصائصه، فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي يفعل الشيء دون أن يباشر السبب، أما المخلوق فلا بد أن يباشر السبب. هذا القسم الأول.

    القسم الثاني: أن يدعو الله عز وجل، وهذا من أجل العبادات وأفضل القربات، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18].

    القسم الثالث: أن يدعو المخلوق لأمر لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، كما لو سأل المخلوق أن يجري السحاب، وأن ينزل المطر، وأن يدخله الجنة، وأن يعيذه من النار... ونحو ذلك، فنقول بأن هذا شرك أكبر مخرج من الملة.

    القسم الرابع: أن يدعو المخلوق برغبة ورهبة لا تكون إلا لله عز وجل؛ فنقول: بأن هذا شرك أكبر؛ لأن هذا نوع من الذل، والذل عبادة، ولهذا سيأتينا إن شاء الله في أقسام المحبة أن من أقسام المحبة: العشق، والعشق كما ذكر ابن القيم وغيره نوع من أنواع العبادة؛ لأن فيه الذل للمحبوب، وهذا لا يكون إلا لله عز وجل.

    القسم الخامس: دعاء الغائبين، كأن يقول: يا فلان، يا حسين ، يا علي ونحو ذلك... إلى آخره؛ فهذا حكمه شرك أكبر؛ لأن اتساع السمع لسماع البعيد من خصائص الله، فكونه يدعوه يعتقد أنه يسمعه وأن سمعه يتسع لهذا، فيكون صرف خصيصة من خصائص الخالق للمخلوق.

    القسم السادس: أن يدعو المخلوق في ما يقدر عليه، فنقول بأن هذا جائز ولا بأس به، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( وإذا دعاك فأجبه ). فإذا كان المخلوق يقدر عليه فإن هذا جائز ولا بأس به.

    هذه الأقسام التي ذكرنا في الدعاء تأتي في الاستعاذة وتأتي أيضاً في الاستغاثة.

    والله أعلم.