إسلام ويب

شرح كتاب التوحيد [15]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الذبح عبادة من أعظم العبادات، وقربة من أجل القربات، والعبادة إن كانت لغير الله فهي شرك أكبر، وإن كانت لله على غير ما أراده الله فهي بدعة، وإن كانت لله على مراد الله فهذا هو التوحيد. والذبح لغير الله عز وجل خطره عظيم، حتى إن رجلاً دخل النار لأنه قرب ذباباً

    1.   

    الذبح لغير الله عز وجل

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الذبح لغير الله، وقول الله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    وقوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2].

    عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ( حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من غير منار الأرض ). رواه مسلم .

    وعن طارق بن شهاب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب. قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، قالوا لأحدهما: قرب. قال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا: قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً فخلوا سبيله فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئاً دون الله عز وجل. فضربوا عنقه فدخل الجنة ). رواه أحمد ].

    قال رحمه الله: (باب ما جاء في الذبح لغير الله).

    مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن الذبح لغير الله شرك مخل بأصل التوحيد، وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بأحكام أو أقسام الذبح.

    1.   

    تعريف الذبح وأقسامه

    والذبح: إراقة الدم.

    والذبح ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: الذبح الذي يكون عبادة، وهل هو خاص بأشياء أو أنه ليس خاصاً؟ فبعض أهل العلم يرى أنه خاص بأشياء، وهي: ذبح الأضحية، والهدي، والنذر، والعقيقة، وبعض أهل العلم لا يرى أنه خاص بهذه الأشياء، بل كل ما كان قربة إلى الله عز وجل، فإذا ذبح ولو في غير هذه الأشياء يتقرب إلى الله عز وجل فهذا عبادة؛ لعموم قول الله عز وجل: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2].

    والذبح هذا من أجل العبادات وأفضل القربات؛ ولهذا الذبح عبادة في كل ملة، ففي كل ملة يتعبد لله عز وجل بإراقة الدم.

    وعلى هذا لو أن شخصاً تصدق بأضعاف قيمة الأضحية فإنه لا يدرك ما يتعلق بأجر إراقة الدم؛ لأن إراقة الدم هذه مقصود لله عز وجل. هذا القسم الأول.

    القسم الثاني: الذبح الذي يكون شركاً أكبر، وهو الذبح لغير الله عز وجل على وجه التقرب، كأن يذبح لقبر، لضريح، أو لمخلوق أو غير ذلك على وجه التقرب والتعظيم؛ فهذا شرك أكبر.

    القسم الثالث: الذبح الذي يكون بدعة، وهو أن يذبح على وجه التقرب لله عز وجل لكن على خلاف ما جاءت به السنة، إما في الزمان، أو في المكان، أو في الجنس... أو غير ذلك.

    فمثلاً: لو أنه ضحى بدجاجة في يوم الأضحى تقرباً لله عز وجل، فهل عمله هذا شرك أو بدعة؟ نقول بأنه بدعة، وليس شركاً؛ لأنه ضحى لله عز وجل، لكن نقول بأن هذا العمل بدعة، وكذلك لو أنه ضحى في غير وقت الأضحية، فنقول بأن عمله بدعة، وعلى هذا فقس.

    القسم الرابع: الذبح الذي يكون عادة أو الذبح المباح، وهو أن يذبح للأكل أو للبيع أو لإكرام شخص أو نحو ذلك؛ فهذا الذبح مباح، وهو من قبيل العادات.

    فتلخص لنا: أن الذبح ينقسم إلى هذه الأقسام الأربعة، وليس من صور الذبح الشرك الأصغر، وإنما يكون شركاً أكبر، أو يكون عبادة من أجل العبادات، أو يكون بدعة، أو يكون مباحاً كما تقدم.

    قال رحمه الله: (ما جاء في الذبح لغير الله) كالذبح للأصنام أو الأضرحة أو القبور أو الملائكة أو الجن أو غير ذلك.

    تفسير قوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ...)

    قال: ( وقول الله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ [الأنعام:162] ). الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.

    إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [الأنعام:162]. الصلاة معروفة. والنسك قيل: إن المراد به: هو الذبح، وقيل: سائر العبادات.

    [ وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي [الأنعام:162] ]. يعني محياي: ما آتيه في حال حياتي، ومماتي يعني: ما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح. لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162-163]. يعني: لا ند له ولا مثيل.

    وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:163]. يعني أمرني الله عز وجل بإخلاص هذه العبادات العظيمة.

    وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:163]. يعني: أول من يمتثل، المسلمين المستسلمين لهذه الأوامر، وأول من يمتثل بها من هذه الأمة.

    المهم الشاهد هنا قوله: وَنُسُكِي [الأنعام:162]. وقوله: لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162]. مما يدل على أن الذبح عبادة من أجل العبادات وأفضل القربات وأنها لا تصرف إلا لله عز وجل.

    تفسير قوله تعالى: (فصل لربك وانحر)

    قال رحمه الله: وقوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] ). الصلاة معروفة، صل له لا لغيره، وانحر يعني: اذبح. وهذا يدل على أن النحر خاص بالله عز وجل؛ لقوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]. فالله عز وجل أمر بأن يكون النحر له دونما سواه، وأن من صرف هذا النحر لغير الله عز وجل فقد صرف عبادة لغير الله، وأنه شرك أكبر.

    شرح حديث: (لعن الله من ذبح لغير الله)

    قال رحمه الله: ( وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ( حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات ) ). الكلمة تطلق على الجملة المفيدة، كما قال الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا [المؤمنون:100]. بعد قوله: رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100].

    قال: ( ( بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله ) ). اللعن من الله: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومن المخلوق: السب والدعاء.

    قال: ( ( لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه ) ). نعم. أيضاً لعن الله من لعن والديه، سواء كان ذلك عن طريق المباشرة، أو كان ذلك عن طريق التسبب، عن طريق المباشرة: أن يباشر لعن والديه، أو عن طريق التسبب بأن يلعن شخصاً أو أن يلعن والد شخص فيلعن والده، يرد عليه بالمثل.

    قال: ( ( ولعن الله من آوى محدثاً ) ). يعني: ناصر وحمى محدثاً، والإحداث ينقسم إلى قسمين:

    إما إحداث في الدين أو إحداث في الدنيا.

    الإحداث في الدين: كأهل البدع الذين يحدثون في الدين ما ليس منه، فيؤاوي هذا المحدث ويناصره ويحميه ويؤيده... إلى آخره، فهذا مطرود من رحمة الله عز وجل.

    أو محدث في الدنيا: كأصحاب الجرائم، يؤيده ويناصره... إلى آخره.

    قال: ( ( ولعن الله من غير منار الأرض ) ). يعني: المراسيم التي تفرق بين الأملاك، فيغير هذه المراسيم بالتقديم والتأخير ونحو ذلك، فهذا محرم ولا يجوز، ويدل على أن هذه من كبائر الذنوب.

    والشاهد من هذا قوله: ( لعن الله من ذبح لغير الله ). فدل على أن الذبح لغير الله محرم ولا يجوز؛ لأنه صرف هذه العبادة لغير الله عز وجل.

    شرح حديث: (قرب ولو ذباباً)

    قال رحمه الله: ( وعن طارق بن شهاب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ). طارق بن شهاب البجلي ، رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، فحديثه هذا مرسل، وهو صحابي مات سنة ثلاث وثمانين للهجرة.

    قال: ( ( دخل الجنة ) ). الجنة: هي الدار التي أعدها الله لأوليائه في الآخرة.

    قال: ( ( رجل في ذباب ) ). في: هذه سببية، يعني: في سبب ذباب.

    قال: ( ( ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم ) ). الصنم كما تقدم: هو ما كان على شكل صورة، يعني: ما عبد من دون الله على شكل صورة.

    [ ( لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، قالوا لأحدهما: قرب. قال: ليس عندي شيء أقرب. قالوا: قرب ولو ذباباً. فقرب ذباباً فخلوا سبيله فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئاً دون الله عز وجل. فضربوا عنقه فدخل الجنة ) ]. وهذا جاء موقوفاً على سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه.

    وعلى كل حال، الشاهد من هذا الحديث: أن هذا الرجل قرب الذباب وذبحه لغير الله عز وجل تقرباً فدخل النار، مما يدل على أنه وقع في الشرك الأكبر، والذي لم يقرب وضربوا عنقه هذا دخل الجنة.

    المسألة المتعلقة بحديث: (قرب ولو ذبابا ...)

    وهذا الأثر فيه مسألة، وهذه المسألة تتعلق بالإكراه، إذا أكره شخص على الكفر: هل يوافق أو أنه يصبر؟ نقول: إذا أكره على الكفر فإنه لا يخلو من ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يوافق ظاهراً وباطناً؛ فهذا لا شك أنه ردة.

    القسم الثاني: أن يوافق في الظاهر دون الباطن، بأن يتأول؛ فهذا جائز ولا بأس به؛ لقول الله عز وجل: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106].

    القسم الثالث: أن يصبر ولا يوافق لا في الظاهر ولا في الباطن، أيضاً هذا جائز ولا بأس به، لكن هل الأفضل أن يصبر أو الأفضل أن يتأول؟

    هذا موضع خلاف: فبعض أهل العلم يرى الأفضل أن يصبر، وبعضهم قال: لا، الأفضل أن يتأول؛ لأن في بقائه على حال الحياة فيه خير؛ لأنه أطول لعمله الصالح؛ ولأنه قد يكون ذا خير ونفع فينتفع به آخرون.

    والله أعلم.