إسلام ويب

شرح كتاب التوحيد [7]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا كان من لقي الله عز وجل يشرك به شيئاً دخل النار، وأخوف ما خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته هو الشرك الأصغر، فكيف بالأكبر؟! وإذا كان خليل الله عز وجل يدعو الله أن يجنبه الشرك وعبادة الأصنام فحري بنا أن نخاف من الشرك أن نقع فيه نحن أو يقع فيه غيرنا

    1.   

    شرح حديث: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر...)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي الحديث: ( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. فسئل عنه؟ فقال: الرياء ).

    وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار ). رواه البخاري .

    ولـمسلم عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من لقي الله وهو لا يشرك به شيئاً دخل الجنة, ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار ).

    باب الدعاء إلى شهادة أن لا اله إلا الله, وقول الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108].

    تقدم لنا ما تعلق بالخوف من الشرك, وذكرنا تعريف الشرك, وأن الشرك شركان: شرك أكبر, وشرك أصغر, وذكرنا كلام أهل العلم في تعريف الشرك الأكبر وفي تعريف الشرك الأصغر, وما هي الأحكام المترتبة على كل منهما, وما الفرق بين الشرك والكفر... إلى آخره.

    وأيضاً تقدم لنا شيء من النصوص التي أوردها المؤلف رحمه الله.

    قال: (وفي الحديث). هذا الحديث رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده, وكذلك الطبراني والبيهقي .

    قال: ( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ). ( أخوف ما أخاف عليكم ): يعني: أشد ما أخافه عليكم هو الشرك الأصغر.

    ( فسئل عنه؟ فقال: الرياء ). الرياء هو: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس فيحمدونه على ذلك، وفي الحديث في الصحيحين: ( من يرائي يرائي الله به, ومن يسمع يسمع الله به ).

    1.   

    الفرق بين الرياء والسمعة والعجب

    والفرق بين الرياء والسمعة: أن الرياء في أثناء العمل, كأن يقوم فيرائي في الصلاة، في الصدقة... إلى آخره. وأما السمعة فإنها تكون بعد العمل, فبعد أن ينتهي من عمله يذهب يسمع بعمله, عملت كذا، وعملت كذا... إلى آخره.

    والفرق الثاني: أن الرياء من قبيل الشرك, وأما السمعة فهي من قبيل الذنب.

    والفرق بين الرياء والعجب: أن الرياء من باب تشريك المخلوق في حق الخالق, وأما العجب فهو من باب تشريك النفس في حق الخالق. وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بالرياء, والكلام على الرياء بإذن الله.

    وهذا الحديث يدل على أن الشرك شركان: شرك أكبر، وشرك أصغر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ). فيدل على أن الشرك شركان.

    وجه الاستشهاد من الحديث ظاهر, فإن أخوف ما يخافه علينا النبي صلى الله عليه وسلم هو الشرك الأصغر, مما يدل على أنه ينبغي للمسلم أو بل يجب على المسلم أن يخاف من الشرك.

    1.   

    شرح حديث: (من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار)

    قال: (وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من مات ). من هذه شرطية, ومات: فعل الشرط.

    ( وهو يدعو ). سيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بالدعاء وأقسام الدعاء, وسيعقد له المؤلف رحمه الله باباً.

    ( يدعو لله نداً ). الند: هو المثيل والشبيه.

    قال: ( دخل النار ). دخل: هذا جواب الشرط, والنار: هي الدار التي أعدها الله لأعدائه في الآخرة.

    وفي هذا الحديث: الخوف من الشرك؛ لأن من مات على هذا الشرك فإنه يدخل النار.

    وهذا من الأدلة التي يستدل بها من قال: بأن الشرك الأصغر لا يدخل تحت المشيئة, وأنه لا بد أن يعذب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( دخل النار ).

    فمناسبة هذا الحديث لما ترجم به المؤلف فيه الخوف من الشرك, وأنه يجب على المسلم أن يخاف من الشرك, لكي يتخذ الأسباب التي تقيه منه؛ لأن عقوبة المشرك هي النار.

    1.   

    شرح حديث: (من لقي الله وهو لا يشرك به شيئاً دخل الجنة)

    وقال رحمه الله تعالى: [ ولـمسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من لقي الله ) ]. من: شرطية.

    ( وهو لا يشرك به شيئاً ). شيئاً: نكرة في سياق الشرط, فتفيد العموم, لا يشرك بالله لا شركاً أصغر ولا شركاً أكبر.

    ( دخل الجنة ). الجنة: هي الدار التي أعدها الله لأوليائه في الآخرة.

    وقوله: (لقي) يعني: من مات.

    ( ومن لقيه يشرك ) لقيه: كما تقدم.

    قوله: (دخل الجنة) هذا جواب الشرط.

    وقوله: (من) هذه شرطية, ولقيه: فعل الشرط.

    ( يشرك به شيئاً ) قوله: ( شيئاً ). هذه نكرة في سياق الشرط, فتفيد العموم.

    ( دخل النار ).

    ومناسبة هذا الحديث لما ترجم به المؤلف ظاهرة, فإن قوله: (شيئاً) هذا يشمل الشرك الأصغر والأكبر, وأن عقوبة هذا المشرك هي النار, فيجب الخوف من الشرك؛ لأن قوله: (شيئاً) هذه شاملة للشرك الأصغر والشرك الأكبر, فيجب على المسلم أن يحذر من الشرك.

    وهذا من الأدلة التي يستدل بها من قال بأن الشرك الأصغر لا يدخل تحت المشيئة.

    1.   

    مناسبة باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله لما قبله

    قال رحمه الله: [باب الدعاء إلى شهادة أن لا اله إلا الله].

    مناسبة هذا الباب لما قبله أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في الباب السابق الخوف من الشرك, فإذا خاف المسلم الشرك مقتضى ذلك أن يخافه على غيره من الناس, وهذا يقتضي أن يدعو إليه.

    فهو في الباب السابق تكلم عن الخوف من الشرك, ومقتضى الخوف من الشرك: أن تخافه على غيرك, ولا يمكن ذلك إلا أن تدعو الناس إلى التوحيد؛ ولهذا بوب رحمه الله تعالى قال: (باب الدعاء إلى شهادة أن لا اله إلا الله).

    وقوله: الدعاء بمعنى: الدعوة, أي: دعوة الناس إلى شهادة أن لا اله إلا الله، إلى توحيد الله، إلى إفراد الله بالعبادة؛ لأنه كما سلف لنا تعريف شهادة: أن لا اله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله عز وجل.

    1.   

    تفسير آية: (قل هذه سبيلي ...) والشاهد منها

    قال رحمه الله: [وقول الله تعالى: قُلْ [يوسف:108] ]. الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.

    هَذِهِ [يوسف:108] الإشارة إلى الدعوة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم.

    قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي [يوسف:108] يعني: طريقي.

    أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ [يوسف:108] يعني: أدعو إلى توحيد الله عز وجل, وهكذا دعوة سائر الرسل عليهم الصلاة والسلام: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

    قال: عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] على علم. والبصيرة تكون في طريقة الدعوة, وكذلك أيضاً تكون في المدعو, كيف حال هذا المدعو؟ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث ابن عباس - لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: ( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب, فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله ).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أهل الكتاب ). لكي يتضح له حالهم وأمرهم؛ لأن أهل الكتاب عندهم شيء من العلم, فقد يوردون عليه شيئاً من الشبه, فلكي يتأهب لهم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب ).

    قال: ( وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]) يعني: طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وسبيله في هذه الحياة وكذلك سبيل أتباعه هي الدعوة إلى الله عز وجل وإلى توحيده.

    (وَسُبْحَانَ اللَّهِ) تنزيه الله عز وجل, فأنت إذا سبحت الله نزهت الله عز وجل عن ثلاثة أشياء:

    الشيء الأول: عن مشابهة المخلوقين.

    والشيء الثاني: عن النقص في كماله.

    والشيء الثالث: عن الاتصاف بصفات النقص.

    فتسبيح الله عز وجل يشتمل على هذه الأمور الثلاثة: عن مشابهة المخلوقين, وعن الاتصاف بصفات النقص, وعن النقص في كماله.

    وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] تقدم هذا.

    هذه الآية الشاهد منها لما ترجم به المؤلف -باب الدعاء إلى شهادة ألا اله إلا الله- فيها أن طريق النبي صلى الله عليه وسلم هو الدعاء إلى التوحيد -إلى لا اله إلا الله-, وكذلك أيضاً طريق أتباعه.

    والله أعلم, وصلى الله وسلم.