إسلام ويب

شرح كتاب التوحيد [6]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من صفات الموحدين أنهم يخافون من الشرك؛ لأن الله عز وجل لا يغفره، وصاحبه مباح الدم والمال، ولا يغسل ولا يكفن ولا يقبر في مقابر أهل الإسلام، وصاحبه قد باء بالخزي والخسران. والشرك نوعان: أكبر وأصغر، ولكلٍ منهما أحكام، واختلف العلماء في تعريفهما على أقوال. و

    1.   

    مناسبة باب الخوف من الشرك لما قبله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

    فقد قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب غفر الله له ولشيخنا ولنا وللمسلمين:

    [ باب الخوف من الشرك, وقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    وقال الخليل عليه السلام: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم:35]].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الخوف من الشرك).

    مناسبة هذا الباب لما قبله أن المؤلف رحمه الله تعالى لما ذكر التوحيد وفضله وتحقيقه ناسب أن يذكر الخوف من ضده, وهو الشرك؛ لكي يحذره المؤمن.

    ومناسبته لما قبله ظاهرة؛ لأنه ذكر تحقيق التوحيد, ولا يكون محققاً للتوحيد حتى يجتنب الشرك؛ لأنه كما تقدم لنا أن تحقيق التوحيد يكون بثلاثة أمور, ومن هذه الأمور أن لا يأتي بما ينافي التوحيد من أصله, وهو الشرك الأكبر, أو ينافي كمال التوحيد, وهو الشرك الأصغر.

    1.   

    تعريف الشرك الأكبر والأصغر

    وقول المؤلف رحمه الله: الخوف, الخوف هو ضد الأمن, وهو توقع حدوث مكروه.

    والشرك في اللغة: النصيب والحصة.

    وأما في الاصطلاح فكما أسلفنا: أن الشرك شركان: شرك أكبر، وشرك أصغر.

    الشرك الأكبر: اختلف العلماء رحمهم الله في تعريفه على أقوال.

    القول الأول: أن تجعل لله عز وجل نداً في ألوهيته أو ربوبيته أو أسمائه وصفاته.

    القول الثاني: أن تجعل لله عز وجل نداً تدعوه كما تدعو الله عز وجل، وتحبه كما تحب الله، وتخافه كما تخاف الله عز وجل.

    والقول الثالث هو: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.

    وهذا القول هو الأقرب, ويدل له قول الله عز وجل: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97-98].

    وقال سبحانه وتعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1], يعني: يسوون به غيره.

    هذا بالنسبة للشرك الأكبر.

    القسم الثاني: الشرك الأصغر.

    والشرك الأصغر أيضاً اختلف فيه العلماء رحمهم الله, فقال بعض العلماء والسلف: هو الرياء, وهذا دليله الحديث ظاهر, وفي الحديث في مسند الإمام أحمد : ( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. فسئل عنه؟ ). فسئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: ( الرياء ). هذا تفسير النبي صلى الله عليه وسلم, فسره بالرياء.

    ولا شك أن هذا القول له وجهاته, لكن هذا التفسير على سبيل المثال, والنبي صلى الله عليه وسلم يحد بالمثال لبيان الشيء أو للحاجة إلى هذا الشيء فيضرب به المثال.

    القول الثاني في تعريف الشرك الأصغر: قالوا بأنه كل ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر من الأقوال والأفعال والاعتقادات.

    القول الثالث: هو كالقول الثاني إلا أنه قيد, هو: كل ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر وجاء في النص تسميته شركاً.

    فجمعوا فيه بين أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون وسيلة إلى الشرك الأكبر.

    والأمر الثاني: أن ينص على أنه شرك.

    وهذا تعريف اللجنة الدائمة للإفتاء.

    ويظهر والله أعلم أن هذا القول هو أجود ما قيل في تعريف الشرك الأصغر.

    1.   

    ما يترتب على الشرك الأكبر والأصغر من أحكام

    ما يترتب على الشرك الأصغر والأكبر من أحكام:

    أما الشرك الأكبر فيترتب عليه أحكام:

    الحكم الأول: أن الشرك الأكبر لا يغفره الله كما أورد المؤلف: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]. فالشرك الأكبر لا يغفره الله. هذا الحكم الأول.

    الحكم الثاني: أن الأعمال لا تنفع صاحبها مع وجود الشرك الأكبر, قال الله عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].

    وقال سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65].

    وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:54].

    الحكم الثالث: أن صاحبه غير معصوم, بمعنى: أنه حلال الدم والمال.

    الحكم الرابع: أن صاحبه لا يحل له أن يتزوج من مسلمة. وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [البقرة:221].

    لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10].

    الحكم الخامس: أنه إذا مات لا يغسل، ولا يكفن، ولا يقبر في مقابر المسلمين, ولا يدعى له بالرحمة, وكذلك أيضاً لا تحل ذبيحته... إلى آخره.

    وأما في الآخرة فإن الله عز وجل قال: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72]. فالجنة محرمة عليه, ومأواه النار.

    هذا بالنسبة للشرك الأكبر.

    أما الشرك الأصغر فيخالف الشرك الأكبر فيما تقدم, فهو أولاً: يخالف الشرك الأكبر أن صاحبه معصوم, فالشرك الأصغر صاحبه معصوم, وصاحبه يحل تزويجه, وكذلك مناكحته, كذلك لو مات فإنه يغسل ويكفن ويقبر في مقابر المسلمين... إلى آخره.

    1.   

    خلاف العلماء في كون هل صاحب الشرك الأصغر داخل تحت المشيئة أم لا

    لكن بالنسبة للشرك الأصغر هل هو داخل تحت المشيئة أو ليس داخلاً تحت المشيئة؟ يعني: لو مات صاحبه هل نقول بأنه تحت مشيئة الله إن شاء الله عز وجل أن يعذبه وإن شاء أن يغفر له. أو نقول: بأنه ليس داخلاً تحت المشيئة؟

    للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول -وهو قول أكثر أهل العلم-: يرون أنه تحت المشيئة, كصاحب الكبيرة إذا مات وهو لم يتب، فإنه تحت مشيئة الله عز وجل, إن شاء الله أن يغفر له، وإن شاء أن يعذبه.

    والرأي الثاني: أنه لا يكون داخلاً تحت المشيئة، وهذا قال به الشيخ عبد الرحمن بن حسن وصديق حسن خان وابن قاسم , يرون أنه ليس داخلاً تحت المشيئة, وأن صاحبه لابد أن يعذب, وعلى هذا يكون أشد من كبائر الذنوب.

    واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48]. فكلمة: إن وما دخلت عليه في تأويل مصدر, والتقدير: إن الله لا يغفر إشراكاً به. والنكرة في سياق النفي تفيد العموم, فيقال بأنه يشمل الأصغر والأكبر... إلى آخره.

    وأيضاً قول الله عز وجل: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72].

    والرأي الأول رأي أكثر أهل العلم, قالوا بأنه داخل تحت المشيئة ككبائر الذنوب, وأجابوا على الآيات قالوا بأنها في سياق أهل الشرك من أهل الكتاب ونحوهم.

    وعلى كل حال سواء قلنا بأن الشرك الأصغر داخل تحت المشيئة أو نقول بأنه ليس داخلاً تحت المشيئة يجب على المسلم أن يحذر الشرك كله سواء كان أكبر أو أصغر.

    1.   

    الفرق بين الكفر والشرك

    وما الفرق بين الشرك والكفر؟

    الكفر في اللغة: الستر والتغطية, ومنه سمي الفلاح كافراً؛ لأنه يستر الحب في الأرض, وسمي البحر أيضاً كافراً؛ لأنه يستر ما في جوفه.

    وأما في الاصطلاح: فالكفر عدم الإيمان, وهو التكذيب أو الاستكبار أو الاستحلال أو الإعراض أو الشك بشيء مما جاء به الشرع المطهر. هذا هو الكفر.

    وهل هناك فرق بين الكفر والشرك أو نقول: بأن الكفر والشرك من قبيل المترادف؟

    للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: أن الشرك والكفر من قبيل الترادف, فكل كفر شرك, وكل شرك كفر, ولا فرق بينهما.

    والرأي الثاني: أن الشرك والكفر ليس من قبيل المترادف, بل كل شرك كفر, وليس كل كفر شركاً, فيرون أن الكفر أعم من الشرك, الشرك خاص بقصد الأوثان, وصرف العبادة لها دون الله عز وجل, وأما الكفر فليس خاص بهذه الأشياء, الكفر يكون في التكذيب, كما قلنا في تعريف الكفر في التكذيب، في الاستحلال، في الإعراض، في الشك، في الاستكبار... إلى آخره. فيرون أن الكفر أعم من الشرك, وأن الشرك خاص بقصد الأوثان ونحو ذلك. وعلى هذا يكون أعم. والذي يظهر والله أعلم أن هذا القول هو الأقرب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) ووجه الشاهد منه

    قال رحمه الله تعالى: (وقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48]). يعني: إن الله سبحانه وتعالى لا يعفو عن عبد مات وهو يشرك به. وتقدم لنا تعريف الشرك.

    وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [النساء:48] يعني: يغفر ما سوى الشرك.

    [ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]. لمن يشاء الله عز وجل أن يغفر له من عباده حسب فضله وحكمته.

    ووجه الشاهد من الآية ظاهر, فإن الله سبحانه وتعالى ذكر في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر الشرك، وتقدم لنا أن بعض أهل العلم قال: إن هذا يشمل الشرك الأكبر والأصغر, فإذا كان الشرك لا يغفر فيجب على المسلم أن يخافه وأن يحذره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) ووجه الشاهد منه

    قال رحمه الله: (وقال الخليل عليه السلام: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم:35]). الخليل هو إبراهيم عليه الصلاة السلام, وسمي خليلاً لأنه بلغ أعلى درجات المحبة.

    (وَاجْنُبْنِي) يعني: اجعلني في جانب وعبادة الأصنام في جانب آخر.

    (وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ) يعني: أن نصرف لها شيئاً من العبادات.

    والأصنام: جمع صنم, وهو: كل ما عبد من دون الله عز وجل على شكل صورة وتمثال.

    والفرق بين الصنم والوثن: أن الوثن أعم من الصنم, الوثن هو: كل ما عبد من دون الله عز وجل سواء كان على شكل صورة أو لم يكن على شكل صورة، لكن الصنم هو: ما عبد من دون الله عز وجل على شكل صورة حيوان.

    ووجه الشاهد من هذه الآية ظاهر, فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو إمام الحنفاء الذي قال الله عز وجل: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120] خاف على نفسه الشرك, فإذا كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام خاف على نفسه الشرك وهو إمام - أمة- فغيره من باب أولى أن يخاف على نفسه الشرك.

    وسبق وأن ذكرنا قاعدة وهي: أن كل من أثنى الله عز وجل عليه في القرآن بخير فإنه يطلب منا أمران:

    الأمر الأول: محبته.

    والأمر الثاني: أن نقتدي به في هذا العمل الذي استحق به الثناء من الله عز وجل بالخير.

    وكل من أثنى الله عز وجل عليه في القرآن بشر فإنه يطلب منا أمران: أن نكرهه, وأن نتجافى عن هذا العمل الذي استحق به من الله الثناء بالشر.

    والله أعلم, وصلى الله وسلم.