إسلام ويب

شرح كتاب التوحيد [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كلمة التوحيد هي الكلمة التي تنجي صاحبها يوم القيامة، فصاحبها في أمان من الخلود في النار، وهي أثقل شيء في الميزان، بل لو أن السموات السبع وعامرهن غير الله جل جلاله والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن كلمة التوحيد، ولو أن صاحبها يأتي يوم

    1.   

    تابع فضل التوحيد وما يكفر به من الذنوب

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهما في حديث عتبان : ( فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ).

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال موسى: يا رب، علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله ). رواه ابن حبان والحاكم وصححه.

    و للترمذي -وحسنه- عن أنس رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة )].

    تقدم لنا حديث عبادة بن الصامت في فضل التوحيد وما ترجم له المؤلف من فضل التوحيد.

    ثم قال: (ولهما). أي: البخاري ومسلم في صحيحيهما, (في حديث عتبان ), يعني: عتبان بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه, مات في خلافة معاوية رضي الله تعالى عنه.

    (فإن الله حرم). يعني: منع (على النار من قال: لا اله إلا الله). النار: هي الدار التي أعدها الله لأعدائه في الآخرة.

    (من قال: لا إله إلا الله) تقدم.

    (يبتغي). يعني: يقصد (بذلك وجه الله). يعني: قال هذه الكلمة العظيمة مخلصاً لله عز وجل, لا يقصد رياء ولا سمعة ولا عرضاً من أعراض الدنيا الفانية.

    وجه الاستشهاد من هذا الحديث: أن هذا الحديث فيه فضل التوحيد, فإن من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه فإن الله عز وجل حرم عليه دخول النار.

    أقسام منع دخول النار بالنسبة للموحدين

    ودخول النار بالنسبة للموحدين ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: عدم دخولها بالكلية: يعني: من الموحدين من لا يدخل النار بالكلية -أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم ممن لا يدخلها-. فالقسم الأول: منع كلي من النار, وذلك بأن يموت على التوحيد ولا يموت على شيء من الكبائر.

    القسم الثاني: منع من دخول النار مقيد وليس منعاً كلياً, بأن يدخل النار ثم بعد ذلك يخرج منها, كما لو مات على شيء من كبائر الذنوب والمعاصي أو البدع أو الشرك الأصغر ونحو ذلك, فهذا تحت مشيئة الله وإرادته، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له, مع أنه سيأتينا أن الشرك الأصغر من العلماء من يرى أنه لا بد أن يعذب بالنار إذا مات عليه قبل أن يتوب.

    فأصبح منع دخول النار بالنسبة للموحدين ينقسم إلى قسمين:

    منع كلي: وذلك إذا مات ولم يكن على شيء من كبائر الذنوب أو البدع أو الشرك.

    ومنع جزئي: إذا كان عنده شيء من الشرك الأصغر أو البدع أو كبائر ذنوب, هذا تحت المشيئة إن شاء الله عز وجل أن يغفر له، وإن شاء أن يعذبه بقدر جنايته.

    ذكر بعض فوائد الحديث

    وأيضاً في هذا الحديث قوله: ( فإن الله حرم على النار من قال ) أنه لا بد من النطق باللسان, وأنه لا يكفي اعتقاد الجنان, وهذا هو الإيمان عند أهل السنة والجماعة, قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان.

    وفي هذا أيضاً أن هذه الكلمة العظيمة -لا إله إلا الله- لا تنفع قائلها إلا إذا قالها مخلصاً لله عز وجل, أما إذا قالها غير مخلص فإنها لا تنفعه.

    وفي هذا أيضاً إثبات صفة الوجه لله عز وجل.

    شرح حديث موسى: (يا رب، علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به .. )

    قال رحمه الله: (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال موسى عليه السلام: يا رب! علمني شيئا أذكرك وأدعوك به ). أذكرك يعني: أثني عليك وأحمدك به. وأدعوك يعني: أتوسل به إذا دعوتك.

    ( قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري ), يعني: قوله: ( وعامرهن غيري ). يعني: من فيهن من العمار غير الله.

    ( والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة ). يعني: وضعت هذه السماوات السبع وكذلك أيضاً ما فيهن من العمار إلا الله عز وجل, السماوات السبع وعمارهن إلا الله, والأرضين أيضًا السبع وما فيهن من العمار في كفة, ولا إله إلا الله في كفة قال: ( مالت بهن لا إله إلا الله ). رجحت بهن لا إله إلا الله، وهذا يدل على عظم هذه الكلمة العظيمة.

    ولا شك أن هذه الكلمة العظيمة هي كلمة التوحيد, وهي أوجب الواجبات, وهي التي من أجلها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب, وقام الصراع بين الحق والباطل.

    وهذا الحديث صححه الحاكم وغيره، وفيه ضعف.

    وجه الاستشهاد من هذا الحديث لما ترجم به المؤلف من فضل التوحيد: فضل هذه الكلمة العظيمة, وأن الله سبحانه وتعالى أرشد موسى لكي يذكره ويدعوه بهذه الكلمة العظيمة, فهو يثني على الله بهذه الكلمة العظيمة, وأيضاً يتوسل إلى الله عز وجل في دعائه بهذه الكلمة العظيمة.

    وفي هذا فضل التوحيد, ففيه دلالة لما ترجم به المؤلف رحمه الله تعالى, وأن هذه الكلمة العظيمة - يعني: التوحيد- ترجح بالسماوات ومن فيهن من العمار إلا الله, وترجح أيضاً بالأرضين وما فيهن أيضاً من العمار, وكذلك أيضاً من فضل التوحيد أن الله سبحانه وتعالى أرشد موسى إليه.

    شرح حديث: لو أتيتني بقراب الأرض خطايا

    قال رحمه الله: (و للترمذي -وحسنه- عن أنس رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض ). قراب الأرض: ملؤها أو ما يقارب ملأها.

    ( خطايا ). جمع خطيئة, وهي الذنب.

    ( ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة ). المغفرة في اللغة: الستر. وأما في الاصطلاح: فهي تجاوز الله عز وجل عن الخطايا والذنوب.

    في هذا الحديث فضل التوحيد, وهو مناسب لما ترجم به المؤلف رحمه الله تعالى, فإن الإنسان إذا جاء ولقي الله عز وجل وهو لا يشرك بالله عز وجل شيئاً فإنه يعطيه ما يقارب ملء الأرض مغفرة، مع أنه أتى بما يقارب ملء الأرض من الذنوب, ومع ذلك ما دام أنه لم يشرك بالله عز وجل آتاه الله ما يقارب ملء الأرض من المغفرة, وفي هذا فضل التوحيد, وهو ما ترجم به المؤلف رحمه الله تعالى.

    1.   

    تحقيق التوحيد

    قال رحمه الله: [باب: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب].

    تحقيق التوحيد: هو تخليصه وتصفيته من الشرك والبدع. وتحقيق التوحيد يكون بثلاثة أمور:

    الأمر الأول مما يحصل به تحقيق التوحيد: أن لا يأتي بما ينافي التوحيد من أصله, وهو الشرك الأكبر.

    الأمر الثاني: أن لا يأتي بما ينافي كمال التوحيد, وهو الشرك الأصغر.

    الأمر الثالث: أن لا يأتي بما ينقص التوحيد, وهو البدع والإصرار على الذنوب, وكون الإنسان يذنب ويتوب إلى الله عز وجل هذا يغفر له بسبب توحيده, لكن كونه يصر على الذنب هذا مما ينقص عليه التوحيد.

    فحينئذ يحصل تحقيق التوحيد بهذه الأمور الثلاثة:

    الأمر الأول: أن لا يأتي بما ينافي التوحيد من أصله.

    الأمر الثاني: أن لا يأتي بما ينافي كمال التوحيد.

    الأمر الثالث: أن لا يأتي بما ينقص التوحيد.

    تفسير قوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة..)

    قال رحمه الله: [وقول الله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120] ].

    إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل:120]. تقدم لنا أن الأمة تأتي على أوجه, تأتي بمعنى: الطائفة, وتأتي بمعنى: الإمام, وتأتي بمعنى: الزمن. والمراد هنا: الإمام, فإبراهيم عليه الصلاة والسلام كان أمة يعني: كان قدوة وإماماً في التوحيد والخير.

    قَانِتًا [النحل:120], القنوت: هو الدوام على الطاعة.

    قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا [النحل:120]. الحنيف في اللغة: هو المائل المقبل على الله عز وجل المائل عن غيره. وقيل: إن المراد بالحنيف هنا: المائل عن الشرك. وقيل: بأنه المقبل على الله عز وجل المائل عن غيره.

    ويظهر أن هذا من قبيل الترادف.

    وَلَمْ يَكُ [النحل:120], يعني: أصلها يكن, وحذفت النون تخفيفاً.

    وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]. يعني: أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يك من المشركين، لا بقلبه ولا بلسانه, ولا ببدنه.

    في قوله: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]. في هذا الأمر بتحقيق التوحيد؛ لأن إبراهيم كان إماماً في التوحيد عليه الصلاة والسلام, فإبراهيم كان إماماً في تحقيق التوحيد.

    والمفسرون يذكرون قاعدة وهي: أن الله عز وجل إذا أثنى على عبد في القران بخير فإنه يطلب منا أمران:

    الأمر الأول: محبته.

    والأمر الثاني: الإقتداء به في هذا الأمر الذي استحق به الثناء من الله عز وجل.

    كما أن الله سبحانه وتعالى إذا أثنى على عبد في القرآن بشر فإنه يطلب منا أمران:

    الأمر الأول: بغضه.

    والأمر الثاني: التجافي عن هذا العمل الذي استحق به الثناء بالشر من الله عز وجل.

    وهنا أثنى الله سبحانه وتعالى على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه كان أمة حنيفاً مائلاً عن الشرك, وهذا هو تحقيق التوحيد, وحينئذ يطلب منا أمران:

    الأمر الأول: أن نحب إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

    الأمر الثاني: أن نقتدي بإبراهيم عليه الصلاة والسلام في تحقيق التوحيد في هذا الأمر الذي استحق به الثناء من الله عز وجل.

    وحينئذ مناسبة هذه الآية لما ترجم به المؤلف أن فيها الحث على تحقيق التوحيد.

    تفسير قوله تعالى: (والذين هم بربهم لا يشركون)

    قال: ( وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59]).

    لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59] يعني: لا يعبدون معه غيره.

    وفي هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى ذكر من صفات المؤمنين أنهم لا يشركون بالله عز وجل, وهذا يشمل عدم الشرك الأصغر والأكبر, وهذا هو تحقيق التوحيد, إذا لم نشرك بالله لا شركاً أصغر ولا شركاً أكبر... إلى آخره فقد حققنا التوحيد.

    وتقدم لنا أن تحقيق التوحيد: أن لا يأتي بما ينافي أصل التوحيد أو ينافي كمال التوحيد أو بما ينقص التوحيد.

    وفي هذه الآية الثناء على المؤمنين بأنهم لا يشركون بالله، وكما تقدم في القاعدة: أن الله سبحانه وتعالى إذا أثنى على عبد في القرآن بخير فإنه يطلب منا أمران, وحينئذ نتصف بصفات هؤلاء المؤمنين الذين هم لا يشركون بالله عز وجل شيئاً.

    والله أعلم.